في أدب الدكتور داهش

"مقدّمة الجزء الثاني من "كتاب قصصٌ غريبة ولأساطيرٌ عجيبة

                                                               بقلم الدكتور داهش

 

وهذا هو الجزء الثاني من كتابي قصص غريبة وأساطير عجيبة ، وقد أسميته ” 35 قصّة كتبها الدكتور داهش “، وهي متمّمة للجزء الأوّل .

فالقصص التي ذكرت فيها حوادث التقمّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّص ايماني بوجودي ، أي أنّ الانسان يتكرّر مجيئه الى الأرض ليتطهّر من أواشابه ويتخلّص من أوزاره .

والتوراة تذكر في ” سفر الخروج ” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر اذا سقط على رجل فأماته ، ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثمّ يذرّون رماده في الفضاء ، كما كانوا يحكمون على البهيمة اذا ضاجعها رجل بعقوبات مختلفة كما يحكمون على الفاعل .

فكيف يمكن أن تحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يحاكم جماد ، ويحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنّهما مسئولان عن عملهما مثلما يحاكم أيّ ابن حوّاء لأنّه يفهم مسئوليّته عندما يقدم على عمل غير شرعيّ فيحاكم ويحكم عليه بعقوبة شديدة أو مخفّضة بالنسبة لعمله الاجراميّ .

والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن ايليّا النبيّ قائلين له انّ النبوءات تؤكّد أنّ ايليّا النبيّ سيعود الى الأرض ، ثانية ، فمتى تكون عودته ؟  فأجابهم انّ ايليّا النبيّ قد عاد الى الأرض ،  وهو يعرف ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطع رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلب من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس بها لأنّها كانت قرينة أخيه .

ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو ايليّا المزمع أن يأتي ” ( متّى 11: 14 ) .

وسأله تلامذه أيضا عندما شفى الضرير فقالوا له : يا سيّد ، من أخطأ أهذا أم أبوه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه . ولكن لتظهر أعمال الله فيه ” ( يوحنّا 9 : 1-3 )

واليهود كانوا يؤمنون بالتقمّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الانجيل :” وقال آخرون انه ( أي المسيح ) ايليّا وآخرون انه نبيّ . فلمّا سمع هيرودس قال : ان يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات ” ( مرقس 6: 15-16 ).

ثمّ أليس من الظلم العظيم أن يولد طفل ضريرا أو كسيحا أو مصابا بأيّة عاهة …فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة اذا كان لم يرتكب وزرا ؟ وهل يقبل الله بظلم عظيم كهذا ؟ !

ولكنّنا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولد أعمى لأنّه ارتكب شرورا جسيمة جعلته يولد ضريرا أو كسيحا كاستحقاق لما ارتكبه في تقمّصه السابق لتجلّت لنا عدالة الله جلّت قدرته .

اذا على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مرارا وتكرارا حتّى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك الى عالم بعيد سعيد ، مخلّفا وراءه الأرض وما تزخر به من شقاء دائم وشرور لا نهاية لها . والدّين الاسلاميّ يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28 :  ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ اليه ترجعون ) .

وقول في سورة الانفطار ، آية 6-8 ( يا أيّها الانسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك ، في أيّ صورة ما شاء ركّبك ) .

وفي سورة غافر ، آية 11 : ( قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ، فهل الى خروج من سبيل ؟ ) .

وفي سورة الواقعة ، آية 6 : ( نحن قدّرنا بينكم الموت ، وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) .

وفي سورة المائدة ، آية 60 : ( قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، أولئك شرّ مكانا وأضلّ عن سواء السبيل ) .

والديانة البوذيّة تؤكّد أمر التقمّص تأكيدا تامّا . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنّه تقمّص مرارا وتكرارا ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنبا وقدّم نفسه طعاما للأسد .

والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص . لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون بها أمامهم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفا من الاضرار بها ، لأنّهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي الاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشرا ، فاستحقّت أن تولد حشرات أو حيوانات أو طيورا وما شاكل ، كلّ منها تحوّل الى نوع من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .

ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر ( CLEVE BACKSTER )   ، وهو أكبر اختصاصيّ أمريكيّ بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النبات يفكّر ويشعر كالانسان تماما ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المحيقة به ، ويدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يدرك به أفكار الناس .

ويقول هذا العالم ( باكستر ) انّ الزهرة تعرف اذا كان الشخص سيقتطفها ، واذ ذاك يغمرها الخوف ، وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ، فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر احساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة وخلافه …

وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيرا عميقا في تفكير البشر ونظرتهم الى محيطهم المغمور بالأسرار الخفيّة .

ومّما يؤكّد التقمّص مختلف أنواع الأشجار ذات الأثمار الجنيّة التي نقتطفها ثمّ يذهب موسمها ، فاذا بنا نراها في فصل الشتاء وقد تعرّت من الأوراق بتاتا ، ولم يبق منها سوى الأغصان الجرداء ، ثمّ تعود ثانية فتحمل الأثمار . ويتتالى هذا الأمر في كل عام ، سواء أكانت شجرة أم نبتة ، الخ …

أليس هذا تقمّصا ؟ أوليست عودة الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة ، ثانية ، الى عالم الوجود ؟

فلماذا نصدّق بهذا ولا نصدّق بعودة البشر بعد موتهم وتقمّصهم ثانية وثالثة ورابعة ، الخ…لكي تتاح لهم فرصة الرقيّ بأرواحهم وتغلّبهم على أوشابهم بتكرار تقمّصاتهم المتتالية .

والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتتاح لنا الفرصة – بتكرار عودتنا الى الأرض – لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .

وفي صباح 22 كانون الثاني 1971 طالعت في عدد ” الديار ” الأسبوعيّ ( ص 44 ) مقالا طويلا عن الأشجار والنباتات أجتزىء منه هذا المقطع :

” وقديما كان البدائيّون يعتبرون الأشجار أجسادا لآلهة يعبدونها ويلوذون بها في الشدائد .

وكانوا يعتقدون أنّ الأشجار تعقل وتتخاطب بلغة خاصّة فيما بينها . ولا عجب ، فنحن ، حتى الآن ، ننصح بارواء الزهور والأشجار لأنّها ( روح ) ، ونؤدّب من يقتطع جزءا منها ، لأنّ ذلك في نظرنا ( جريمة ) .

ولا تحسبنّ هذه العادة وقفا على الشرق والمسلمين . فالغرب عرف مثلها ، وقدّس الشجرة كتقديسنا لها . حتّى يقال أنّ السيّدة العذراء مريم قد جاءها المخاض تحت شجرة ، وانّ المسيح نزل بصحبة أمّه وعاش تحت شجرة ، وانّ ما يرمز اليه المسيح من قوله – حين أمسك بالخبز وأكل منه –” هذا لحمي ” ، انه يقصد ما للشجرة من روح . ولهذا احتفلوا بشجرة الميلاد ورأس السّنة . وقد تمّت بيعة الرضوان بين المسلمين والرسول تحت الشّجرة التي قيل عنها بسبب ذلك انّها ” الشجرة المباركة “.

والبوذيّون يعتقدون أن يوذا الحكيم قد تلقّى تعاليمه عند شجرة ، وجلجامش بحث عن الخلود في نبتة الحياة .

والديانة الطاوية تقول لأهلها : خذوا الحكمة من الشجرة الخ ، الخ ….

ونظريّتنا في التقمّص هي الآتية :

انّ الأديان قاطبة تقول ، بل تؤكّد أنّ الانسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمال صالحة وأخرى طالحة .

وعندما يتوفّاه الله يذهب الى النعيم اذا كانت أعماله صالحة ، أو الى الجحيم اذا كانت أعماله شرّيرة .

ويعمّر الانسان 70أو 80 أو 90 عاما . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم ، و4 سنوات بالمرض ، و15 عاما هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . اذا الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .

ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّا اذ انّ دنيانا حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في شراكها التي لا ينجو منها ناج ، فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضمّ الشهوات العارمة ، وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ…. جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكّد .

اذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم الى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهر الى دهر ، ومن أزل الى أبد . وهذا أمر غير جائز اطلاقا ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميقة . لهذا أعطانا فرصة اصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا ايّاها 6000 مرّة نعود فيها الى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .

ففي خلال هذه التقمّصات ال6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وايابه . فاذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، اذا يستحقّ ، اذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلا وحقّا .

هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذّبوها ، فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيبا أم مخطئا . واني أعلن على رؤوس الأشهاد ايماني بالتقمّص كايماني بحقيقة وجودي ، والسلام .

                                                       الدكتور داهش

 

                                     بيروت ، الساعة 8 من صباح 21/1/1979

سيف الحقيقة الرهيف سيبتر المجرم والمجرمين

بقلم الكتور داهش

 

منذ سبعة وعشرين عاماً مضت , أطلقت ( ماجدا حدّاد الداهشيّة ) الرصاص على صدغها وضحّت بحياتها , وذلك إحتجاجاً على الظلم الرهيب الذي أوقعه أقرباؤها بي , إذ جرّدت من جنسيّتي , وأبعدت , وشرّدت في مشارق الأرض ومغاربها .

 

ولور قرينة بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة , يومذاك , هي خالة ماجدا حدّاد الداهشيّة .

 

وفي أواخر عام 1942 , إعتنق الداهشيّة كلّ من ماري حدّاد وقرينها جورج حدّاد , وكذلك كريماتها : ماجدا الشهيدة , أندره , وزينة , كما آمن بها صهرهما جوزف حجّار قرين السيّدة أندره .

 

وقد حاول أقرباء آل حدّاد أن يبعدوا السيّدة ماري وقرينها وكريماتها عن مؤسس الداهشيّة , واستعملوا كافة الطرق , ففشلوا وكان فشلهم ذريعاً .

 

وإذ ذاك صدر مرسوم النفي والإبعاد . فما كان من ماجدا صاحبة العقيدة الداهشيّة الراسخة إلاّ الإحتجاج الصارخ , إذ أطلقت الرصاص على صدغها مضحّية بحياتها الغالية في سبيل إيصال صوتها للرأي العام , إستنكاراً لهذا النفي المُجحف والتشريد الذي تجاوز حدود القانون والدستور .

 

إنّ هذه المأساة المُرعبة قد مضى عليها سبعة وعشرون عاماً , وما تزال كأنّها ( إبنة ساعتها ) .

 

وستمضي آجال وتتصرّم أجيال , وستؤلّف كتب كثيرة شارحة مراحل هذه المأساة الهائلة .

 

والشعوب القادمة ستكون الحكم إذ ذاك ,

ويكون التاريخ القول الفصل .

وسوف يميّز الصالح من الطالح .

وسيكون حكمه صارماً ولكن عادلاً .

 

وبما أنّني أعتقد إعتقاداً راسخاً بخلود الأرواح , وأنّها تنتقل بعد الوفاة الى عوالم مادّية أخرى , إذاً بوسعي أن  أؤكّد تأكيداً جازماً أنّ الحساب لم يُسدّد بيني وبين من إرتكب الشرّ الفاضح , وأنّ الإقتصاص سيبتدىء فور إنتقالي من عالم المادّة الدنيويّ هذا.

وسيكون الحساب عسيراً , وسيدفع الثمن غالياً . وإذ ذاك تنتصر العدالة بعد أن يساط الظلم سوطاً رهيباً , إذ لكلّ جريمة ثمن ستدفعه عاجلاً أم آجلاً . وإنّ ربّك لبالمرصاد .

 

وما أروع الكلمة الخالدة التي تفوّه بها الأديب الروسي العالميّ تولستوي , إذ قال : إنّ اللّـه يمهل ولكنّه لا يهمل .

 

وإذ ظنّ المُعتدي أنّه قد نجا بعدما انطلقت روحه من عالم الأرض ولم يقتصّ منه على ما إرتكبه من أهوال جسيمة , فظنّه باطل وتخيّلاته وهميّة .

 

وستوقظه الفجيعة التي ستنقضّ عليه إنقضاض الصواعق في عالمه الذي أوصلته إليه أعماله الرهيبة .

 

وليثق الجميع بأنّ كلّ آت قريب .

 

ومن يتهكّم بأقوالي هذه , فإنّما يتهكّم بنفسه وغبائه الشديد . وإنّي أسأل بدوري , من أين أتيت أيّها العلاّمة العارف الغارق في العلوم والفلسفات . ولكنّه سيصمت , ولن يستطيع إعطائي الجواب .

 

وما دام الإنسان يأتي ولا يعرف من أين كان مجيئه , فما أحراه أن يجهل إلى أي مكان ستكون عودته , عند إنتهاء أيّامه على أرض الشقاء هذه .

 

ولكنّي أعتقد إعتقاداً راسخاً أنّ كلّ إبن أنثى سيذهب , بعد وفاته , الى عالم ماديّ آخر , ويبدأ , هناك , حياةً جديدةً أخرى .

 

وهكذا يتسلسل موته وبعثه من عالم الى عالم حتى يبلغ عالم الروح , بعدما يكون قد تدرّج في سلسلة إختبارات وتجارب هائلة , وبعدما تكون روحه قد بلغت الكمال , بعد سلسلة مرورها في عوالم عديدة .

 

هذا هو رأيي الخاص , ولكلّ رأيه الخاصّ .

 

وإنّي أستشهد بالآية القرآنيّة القائلة :

 

( إنّك لا تهدي من أحببت . إنّ اللّه يهدي من يشاء ) . والسلام .

 

بيروت في 15 – 2 – 1972

داهش

الملكُ الكلب

     كان كلبا هزيلا ، ملأت القروح جسده ، والطفوح الجربيّة جرّدته من شعره ، فاذا هو عار من كسوته التي تردّ عنه لذعات الذباب المؤذية .

وما يكاد يقترب من القرية حتّى يقذفه الأولاد بالحجارة خوفا من أقذاره الكريهة . وقد أصابه أحدهم بعينه ففقأها ، فسال دمها ممتزجا بقيوح قروحه النتنة . وقد فرّ مذعورا تلاحقه حجارة كلّ من يمرّ بقربه .

وعندما يعضّه الجوع بنابه الذي لا يرحم يلتجىء الى مزبلة القرية المنزوية في أقصى مكان بعيد عن العمران ، باحثا عن عظمة أو كسرة من خبز جافّة تردّ عنه غائلة الجوع الكافر .

ولسوء حظّه العاثر بينما كان يحاول التهام رجل دجاجة ملقاة في المزبلة ، وكان قد سبقه اليها جرذ ضخم ، نشبت بين الكلب والجرذ معركة ضارية قضم فيها الجرذ منخر الكلب فعوى ألما ، وملأ عواؤه تلك الضاحية المنعزلة ، وفرّ مذعورا وكأنّ أبالسة الجحيم تطارده ، والدماء الغزيرة تسيل من أنفه المقضوم .

وانكفأ على وجهه في حفرة مملوءة بالماء الآسن يريد أن يشرب ، ولا ماء في تلك الجهة ، فاختلطت دماؤه بالماء الملوّث ، فراح يلعق الماء الكريه بلذّة كبرى ، والدموع تتسايل من عينيه اللتين تكادان لا تظهران لكثرة القروح حولهما .

وانقضى فصل الخريف ، واحتلّ فصل الشتاء بجيوشه الكثيفة ، وراحت بروقه تومض ، ورعوده تقصف ، ورياحه تعصف ، وأمطاره تتساقط  بغزارة عظمى .

ثمّ ابتدأت الثلوج بالانهمار ، فغمرت البطاح ، والبرد اشتدّ أمره ، والزمهرير انقضّت جحافله ، فسادت وعبثت ما شاءت لها السيادة والعبث ، وهامت الذئاب تريد طعاما .

وكان الكلب الأجرب بأسوأ حالة وأتعس عيش مرير ، فهو أبديّ الفرار من الشوارع المطروقة والمساكن العامرة بالسكّان ، فهو يكاد لا يظهر حتّى تطوّقه العصيّ لاعبة على ظهره ، قارعة بعنف بطنه ، كما كانت الحجارة تنصبّ عليه انصباب الحمم ، لهذا فهو لا يجرؤ على الذهاب حيث يكون الناس .

وقد اتّخذ له مأوى غارا بلحف جبل ، يغادره الى المزبلة عندما يعضّه الجوع الذي لا يرحم . وفي ليلة ثلجيّة اكتست منها الجبال والأودية والطرقات فأصبحت بحلّة بيضاء ناصعة ، هامت الذئاب باحثة عن فريسة ، فاذا بها تجد هذا الكلب قابعا بغاره ، فهاجمته ومزّقته تمزيقا مروّعا . وبعد لحظات ، أصبح كومة من العظام مجرّدة من اللحم تماما .

انّ هذا الكلب التعيس كان ملكا آمرا ناهيا ، ففي كلمته موت أو حياة . وقد سبق له ، عندما كان ملكا متربّعا على عرشه الأمبراطوريّ ، أن ظلم أحد الشبّان بعدما استهوته زوجته الفاتنة ، فاستلبه ايّاها . ولم يكتف بهذه الجريمة الكبرى ، بل أمر ، أيضا ، أن يلقى للذئاب الجائعة وهي في دهاليز قصره . فألقي هذا الشاب المسكين بينها فافترسته حيّا .

وها قد نال جزاءه العادل اذ تقمّص كلبا مريضا تعاف الاقتراب منه حتى الكلاب لقذارة الرائحة المنبعثة من قروحه النتنة .

ثمّ افترسته الذئاب مثلما سبق له فأمر بالقاء الشابّ الى جمهرة الذئاب .

انّ الله جلّت قدرته يمهل ولا يهمل . وأخيرا فانّه يجازي كلّ مخلوق بنسبة عمله ، فما تزرعه ايّاه تحصد .

لقد زرع هذا الملك شرّا . فاذا هو كلب نجس مزّقته الذئاب اربا اربا . وما ربّك بظالم عباده ، انّما هم لأنفسهم ظالمون .

             الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ابتدأت كتابتها في الساعة 4،30 بعد ظهر 18/1/1978 وأنجزتها الساعة الخامسة

مقبرة الأهوال المرعبة

وانقضّت الصواعق ترجم الأرض رجما ، والبروق ومضت فانشقّت الحجب وظهرت المخبّآت . وجمحت العاصفة فاذا بجبابرة الأشجار ترتجف وجلا فتتناثر أوراقها فاذا بها عارية . بينما اقتلعت أخرى من جذورها فاذا بها ممدّدة هامدة ….

وانشقّت القبور ، ونهض الموتى مغادرين أرماسهم ، نافضين أكفانهم ، ملقينها في قبورهم !

نهضوا وهم عظام غير مكسوّة باللحم ، اذ انّ الديدان قد افترسته منذ مئات ومئات من الأعوام !

واختلطت الهياكل العظيمة حابلها بنابلها ، والعاصفة تدور بهم بين الأجداث الكئيبة ، وصفير الرياح يملأ المقبرة بعزف مخيف ترتعد منه فرائص الأشباح الهائمة . وانشقّت الأرض وتصدّعت ، فبرز الشيطان من فجوتها السحيقة .

كان هذا الشيطان اللعين متمنطقا بثعبان هائل ذي عشرة رؤوس مرعبة ، ويتصدّر جبينه عقرب ابليسيّ ضخم الحجم ، والنار تخرج من عينيه الضيّقتين !

وأشار هذا الشيطان بسبّابته للهياكل العظميّة ، فاذا هي تتسمّر بأمكنتها وهي ناظرة بأوقابها الفارغة الى ربّ المعاصي واآثام الجسام !

وضرب ابليس الأرض بحافر قدمه المتينة ، فاذا بها تتصدّع ، ويظهر فراغ سحيق تتأجّج فيه نيران جهنميّة مخيفة ، ويجوف هذه النيران أشخاص تشقّ صرخات ألمهم الجهنّمي طبقات الفضاء , فيرجّع الصدى صراخ ألمهم المدمّى !  

وتقدّم الشيطان للهيكل العظميّ المنتصب أمام الهياكل العظميّة الأخرى ، وسأله :

  • ما اسمك ؟ ومتى توفّيت ؟ وكيف ؟

فأجاب الهيكل المجرّد من اللحم :

  • ناتالي . وقد توفّيت في أوّل كانون الثاني عام 1460 ، وكان

عمري 24 عاما . وقد أحببت الشّاب هامان ، فهمت به ، وأصبحت لا أستطيع العيش بدونه . وكان فقيرا لا يملك شروى نقير ، اذ كان عاملا يكاد لا يحصل على لقمة عيشه . لهذا لم يقبل والدي أن أقترن به . وقد زوّجني بنابال الغنيّ الذي كنت أكنّ له كرها عميقا .

ورزقت بطفل أسميته لهيب ثمّ بطفلة أسميتها حبيبة . ولا حاجة بي الى القول انّ هذين هما من هامان حبيبي الفقير ، وليس من نابال الغنيّ المحتقر .

ثمّ دسست السمّ لنابال بالاتّفاق مع معبودي هامان . وكان والدي قد توفّي . فاقترنت ، أخيرا ، بمن يهواه قلبي ، اذ سبق له أن استبى لبّي .

لكنّ نهايتي كانت تعيسة للغاية اذ انّ هامان تعلّق بصديقة لي كانت تزورني . واذ ذاك طعنته بخنجر مرهف الحدّ ثمّ غرسته بقلبي . وهكذا كانت نهايتي ونهايته مؤسية .

وتقدّم هامان ، وكان وراءها مباشرة ، وما تزال آثار الخنجر في عظمة صدره ، فهي مثقوبة !

تقدّم وصفعها على وجهها ، واذا برأسها يسقط بين رجليها . وكان صراخ الذّعر يخرج من فتحة فمها العظميّ ، فترتجّ القبور لهول صياحها المذعر .

وعلا صوت ابليس يعنّف هامان ، قائلا له :

  • أنت ، أيّها القذر ، يا من أنجبت طفلين من امرأة متزوّجة ، فكان جزاؤك طعنة خنجر أوردتك موارد التهلكة ، الآن ستخلد معها ببحيرة النار المتّقدة .

وركل الشيطان بحافره هامان وناتالي ، ودفعهما نحو الهوّة ، فاذا ببحيرة النار تستقبلهما ، فيخوضان غمراتها المتأجّجة بخالد النيران الأبديّة . وكان صياح ذعرهما يفكّك عقد الصخور الراسخة الثبات .

فاضطربت الهياكل العظيمة اضطرابا عظيما ، وازدادت الأهوال عندما عصفت الرياح ، وتساقطت أمطار هائلة ، ودوّت الرعود قاصفة بدويّها المجلجل أرجاء مقبرة الأهوال المرعبة !

وأخذ كلّ هيكل عظميّ يعترف للشيطان بما اقترفه من معاص وآثام جسام ، ثمّ يقذف به في لجج الهاوية المستعرة بالنيران .

وانجلى الفجر….

فاذا المقبرة قد انطرحت أشجارها أرضا من فعل العاصفة الهوجاء ، وتشقّقت قبورها من زلزال ليليّ عنيف فلق الأرض ! واذا بهوّة سحيقة مخيفة قد تجلّت في مقبرة الأهوال المرعبة ، بعد هذه الليلة الحافلة بالمخاوف !

 

 الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، بدأت كتابتها الساعة 5،30 وأنجزتها في السادسة مساء – تاريخ 18/1/1978           

صفحة مجهولة

صفحة مجهولة من

غرام الامبراطور نابليون

 

عاد نابليون ظافراً مكللاً بالغار، و ذلك بعد فراره من جزيرة ألبا، إذ إن الجيش الذاهب للقبض عليه ألقى سلاحه عند قدمي أمبراطوره، و حمله على الأكتاف.

فعاد إلى عاصمته بطلاً صنديداً لا يقف بوجهه مغامر.

و أقيمت حفلات التكريم له، و أولمت وليمة دعي إليها عظماء المملكة و كبار ضباط الجيش.

وممن حضروا الوليمة الشيد هنري كوتيه وابنته اللعوب بوليت ذات التسعة عشر ربيعاً.

كانت بوليت رائعة الجمال، ريانة الصبا، ذات عينين دعجاوين ينبعث السحر منهما. و إذا ابتسمت قتلت لفتنتها العجيبة! و قد لفتت الأنظار بشعرها المتهدل الاخاذ المنسدل على كتفيها الرائعتين! و جلست مع الجالسين ينتظرون قدوم أمبراطورهم العظيم.

 

قدوم الأمبراطور

 

وعزفت موسيقى الترحيب بمقدم الأمبراطور تحف به حاشيته و قد ارتدوا أفخر ما لديهم من حلل مزركشة موشاة برتبهم العسكرية.

فنهض الجميع  إجلالاً له. فحياهم مبتسماً برفع يده، ثم عاد فأدخلها تحت معطفه. وبعد تناول الطعام سمح الامبراطور بافتتاح حلبة الرقص.

 و عزفت الموسيقى…وعلى أنغامها اهتزت الخصور، و عقدت الأصابع.

 

بوليت الفاتنة

 

وحانت التفاتة من الأمبراطور إلى حيث تجلس بوليت، فبهره جمالها الأخاذ و سأل من تكون هذه الصبية؟

-إنها بوليت، يا مولاي، وهي ابنة هنري كوتيه مدير بنك الاعتماد الاقتصادي، و هي وحيدته.

فهزّ الإمبارطور  رأسه و غيّر مجرى الحديث.

وانتهت المأدبة، و توقف الرقص، وانصرف الجميع إلى منازلهم.

 

نابليون وحلمه العجيب

استغرق نابليون بونابرت بالتفكير العميق، فقد شغلت هذه الحسناء أفكاره، و لم يستطع النوم.

-يا الله! هي هي بنفسها! فهذه الحقيقة أغرب من الخيال!

لقد شاهدتها مراراً في أحلامي وكنت أظنّ انها أضغاث أحلام، فإذا بها حقيقة مجسدة! و ليل الأمس شاهدتها بأثناء نوم وهي تغالب الأمواج و برفقتها فتاة، و الأمواج تغالبهما، ثم انقلب الزورق بهما وابتلعهما اليمّ و هي تقبّل صورة بيدها لم أتبيّن معالمها. و العجب بالأمر أنني شاهدت نفسي طائراً فوق جثتيهما و الأمواج ترتفع كالجبال! ترى، ماذا يعني ما شاهدت في حلمي العجيب.

 

الإمبراطور يتنكر

 

لقد طار النوم من عيني الإمبراطور ولم يستطع إليه سبيلاً، فنهض وارتدى ثيابه و تنكر.

وعندما حاول الخروج تبعه حارسه الذي لا يفارق له ظلاًّ.

-مولاي أنا خادمك الأمين، مرني فأطيع.

-رافقني من بعد، و إياك أن تعلم أي مخلوق عن زيارتي الليلية هذه طوال حياتك.

-أقسم لك بخالقي و بشرفي العسكري على أن هذا السر سيرافقني للقبر يا مولاي العظيم.

وسار الإمبراطور  وهو يعتلي فرسه، و حارسه أتبع له من ظلّه.

 

مفاجأة مذهلة

 

وأخيراً وصلا إلى منزل متوسط الكبر تحيط به حديقة صغيرة، و قرع الأمبراطور الجرس، وانتظر ، فلم يفتح الباب. فأعاد قرعه ثانية و ثالثة و رابعة، إذ كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

و اخيراً فتح الباب، و سمع صوت يقول:

-من هذا الطارق الثقيل في ذه الساعة المتأخرة من الليل؟

ولحسن الحظ كان من فتح الباب – السيد كوتيه-إذ إن الخادمة ذهبت إلى منزلها قبل ساعات لحادث طارئ في بيتها. و ما شاهد السيد كوتيه وجه زائره حتى فغر فاه من الدهشة، و ذهل من هذه المفاجأة الصاعقة غير المنتظرة و صاح:

-مولاي مولاي، أغفر لي زلّتي، أغفر كلمتي- الثقيل- فأنا يا مولاي لو زارني الملاك جبرائيل لما فوجئت بزيارته كمفاجأتي بزيارتك لمنزلي المتواضع. فهذا شرف عظيم لا تأتي الأيام بمثله.

وتنحّى مفسحاً له الطريق. فدخل الامبراطور المنزل يرافقه حارسه، و قد اشأبّ شارباه كعلامة لرجولته. و قال الإمبراطور لحارسه:

-انتظرني في هذه الغرفة.

و أكمل سيره مع السيد كوتيه إلى الصالون الانيق.

 

بوليت الجميلة تذهل

 

وما كاد يجلس حتى دخلت بوليت الجميلة و هي تعرك عينيها  أيقظتها الأصوات المتصاعدة. و ما شاهدت الأمبراطور حتى جحظت عيت=ناها، و بدت الدهشة العظمى على وجهها فغيرت ملامحها.

-مولاي نحن لا نستحق زيارتك لمنزلنا. فأنت أعظم عظيم في كل  أوروبا، ونحنعاديون. إن شرف عظيم لنا ستخلّده الأيام.

 

والد يتجلبب بالشرف الأثيل

 

وانسحب والدها إذ عرف بالبديهة سبب زيارة الأمبراطور لمنزله،و أن ابنته ستلعب دوراً بارزاً في حياة الأمبراطور معبود فرنسا.

 

دهشة بوليت العظمى

 

-بوليت إن عظماء أوروبا بأسرها يزحفون وهم يسعون لمقابلتي. و أنا أتيت لمنزلك لأجل الاجتماع بك. أو تدرين، يا بوليت، أنك استوليت على تفكيري مذ شاهدتك في المأدبة الامراطورية ؟ ز هل تعلمين أنني ما استطعت النوم إطلاقاً و انا أفكر بك! و ستدهشين إذا أكدت لك أنني شاهدتك مراراً و تكراراً في منامي. و الآن أصبحت الاحلام حقيقة واقعة بعدما شاهدتك بالمأدبة فذهلت!

-مولاي ماذا أسمع؟ مولاي، هل أنا في حالة يقظة واقعية أم تراني أشاهد حلماً سيزول ويتبدد في حال يقظتي!… كاد أجن، أكاد أفقد عقلي…ساعدني، يا إلهي، فقد اختلط عليّ الأمر!

 

وكان ما كان مما لست أذكره

 

و جثت امام نابليون، فأنهضها و قبّل يدها بشغف ووله عظيمين. ثم أمسك كلتا يديها، و نظر إلى عينيها طويلاً وهو يتملاهما بلذة ووجد فائقين. و كانت بوليت  =ترتجف من الفرح، ومن الدهشة المثيرة، وما عتمت أن قالت له بصوت خافت:

-إنني احبك بكلّ ما تعنيه كلمة الحب، و أشعر بأنني لن أستطيع الحياة بدونك، بعد اليوم فكلمة منك تحييني، و كلمة أخرى تميتني.

-وأنت يا بوليت، لن أشعر بالسعادة بدونك. فمنذ هذه الدقيقة أصبحت مديناً لك بسعادتي.

والتقت الشفاه…وكانت قبلة ثائرة…قبلة مجنونة…قبلة مذهلة لا يمكن لقلم أن يصف مقدار لذتها العظمى…واستسلمت بولت للأمبراطور بكلّ ما لديها من أنوثة مغرية.

 

بوليت تقسم أنها ستكتم

 

غادر الأمبراطور منزل معبودته ومالكة لبّه في الساعة الخامسة فجراً يتبعه فارسه الأمين. و عاد إلى قصره وهو سعيد بما حققه في ليلته هذه.

وقبل مغادرته لمنزل السيد كوتيه جعل حبيبته تقسم له برب السماء على أن تكتم علاقته بها كتماناً تاماً لأسباب ذكرها لها، مؤكداً لبوليت أن هذه الأسباب تراءت له بالحلم. فقد قال له الصوت بأثناء نومه:

-إذا لم تتقيد بما فهمتك  عنه، إذ ذاك تفقد عرشك وينتهي  أمرك.فوعدته بولت بكتمان الأمر طوال حياتها.

 

 

واترلو أزالت مجد نابليون

 

وتكررت انتصارات نابليون، فخضع ممالك، و أزال عروشاً و أذلّ شعوباً، و أباد جيوشاً، و رفع أقواماً، و خفض آخرين.

و أخيراً كانت معركة واترلو هذه المعركة التاريخية المشؤومة عليه، و التي ذهب ضحيتها خمسون ألف قتيل من الطرفين. كما كانت السبب في فقيده لعرشه واضمحلال ملكه، ثم نفيه إلى جزيرة سانت هيلانة.

وهناك ذاق الأمبراطور الامرّين من حاكم الجزيرة النائية هدصن لو، و هذا الحاكم الإنجليزي الحلف الذي جافى الأمبراطور العظيم الذي قلب له القدر ظهر المجنّ بعد ذلك المجد الباذخ.

أما بولت فكادت تجنّ و تفقد عقلها لهول المصاب الفادح الذي أصاب منها مقتلاً.

ففي إحدى الليالي استقلت زورقاً استأجرته، واصطحبت ابنتها من نابليون، وانطلقت فيه بعرض البحر تريد أن تذهب إلى جزيرة سانت هيلانة حيث أسد فرنسا  سجين الإنكليز.

لكن القدر القاسي كان لها بالمرصاد، إذ اهتاجت الأمواج و أرغت و أزبدت لهبوب عاصفة عنيفة. و بلحظة انكفأ القارب بطناً لظهر، و ابتلع  البحر في أعماقه بولت الفاتنة وابنتها هنريت.

ومن أغرب الغارئب و أعجب العجائب أن موت بولت وابنتها وقع في اللحظة نفسها التي انطلقت فيها روح الأمبراطور العظيم!

فيا لسخرية الأقدار!

 

واشنطن الساعة الثامنة

من صباح 4/3/1976

ظُلم قبيلة المردة

كانت قبيلة المردة هي السائدة و المتحكمة بشؤون الشعوب التي بسطت حكمها عليها. و كانت احكامها صارمة تنفذ بقسوة و عنف بالغين.

والقوانين التي  تصدرها دار الاشتراع لم ير التاريخ لها مثيلاً بالغرابة البالغة منتهاها. فقد حرّم أحد القوانين تناول الفواكه وما تنتجه الحقول و الجبال من مختلف انواع الأزهار على مختلف أنواع الأزهار على مختلف أشكالها و ألوانها.

فلا تستطيع يافع أن تزين شعرها بوردة، و لا تستطيع كاعب ان تضع ضمة من الورود في وعاء يزين المنزل ويبعث البهجة فيه.

كانت الأثمار الحلوة المذاق ملكاً حلالاً لقبيلة المردة البطاشة. فكلّ من له حقل تحمل أشجاره الفواكه عليه أن يجنيها و ينطلق إلى المبنى المختص بتلقي هذه الفواكه التي يحملها جميع أبناء هذا الشعب المغلوب ليسلموها إلى المسؤول  عن هذا المبنى.

ومن ثم توزع هذه الفواكه على أفراد القبيلة كبيرهم و صغيرهم.

فرح للحظات

و أقيمت الأفراح في منزل الثري مادي، إذ إن ابنته ناهالي ستقترن بالشاب دوباري بعد حب جارف استمرّ عاماً كاملاً.

فهرعت الوفود إلى منزل مادي لتقديم التهنئة و الاشتراك بأفراح العرس القائم على قدم  وساق.

وعزف العازفون ، و أنشد المنشدون…. وكانت ناهالي كزهرة ندية وقد ارتدت ثوب العرس الصيفي، فخفقت قلوب وارتعشت أفئدة لصباها العجيب.

و تقدم دوباري نحو حبيبته ناهالي و بيده تفاحة حمراء قدمها إليها ، قائلاً لها:

-إن حواء قد غرقت آدم و جعلته يأكل التفاحة. وها أنا اعكس الآية فأغريك بالتفاحة لتاكليها.

فافترّ ثغر ناهالي بابتسامة عذبة، و قضمت التفاحة، وناولتها إلى حبيبها فقضمها، أيضاً، وهو جذل ضاحك. فصفق الجميع، و صاحوال معاً:

-ليهنأ الحبيبان الفتيان.

مأساة رهيبة

و أبرق الجو و أرعد، وعلت ضجة هائلة تبعتها صلصلة سيوف ولعلعت أصوات ثائرة غاضبة، مرغية مذبدة، مهتاجة مهددة:

-الويل لكما أيها اللعينان.

وكانت هذه الأصوات المهددة صادرة عن رجال الشرطة الخفية من المردة وقد اندثوا بين الحضور.

فاقتادوا العروسين المذعورين بينما كانت الصفعات تتوالى عليهما بقسوة ووحشية. و أدخل كلاهما إلى السجن. و في اليوم الثاني حكم عليهما بالإعدام، و نفّذ الحكم أمام الآلاف المحتشدة لمشاهدة هذا الظلم المخيف دون أن يجرؤ أي منهم على التفوه بأية عبارة احتجاج. و ألقيت الجثتان  في حفرة خصصت للمحكومين الذين يجري إعدامهم إذا ثبت أنهم تناولوا أية ثمرة من الثمرات الحلوة المذاق، أو اقتطفوا أي نوع من الأزهار واحتفظوا بها دون ان يسلموها إلى المسؤول عن تسلّم باقات الورود و طاقات أنواع الأزهار المختلفة ليزين المردة بها منازلهم.

الله يمهل ولا يهمل

واستمر هذا الظلم أعواماً عديدة و سنين مديدة. و ضجت الشعوب التي تحكمها قبيلة المردة، و رفعوا ضراعتهم إلى الخالق الموجد طالبين أن ينقذهم من هذا الضيق العظيم و الضيم المقيم.

وسمع الله لصلواتهم، واستجاب لدعائهم، و حقق لهم آمالهم.

حقاً إن الله يمهل  و لا يهمل.

ففي فجر أحد الأيام  ذهل الشعب المحكوم ذهولاً عظيماً، إذ استيقظ الجميع على أصوات راعدة هادرة، و دويّ هائل يخيف تفجره الجبابرة!

فهرع المردة وهم يحملون أسلحتهم ظاانين أن العدو قد هاجمهم في عقر دارهم. واجتمع الألوف منهم وهم يدويون في  حلقة مفرغة إذ لا عدوّ يشاهدونه، ولا مهاجم ليقطعوه!

وفجاة ، و امام نظر الألوف الهالعة، جعل هؤلاء المردة يتقلصون شيئاً فشيئاً حتى أصبح كل منهم بحجم ذبابة كبيرة و كانت يصدر منهم طنين تسمعه الآذان المرهفة!

الجزاء الإلهي

وسمع صوت جبروتي ملأ الآفاق، قائلاً لهم:

-لقد أحلتكم إلى نحل، و أذنت لكم أن تطوفوا الحقول و الجبال و السهول تبحثون عن مختلف انواع الأزهار لتجنوا منها عسلاً و شهداً يكون طعاماً لمن ظلم ممن كانوا تحت نيركم.

ومنذ تلك الدقيقة خلقت النحلة التي لم تكن معروفة في عالم الأرض.

وكل من كان يحمل منهم سلاحاً تحول سلاحه إلى الحمة التي يلسع بها.

ومنذ تلك الهنيهة ابتدات جماعات النحل تجوب الغابات والفيافي بحثاً عن الازهار لتجني منها عسلاً شهياً.

أما  ناهالي فبعد أن توفيت جعلت مليكة النحل يلتفون حولها ليحموها بأرواحهم و يقدموا لها الغذاء الملكيّ، و هي أكبرهم جسماً و أطولهم عمراً.

الولايات المتحدة الاميركية الساعة الثالثة فجراً

تاريخ 24/4/1976

الأدب الداهشيّ

يتميز هذا الأدب، الذي يضمُّ أعمال الدكتور داهش نفسه وعدد من الداهشيين الذين عايشوه في حلِّه وترحاله، حيث يتجاوز كونه مُجرَّد أدب يتناول مواضيع الحُبّ، الجمال، الشوق، والألم. ليروي جوانب من العقيدة الداهشيَّة وخوارق مؤسِّسها، ممَّا يجعله أدباً فريداً ومثيراً للجدل في المشهد الأدبي العربي.

بوَّابة المعرفة
في أدب الدكتور داهش

فهذه رسالة أدب الصدق دون ما زور أضاليل ينطق به أدب البهتان

التصنيفات الرئيسيَّة في كتابات الدكتور داهش

العناوين الأساسيَّة في كتابات الدكتور داهش مُصَّنفة بناءً على الأفكار المحوريَّة للعقيدة الداهشيَّة، تُمكِّن الباحثين من سهولة الوصول لتصوّراته ومفاهيمه للحياة والوجود

جـِراحُ الأديـان

إنحراف المفاهيم النقيَّة والجوهريَّة للأديان وآثارها السلبيَّة والصِّراعات التي نتجت عنها

الوحدة الأزليَّة

جميع الأديان السماوية تنبع من مصدر إلهي واحد أزلي، وأن الاختلافات الظاهرة هي مجرد  تفسيرات بشرية.

فـي مـحـرابِ الـحـقّ

الحقُّ لا يقبل التنازل، هو الميزان الذي يجب أن تُقاس به كل التصرفات البشرية والاجتماعية

قدسية الحقيقة

البحث عن الحقيقة ومعرفتها والتمسُّك بها هو بمثابة فريضة وعبادة مُقدَّسة

طـريـقُ الـعـودة

رحلة الرُّوح الأبديَّة وكيف تحقُّق العدل الإلهيَ والتطور عبر الأزمان

الـمـوت والـتـقـمُّـص

الموت ليس نهاية العدم، بل هو مجرَّد نقطة تحول لتصحيح الأخطاء وفرصة للتطوُّر  

الـعَـرش، والـمُـنـتـهـى

الألوهيَّة والسُّلطة المُطلقة، المكان الأسمى ونُقطة الإنطلاق والنهاية.

غاية الوجود

حيثُ سُدرة المُنتهى والهدف الأسمى للروح الإنسانية في رحلتها الطويلة

صـراعُ الـيـَقـظـة

الوعي والإدراك الحقيقي لقوانين الوجود والتحرُّر من الأوهام الماديَّة التي يفرضها المُجتمع والجسد.

سـبـر أغـوار الذّات

البحث والتحليل للكشف عن الحقائق المخفيَّة، وتقييم الذَّات وإصلاح أعماقها مفتاح معرفة الكون والخالق.

الـحـرّيـة والإِنـسـان

الحريَّة المسؤولة، صراع اليقظة وسِبر أغوار الذَّات ضمن سياق السُّلوك الإنسانيّ وتفاعله مع مُحيطه

الطبيعة البشريَّة

الرَّغبات والشَّهوات، صراعاتٌ بين الرُّوح والمادَّة، ينعكس على واقع الإنسان والإنسانيَّة.

مـنـاهـج الـبـصـر

المادَّة هي الشَّكل الأدنى للُّروح، تتجاوز حدود العلوم المعروفة الى أبعادٍ روحيَّة لانهائيَّة.

تكامل المعرفة

الـكـون والـمـادّة، العلم والعقلانيَّة أدواتٌ منطقيَّة ضروريَّة للإيمان بالحقائق الروحيَّة.

أساطير الأبد

السرديَّات التي تتجاوز الزمن، وتتَّصل بجوهر الأزل وخلود الرُّوح 

تجارب الأرواح

رحلات الأرواح وتجاربها في عوالم ما بعد الموت، تُقدم رؤية شاملة وكونية عن معنى الحياة والعدالة الأبدية.

الكتب هي طعامي المفضل. و نهمي لالتهام متنوعاتها لا يشبع فضولي مُطلقاً مهما طالعت منها. فأنا أقرأها و أتذوَّق حلاوتها، و أنتشي بما تحويه من كنوزِ المعرفة التي أودّ فضَّ مغاليقها، و استيعاب أسرارها المكنونة دوماً و أبداً.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!