في أدب الدكتور داهش
أيتها الصحراء الموغلة في الاتساع الرهيب!
يا من أوجدكِ الموجد منذ انبثقتْ كرتُنا الأرضية!
أيتها الجاثمة في فضاء دنيانا العجيبة الغريبة!
أيتها الموشحة بالشمس، المتلفعة بالهواء، والمتوجة بالكواكب!
أيتها الحانية على الرمال التي تملأ صفحتكِ!
أيتها الضامة الصخور القابعة في منبسطك!
حدثيني أيتها الصحراء القاحلة حدثيني،
وأنبئيني أيتها الجبارة عن القوافل التي ارتادتكِ؟.
كم منها قد طوته كثبانُكِ العجيبة!
وكم منها قد ابتلعته رمالُكِ الغريبة!
وكم من المرات قد بدوتِ كبحيرات عذبة المياه
تراءت لعيون القاطعين لفلواتك الرهيبة،
فهرعوا إلى مصدر الماء ليرتووا بعد أيام عطشٍ عسيرة،
وإذا ما يرونه سرابٌ في سراب وترابٌ في تراب…
وما لبثوا حتى لفظا أنفاسهم فاضطجعوا على التراب!
نعم حدثيني أيتها الصحراء الأبدية عن صخوركِ الرصاصية،
كيف شوتها نيرانُ الشمس طوال آباد وقرون.
وحدثيني عن رمالكِ الكثيفة وهي تغلي من الحرارة في النهار.
وكيف تتجمد في الليل من تأثير البرودة الشديدة!
حدثيني، حدثيني عن أسرار النجوم التي تراقبينها منذ ملايين السنين،
وعن الغيوم البيضاء التي تجوب مسافاتكِ الأبدية.
ثم حدثيني عما تساقط عليكِ من أمطار في الليل والنهار.
وحدثيني عن وحدتكِ القاسية الرهيبة أيتها الصحراء.
تُرى، هل هذا جزاء لكِ على ما ارتكبته في عوالم مجهولة؟
إنها معميات! إنها ألغاز! إنها أحاجي! إنها غوامض!
إنها مجهولات! إنها أسرار أيتها الصحراء!
كتبتُها في الطائرة المحلقة فوق صحراء الجزائر
الذاهبة إلى روما، في الساعة الثانية والنصف
بعد ظهر 5/ 2/1971
وجلس العلاّمة ماندال أمام النار ينتظر غليان الماء ليضع فيه الشاي ، كعادته صباح كلّ يوم . وانطلق بخياله يجوب السهوب ويعتلي شوامخ الجبال ، مفكّرا بمعضلة استعصى عليه حلّها ، فراح يخبط عشواء لعلّه يفوز بحلّ لها . وابتدأ الماء يغلي فيعلو الغطاء في الابريق ثم ينخفض ، والبخار يتسرّب من تحت غطائه .
وحانت التفاتة من العلاّمة الى الابريق ، فشاهد غطاءه يتراقص وهو ذو ايقاع متواصل . فرفع الغطاء ليضع بداخل الابريق الشاي . واذ به يجد أنّ الماء قد تحوّل الى بخار ، وامتلأ به فضاء الغرفة . وسرعان ما أطفأ النار وأطلق لخياله العنان .
وقال في نفسه :
- ترى ، أوليس البخار المتصاعد من الابريق هو الماء نفسه وقد اتّخذ له شكلا آخر عندما اشتدّت الحرارة ففكّكت ذرّاته وأطلقته دخانا أبيض يتصاعد نحو العلاء ؟
ثم أليس هذا الجسم البخاري يعود ، ثانية ، بعد أن يمتزج بالفضاء ويقترن بالغيوم ، فيهبط على الأرض ، عائدا لطبيعته المائية ؟
وراح يفكّر ويفكّر بأمر في غاية الأهميّة . وبعدما مضّه التفكير المتواصل ، صاح :
- سأنجح ، وسأحقّق حلم البشريّة المستحيل ، هذا الحلم الذي حاول الآلاف من العلماء الوصول لتحقيقه ، ولكنّهم فشلوا . غير أنّ النجاح ، لا شكّ ، سيكون حليفي .
نظريّة آينشتاين العلميّة
كانت هذه نقطة البداية التي جعلت هذا العلاّمة الكبير يواصل جهوده العلميّة علّه يتوصّل الى اختراع مركبة سرعتها سرعة النور أي 300 ألف كيلو متربالثانية .
وأسرع فأخرج من مكتبته كتابا من تأليف آينشتاين العلاّمة الشهير ، وقرأ نظريّة النسبيّة …وتوقف أمام الجملة التالية :
” من المستحيل ، بل من رابع المستحيلات أن يتمكّن أيّ دماغ بشريّ من أن يتوصّل لاختراع مركبة سرعتها سرعة النور . فهذه المركبة – اذا فرضنا المستحيل وأمكن اختراعها – عندما توغل في متاهات الفضاء العلوية ، يكبر جرمها ويتّسع ، وكلّما أوغلت في البعد ازداد اتّساعها حتى تملأ السموات والأرضين . وهذا لا ولن يتمّ اطلاقا “
وأغلق ماندال الكتاب ، وقال :
- شكرا لك يا آينشتاين ، أيّها العلاّمة العظيم ، فقد كفيتني مؤنة تحطيم دماغي باختراع هذه المركبة التي كانت ستمضي السنوات الطويلة وأنا أكدّ ذهني وأصل ليلي بنهاري لأنجز صنعها ، ثم لن تورثني الاّ الهمّ المقيم . وعندما أكون قد توصّلت لبنائها تكون أيّامي المعدودة في الكرة الأرضيّة قد انتهت .
والآن سأفكّر بطريقة أخرى غير بناء المركبات ، وقدح زناد الفكر لمعرفة نوع وقودها ، وأي وقود يستطيع تغذيتها وهي ترود بسرعة الفكر متاهات المجرّات الأزليّة .
معجزة علميّة خارقة
وعاد ماندال ففكّر بالماء الذي تحوّل الى بخار . وقال بعزم وطيد:
- هذا هو الأساس الذي سأبني عليه اختراعي الجبّار .
وابتدأ ، منذ تلك الدقيقة ، يواصل سعيه ، ويرود بخياله الآفاق اللانهائية . وكانت تجاربه في معمله ، والعقاقير الكيميائيّة التي كان يمزجها معا ، ويحلّل تركيبها ، ويختبر مفعولها هي شغله الشاغل وهمّه الأوحد .
وأخيرا ، وبعد عشرة أعوام من التجارب المملّة الممضّة لاح له وجه النجاح . فصاح بغبطة وسرور ، وبصوت دوى في أرجاء معمله قائلا كأرخميدس :
لقد وجدتها لقد وجدتها
لقد توصّل العلاّمة ماندال بواسطة عقاقيره الكيمائيّة أن يحوّل الصخر الى نور متلألىء ، ثم يسلّط على هذا النور أشعة من جهاز مليء بعدد من الموادّ الكيمائيّة ، فاذا بالأشعّة الساطعة تعود الى طبيعتها الأولى ، صخرا مادّيا وكأنه لم يتحوّل لأشعّة .
وصفّق بيديه طربا ، ثم رقص وهو يردّد نشيد المارسياز . وأخيرا بدا عليه الانشراح ، فراح يصفر ويربّت بيده على الجهاز الذي سيهتزّ العالم لسماع خبره عندما يذاع نبأ هذه الخارقة المستحيلة .
تجارب مذهلة
وقبل أن يجري تجربته على انسان ابتأ يجرّب جهازه الاشعاعي وعقاقيره الكيمائية على القطط والكلاب والفئران والأرانب والطيور . وكانت جميعها ناجحة . فكلّ طير يصوّب عليه الأشعّة العجيبة يستحيل الى نور يتوهّج ، وهذا النور يكون محصورا ضمن علبة شفّافة من الزجاج ، محاطة من جميع جوانبها بموادّ كيمائية كي لا يتسرّب النور ذاهبا نحو الفضاء ، واذ ذاك من المستحيل اعادته . ولكنّ العلبة المعقّمة المحاطة بالموادّ الكيمائية تدع الطير – الذي تحوّل لأشعّة – يمكث فيها حتى تسلّط عليه من الجهاز الأشعّة الخفية فيعود النور ويأخذ شكله الأساسي . فان كان طيرا يعود طيرا ، وان كان قطّا يعود قطّا ، أو كلبا فيعود لأصله ، دون أيّ ضرر على الاطلاق .
العلم آفاقه لا تحدّ
والآن جاء الدور البالغ بخطورته ، دور تسليط الأشعّة على بشريّ أوبشريّة . فطلب ماندال من خادمته ميشلين أن تجري عليها التجربة الكبرى . وكانت ميشلين ، منذ مراهقتها ، بخدمته ، عارفة بتجاربه ، ملمّة بما أخذه على نفسه خدمة للعلم . فرضيت مسرورة منشرحة ، وقالت :
- اذا لاقيت حتفي ففي سبيل العلم ، واذا نجحت التجربة وعدت كما أنا ، دونما ضرر ، فانني أكون أول امرأة تتحوّل الى نور ثم تعود امرأة ، فيخلّد التاريخ اسمي مدى وجود الحياة في أرض البشر .
فشكرها ماندال ، وأثنى عليها ثناء عاطرا ، وقال لها :
- بارك الله بتضحيتك أيتها العزيزة ، وآمل أن لا تصابي بأيّ ضرر .
أممكن هذا ؟
وجلست ميشلين على مقعد مريح في غرفة زجاجيّة أسدلت الستائر على نوافذها ، وقدّم لها العلاّمة كوبا فيه سائل أصفر اللون ، فجرعته حتى آخر نقطة فيه . ثم أشعل الجهاز ، وسلّط نوره الأرجواني عليها واذا بها تتحوّل الى كتلة من النور الوهّاج ، واختفى جسدها بأكمله وحلّ محلّه هذا النور الجميل .
كان النور ثابتا في الغرفة الزجاجيّة ، وهي محاطة بأنابيق وزجاجات مليئة بانواع عديدة من العقاقير الكيمائية . فلو أزاح ماندال هذه الأنابيق من حول الغرفة لتسرّب النور خارجا متصاعدا نحو الفضاء .
ونجحت التجربة
وتقدّم العلاّمة وسكب في منتصف الدائرة النورانيّة مادّة كيمائية أفرغها من زجاجة صغيرة بيده . ثم سلّط نور الجهاز على الأشعّة الموجودة بالغرفة الزجاجية ، وفي هذه المرّة كان النور أخضر وليس أصفر . وللحال اختفى النور وظهرت ميشلين مكانه . وما كان أعظم سرور ماندال بنجاح هذه التجربة الخطيرة ! لقد توصّل الى اختراع لم يحقّق مثله الأوائل والأواخر !
وعانق ميشلين التي كانت تذرف دموع الفرح لعظيم غبطتها . وسألها العلاّمة :
- عندما تحوّلت الى نور ، هل كنت تشاهدينني ؟
- بكلّ تأكيد . وكنت أريد أن أحدّثك فأخذت أصيح لأعلمك بأنني ما زلت متمتّعة بشعوري التامّ وعقلي الكامل . ولكني لم أسمع مدى لصوتي ، فالنور لا حنجرة له ولكنه يرى ويشعر وكأنه ما يزال بجسده المادّي .
وغمر ماندال ميشلين ، وقبّلها قبلة الشكر العارم ، وقال لها :
- ان اسمك سيدوّنه التاريخ ، وصحافة الأرض ستردّده مدى الآجال والأجيال .
فالشكر لخالقنا وواهبنا العقل النيّر لنميّز به الصالح من الطالح ولنستطيع انجاز اختراع عظيم كهذا يعود نفعه على البشريّة قاطبة .
الكيمياء وعجائبها الخارقة
وطلب ماندال من ميشلين أن تسلّط عليه الأشعّة الصفراء . وقد أزال القناني الكيمائية والأنابيق المتعدّدة المليئة بأنواع عديدة من الأدوية الفعّالة . وقال لها :
- هذه تجربة أولى . فعندما أتحوّل الى نور باهر سأنطلق من هذه الغرفة ، صاعدا في أعالي الفضاء نحو النجوم والأفلاك والسّدم والمجرّات ، بعيدا عن كوكبنا الأرضي .
- ووضع جهازا آخر بقربه ، وطلب منها أن تسلّط الأشعّة عليه وعلى الجهاز المماثل للجهاز الذي يخرج الأشعة الصفراء . ثم ابتلع الدواء الأرجواني كما بلّل الجهاز بهذا الدواء نفسه .
في كوكب الماهيا هوبال
وصوّبت الأشعة على العلاّمة ماندال وجهازه ، وبلحظة خاطفة تحوّلا الى أشعة متلألئة ، وقد اختفيا عن الأنظار غير مخلّفين من آثار الاّ أشعة بارزة بروز الشمس في رابعة النهار . وما عتّمت هذه الأشعة أن انطلقت خارجا ، مخترقة زجاج الغرفة التي أصبحت مظلمة بعد تواري النور الساطع منها .
كانت سرعة هذه الأشعّة 300 ألف كيلو متر بالثانية وبهذه السرعة الخارقة راحت تجوب الآفاق ، فمرّت بكواكب وأفلاك وسدم ومجرّات ومتاهات كونيّة مذهلة . واستمرّت في انطلاقها المدهش للعقول حتى بلغت كوكب الماهيا هوبال . فقد كان هذا النور منسجما مع هذا الكوكب العظيم ، وكانت جاذبية الكوكب موافقة لهذا الاشعاع المنطلق من عالم الأرض ، فجذبه اليه . وفور دخوله الى فلكه تجسّد العلاّمة مثلما تجسّد الجهاز ايضا .
فهذا الكوكب يجذب كلّ شيء من الأرض عندما يتحول الى نور . فالأوراق التي تحرق ، والأخشاب التي تلقى طعمة للنيران ، والأموات الذين يحتم عليهم دينهم حرق جثمانهم ، جميع هؤلاء يتحولون الى نور ، ويصعدون في الفضاء ، بسرعة النور ، حتى يبلغوا هذا العالم العجيب الغريب .
مشاهد خارقة للعقول
وفور ملامسة أقدام العلاّمة لهذا الكوكب ، شاهد مجموعة من الأشجار هي أعجب ما يمكن امرءا أن يشاهده . فقد رأى شجرة تحمل ، عوضا عن الأوراق ، عيونا ؛ فهي مليئة بها : عيون سوداء ، وعسليّة ، وشهباء ، وضيقة ، وواسعة ، وجميلة ، وقبيحة الخ …
وكانت هذه العيون تفتح وتغلق حسبما يروقها ، وهي عيون النساء في هذا الكوكب المدهش ، وقد استقرّت مكان أوراق الشجرة . وكانت عيون أكبر حجما من هذه قد استقرّت في الشجرة بدل الثمار ، وهي عيون رجال هذا الكوكب .
وعلى مقربة من هذه الشجرة المذهلة شجرة أخرى استطالت فيها ، عوضا عن أوراقها ، ألسنة مختلفة ، منها القصير والطويل ، والضامر والسمين ، والمتسخ والنظيف ، والأسود والأحمر والأبيض ، وغيرها من الألوان ، وهي ألسنة النساء . أمّا الرجال فألسنتهم نبتت عوضا عن الثمر ، وهي أطول وأعرض من ألسنة نساء هذا الكوكب .
ثم شجرة تحمل ، عوضا عن الأوراق والثمار في أغصانها ، أيادي ممتدّة . فالقصيرة للنساء ، والطويلة – وهي مكان الثمار – للرجال .
ثم شجرة ضمّت الأرجل النسائيّة والرجاليّة . ودهش العلاّمة من مشاهدته العجيبة هذه ، وراح يضرب أخماسا بأسداس ! وفجأة سمع نغمات عذبة تملأ الفضاء حوله . ثم انتصبت أمامه فتاة انتشر في وجهها عشر عيون . وهي تملك يدا واحدة ؛ وكفّها تحتوي على عشرين اصبعا ؛ وفمها بوسط كفّها الوحيدة ، وهو دون أسنان أو أضراس . وهي تقف على ساق قصيرة واحدة لا يعدو طولها ستة سنتيمترات . وكان صدرها في عنقها . ويستطيع المرء أن يشاهد قلبها وهو يخفق عشرة آلاف خفقة في الثانية ، فصدرها كأنه زجاج شفّاف يتيح للمشاهد أن يرى قلبها وهو يعمل . وهي دون عظام اطلاقا .
وكان رأسها البارز من ظهرها يحمل ريشة واحدة ، وهي بلون ريش الطاووس ، ورأسها مجرّد من الشعر تماما .
وكان بأسفل قدمها البالغة القصر بكرة معدنية مستديرة . وعندما تسير برجلها الواحدة تطلق نفسها على سجيتها ، فتدور البكرة سائرة بها في طريق مستوية كأنها الحرير في نعومتها . فلم يدر العلاّمة أهي طريق رصفت بمادّة الكاوتشوك ، أم أن طبيعة هذا الكوكب ومادّته تشابهان الحرير .
عجائب وغرائب
وسار العلاّمة برفقة هذه المخلوقة العجيبة الغريبة ، والدهشة بادية على محيّاه ! أخيرا ، جلست ، وأشارت اليه بالجلوس . وكانت الأرض حيث جلسا قد نمت فيها أعشاب غير سامقة ، وهي تحمل رؤوسا صفراء بحجم ثمرة البندورة الأرضية . فاقتطفت حوالى العشرين ثمرة , ثم أخرجت من فتحة أنفها قطعة تشابه المعدن , وهي كالمفتاح الأرضي , وأدخلت هذه القطعة المعدنية بثقب في بطنها وأدارتها , وإذ به يفتح . فوضعت الأثمار المقتطفة فيه , ثم أقفلت بطنها . وإذا بدخان يتصاعد من أذنها الواحدة المستقرّة بقمّة رأسها , وما لبث أن ملأ رقعة من الفضاء , ثم تحوّل هذا الدخان الى ماء تساقط عليها , فرشفته بلذّة واضحة .
وأعادت فتح بطنها لتري العلاّمة أنه قد فرغ ممّا أدخلته فيه . وكلما كانت تملأه بنوع من الثمار وتقفل بطنها , يتصاعد الدخان من فتحة أذنها المعتلية قمة رأسها . وعندما تريد أن تستحمّ تكثر من وضع الأطعمة في بطنها , فتتحوّل الى بخار , فماء فتغتسل .
منازل هي الأعاجيب
انّ الماء لا يوجد في هذا الكوكب اطلاقا ، فوجوده محصور بهذه الطريقة . وقد صحبت هذه الامرأة العلاّمة ماندال الى أماكن عديدة . فشاهد منزلها ، وهو كسائر المنازل التي يملكها سكّان هذا الكوكب . والمنزل يقوم على أعلى غصن في الشجرة . فعلى هذا الغصن تفرش مادّة صمغيّة تؤخذ من شجرة عظمى ، وقبضة من هذا الصمغ بامكانها أن تتمدّد حتى تبلغ العشرين مترا طولا وعرضا . وهذا المنزل يقيم فيه ربّ العائلة مع أولاده وزوجته ، وهو صفحة منبسطة طولا وعرضا فقط ، فلا جدران فيه ، ولا نوافذ ولا منافع . واذا وضعت على الغصن أثقال باهظة فانه يتحمّلها ، ولا ينوء اطلاقا أو ينقصف تحت أيّ عبء . وان حاول أقوى رجل كسر فنن ضعيف من الشجرة ، فانه يفشل فشلا ذريعا . كما أن الهواء غير معروف في هذا الكوكب الغامض ، فهو كالماء مفقود أو نادر الوجود .
الأشجار تنتقل كالبشر
قال ماندال :
وانطلقت بي مرشدتي الى غابة انتصبت فيها آلاف الأشجار المختلفة الأنواع والأجناس . وفهمت منها بأنها تريد أن أضع علامات على بعض الأشجار ، ففعلت ما طلبته مني . وفي اليوم الثاني ذهبت بي الى الغابة ، فاذا هي خلو من الأشجار ! وكانت الصخور تملأ رحابها فدهشت وذهلت .
فانطلقت بي الى مكان يبعد مسافة كبرى عن هذا الموضع . واذا بي أشاهد الأشجار وبينها تلك التي وضعت عليها العلامات ، فذهلت ، وكدت أفقد رشدي لهذه الخارقة . وهنا ، أفهمتني بأن الأشجار في هذا الكوكب تسير متنقلة ، مغادرة أماكنها ، لتشاهد مناظر غير المناظر التي سئمتها ، وهذا أمر طبيعيّ في هذا الكوكب . فانها تسير ثم تغرس نفسها بقوة فتغوص في الأرض وتستقرّ .
حقّا انّ هذا الكوكب هو كوكب العجائب والغرائب المحيّرة !
معاقبة الكذبة والمشتهين
وسألتها عن سرّ شجرة العيون وشجرة الألسنة ثم أشجار الأيدي والأقدام ، فقالت : اذا كذب أحدهم واستمرّ على كذبه ، فان لسانه يفرّ من فمه ويستقرّ على الشجرة ، ولا يعود الى فمه الاّ اذا امتنع عن الكذب لمدة ستة أعوام كاملة .
كذلك اذا اشتهى بعينه ما لا يجوز له اشتهاؤه بنسبة نظام هذا الكوكب ، فان عينه تفرّ منه لاجئة الى شجرة التأديب ، ولا تعود العين الى صاحبها الاّ بعد مرور ستة أعوام لا يشتهي فيها الاّ ما يحقّ له اشتهاؤه . كذلك الأيدي والأرجل .
الحبّ ويا له من حبّ
والحبّ في هذا الكوكب من أعجب وأغرب ما سمعته أذن أو شاهدته عين . فالمرأة التي تحبّ أن يولد لها ذكر تفتح بطنها بالمفتاح المحفوظ بأنفها ، وتذهب الى جبل المخاوف ، وهو بعيد مليار ميل عن المدينة الكوكبية ، لكنها تستطيع بلوغه بسرعة الفكر ، اذ تجلس وهي مغمضة العين الواحدة ، وتردّد في قلبها كلمة زفس رسول الآلهة ، فيتجسّد فورا بطنها ، وتضعه في داخله ، ثم تردّد اسم جوبيتر ربّ الأرباب واله الآلهة ستّ مرّات ، ثم تفتح بطنها ، واذا الحجر قد استحال الى مخلوق صغير ؛ فتضع بفتحة فمه قبضة من تراب هذا الجبل ، فيبتلعها ويشتدّ عوده ، وينمو رويدا رويدا . أمّا اذا رغبت بفتاة فما عليها الاّ اغلاق أذنها بقطعة من الخشب المستطيل ثم تردّد اسم الين ربّة الزواج ، ثم ترفع ضراعتها لزفس رسول الآلهة ، فيتجسّد ويحملها الى وادي الدجنّات ، فتفتح بطنها ، هناك ، وتضع داخله نبتة الزقّوم الشائكة ، وتقفله ، ثم تفتحه بعد رفع ضراعتها الى فينوس ، واذا نبتة الزقّوم الشائكة قد استحالت الى طفلة .
حياة مديدة
وعدد سكّان هذا الكوكب العجيب لا يتعدى المليون . وقد عرفت من قاطنيه أنهم يودّون زيارة كواكب أخرى ليشاهدوا أنظمتها ، ولكنّ نظام هذا الكوكب يحظّر عليهم هذه الرغبة التي لا تتمّ الاّ بعد أن يقضوا عشرة آلاف من الأعوام في هذا الكوكب ؛ ثم يأتيهم التغيّر الذي يطلق عليه اسم الموت ، واذ ذاك ، يذهب كلّ منهم الى الكوكب الذي أوصل سيّاله بأعماله اليه .
وعاد الى الأرض وقضى نحبه فيها
عام كامل أمضاه العلاّمة في هذا الكوكب الشديد الغرابة ، وفي نهايته أشعل جهازه العلميّ ، وسلّطه على نفسه ، بعد ما تجرّع الدواء ، واذا به يتحوّل الى أشعّة متوهّجة اجتازت الآفاق بسرعة النور . وفجأة شاهد نفسه يتجسّد في معمله . وكانت ميشلين تمزج العقاقير الكيمائية باحثة منقّبة عن مفعول كلّ منها ، فبهتت لمشاهدتها العلاّمة وهو ينتصب أمامها سليما معافى ؛ وتعانقا ؛ ثم جلس يحدّثها عمّا شاهده في كوكب الماهيا هوبال . فذهلت ميشلين ، وقالت :
- حبذا لو أشاهد بعيني رأسي ما شاهدته ، يا استاذي العظيم .
وانتظرت جوابه . لكنّ شعلة حياته كانت قد انطفأت ، فما عادت لتنار أو تنير .
شقة الأخ غازي براكس بنيويورك ، من الساعة 8،30 – 10،30 ليلا تاريخ 28 /7/1978
وشعرت بالنعاس يسيطر عليّ ، فذهبت الى فراشي واستسلمت للنوم . واذاني أجوس عالمه البهيّ وأرود فردوسه الخلاّب .
ورحت أتجوّل في غاب سحريّ أزهاره عجيبة ، ومياهه نميرة ، وأشجاره الباسقة تغرّد عليها الأطيار الملوّنة ، فتشفّ الأسماع ، وتطرب الآذان .
وجلست أمام بحيرة ماؤها فرات عذب . وكان الفراش الملوّن يحزم حول الأزهار العجيبة اللألوان ، وضوعها يملأ الأرجاء فيحيلها لحلم خياليّ عجيب .
كنت أستظلّ فيء الأشجار المهدلّة الأغصان البادية الفتنة الخلاّبة . وكنت مسحورا بما أشاهده من مفاتن الغنيّة في هذا الفردوس البهيّ . واذاني أسمع حفيفا خفيفا ، ثم تضوّع عبق محي فرحت أتنسّمه بشوق عظيم . واذاني أشاهد حوريّة حوراء مقبلة نحوي والبسمة العذبة تعلو شفتيها . لقد بهرني جمالها ، واستولى حسنها على كياني ، فذهلت لرؤيتها . ونهضت أحيّيها ، والوجل عقد لساني ، فما استطعت التفوّه بكلمة . كنت ممغنطا أمعن النظر بذهول مأخوذ بجمالها الفردوسي وأنوثتها التي لا مثيل لها .
وتحدّثت إليّ …
وكان صوتها كترجيع صدح كناريّ الفردوس الأخّاد ،
وسجدت أمامها ، فأمسكت بيدي وأنهضتني قائلة لي :
- السجود لله ، أيّها الحبيب القادم لفردوسي .
وتلجلج صوتي وخرج خافتا من صدري :
- ومن تكونين أيّتها الالهة المتجسّدة ؟
- أنا لست الهة ، انني فتاة أحيا في عالم الفردوس البهيّ ،
اذ أوصلت سيّالي لأوجد فيه .
وأنت من اصطفتك روحي .
وكنت أنتظر وصولك بشوق عظيم .
وها قد بلغت عالمي الذي فيه بتّ أقيم .
- يا الله ! ماذا أسمع ؟ ! أحقّا أنت حبيبتي المرجّاة ؟ !
هل أنت فتاة أحلامي ومحطّ رحالي ؟!
أأنت من كنت أناجيها دون أن أراها ؟!
أأنت من كنت أشعر بأنني سألتقيها يوما ما ؟!
أأنت من هي بغيتي المفدّاة وطلبتي الخفيّة ؟!
أأنت هي من خفق قلبي بحبّها العظيم ؟!
يا الله ! انّ سعادتي الهائلة ستوردني موارد التهلكة !
فما كانت تتمنّاه روحي قد تحقّق الآن !
وفتح ذراعيه وضمّها الى صدره الولهان ،
ووضع شفتيه على شفتيها وقبّلها بجنون عارم ،
وبادلته حبّا بحبّ ، ولوعة الضرام والجوى ترافقهما .
كم مكثا متضامّين ، وكم بقيا متعانقين …
هذا علمه عند الله واهب الحياة وباعث الحبّ الدفين .
ومضت الأيّام ، وتصرّمت الأسابيع ، وفنيت الشهور …
ثم تتالت الأعوام متتابعة متلاصقة …
وكان الحبّ يزداد اشتعالا
والغرام يزيد ضرامه ضراما .
- جوداميا ، يا أحبّ نساء الفراديس الى قلبي ،
انّ حبّك قد سرى في عروقي ممتزجا بدمائي
فليتني أستطيع منحك السعادة التي منحتني ايّاها .
أنت قيثارتي التي أعزف عليها آيات حبّي العميق .
فسعادتك تسعدني ، وشقاؤك يميتني ويفنيني .
فيا أمنية روحي ، أنا أنت وأنت أنا ، وبك نلت المنى .
وأثمر هذا الحبّ الأسطوريّ غادة غيداء أطلق عليها أبواها اسم راهاديا . وكانت شبيهة بوالدتها ، فيها من السحر الحلال والفتنة الفردوسيّة ما لوالدتها جوداميا .
وكان منزلهم من الورود المخمليّة توشّيها أزهار الفردوس النّضرة ، فمنازل الفردوس تبنى من الأزهار . فالربيع في الفردوس أبديّ .
والشتاء لا يطرق أبواب الفردوس اطلاقا ، والشيخوخة لا تعرف هذا الفردوس ، ولا يمكنها الولوج لهذا العالم الحصين الأمين .
وكلّ سكّان هذا الفردوس سعداء لا يعرفون للهمّ اسما ، ولا تقربهم الأحزان اطلاقا ، فهم سعداء دوما .
وطعامهم من أثمار الفردوس الشهيّة . ففيه من كلّ شجرة توأمان . وما تكاد الأيدي تقتطف الثمار الجنيّة حتى تمتلىء الأغصان ، ثانية ، بها دون أن ينتقص منها ثمرة ما . أمّا أنواع الخضار والبقول العجيبة فحدّث عنها ولا حرج ، فالفردوس عنيّ بها ، وحقوله مملوءة بشتّى الأنواع اللذيذة وهي لا تنضب أبدا .
فكلّ نوع من الأنواع اذا قطف يعود اليها ثانية فورا .
والاخاء يشمل عالم الفردوس بأكمله ، فالجميع عائلة واحدة يسودها الحبّ ويغمرها الولاء الدائم .
هنا لا يعرف الحسد اطلاقا ، والغيرة لا وجود لها في هذا العالم السعيد .
والتكالب على المال لا يعرف في هذا العالم البعيد عن أطماع الأرض الدنيّة . فسعيد من أوصل سيّاله الى هذا العالم الغارق بالبهجات اللانهائية .
- جوداميا ، يا حبيبة روحي منذ الأزل ، انّ ابنتنا راهاديا قد أصبحت شابّة مغرية ، ففتنتها مستمدّة منك .
وهي لا تستطيع الاقتران بشابّ من عالم الفردوس ، اذ يجب أن تقترن بمن كان حبيبها بدوره السابق . وهو ما يزال في عالم الأرض ، وحتى الآن ليس لديه سيّال فردوسي يسمح له بولوج عالمنا .
فماذا بوسعنا عمله لنجعل فلذة كبدنا ونتيجة حبّنا سعيدة مثلما سعدت بحبّك العظيم .
- سوديام ، يا حبّة قلبي المفدّى ، انّ روحي تتعذّب لأجلها ، فليتها تسعد مثلما سعدت معك . ولكن كيف السبيل الى ذلك ؟
انّ حبيبها وزوجها السابق لم يوصل أيّ سيّال من سيّالاته ، حتى الآن ، ليكون هذا السيّال من درجة الفردوس .
اذا لا يمكنه أن يبلغ فردوسنا في عالم أحلامه اطلاقا ، والاّ لاجتمع معها عندما يحمله الكرى على أجنحته الغدافيّة فيزور عالمنا ، ويمضي معها ساعات ما دام غارقا في نومه ….
ثم يعود الى عالم الأرض ، ثانية ، ناسيا أنه كان برفقة معبودته الوحيدة . كان سوديام مسندا رأسه الى صدر حبيبته جوداميا ، وهو يحدّثها . ثم انقطع عن الحديث فجأة ، فعرفت بأنه سيستيقظ ، واذا استيقظ فانه يجد نفسه بفراشه في عالم الأرض ؛ اذ يعود سيّاله الى جسده ، فورا ، بسرعة النور ، أي 300 ألف كيلومتر بالثانية ، فيستيقظ .
وهالها الأمر ، وقالت بنفسها : لا طاقة لي على الحياة اذا غادرني بمفردي في عالم الفردوس ، لهذا سأقطع بسيف النور المرهف سيّال النوم الأثيري المتّصل بجسده المسجّى بفراشه في عالم الأرض .
واستلّت جوداميا سيف النور الحادّ الشفرين القاطعين ، وأمرّته على السيّال المتّصل بجسده الراقد بفراشه في عالم الأرض ، فاذاه يبتر بترا !
وتأخّر سوديام في نومه ، ودخلت والدته لتوقظه فاذاها تصيح صياح الذعر ، وتولول ولولة الثكالى ، فتذيع نبأ موته . وتدخل شقيقاته الى غرفته ، فاذا هنّ يجدنه جثّة باردة فارقتها الحياة ، فنحن ، وقطّعن شعورهنّ أسى ولوعة على المسجى ، وقد انتقل الى عالم آخر مخلّفا عالم الأرض الغارقة بالشقاء .
وفتح سوديام عينيه ، واذاه يجد نفسه مسندا رأسه الى صدر غادة رائعة المحاسن ، فذهل ذهولا هائلا ، اذ تذكّر أنه كان يحلم بأنه كان يجوس فردوسا زاهرا برفقة فتاة هي عينها التي يشاهد نفسه الآن مغمورا بين زنديها الغضّين البضّين .
وتذكّر أنه حلم بأنه قد عاش معها ردحا من الزمن في جنّة قطوفها دانية ، وأطيارها مغرّدة ، وفتنتها لا توصف .
كما تذكّر أن نتيجة حبّه لجوداميا قد أثمر فتاة ساحرة المحيّا ، وأسماها هو ووالدتها باسم راهاديا .
وكم كان ذهوله هائلا عندما شاهد راهاديا نفسها ، وقد انتصبت أمامه تناديه ، قائلة له :
- يا والدي الحبيب ، هل أقتطف لك ثمر الحباجيد ؟
والحباجيد ثمر بحجم التفاح ، حلو المذاق ، لذيذ الطعم ، تكفي حبّة واحدة منه لأن تدع آكلها لا يشعر بالجوع شهرا كاملا .
فهبّ واقفا على قدميه ، والدهشة الهائلة تحيط السوار بالمعصم . وقال :
- يا الله ! ماذا أراه ؟! وكيف حدث هذا الأمر العجيب ؟!
أم تراني قد جننت وفقدت عقلي ، وما أراه ليس سوى أضغاث أحلام واهم ! أو أني كالمشاهد للماء في السراب ، بينما لا ماء ولا شيء به يتعلّلون !
وتمتم : لقد حلمت بما أشاهده الآ، حقيقة لا شكّ فيها .
فأعنّي ، يا الهي ، أعنّي على حل هذه الألغاز والمعميّات .
واقتربت جوداميا منه ، وأفهمته بأنه الآن في عالم الفردوس يحيا معها منذ زمن ، وأنّ حبّهما قد أثمر ابنتهما راهاديا ، وأنّ الحلم الذي يراه في عالم الأرض لمدّة دقائق ، يحياه في عالم الفردوس هذا أعواما عديدة وسنين مديدة .
ثم بسطت يدها على جبينه ، ورسمت باصبعها على جبهته نجمة مخمّسة الأضلاع ، وقالت له :
- بحق الله ، والنبي الحبيب الهادي ، والشخصيّات الست ، والسيّال العشرين أن ترى جثمانك في عالم الأرض .
واذا به يشاهد منزله الأرضي الذي عاش فيه منذ كان طفلا فيافعا ، فشابّا . وشاهد نفسه مسجّى على السرير الذي رقد عليه عندما حلم حلمه السعيد عن جوداميا ، وشاهد والدته ، وشقيقاته ينحن عليه ، وجمهرة من أصدقائه ومعارفه يحطون بجثمانه .
ثم شاهد عربة الموتى وقد وقفت أمام المنزل ، وأنزلوا منها التابوت ، وأدخلوه الى غرفته ، ثم حملوه وأدخلوه في الصندوق ، وأغلقوه عليه .
وكان هو واقفا بينهم ، فاقترب من والدته وهزّها من يدها ، وقال لها : – ها اني حيّ لم أمت ، فانظريني .
فلم تعره التفاتا . فتركها ، وذهب الى احدى شقيقاته ، ففعل معها مثلما فعل مع والدته ، ولكنها لم تسمع صوته ، بدليل عدم ردّها عليه ، فغادرها لشقيقته الثانية ، وفشل أيضا ، فذهل وتأكّد له أنه غير منظور لجميع من هم بمنزله . ولكنه كان يراهم ، ويسمع أحاديثهم ، ويحاول أن يرفّه عنهم ، ولكنّ محاولاته ذهبت أدراج الرياح .
ورافق جثمانه الى المقبرة …
وصلّى على جثمانه الكاهن ….
وقد أعطي ، بعد انفصام سيّاله عن جسده المعرفة الروحيّة ، فتكشّفت له حقيقة هذا الكاهن الداعر ، اذ عرف أنه قبل استدعائه من قبل والدته ليصلّي على جثمان ولدها ، كان قد فسق بامرأة ذهبت لتعترف له بخطاياها . فعندما عرف بأنها زنت مع الرجل الذي تهواه ، أكّد لها أن خطيئتها تغفر اذا سافحها ، فصدّقت أقواله واستسلمت لدعارته .
وهجم سوديام على الكاهن الداعر ، وصفعه بجمع كفّه على وجهه الصفيق ، قائلا له :
- أيها الكاهن الزاني ، اصمت ولا تكمل قراءتك لفصل الانجيل ، فما أنت الاّ شيطان قذر ! ولكنّ الكاهن استمرّ بتمثيله ، فعرف سوديام أنّ الصفعة لم يشعر بها ، فتألّم لهذا كثيرا ؛ اذ تكشّفت له المعرفة الروحيّة فعرف أنّ هذا الكاهن ارتكب مثل هذا الاثم مرارا وتكرارا مع نساء عديدات . فضلا عن النذور النقدية التي كانت تدخل الى صندوقه وقد ملأ بها جيوبه ، فصاح قائلا : ليت العناية تدعني أنهض من التابوت لأذيع معلوماتي عن هذا الفاسق ليتجنّبه الناس ويتجنّبوا طغمته الفاسدة ، ولكنّ رغبته لم تحقّق ، اذ مكث ممدّدا في تابوته دون حراك .
- ووضعت الجثّة في القبر وهي ضمن تابوتها المغلق ، وهيل عليها التراب ، وسوديام يرى هذه المراسيم والعجب آخذ منه كل مأخذ . وانفضّ الجميع كلّ عائدا الى منزله .
وكم وكم شاهد سوديام من مآس واسرار وفضائح وقبائح ، وعجائب وغرائب لا يمكن أن تصدّق ، ولكنها حقائق واقعيّة لا يأتيها الباطل .
لقد شاهد نساء ومعهنّ أولادهنّ وهنّ من غير أزواجهنّ ، بل نتيجة علاقات غراميّة مع من ارتبطن معهم بروابط جنسيّة .
وكم من فتيات مثاليات يظنّهنّ رفاقهنّ أنهنّ معدن الطهارة ، وما هنّ الاّ فاسقات رجيمات تخشاهنّ الأفاعي الرقطاء .
لقد تكشّف له حقائق الناس فهالته شرورهم وأخافته آثامهم واجرامهم ، وعرف لماذا لم يضع الله حاسّة سابعة للانسان وذلك لكي يمنع عنه أهوالا مرعبة اذا عرفها لتمنّى الموت فورا ، وهذه حكمة الله جلّت قدرته .
وفور مغادرة سوديام المقبرة ، عاد أدراجه الى عالم الفردوس بسرعة النور ، فبلغه ، واذا بحبيبته جوداميا تنتظره بفارغ الصبر ، ومعها ابنتها راهاديا الفاتنة . فاسقبلتاه ، وهرعت جوداميا الى بحيرة النسيان ، وطلبت منه الاغتسال بمياهها المقدّسة ، ففعل ، واذا به ينسى ما شاهده في أثناء الاحتفال بمراسم دفنه . كما نسي انه مات وانتقل الى عالم الفردوس . نسي كلّ ذلك لكي لا يتعذّب نفسيّا من توارد أفكاره المخيفة ، عندما يتذكّر ما شاهده من ختل البشر واحتيالهم ، ومن فسق النساء وتدنيسهنّ لشرفهن وهتك طهارتهنّ وتلويثها بالدنس الملطّخ بأقذار العار .
وظنّ سوديام بأنه خلق في هذا العالم الفردوسي بعدما نسي أنه كان في عالم الأرض ، مثلما يظنّ كلّ بشريّ أنه ولد في عالم الأرض ، ولم يسبق ولادته أيّ وجود له ، غير عالم بأنه كان في عالم آخر غير العالم الذي ولد فيه ، ولكن بمجرّد ولادته ينسى كلّ شيء عن عالمه الذي غادره ، وذلك لحكمة أرادها الخالق للخلائق .
بيروت ، الساعة 8 و38 دقيقة
من ليل 4/2/1979
سألتني السنديانةُ: لِمَ لَمْ يخلقني اللهُ طيرًا طليقًا؟
صادحًا في الغابات طروبًا، أشربُ الماءَ النميرا
جائبًا جبالاً شامخةً، كونتْ منذُ آلاف السنين
لا همَّ يضنيني أو ضير يُشقيني، فأراني في الفضاء ملكًا وأميرا
أحلِّق نحو الأعالي مُزقزقًا جذلاً، وخالقي حدَّد لي مصيرا
أنتقلُ من غصنٍ إلى غصن، لا أخافُ ذئبًا شريرا
أنام ملءَ عيني في أعالي شجرة، جمالها الوارفُ يبدو مُثيرا!
***
أجبتُها: لا تشتكي مما بكِ، فخالقُ الأكوانِ، يجعلُ العسير يسيرا
أو لا تدرين أنكِ تُسعدين من يصنعون من خشبكِ سريرا؟
أو مائدة طعامٍ تجلس عليها حسناءُ لا ندري لها مصيرا؟
أو مكتبةً تضمُّ رفوفُها كتبًا، بعضها لكاتب لوذعي صارَ شهيرا؟
ومن أغصانكِ تُصنعُ عصيٌّ نضربُ بها الحميرا
ومقعدٌ من فروعكِ يُثبت بمسامير ونجلِّل به البعيرا
ويُصنعُ من خشبكِ سقفٌ متينٌ يمنعُ عن الناسِ الهجيرا
كما تُمتَّنُ أبوابٌ بالواحٍ منكِ فتُعجزُ عن اقتحامها لصًّا شريرا
أو يُصنع منكِ مهدٌ يهدهدُ طفلاً جميلاً طريرا
وإذا مرت بكِ قافلةٌ أضرَّ بها السعيرُ، فكانَ لها نِيرا
تقيَّأتْ ظلالكِ وكنتِ لها نديمًا وسميرا
فاقنعي بما أنتِ بهِ، وكان اللهُ لكِ مُجيرا.
الولايات المتحدة الأمريكية
الساعة الواحدة بعد الظهر
تاريخ 27/4/1976
وناحت الأزهار…
وهمتْ دموعُها حزنًا على الزهرة التي ماتت!
ورددت إحداهنَّ قائلة:
- يا لربيبتنا الندية التي فُجعنا بموتها!
- كانت فتنةٌ أضفت علينا سعادةً كبرى.
وعندما كانت الشمس تغمرها،
إذْ ذاك تبدو بأتمّ حسنها وأبهى روعتها!
وفجأةً اختطفت إذ اقتطفت من بيننا،
فإذانا وقد أصبحنا أيتامًا،
وإذا بالأحزان تغمرنا،
والأسى يبعث فينا الأشجان.
فوالذي نثر الكواكب في السماء،
والذي أبدع بخلقه اليابسة والماء،
سنذكُر حبيبتنا الراحلة حتى يأتينا الفناء.
واقتربتْ زينا لتسقي هذه الأزهار الفاتنة،
فدُهشتْ إذ وجدتْ أن تربة الأصيص مبتلة!
إنها دموع هذه الأزهار المنسكبة حزنًا
على ربيبتهن التي سحقتها الأقدام بقسوة ووحشية.
بيروت، الساعة التاسعة من ليل أول نيسان 1979
اليوم الأوّل لرحلتي الغريبة
أنا وردة جوريّة سقطت من يد فاتنة كانت تتنسّم رائحتي العطرة ، وهي تقف بجوار خطيبها الشابّ على متن السفينة المبحرة الى أميركا . وفور سقوطي تأوّهت الفتاة وقالت لخطيبها :
- انّ سقوط وردتي الجميلة نذير شؤم . فقد حلمت ليل الأمس أنّ السفينة أغرقتها عاصفة عاتية ، وشاهدت نفسي غريقة في اللجج الغضوب ، وأنت تغمرني بذراعيك . وعند يقظتي هالني الأمر ، واضطربت ، وكان الذعر يطوّقني بمخاوفه المرعبة . وعندما أفلتت الوردة من يدي تشاءمت ….واني خائفة ، أيّها الحبيب ، من هذه الرحلة ، فليتنا نستطيع مغادرة السفينة قبل رحيلها .
أجابها خطيبها :
- خفّفي عنك يا حبيبتي المفدّاة ، فحلمك انّما هو أضغاث أحلام لا قيمة لها . فالمرء يحلم شتّى الأمور . ولو كلّ انسان فسّر حلمه حسبما يرتئيه لأصبحت الحياة عبئا ثقيلا لا يطاق . ثم ها هم قد رفعوا المرساة ، وابتدأت السفينة بالتحرّك للابحار . فوالحالة هذه لا نستطيع مغادرتها والاّ لنفّذت رغبتك التي أعتبرها مقدّسة .
فاطمئنّي يا أعزّ عليّ من روحي ، وكفاك تشبّثا بأوهام سرابيّة . وبهذه المناسبة أردّد عليك الكلمة العظيمة التي تقول :
ويأتيكم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة .
اذا لا يستطيع أيّ مخلوق بشريّ أن ينجو من شرك الموت اذا حانت ساعة منيّته . وعندما سارت السفينة ، كنت أنا الوردة أنساب بدوري على صفحة البحر مبتعدة عن السفينة التي تقلّ المسافرين وبينهم الخطيبان العاشقان هكتور الشجاع ودوريس الفاتنة .
مشاهد مذهلة
وكان سيري تبعا للأمواج التي كانت تتلاعب بي ، فتارة تقذفني الى الأمام ، وطورا تعود بي الى الوراء ، ومرّة أجد نفسي وقد دفعت لليمين ، وأخرى لليسار .
واستمرّ سيري ساعات طويلة لم أشاهد فيها سوى الماء والسماء …
وابتدأت الشمس تجنح للغروب ، وشيئا فشيئا راح الظلام يبسط سرادقه على المحيط العظيم …وما لبث أن اجتاح بجيوشه اللجبة الآفاق ، فاذا بالدجنّة تسيطر سيطرة تامّة ، فالظلمة شاملة ، ولا يسمع سوى صوت تلاطم الأمواج الجبّارة في سكينة الليل المهيبة . كانت الأمواج تحملني فاذاني في قمّتها لتعود فتهبط بي على صفحة البحر العظيم الامتداد واللانهائيّ المسافات .
وكانت النجوم المنشورة في قبّة الفضاء تتوهّج ببريقها المومض ، فسحرت من تألّقها العجيب ، ورحت أحدّق بهذه الكواكب النيّرة وأنا أمجّد خالقها ومكوّنها ومبدعها .
وكان النسيم العليل يلطّف الجوّ – فالفصل فصل ربيع – وكان يدغدغني بلطف سررت له . وفجأة مرّت بقربي سمكة مستطيلة الجسم ، وبجوارها سمكة أخرى أضخم جسما منها ، ولكنهما من نوع واحد ، فعرفت أنهما ذكر وأنثى . اذا هما حبيبان .
واقتربت الانثى وجذبتني بفمها ، فغصت في الماء ، فحاولت التهامي ، ولكنها فجأة تركتني اذ كان في ساقي شوكة غرزت بها ، فآثرت الفرار وحبيبها وراءها ، فشكرت الله على نجاتي من مصير سيّء .
وداومت على السير في هذا الليل البهيم ، ولا شيء سوى الماء والسماء .
ثم مرّ سرب من الأسماك ….فسمعت سمكة تحادث أخرى ، قائلة لها :
- لقد خنت عهدي ، اذ شاهدتك ، اليوم ، تتودّدين لسواي ، فاستعدّي للقصاص الذي سأنزله بك . وهجم عليها ، وكان انقضاضه وحشيّا ، فحاولت الهروب ، ولكنه تغلّب عليها ، وظلّ يرطمها بجسمه بقوّة وعنف شديدين ، فتهاوت ثم لفظت أنفاسها ، واذا بالأسماك تجتمع عليها وتلتهمها . وكان استغرابي شديدا عندما شاهدت قاتلها يشترك مع سرب الأسماك بالتهامها . فقلت في نفسي : يا للعجب ! انّ معشر الأسماك يفعلون ما يفعله البشر ، وكنت أجهل هذا الأمر جهلا تامّا .
ومضيت بسيري في متاهة الاوقيانوس العظيم ، ثم شعرت بنعاس ثقيل يستولي عليّ ، فاستسلمت لسلطانه القاهر .
اليوم الثاني لرحلتي العجيبة
عندما استيقظت كانت الشمس تبسط سلطانها على البحر الممتدّ المسافات . ولم أشاهد أي طائر في السماء ، ولم أر أيّة رقعة من الأرض ، وعلى امتداد البصر كان البحر هو ما أراه ، هو وحده دون سواه !
واستمرّ سيري لساعات وساعات ، ولم يرافق وحدتي سوى الماء والسماء .
وكنت في بعض الأحيان ، أشاهد شتّى الأنواع من الأسماك المختلفة الأحجام والأشكال ، وكان كبيرها يلتهم صغيرها .
ومرّت بجواري مجموعة هائلة جدّا من الأسماك تقدّر بعشرات الألوف ، وكانت تسبح بسرعة كبيرة دهشت لها .
وفجأة ظهر حوت هائل ، وكان يطاردها ، فعرفت سبب اسراعها في سيرها ، اذ كانت مذعورة لمطاردتها من الحوت الجبّار .
وفغر فاه المرعب والتهم المجموعة العظيمة من هذه الأسماك الهاربة ، مبتلعا معها كميّة هائلة من الماء . ثم رأيت نافورة عملاقة من الماء تقذف من فتحتين برأس هذا الحوت ، واذا بالماء يتصاعد بقوّة وعنف نحو العلاء ، وكأنه شلاّل عظيم التدفّق .
لقد أبقى الأسماك بجوفه ، وقذف بالماء الذي هو ليس بحاجة اليه . وقد هالتني ضخامته المرعبة .
وما لبثت أن شاهدت حوتا آخر قد ظهر بجوار الحوت الجبّار ، ولكنه ليس بضخامته .
فعرفت أنها أنثاه .
وسمعت الحوت يحدّثها ، قائلا لها :
- أما زلت تتبعين أثري ؟! فأنّى أتّجهت أجدك بجواري .
- هو ما تقول . فلولا حبّي ايّاك لما لاحقتك . فأنت في مقتبل العمر وعنفوان قواك . فما يدريني أنك ستغازل سواي ، وهذا يدعني بحالة جنون تامّ .
- ثوبي الى رشدك ، وتأكّدي بأنني لا أستبدلك بأخرى حتى لو أمرني ( يوسيدون ) بهذا الشأن فاطمئنّي .
وابتدأت الظلمة تخيّم على الأرجاء شيئا فشيئا ، وأنا كنت أسير على غير هدى وتبعا لرغبة المياه المتحرّكة ، ثم زحف الليل بجيوشه الجرّارة ، فاذا بجندس الظلمات يغمر المحيط الهائل . وفجأة سطع نور باهر في السماء أنار البحر وكأنّ الشمس قد أشرقت !….
واقترب النور المبدّد للظلمات ، ثم جسم متحرّك جعل يهبط من الفضاء ، ثم هوى بسرعة وخفّة عجيبين فاذا هو كالصحن باستدارته التامّة . وكان قطره حوالي 40 مترا . وسمع لمحرّكاته دويّ خفيف ، وكان الدويّ موسيقيّا . وكانت النوافذ تملأ استدارته . وقد شاهدت من خلال هذه النوافذ رجالا بطول القلم الرصاصي وهم زرق اللون ، وكانوا في حركة ذهاب واياب متواصلين .
وفجأة انتشر نور برتقالي غطّى مساحة من البحر ، واذا بي أشاهد أفواجا أفواجا من مختلف أنواع الأسماك تملأ تلك المساحة المغطّاة بالنور البرتقالي . وامتدّ وعاء معدنيّ استطالته ليست أقلّ من ثلاثين مترا ، وهو مستدير كالبرميل . وكانت الأسماك ترفع الى هذا الوعاء بقوّة خفيّة قادرة وبيد غير منظورة ، وتزحف في هذا الوعاء المعدني داخلة الى جوف الصحن الجاثم على الماء حتى تبلغ داخل السفينة .
واقتربت نحو هذا الصحن العجيب حتى ارتطمت بحافته ، فاذا بي أشاهد نساء بحجم القلم لونهنّ أزرق ، تتخلّل زرقتهنّ خطوط حمراء , وكنّ يتحدثنّ معا ، فأرهفت السمع ، واذا باحداهنّ تقول :
- انّ بحر أبناء الأرض لا يشابه بحرنا ، فبامكان أيّ مخلوق أن يسير على صفحة بحرنا دون أن يغرق ، أمّا بحرهم فلا يستطيع أحد ما السير عليه اذ انّ الهلاك يكون من نصيبه .
وقد أمرنا أمبراطور كوكبنا المطاع الكلمة ( بورباليون ) أن نحضر له كميّة من الأسماك الأرضيّة ليرى اذا كانت تستطيع الحياة في كوكبنا الموغل في القصاء بمجاهل الفضاء .
وأجابتها رفيقتها :
- لقد مكثت رحلتنا ثلاثة أعوام نوريّة حتى بلغنا كوكب الأرض ، ونحتاج الى ثلاثة أعوام لنعود اليه ثانية ، ولكن يجب علينا ، أولا ، أن نجوب كلاّ من اليابان وأمريكا والصين والأفغان ، فضلا عن ألمانيا وأسبانيا وباريس ، لنقدّم تقريرنا لأمبراطورنا العظيم عن أحوال سكّان الأرض وميولهم ، وكيفيّة بناء منازلهم ، وأنواع المواصلات التي استطاعوا أن يتوصّلوا لاختراعها ، وما هي سرعتها القصوى . كذلك علينا تقديم شرح واف عن حياة المرأة والرجل ، والعلوم التي أدركها البشر ، وكم من الأعوام تمتدّ حياة سكّان كوكب الأرض . فمعلوماتنا التي حصلنا عليها ودوّنتها تقاريرنا تفيد أنّ حياة أبناء الأرض مهما امتدّت فلا تزيد عن مئة عام ، وهذا العمر لا يبلغه الاّ النادرون من المعمّرين .
أمّا الحياة في كوكبنا فتمتدّ لألف عام ، وذلك بنسبة النظام والأحوال الطبيعيّة الموجودة فيه .
وأكملت قائلة :
- وأنت يا شقيقتي تعرفين أنّ مركبنا الكونيّ اذا أصيب بضرر فادح لأيّ سبب من الأسباب ، فان قائده يسلّط عليه ( الماركريدام ) فيذوب ويتلاشى فورا هو ومن فيه ، دون أن يترك أيّ أثر يؤكّد وجوده .
فمن هذه الناحية نحن بمأمن من اكتشاف أمرنا حتى اذا شاهدنا أيّ مخلوق بشريّ – هذا اذا أوقفنا مركبنا على رقعة من الأرض – فان الصحن يتبخّر بمجرّد مشاهدته لنا ، ولا يعود ليرى ، اذ انّ القائد أو مرافقيه أو أيّ ملاّح يسلّط عليه أشعّة ( فوبوماران ) ، فيختفي عن العيان ، فيظنّه الناظر انه ارتقى بسرعة خارقة نحو الفضاء ، والحقيقة هي ما ذكرت .
ثم لم نرى أيّ اختراع خطير في الكرة الأرضيّة كاختراعاتنا المذهلة ، فسرعة مركبتنا هي بسرعة النور أي 300 ألف كيلومتر في الثانية ، في حين أنّ أعظم سرعة بلغها اختراع البشر هو 40 ألف كيلومتر بالساعة ، ولبضع دقائق فقط ؛ وهذه السرعة تسير بها المركبة الفضائيّة التي صعد بها روّاد أمريكيّون الى القمر ، وتتمّ هذه السرعة عند عودة الروّاد للأرض بعد مغادرتهم القمر ، وحينما يريدون الدخول في جوّ الأرض من الفتحة الفضائيّة التي يلجون منها الى الكوكب الأرضي ، وان اخطأوها بفقدون الطريق ويتيهون في الفضاء الى الأبد .
والآن سنذهب الى هيروشيما وناجازاكي لنقدّم تقريرا عن تأثير مفعول القنبلة النووية التي أفنت أكثر من 100 ألف نسمة عام 1945 .
وسيأتي يوم نظهر فيه أنفسنا لأبناء الأرض ، ويومذاك سيأمرنا أمبراطورنا امّا باستعمار أرضهم ، أو بتدميرها على رؤوسهم ، فهم أشرار وفجّار لا يصطلى لفسقهم بنار .
وأنا ما زلت أذكر أنّ جدّي قد أعلمني بحادث تدمير سادوم وعامورة بعدما بلغت أنباء شرورهم جدّ امبراطورنا – وكان أمبراطور أيضا – فأرسل ينذرهم بأن يقلعوا عن رذائلهم أو يبيدهم ، فلم يأبهوا .
حينذاك أرسل رسولين بمركبة نورية وأفناهم . وقد ظنّ لوط الصالح أنّهما ملاكان ، وما كانا الاّ رسولي الأمبراطور ، وهما من سلالة العمالقة . فالعمالقة في كوكبنا يتساوون بالطول مع أبناء كوكب الأرض .
وقد شاهدت أنا الوردة أكثر من 15 رجلا كوكبيّا وقد جلسوا على مقاعد صغيرة تناسب أجسامهم ، وكان أمامهم أزرار عديدة ضغطوا عليها ، واذا بالصحن يحلّق بسرعة مذهلة نحو الأعالي ، ثم تغيّبه الأبعاد السحيقة . فعرفت بانهم ذاهبون الى هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين .
اليوم الثالث لرحلتي المدهشة
كانت يقظتي في ساعة متأخّرة ، اذ طال سهري ليل الأمس بسبب الصحن الطائر . وفور يقظتي أرسلت بصري نحو الأبعاد علّني أرى شجرة أو طائر ، فما عدت بطائل ، اذ كنت ما أزال محاطة بالماء والسماء .
وظللت سائرة بتؤدة ، وكعادتي اليومية ، كنت أشاهد أرتالا من مختلف أنواع الأسماك والحيوانات البحريّة ، ولا شيء غير ذلك .
ورحت أصلّي لخالقي ، فقلت :
أي الهي خالقي وخالق البرايا ،
أنا تائه في محيط لجب لا نهائيّ ،
أسير فيه الى غير وجهة معلومة .
فبعد أن كنت في غابة فتّانة ،
بجوار مجموعة مبدعة من الورود المنمّقة ،
سقطت من يد الحسناء في البحر ،
واذاني وحيدة فريدة ،
لا أنيس لي ولا جليس
لأسامره ويسامرني ،
مخفّفا عنّي أعباء هذه الحياة الدنيا .
فيا وجودي من العدم ،
أعدني ثانية الى العدم ،
أو فدعني أبلغ شاطىء الأمان ،
واحرسني بعين عنايتك التي لا تنام .
واستمرّ سيري الطويل في محيط نهايته مجهولة المكان ….
وتتالت الساعات وأبيدت ….
ثم احتاطني ظلام هائل ، وباحتلاله ابتدأت بوادر عاصفة عظمى ، ثم تكاثرت الغيوم ، وتكاثفت ، وأطلق عنان الريح ، فاذاها مجنونة وجنونها مخيف .
ثم اجتاحت المحيط عاصفة مدمّرة ضربت صفحة البحر ، فاذا بأمواجه هائلة الرعب ! كانت الأمواج كالجبال الشامخة بجبروت قاصف . ثم ابتدأت الأمطار تنصبّ انصبابا مروّعا ، وعلت أصوات العاصفة فزأرت وكأنها زلزال مدمّر .
ثم أبرقت السماوات برقا متواصلا …وكان الرعد يدوّي ويزمجر برهبوت تنخلع لدويّه قلوب الجبابرة !
وانقضّت الصواعق تقصف جبابرة الأمواج ، فيعلو أنينها ، ويتعالى نواحها ، فتذعر الحيتان ، وتلتجىء الى الأعماق السحيقة من هول غضب الطبيعة الذي لا يبقى ولا يذر .
وفي هذا الموقف الخطير المخيف بدت لعيني أنوار خافتة اقتربت بصعوبة كبرى . فاذاها سفينة ضخمة تتراقص من عنف أهوال هذه الليلة الشيطانيّة !
وكانت نواقيس هذه السفينة تقرع قرعا متواصلا ، أملة أن تمرّ باخرة ما تسرع لمساعدتها ونقل ركّابها المنخلعي القلوب من رهبوت هذه العاصفة المولولة بصرامة عظمى .
ويا لهول ما حدث ! اذ انقضّت صاعقة جبّارة على السفينة ففكّكت دفّاتها وكأنّها لعبة أطفال ! وكان صراخ الهول المزلزل يعلو على صوت العاصفة ، ويطغى على الأمطار المتساقطة بغزارة فائقة ، ويستبدّ بزمجرة الصواعق المتواصلة . انه صوت ركّاب السفينة التعيسة وهم يستغيثون علّهم يغاثون .
ثم ….ثم ابتلعتهم الأمواج الثائرة فاذا هم بأعماق المحيط الذي لا يشبع نهمه شيء .
اليوم الرابع لرحلتي المذهلة
لم استطع النوم اطلاقا , فقد هزتني فاجعة السفينة الغارقة وموت ركّابها عن بكرة ابيهم ! لقد طواهم الردى , وعصفت بهم الأقدار , فاذا هم في أعماق المحيط طعمة رخيصة للأسماك . فيا لمصيرهم التاعس !
وكانت عشرات الجثث طافية , ومنها فتيات بعمر الورود , وشبّان بشرخ الشباب , جميعهم مغمضو العيون , وقد سكنت حركتهم بعدما هدأت العصفة , وانقطعت الأمطار عن الانسكاب , واختفى وميض البروق , وأصيبت الصواعق بالبكم , وهدأت ثورة الأمواج الطاغية .
هدأ غضب الطبيعة بعد أن سقت هؤلاء التعساء كأس الحمام . ويظهر أنها كانت تقصدهم بدليل سكون غضبها , بعد أن فتكت بهم , واستلّت أرواحهم , وأبادت وجودهم .
وشاهدت سربا من حوريّات البحر الفاتنات , وهن يسبحن برشاقة , واقتربن حيث توجد جثث الأموات الطافية .
وجعلت كلّ حورية منهنّ تنظر الى الشبان , ثم تلمي بأصابعها أجساد الراقدين رقاد الأبد .
واقتربت أجمل عروس بحر , وأبهاهن وجها , وتمعّنت بوجه شاب لا يعدو العشرين ربيعا , وكان يطوّق بذراعيه جسم فتاة بعمره . ويظهر أنه كان خطيبها , لأن المحبس كان ببنصره . وجعلت ترثيه فقالت :
أيّها الشّاب الجميل ,
لقد فتنني جمالك ,
وأسرني شبابك .
لقد اقتنصك الموت فجأة ,
فإذاك ساكن لا حراك بك ,
بعدما كنت نشيطا ممتلئا بالحياة ,
وكانت الآمال تعمر صدرك ,
اذ كان قلبك يخفق بحبّ فتاتك الجميلة .
لقد تعاهدتما أن تموتا معا ,
وقد خاصرتها قبل أن تفارق روحك جسدك ,
وهذه المخاصرة تبرهن تفانيك بحبّ حبيبتك المسجّاة .
فواحرّ قلبي على شاب يذوي ,
والحسن يغتاله الموت الذي لا يرحم !
جمع الله روحيكما معا بفردوسه الأبديّ المفاتن والبهجات .
وذرفت عروس الماء دموعا حرّى على هذا لاشاب ورفقائه ورفيقاته , وشاركتها حوريّات البحر في حزنها الكبير ولوعتها على الكارثة المرعبة .
وما لبثت أن شاهدتني , فأسرعت والتقطتني , وغرستني بشعرها المستطيل . ثم أمسكت بيديها الغضّتين الشابّ وخطيبته , وقالت للحوريّات :
سأهبط بهما الى قصري المرجانيّ وأضعهما في حفرة مرجانيّة ,
مكسوّة بأعشاب نديّة وأزهار فاتنة بحريّة ,
فما يدريني أنهما سيتقمصان يوما لحوريّة بحر
وحبيبها المماثل كذلك بتقمّصه القادم !
وفي أعماق البحر , هناك في قصر مليكة الحواري الفاتنات ,
ألحد الخطيبان , ثم بسطت الحوريّة يدها وانتزعتني من شعرها الجميل , وثبّتتني بشعر دوريس .
التي أغمض الموت عينيها الفردوسيتين . وللحال ، غمرني حزن عظيم هزّ كياني هزّا عنيفا ،
فاذاني وقد استحلت لوردة ذابلة فجافّة .
لقد جفّت أوراقي أسى ولوعة على دوريس ،
هذه الغادة الفاتنة الحسن الرائعة المفاتن ،
دوريس التي طواها الموت وغيّبها الردى ،
لقد تنسّمت أريجي ، وتنشّقت عبقي العاطر ،
عندما كانت تقف بجوار خطيبها على ظهر السفينة ،
وكنت في ابّان ازدهاري وعنفوان ربيعي .
وها اني أعتلي قمّة رأسها ، الآن ، ثانية ،
بعدما انطوى عهدي وذبلت أوراقي ،
وجفّت عروقي ، وتوارت أيّام ربيعي ،
واحتضنني الموت الذي لا يرحم ،
مثلما احتضن دوريس الغادة اللعوب
المسجّاة بجوار خطيبها الشابّ الراحل ،
وهي راقدة رقدة الموت الأبديّ .
بيروت الساعة 9 وثلث
من ليل 21/2/1979 .
الأدب الداهشيّ
يتميز هذا الأدب، الذي يضمُّ أعمال الدكتور داهش نفسه وعدد من الداهشيين الذين عايشوه في حلِّه وترحاله، حيث يتجاوز كونه مُجرَّد أدب يتناول مواضيع الحُبّ، الجمال، الشوق، والألم. ليروي جوانب من العقيدة الداهشيَّة وخوارق مؤسِّسها، ممَّا يجعله أدباً فريداً ومثيراً للجدل في المشهد الأدبي العربي.
فهذه رسالة أدب الصدق دون ما زور أضاليل ينطق به أدب البهتان
التصنيفات الرئيسيَّة في كتابات الدكتور داهش
العناوين الأساسيَّة في كتابات الدكتور داهش مُصَّنفة بناءً على الأفكار المحوريَّة للعقيدة الداهشيَّة، تُمكِّن الباحثين من سهولة الوصول لتصوّراته ومفاهيمه للحياة والوجود
جـِراحُ الأديـان
إنحراف المفاهيم النقيَّة والجوهريَّة للأديان وآثارها السلبيَّة والصِّراعات التي نتجت عنها
الوحدة الأزليَّة
جميع الأديان السماوية تنبع من مصدر إلهي واحد أزلي، وأن الاختلافات الظاهرة هي مجرد تفسيرات بشرية.
فـي مـحـرابِ الـحـقّ
الحقُّ لا يقبل التنازل، هو الميزان الذي يجب أن تُقاس به كل التصرفات البشرية والاجتماعية
طـريـقُ الـعـودة
رحلة الرُّوح الأبديَّة وكيف تحقُّق العدل الإلهيَ والتطور عبر الأزمان
الـمـوت والـتـقـمُّـص
الموت ليس نهاية العدم، بل هو مجرَّد نقطة تحول لتصحيح الأخطاء وفرصة للتطوُّر
الـعَـرش، والـمُـنـتـهـى
الألوهيَّة والسُّلطة المُطلقة، المكان الأسمى ونُقطة الإنطلاق والنهاية.
صـراعُ الـيـَقـظـة
الوعي والإدراك الحقيقي لقوانين الوجود والتحرُّر من الأوهام الماديَّة التي يفرضها المُجتمع والجسد.
سـبـر أغـوار الذّات
البحث والتحليل للكشف عن الحقائق المخفيَّة، وتقييم الذَّات وإصلاح أعماقها مفتاح معرفة الكون والخالق.
الـحـرّيـة والإِنـسـان
الحريَّة المسؤولة، صراع اليقظة وسِبر أغوار الذَّات ضمن سياق السُّلوك الإنسانيّ وتفاعله مع مُحيطه
الطبيعة البشريَّة
الرَّغبات والشَّهوات، صراعاتٌ بين الرُّوح والمادَّة، ينعكس على واقع الإنسان والإنسانيَّة.
مـنـاهـج الـبـصـر
المادَّة هي الشَّكل الأدنى للُّروح، تتجاوز حدود العلوم المعروفة الى أبعادٍ روحيَّة لانهائيَّة.
تكامل المعرفة
الـكـون والـمـادّة، العلم والعقلانيَّة أدواتٌ منطقيَّة ضروريَّة للإيمان بالحقائق الروحيَّة.
أساطير الأبد
السرديَّات التي تتجاوز الزمن، وتتَّصل بجوهر الأزل وخلود الرُّوح
تجارب الأرواح
رحلات الأرواح وتجاربها في عوالم ما بعد الموت، تُقدم رؤية شاملة وكونية عن معنى الحياة والعدالة الأبدية.
الكتب هي طعامي المفضل. و نهمي لالتهام متنوعاتها لا يشبع فضولي مُطلقاً مهما طالعت منها. فأنا أقرأها و أتذوَّق حلاوتها، و أنتشي بما تحويه من كنوزِ المعرفة التي أودّ فضَّ مغاليقها، و استيعاب أسرارها المكنونة دوماً و أبداً.
الدكتور داهش








