في أدب الدكتور داهش

تمثال الحرية

أيها التمثال العظيم!

يا رمز الحرية!

والحرية معشوقة شعوب الارض طرًا،

بيدك الجبارة ترفع مشعلها،

هذا المشعل الأبدي النور!

يا من اصبحتَ أشهر من نارٍ على علم!

ألا تعلم بأنك أخطأت باعطائك الجميع الحرية التامة،

دون أن تُقيدها ببعض القيود الضرورية؟!

لقد أبحتها حتى للزنجي، والتركي، والعربي، والعجمي،

ولجميع من يقطنُ في المدينة التي تنتصبُ فيها.

لكن الضرر كان واضحًا من وهبكَ الحرية

للغادات الناعمات الغاديات الرائحات.

لقد خلعتَ عليهن رداءك العظيم،

فهرعن وخلعن بدورهن ثيابهن،

ارأيتَ أيها التمثال العظيم

أن الحرية يجب أن يكون لها قيد يصونها

كي لا تفقد معناها!

لقد تلوثت هذه الحرية بعدما لطختها أفعالهن.

وثق بأن نهر الهدسُن نفسه

لأعجز أن يستطيع غسل ما التصق بالحرية،

ورفع الأدران والأوشاب التي امتزجتْ بهذه الحرية

امتزاج الروح بالجسد!

ويا أيها التمثالُ الشهير! أشهر سيف نقمتك،

واضربْ به الخارجين والخارجات

عن طريقك القويم وصراطك المستقيم.

وقوم اعوجاجَ من سولت لهم نفوسهُم السير بطريق الباطل،

يا أيه المانحُ النمة لملايين الملايين.

ايها التمثالُ الجبار المنتصب كالقدر المهيب!

دعني أكون سوط نقمتك، لأسوط به اللواتي اسأن إلى حريتك.

ودعني أرفع هذا السوط نقمتك، لأسوط به اللواتي أسأن إلى حريتك.

ودعني أرفع هذا السوط وأخفضه على أقفيه المخنثين

من رجال هذا العصر وخنافسه الحقيرة؛

فالحنفسة تستحقها النعال،

ومن تخنفس حاقت عليه اللعنة،

فأصبح بحاجحة للنعل كي يؤدبه ويقوم اعوجاجه،

فيعود، إذ ذاك، صوابه اليه.

وداعًا ايها التمثالُ العظيم! يا رمز الحرية العظيمة

التي تتوقُ اليها نفسُ كل بشري يقطنُ في هذه الغبراء!

وداعًا.

نيويورك، في 18 أيلول 1969

منتصف الليل

 

أسرعي أسرعي ايتها الباخرة بالرحيل

نداءُ المقيمين وتحدير إلى المهاجرين

بقلم الدكتور داهش

أسرعي أسرعي أيتها الباخرة الماخرة،

وابتعدي عن هذا الشاطئ اللعين،

أسرعي أيتها الصديقة الصدوق، ودعينا نُشيح بأبصارنا ننبتعد بأنظارنا

عما يُرتكب في وطننا الحبيب من جرائم وفضائح.

أسرعي أيتها الجبّارة!… وأنقذينا من بين براثن هذه الطغمة (الوصوليَّة)

التي ضجت أبالسة الجحيم من ارتكاباتها المخزية.

أسرعي بربكِ قبل أن تفتك بنا أنيابُ هذه الوحوش

المترعة في دست الأحكام في غفلة من عين الدهر المراقبة.

أسرعي!.. فنحن هلكى،

وصدورنا قد حبلت بالحقد الدفين بعدما أسلمنا أمرنا للقضاة،

فحكموا لمصلحة الطغاة البغاة ضدَّ الأبرياء المهضومي الحقوق.

إيه أيتها الباخرة الحنون،

كم أنتِ رحيمةٌ بمن تقلِّينهم في جوفكِ

بعدما انتشلتهم من هوَّة الدمار وهول العاب والشنار.

إيه يا باخرة العطف والحنان،

كم أنتِ عطوفةٌ على من تقلّينهم بين  احشائكِ

فتنقذينهم من هلاك محقَّق

بعدما تبعدين بهم إلى شاطئ السلامة والاطمئنان

وموطن السلام والأمان.

تساءَل (القاضي الراجي): حتى مَ تقتطعين من هذه الصخور الأكباد،

وتزعجين هذه البقعة من الأرض وساكنيها؟

فأتجبته بدويِّ صوتكِ الجبار وكأنه مهند بتار:

  • سأستمر بترحيل الكبار والصغار من موطن الإثم والجريمة

حتى تدنو ساعة الاقتصاص من شرذمة اللصوص وقطاع الطرق

الذين أجلستهم الأقدار الرعناء على أرائك الأحكام؛

فراحوا ينكلون بأبناء وطنهم تنكيلاً لم تسمع بمثله القرون السالفة،

فاستباحوا الحرمات، وعبثوا بالأمانات،

وامتهنوا الكرامات، وهشموا الحريات،

وامتصوا دماء الفقير، واستولو على الإيرادات،

وسرقوا كل ما وصلت إليه أيديهم الأثيمة.

وكان هذا دأبهم منذ الدقيقة الأولى التي استلموا فيها دفة الأحكام…

فكيف لا أقتطع من جسد لبنان أبناءه الأبرار؟

وكيف لا أفتلذُ أكباده الأ؛رار وليس لي من قصد

إلا خلاصهم من هذا النير (الفرعوني الخسيس)؟

أما قولك أيها (الراجي) التائه في بيداء عباراته الخيالية الجوفاء

بأن الثائر الولهان (رجل مخيف فحذار)…

فثق أنه كلامٌ سفسطائي مهذار.

وإلا لو صح الحديث لطغت (الثورة)

في أرجاء البلاد من أقصاهاحتى أدناها،

ولاشتعل أوارُها ولأحرقت الأخضر واليابس،

ولجرفتْ تلك الطغمة (الوصوليَّة)،

ولنكَّلَتْ بها تنكيلاً رهيبًا تتحدث عنه الأجيال بوجلٍ جارف.

ولكنه الخضوعُ المعيب والذل المريب

يقطنان في أعصاب هؤلاء الخانعين لكل فاتح.

ألا تراهم يرتجفون أمام (الكتلة الضخمة المضحكة)

وتصطكُ ركابهم أمام (جثته) القذرة المدنَّسة في أوشابها وأوصابها.

فاصمت أيها الراعي عن حديث (الثورة والرجل المخيف)،

فقد أضحكتني وجعلتني أهزأُ بعباراتك واتخذها أداةً لسمري في سهري…

وهنا أُجبيكَ بلسان (المهاجر) وذلك على تساؤلك:

(غلى متى تهجر الرفيقة القديمة التي احتضنتك وأنتَ في المهد.

أما عصفتْ الذكرى بعد في صدرك الهادئ؟

أما اشتاقت نفسكَ إلى هذه الربوع،

إلى هذه السماء الساحرة والأرض النادرة والمرجة الزاهرة الخ..) فأقول:

  • سأمكث هاجرًا أبي وأمي وأخوتي وأخواتي…
  • نعم، سأبقى متجاهلاً أرض آبائي وأجدادي…

وسأستمر متناسيًا الأرض التي احتضنتني رضيعًا،

والسماء التي ظللتني طفلاً،

والغياض التي تجوَّلتُ فيها شابًا،

لأن أنباء ما جرى ويجري وسيجري في ربوع (وطني السابق)

تقضُّ مضجعي،

وتشعرني بعارٍ سحيقٍ أمام البلاد الراقية المتمتعة بحرياتها الواسعة.

وثق أيها (القاضي الراجي الراضي)

أنني لن أشتاق إلى وطن تنحر فيه الحرية، وتُذبح فيه الحقيقة،

وتُداس بين ربوعه العدالة، وتُهشم بين سمعه وبصره الكرامة،

وتكُبَّل بين جدران سجونه القاتمة الحرية الفكرية

بزج أُدبائه وشعرائه وأبريائه مع محترفي الإجرام

لأنهم جاهروا بحرية أفكارهم

التي تشجب جرائم المالكين سعداء لزمن محدود.

أما (الينابيع) التي تذكرني بها كي تستثير عاطفتي،

فقد استعصتُ عنها بينابيع حقيقية لا ينصُب معينها

ألا وهي ينابيع الحرية التي هي أثمن من الحياة…

فما معنى الحياة إذا فقدت الحرية، وكُبِّلتْ بكبول الظلم والعبودية؟

وهنا أسألك أنا:

– كيف رضيتَ أنت أن تكون ثابتًا كينابيع لبنانكَ بقبولك البقاء في بلاد

أصبحت فيها الحرية سلعةً تباع وتُشرى وكأنها سائمةٌ تافهة؟

إنّ أي فرد يشاهد الظلم الرهيب يظلل سماء بلاده،

والحرية تُسحقُ تحت مواطئ المجرم…

ولا يحركُ ساكنًا لرفع هذا الحيف، ويقنع بالبقاء حيث هو،

راضخًا لأوامر (الوصولي) دون أن يحاول تحطيم كرسيه

لهو عندي مجرمٌ خسيس ونذلٌ وضيع

 يستحق مثل ذلك الحاكم الجائر عدلاً وحقًا.

وإذا أكد أنه لا يستطيع المقاومة لأ، روح الشعب في استخذاء وتراجع،

فلا أقل من معادرته لمدينة (الهلاك)

ورفع صوته في بلاد الحريكة ضد ما يرتكب في وطنه المنكوب.

فيا راجي الراعي!

أيها (القاضي الراضي) الذي لا أدري كيف لم تبكَ (العدالة)

الموؤدة بإرادة (الغاضب) بعدما شاهدته من الأحكام الجائرة

والأمور القضائيَّة (اللاعادلة) وأنت ربها وربيبها،

وأنت الناظر من وراء (روبكَ)… ثوبنَ القضائيّ الأسود…

تلك المهازل التي تمثل كل يوم بل كل ساعة بل كل دقيقة؛

والعدالة التي تُنحر ليل نهار على وضح النهار لأجل تنفيذ رغبة المسيطر،

وأنت الذي عرف وتأكد مقدار الأحكام الجائرة

التي لفظها زملاؤكَ القضاة تحت سمعك وبصرك؛

كيف يا (راجي) لا تريدني أن أثمل من العظمة الأميركية،

هذه البلاد التي وُلدت فيها أنت، والتي هي مهدٌ للحرية الفكرية؟!

نعم أيها (القاضي العليم) لقد سقتني أميركا خمرتها بكؤوسها العسجدية

فسجدتُ أمام عدالتها الحقيقي،

وبتُّ أندّد بظلم الباغية وارتكاباته الجنكيزخانية.

وكذلك أصبتَ بقولك (إن الجمهورية الفضية أعطتني فضتها)

بينما بلادي اللبنانية فضت خزائني وسرقتها بعد أن فككتها وهشمتها.

و(البرازيل) فتحت لي صدرها كما ذكرت…

بينما وطني لبنان أشاح عني وجهه ورفضني،

قبتُّ أشعر لدى ذكر اسمه بعارٍ لا يعلو عليه عار.

وكيف تريدني أن أعود إلى لبنان المكبَّل بقيود الذلّ

ما دمتَ أنت بنفسكَ تعترف اعترافًا سطَّرته بيمينك إذْ قلتَ:

(لقد دعيتَ يا أخي المهاجر إلى الولائم، ومجدَّتَ التماثيل،

ولمستَ بيدك قلبَ الحرية النابض، ورأيتهم يحطمون أمامك هياك العبيد،

وتنشَّفتَ أنفسَ العبير في أنفس الحدائق،

ووقفتَ أمام (نياغرا) وشلاَّلاتها مسحورًا،

وغصَّت خزائنك بالذهب، فخلعتَ عنك ثوبك القديم،

ووضعتَ رسوم نفسكَ في نطاقٍ جديد…).

          فيا راجي الحكيم، ويا أيها القاضي الفهيم، بل أيها (الراعي) العليم!

إذن كيف تدعوني، يا رعاك الله للعودة إلى لبنان

ما دمت تتأكد أنني قد لمستُ قلب الحرية النابض بيدي المرتعشة،

وبعدما شاهدتهم يحطمون أمام هياكل العبيد؟

أتريدني بعد هذا أن أعود إلى لبنان وأُسلم لهم حريتي

كي يتصرفوا بها تصرف المالك،

وأُقدَّم لهم نفسي كي يسوموني الخسف والذل والهوان كالعبيد،

كما فعلوا ويفعلون مع كل لبناني

نيستطيع الهجرة والخلاص من سيطرتهم الرهيبة المعيبة.

أما (لبنان) الذي تسميه (بدر)

فإني أُخالفكَ بهذه التسمية الشعرية، وأضعكَ أمام حقيقته.

فهو قطعةٌ من (جمر) تتأجج وتتوهّج…

قطعةٌ من نار وشرر اقتُطعتْ من صميم سقر، والعياذُ بالله.

كن (واقعيًا) يا راجي، ولا تكن (خياليًا).

دعنا من الشعر! فالشعر لمناسبات وملابسات

غير هذه المناسبة والملابسة التي يجب أ، نكون فيها صريحين.

ولنعترف بأن (لبنان) قادة الطاغية الباغية إلى طريق هلاكه،

وها هو قد لاقى حتفه بظلفه. (واحر قلباه)!

تقول (إن ثروتي قد تراكمتْ وتكدستْ وانتفختْ وتضخمتْ

وارتفعت وعلت حتى حجبت وجهك عني.

فبالله عليك أخرج من وراء أكداسك وابسم لي

ولا تدعني أجني منك كفرانك بي وفي العالم غير الذهب

وأنا ما أزال أذكر أنك كنتَ فقيرًا مثلي) الخ…

لا بد لي من الاعتراف بأن ثروتي قد تراكمت وتكدست

بعدما تبخرت في لبنان وتقلصت.

وما ذلك إلا بسبب الجالس سعيدًا في أحضان أورشليم.

وأعترف بأنها انتفختْ وتضخمَّتْ مثلما تضخم كرشُ حاكمكم المجرم،

وانتفخت أوداجه البشعة صلفًا وخبلاً، فإذا هو كضفدعة (لافونتين).

فيا له من فقير العقل، مسكين التربية، يغتذي عقله على حساب كرشه.

أما كفراني بك وبلبنان فهو لأنك سبق لكم وكفرتم بي،

فعدت الآن وقابلتكم بالمثل،

فبالكيل الذي تكيلون بُكال لكم ويزاد…

ثم إنكَ تعترف بأنني كنت فقيرًا.

نعم إنَّ لبنان لا يمكنه أن يغني أي رجلٍ حر الفكر،

نزيه الكفّ، نقيّ الوجدان،

بسبب (الوصوليّ) الملوَّث في شرفه وضميره.

لهذا فإني أحمد الله على إنقاذه إياي من بلاد

أصبحت عالةً على كل مجاهد لا يصبر على الضيم…

ولا يقبل أن يمكث فيها إلا كل ذليل خاضع ووضيع خائع،

وأنا لستُ من هذه الطبقة يا راجي والمد الله…\

أما (السفينة) التي قلتَ بأنها لم تحملني

من قلب غابة مهجورة أو بلد مجهول،

ولكنها حملتني من أرضٍ تكشف عنها فجرث الإنسانية

واتصل رأسها بسفر التكوين،

فأجيب عليه قائلاً:

  • لقد أصبحت رأس هذه البلاد في مؤخرتها،

فقبلت البلاد هذا الذلّ وقنعت بهذه الوضاعة ولم تجنح للاحتجاج.

وهكذا تكون قد عادت بسيرتها فغاصت إلى الوراء

عائدةً إلى عهود ما قبل التاريخ عندما ظهر سفر التكوين…

وأخيرًا ثق بأنني لا ولن أعود لأنَّ (أميركا) قد فتحتْ صدرها

واستقبلَتْني ضامَّة إيَّاي بين ذراعيها وكأنني فردٌ من أبنائها الاعزّاء.

وهذا ما أفتخر وأعتزُّ به

مثلما أشعر بعار يسري في عروقي ويختلط بدمائي،

عندما أذكر أن لبنان قد رفضني فأنكرني. فلماذا لا أُنكره وأتجاهل وجوده؟!

أما (مهزلة المهازل) أيها القاضي العزيز فهو قولك في آخر قطعتك النفيسة

(عُد إلى أرضك وكوِّن عظمتها بيدكَ واستمتع بلذَّة الحرية والاستقلال).

حقًّا إنها (مهزلة) هذا الجيل دوَّنها قاض جليل.

ولكن هل يتأكّد هذا (القاضي الراضخ الراضي)

أنَّ الحرية موجودةٌ حقًا في وطنه لبنان؟

وهل يجرأ (بوجدانه) فيؤكّد أنها تحيا في ربوع وطنه الغريق؟…

ألا يُقرُّ ويعترف أنَّ هذه الحرية المسكينة قد نُحرتْ وكُفِّنَتْ

ثم ألحدث في رمسها حتى يوم يبعثون،

وذلك على يد (أبي خليل) في هذا العهد الثقيل؟

فيا أخي راجي!.. الراجي رضى مولاه…

ثق بأنني أنكرتُ قومي مثلما هم أنكروني،

وثق بأنني لا ولن أعود في أول سفينة أراها،

لا بل سأوصيها أن تشحن وتجلب من تستطيع إنقاذه

من أبناء الوطن البؤساء التعساء كي يتنسموا عبير الحرية والاستقلال

بعدما سامهم (الظالم) أنواع العسف والجور

والارهاق والعبودية والاستغلال.

ولي أملٌ أودّث تحقيقه قبل أن تغرب شمس حياتي،

ألا وهو مُشاهدتي إيَّاك قد غادرتَ (لبنان) الشقيّ الغائص في مسوحة،

والنائح على ما أصابه من بلايا ورزايا، والمثخن بجروحه.

***

فعدْ، عُدْ سريعًا يا أخي،

فإنني أنتظرك على المرفأ الحر الأمين

بين دمعة حارة وقلب حزين.

وسأفرحُ بلقائك وخيرة الأصدقاء والأخوان،

لأنكَ تكون قد أنقذتَ نفسك من وهدة الذل والهوان.

بيروت عام 1948

 

أخلاق

الحياة في العاصمة الإفرنسيّة جذّابة . فهي تأبى إلاّ الصخب والضجيج . ولا يهم الباريسيين إلاّ إشباع نهمهم وإرواء شهواتهم بكافة الطرق والوسائل . فأنت تعجب عندما تشاهد باريس العظيمة وقد أغلقت متاجرها ومصانعها وحوانيتها منذ السابعة مساء واندفعت بأكثريّة شيبها وشبّانها من رجال ونساء نحو الملاهي الصاخبة الحاملة بكل ما هو مثير . فحيّ (مونمارتر) في الليل عبارة عن بؤر فساد تضجّ الأبالسة لصور التهتّك التي تمثّل في كل منزل وكل ملهى . وكل مقهى ، وكل قاعة (صالة) تقوم فيه . وأدهى من هذا الأمر وأدعاه إلى العجب الشديد ملهى (المولان روج) الذي يجد فيه طالب التبذّل أمنا حواء بل حواءات وقد نضين عنهن أثوابهنّ فيبدون مثلما وضعتهن أمهاتهنّ في دقائقهن الأولى .

كل هذا يجري بمعرفة الحكومة وإطلاعها وقبولها ، وبرغبتها لا بل … وبمساعدتها أيضاً .

يقولون أن باريس أم المدينة ، ومهد الفنون ، وربّة الحريات .

فإذا كانت الحريات قد تطوّرت حتى بلغت إلى هذا الحد من القحة فلعنة الله عليها من حريّة انقلبت فيها الفضيلة إلى رذيلة تبطنها عبارات جوفاء لا رابط يربط معانيها الكاذبة .

إن الحريّة مطلب كل مخلوق حي ، ينشدها ويسعى وراءها ليل نهار ، ويبذل في سبيلها كل مرتخص وغال . ولكن هذه الحرية تفقد معناها ومبناها عندما تتجاوز حدها الأخلاقي وتسفّ مثل هذا الإسفاف البشع .

إن الواجبات الإنسانيّة تفرض على القائمين بشؤون الحكم أن يجدوا مثل هذه الحريّات التي أصبحت خطراً على الهيئة الإجتماعيّة وضربة قاصمة للفضيلة والآداب . فلو قيض لي ، أنا الدينار الإفرنسي الجديد ، أن أرتدي لباساً يمنع عني أنظار الفضوليين ويستر عورتي لفعلت هذا شاكراً من يسدي لي مثل هذه اليد البيضاء الكريمة بينما هؤلاء البشر قد خلعوا في هذا العصر عذار الحياء وأصبحوا في خضمّ عاره يخوضون . وهم لا يخجلون ولا يرعوون …

 

الدينار يخطب خطبة الثورة

لم يفتني أي اجتماع من هذه الاجتماعات الصاخبة التي كانت تعقد . وقد أصغيت – أنا الدينار – إلى كل كلمة تكلّم بها أحد الساسة .

وتمعنت في الاقتراحات التي كان يدلي بها أقطاب الرجال . ومحّصت ما طرح على بساط البحث من دهاقنة المتسلمين لمقاليد الأمور .

واستوعبت كل كبيرة وصغيرة من أهدافهم ومراميهم .

ثم تسرّبت إلى أفكارهم وتغلغلت في عقولهم ، وامتزجت في نفوسهم ، واندمجت في أرواحهم … وإذا بي أشاهد الهول الرهيب ! لقد قرأت رغباتهم المكبوتة ، وكأنني أقرأها في كتاب مفتوح سطرت فيه الحقيقة كما هي لا مثلما تريدها النفس ، والنفس أمارة بالسوء فثرت لما عرفت : واهتجت بعدما اكتشفت ما اكتشفت .

وقلت لنفسي بعدما اطلعت ، ليتني ما اطلعت .

ولاهتياج أعصابي المتوترة وقفت في حشودهم خطيباً ثائراً فقلت :

  • علام تصفقون ؟ ولم تطربون لأقوال هذا الخطيب المصقع ؟

إن اجتماعاتكم الجليلة الفكرة ، الخطيرة الأهداف تتطلّب منكم تنفيذ الأعمال ، تحقيقاً للأقوال .

فهل أنتم موقنون بحسن الختام ؟ إن هذه النتيجة ملقاة على كاهل الأيام .

لقد أصغيت إلى خطبائكم الذين تناوبوا على منصة الخطابة الواحد تلو الآخر وأدلى كل منكم بدلوه بين الدلاء ، فالبعض منهم أخرجه مليئاً بالماء ، والبعض الآخر انتشله فإذا به مملوء ، ولكن … بالهواء .

فالأول أيها الساسة كان يشد ازره من هم أقوياء وأشداء . أما الثاني فلم يكن له من سند سوى الإماء والأرقّاء .

فلم تطربون وعلام تصفقون لهذا البليغ الفطحل ؟

انظروا هناك في تلك الزاوية النائية حيث يجلس ذلك الدهقن على مقعد بسيط . إن هذا السياسي الماكر يخفي قوته الهائلة المستمدة من دولته الخطيرة ، بجلسته المتواضعة الحقيرة ، ليظهر أمامكم أنكم تجالسونه مجالسة الند للند . وهذا ما يسميه السياسيون الدبلوماسيون التلون السياسي .

أما عندما تدق الساعة ويحين الجد ، فإنه لا يربكم من سيفه سوى الحد . فهل غاب عنكم أنكم اليوم في عصر السرعة ، عصر البطش والجبروت ، عصر الأسلحة الفتّاكة ، العصر الذي نفذت فيه كلمة :

” إن الحق مع القوّة ” بكافة مداخلها ومخارجها ؟

إذا نسيتم هذا أيها الساسة ، وأخذتكم حمّى الحماسة ، فإنني أتنبأ لكم منذ الآن بأنكم ستستيقظون قريباً ولكن على لعلعة مدويّة …

وهي قنابل ذريّة ، تعصف بكم وبالذريّة !!

فعلام تصفقون ولم تطربون للقوي العارضة والرائع البيان ؟

إنني أرى ما لا ترونه يا معشر الساسة ،

وأعرف ما لا تعرفون يا أرباب الدهاء والسياسة .

فالغيب قد تكشفت لي بدائع أسراره .

والإلهام تدفقت عليّ روائع أنواره .

فهامت لما رأيت ، وذعرت لما عرفت

وليتكم تعرفون لتحذروا ، وتنظرون لتؤمنوا .

 

لقد رأيت نير القويّ يطوق أعناقكم ، وسيف الجبار يكم أفواهكم ،

وقنابله الفتّاكة تردم دياركم وتحصد أرواحكم .

وما هذا المؤتمر إلا مؤامرة أبيتم إلا إدخال بلادكم ضمن دائرتها وتقديم أنفسكم المخدوعة قرباناً على مذبح شهواتها .

فلو صحت النيات لما دعت الحاجة لاستدعائكم وتكبيدكم مثل هذه المصاعب والمشقات .

إنني أؤكد لكم صارخاً بوجوهكم مذكراً حشودكم بأنها عقدت لتخدير أعصابكم وشل إرادتكم .

فالنيّات يا ساسة لن تصح ما دام هناك مناجم تحتوي أجوافها على معادن الألماس والفضّة والذهب والبلاتين . ولن تصفو ما دام هنالك آبار النفط والزيت والبترول .

نعم ، يا ساسة ، نعم . فالنيات لن يشذبها أو يهذبها مؤتمركم هذا ، ما دام هناك مستعمرات تدر المغانم والغنائم ، وتفيض بخيراتها على المستعمر الثقيل الظل الكثير المطامع .

فلم تطربون ، وعلام تصفقون لهذا الجبان ؟..

والميثاق ؟ الميثاق الاتلنتيكي ، ماذا صنعتم به ؟ وكيف قطّعتموه ومزّقتموه ، بل في أي مكان ألحدتموه ؟

إنكم تقولون : هذا ما ليس لنا به علم . فهل نحن حراس عليه ؟

إنكم تدجلون على أنفسكم قبل أن تدجلوا على الآخرين .

قايين ، قايين ! أين هو أخوك هابيل يا قايين ؟

– لا أعلم أين هو . فهل أنا حارس عليه وأمين ؟  

تقطعون العهود ثم تعودون فتنكثون ، أيها المدلسون ، بعد أن يكون المؤمنون بعهودكم قد اغتالتهم يد المنون .

فعلام تصفقون ؟ ولم تطربون لفصيح اللسان ؟

                                       ***

يا من بأيديكم القوات الماديّة ،

ويا من تسيطرون على الطاقة الذريّة ،

ويا من تدعون بحبكم للبشريّة ،

إذا كان السلام بغيتكم ، والحق ديدنكم ، والعدالة أمنيتكم ، فهاتوا البرهان على صدق نيتكم .

هاتوا يا أقوياء وأشهدوا الكون على تضحياتكم …

أعيدوا لكل ذي حق حقه ، وحرروا المستعبد من رقه ، والمغبون من غبنه ، ومكنوا رب البيت من بيته ، قرب البيت أدرى بالذي فيه ، بظواهره وخوافيه .

ولكنكم قلبتم الآية ، وعكستم الحقائق وأضعتم الغاية . فأصبح رب البيت يئن تحت نير الغرم ، وأنتم أيها الأقوياء تتمتعون بالغنم .

فلم تطربون وعلام تصفقون لصاحب الصولة الرنان !

قلتم أن (العدو) قسّم البشر إلى أنواع وأجناس ورقّمهم .

وأعلن للناس أنهم أنجاس وهو أرقمهم .

لقد دارت على هذا العدو الدوائر ، فأضحى خائر العزيمة وأصبح وهو بأمره حائر .

والآن فهل ساويتم أصحاب الأرقام بأنفسكم ، وأحللتموهم مرتبتكم ، وأنزلتموهم أيها المسيطرون منزلتكم ؟

وهل سحبتم جيوشكم من أوطانهم ومشاريعكم من بلدانهم ؟

وهل حققتم رغبتهم فمنحتموهم أمنيتهم قبل أن يذوقوا منيتهم ؟

إن ما أغدقه الباري عليهم ما كان لكم أن تعتدوا على قدسيته ألا وهي حريتهم !…

فالإنسان أخو الإنسان أحب أم كره .

فعلام تصفقون ولم تطربون لنابغة الزمان ؟

                                       ***

يقولون أنكم دهاة في السياسة ، وأنكم أتقنتم فن الكر والفر مع الثريّ المراوغ .

ما أسهل النعوت لحامليها ، وما أصعب تحقيق معانيها .

فلو كنتم حقيقة دهاة ، يا ساسة العالم ، لوقفتم بوجه الطغاة ولأفهمتم هؤلاء البغاة أن خبرة الزمن البعيد الماضي ، ودلائل القريب الآتي ، تأبى عليكم تضييع الأوقات بمثل هذه الاجتماعات .

إن نتائجها المستقيلة لا تسفر إلا عن الخيبة ، والخيبة وحدها .

ولو كنتم من دهاقنة السياسة لطلبتم من القوي البرهان العملي بإظهار حسن النيّة ، ما دام يموت حباً لإسعاد البشريّة . وبهذا تضعونه أمام الأمر الواقع ، وترغمونه إما على الرضوخ لتحقيق وعوده التي يزعم أن طلب الاجتماع لأجل تحقيقها ، وإذ ذاك تباركه العناية ، وإلا يكثر عن أنيابه ، ويخرج السيف من قرابه . فيضطر كل منكم بالعودة إلى بلاده . وبهذا يفتضح الأمر وتوضع الأمور في نصابها .

فالقيد لا يقبل له إلا الذليل الخاضع ، والخامل الخانع . ومهازل الاجتماعات لم يسجل التاريخ لنتائجها إلا الفشل الذريع .

فلم تطربون ؟ وعلام تصفقون لمن يشير بالبنان ؟

                                     ***

العاطفة يا هؤلاء العاطفة

إنها عاصفة بكم وبئس الصفة !

والعاطفة يا هؤلاء العاطفة

إنها عاصفة بهم فنعم الصفة !!

وما دمتم مجتمعين لتقرير صرح سلام عالمي تسوده العدالة الشاملة فلماذا يا ليت شعري شحذتم خناجركم ، وحمل كل منكم غصن زيتون في يمناه ، وشهر خنجره المرهف الحد بيسراه ، متحيناً الفرصة كي يغمده في ظهر زميله الجالس بقربه وينتهي من أمره ؟

إنني أؤكد لكم بأنه لا المؤتمرات ، ولا القرارات ولا المداورات ، ولا المناورات تستطيع أن تمنع وقوع حرب فناء ثالثة …

فما دامت شياطين أطماعكم لا تزال قاطنة في أعماق أفئدتكم ، ومستقرة في تلافيف أدمغتكم ، وسارية في كريات دمائكم ، وهاجعة في ضلوعكم وأحشائكم ، وملتصقة في كيانكم منذ تكوينكم ، ومتسربة في صميم شرايينكم ، وكامنة في شغاف أرواحكم ، وتابعة أيامكم كظلكم في ليلكم وصباحكم فليست بعيدة تلك الساعة الرهيبة التي تهيئون بها معداتكم وتتمون بها استعداداتكم …

وإذ ذاك تنطلق تلك الشياطين الجهنميّة من عقالها ، وتخرج فدائح أثقالها ، كي تدمر الأرض وما فيها ، وتردمها بمن فيها ….

فالسيف – يا أسياد الحرب- أصدق أنباء من الكتب . في حده الحد بين الجد واللعب . أما تلك الساعة الرهيبة فهي أقرب إليكم من حبل الوريد .

فعلام تصفقون ، ولم تطربون لمالك البيان ؟

إنها نبوءة … لقد تكلّمت …

 

و أخيرأ أسقط الطاغية و طرد المرتكب الباغية

و أخيرأ أسقط الطاغية

و طرد المرتكب الباغية

هذه القنبلة المدمّرة ألقيت على ضريح زنبقة الرسالة الشهيدة ماجدا حداد حيث تثوي والدة مؤسس الداهشية. وقد أُلقيت في 20 أيلول 1952 . 

أي بعد يومين من طرد الشعب للمجرم بشارة الخوري.

 

1952-1945

يا روحيّ أمي وماجدا العزيزتين عليّ!

هي بشرى أزفّها إلى روحيكما، فاسمعاها من عالمكما الروحاني الطّاهر:

لقد طرد الشعب ذلك المرتكب الجاني شرّ طردة،

و أهانه شرّ إهانة.

فهرول الضّخم الجسم و الصغير العقل يتعثّر بأذيال الخيبة و يرتطم بالذّل والمهانة.

طرده بعدما استفحلت شروره، و عمّ ارتكابه،

و شاع ظلمه و عظم اختلاسه.

طرده بعدما باع للشيطان روحه،

و سلّمه ضميره، ووهبه وجدانه.

طرده عندما امتدت يده الملوّثة إلى صندوق الأمة يغترف أموالها لينفقها على ملذّاته الآثمة.

طرده عندما تاجر بالنفوذ، حكَّم الأغبياء من آله في رقاب اللبنانيين، يسومونهم الذّل، و يسخرونهم لقضاء مآربهم الوضيعة

طرده عندما أفسد ضمير قدس أقداس العدالة

 مما لم يرتكب بعضه حتى نيرون طاغية زمانه.

طرده عندما عرف أنّه حمّل زوجته

الملايين المسلوبة من الفقير و المسكين، فطارت بها و أودعنها في مصارف أوروبا.

طرده عندما أصبحت البلاد تعيش على شريعة الغاب، فالوحش الأكثر ضراوة هو الفائز في الميدان.

طرده عندما شاهده يزجّ بالأبرياء من خصومه في السّجون،

و يطلق سراح أعوانه المعتدين.

طرده عندما رآه يدوس على بنود الدستور الذي أقسمَ أن يحافظ عليه،

فكان كاذباً لئيماً، و مجرماً أثيماً.

طرده عندما سخّر القوانين لمصلحته و مصلحة ذويه

ممن تكدست في خزائنهم الأموال على ظهر الشعب الكادح.

طرده عندما ضجّت شياطين جهنم الحمراء نفسها بابنه

و تهريبه للحشيش و متاجرته به

طرده عندما جعل لبنان” مزرعة” له و آله،

و بقرة حلوباّ تدر عليه الخير الوفير، وليمت الشعب رغم انفه.

طرده عندما سوّد سمعة البلاد إذ شهّرها تشهيراً مرعباً،

و هبط بسمعتها إلى الدرك الأسفل، لعنة الله.

طرده عندما لم يتورع و هو محامي الدستور- يا للمهزلة- من ارتكاب جريمة التزوير الدنيئة ليبقى متربّعاً على عرشه،

ناشرأ لسموم إفكه، موزّعاً بين الأنام مكره، و باسطاً عليهم شرّه.

طرده عندما أصبحت البلاد لا تنام إلا على أنباء الاغتيالات،

يقوم بها الأنصار في وضح النهار،

و لا تستيقظ إلا على هجوم عصابات المقربين على الذين لم يرضخوا لأوامر هذا المعتدي على الحق،

و الدائس على أشلاء الفضيلة.

لقد أصبح لبنان في عهد المجرم يئن أنين المحتضرين تحت ضغط هذا الكابوس العنيف المخيف.

و ظنّ الجميع ان ليلهم الثقيل الفاحم الدجنات سيستمر لأعوام طويلة،

فهلعت قلوبهم، واضطربت نفوسهم، و خارت عزائمهم،

و حارت أرواحهم المتألّمة من هذا الطاغية المرتكب…

و إذا بصوت من عالم الغيب يدوي في آذان الزمان و هو يقول:

” لقد دنت ساعة المجرم، و دقت نواقيس نهايته،

و حلّت دقيقة خلعه و طرده.”

فطرب الشعب، و ثارت حماسته، و تأججت حميته، فثار ثورته العنيفة، و قام قومة رجل واحد مطالباّ برأس المجرم المعتدي على حقوق الشعب قاطبة.

 فجئت أبلغ روحك الخالدة بأن الشعب قد حطّم عرشه و مرغ بالرغام انفه، وعفر بالسخام عهده ووطئ حكمه و داس على

رسمه بعد ان أصدر عليه حكمه.فهرول الثخين العقل، الضخم الجسم، مختبئاّ في وكر سبق له ان بناه، ليكون له ملجأ بعد ان تتحطم أريكة حماه، فأصبح يا ماجداه ميتاً يتجول في عالم الأحياء و هو يحمل لعنته مثلما سبقه لحملها زميله في الشر ( قايين) اللعين.

و ذُهِلَ ” الوصولي” واصطكت فرائصه رعباً و هولاً. وانقضت عليه أخبار الثورة الحاسمة انقضاض الصواعق ترشقها السماء رشقاً مزلزلاً.

و جحظت عيناه من هول الموقف، و طلب النجاة بعدما شاهد أن سفينته التي كان يقودها قد تحطمت بسبب سوء قيادته لها. و لم يعد بالإمكان إنقاذها، فرضخ ذليلاً و أنفه راغم. و تفجرت من عينيه دموع الغيظ و القنوط الهائلين لمصيره الأسود الذي سداه الذل، و لحمته العار، هذان الأقنومان اللذان لحقا به نتيجة لتصرفاته المجرمة طوال أيام حكمه البغيض. و هكذا انتهى هذا العهد الملوّث يا أماه، و يا ماجدا!

انتهى على أشنع صور الإذلال المخجل لمثل هذا الوصولي المرتكب.

قاتله الله و قتله!

حالما تنفست البلاد الصعداء، بعدما طرد سارق الجنسيات في ظلمات الليالي الحندسية،

تذكرت يا ماجدا العزيزة، يوم تراءيت لي في الحلم منذ عام، و بشرتني بسقوط هذا المجرم قريبا، فتأكد لي أنها كانت رؤيا حقيقية، و أنك زرتني بروحك حقاً، و بشَّرتني بما تمَّ الآن. فيا لعالم الروح الذي لا تخفاه خافية!

إن المجرم الأكبر سرق جنسيتي في شهر أيلول، و في شهر أيلول سرق سلطانه، و تحطَّم صولجانه، و كشف زوره و بهتانة، و تلجلج فيه من الخوف لسانه. فيا لعدالة السماء ما أعظمها!

و بسقوط الباغية الطاغية انفضَّ عنه انصاره و اتباعه، و ابتعد عن دائرته أشياعه، وفرّ منه أعوانه، و هوى سلطانه…فإذا هو وحيد فريد إلا من أشباح الجرائم الهائلة التي ارتكبها، و هي تحوم حوليه، و تبعث الذّعر في روحه الآثمة.

و ساعتذاك عرف ان جميع من كان يظنّهم مخلصين له إنما كانوا عبيد مصالحهم المادية، و قد ربطتهم به اواصر الغايات الدنيوية دون سواها.

فتألمت روحه، و ناحت نفسه،إذ عرف أي احترام شخصي كانوا يضمرونه له، بدليل خذلانهم إياه بعدما طرده الشّعب ذلك الطرد الموجع الشنيع. فيا أماه ويا  ماجدا!

لقد تأكد بالبرهان أن الطاغية كان يستمدَّ قوته من منصبه. و عندما تحطم عرشه، وثلَّ صولجانه، إنفضَّ عن أعوانه، فإذا به يندب جهله!

أما الداهشيون فإنما يستمدُّون قوتهم العظمى من إيمانهم الجبَّار الذي دكَّ الجبال دكاً؛ هذا الإيمان الوطيد الأركان الذي هزأ و يهزأ بكل طاغية سفاك، و باغية أفاك. فالإيمان الصحيح هو الذي يثلُّ العروش، و يحطّم المناصب، و يقود أرائك الحكام، و يلقّن الطّغاة دروساً رهيبة على مدار الأيام و الأعوام.

واعلمي، يا أماه، أن السفينة الداهشية الجبَّارة ستبقى ماخرة عباب الأوقيانوسات المهتاجة الثائرة، تجتاز هوج أمواجها المزمجرة الغضوبة دون ان يعتريها أي ضعف أو وهن، و ستهاجم العواصف المحيطة بها، حتى تنال بإذن الله، كامل الإنتصار.

أما الطاغية المطرود سارق الجنسيات فإنني أؤكد لك أنه سيُحاسب من الداهشية. و سيكون حسابه عسيرا، و سيكون انتقامنا مريراً. فمرتكب الإثم لن ينجو من العقاب، و طابخ السم آكله. و الآن، أودعكما، أيها الروحان الخالدان الراتعان في أحضان الخلود، هناك في جنَّات النعيم ذات المجد و البهاء الفائقين.

داهش 18 أيلول 1952

فشا الإلحاد فيها

أحلامنا أوهام وأوهامنا أحلام

سواء أتخلفنا أم سرنا إلى الأمام

أنا لا أثق بأي البرايا: باباهم وبطركهم والإمام

كل منهم يطعن رفيقه بخنجره فيسقيه كأس الحمام

مثلما يطلق الصياد ناره على سربِ كثيفٍ من الحمام

تأوهت روحي لدنايا خسيسة يرتكبها كل من الأنام

شعوب الأرض قاطبة تؤمن بالخزعبلات والأوهام

مثل الشعوب البدائية التي كانت بخشوعٍ تتعبد للأصنام

ما دمت أحيا في أرض الشقاء، إذاً لن أتمتع بسلام

قلبي يخفق اهتياجاً لوجودي في عالم دجوجيّ الظلام

واهاً لمن يتحكمون برقاب العباد، فيا ويلهم من حكَّامٍ طغام

ينفخون كروشهم كالثيران المُسمنة ظانين أنهم عظام، وأي عظام؟!

وحقيقتهم جلود قذرة تكتسي بها العظام

ومن كان في دنيانا نزيهاً صادقاً أميناً يُعدّ من الكرام

نهشوا سيرتهم ولفقوا عليه أكاذيب دنية ثم أنحو عليه بالملام

لُعنت أرض كهذه عشَّش فيها الفساد وابتعد عنها السلام

ما عاد أبناؤها ليؤمنوا بأديانهم سواء أكانوا يهوداً أم نصارى أم من الإسلام

فشا الإلحاد فيها يا ويلهم من خالق الدُّنى خالق السهول والآكام!

وقريباً ستزلزل الأرض وتعصف بهم فتنهار منهم الأحلام

وتفتح جهنم النار شدقها لتبتلعهم

ثم تشويهم بنيرانها المتأججة ذات الضرام.

 

                             بيروت في 22/1/1975

الأدب الداهشيّ

يتميز هذا الأدب، الذي يضمُّ أعمال الدكتور داهش نفسه وعدد من الداهشيين الذين عايشوه في حلِّه وترحاله، حيث يتجاوز كونه مُجرَّد أدب يتناول مواضيع الحُبّ، الجمال، الشوق، والألم. ليروي جوانب من العقيدة الداهشيَّة وخوارق مؤسِّسها، ممَّا يجعله أدباً فريداً ومثيراً للجدل في المشهد الأدبي العربي.

بوَّابة المعرفة
في أدب الدكتور داهش

فهذه رسالة أدب الصدق دون ما زور أضاليل ينطق به أدب البهتان

التصنيفات الرئيسيَّة في كتابات الدكتور داهش

العناوين الأساسيَّة في كتابات الدكتور داهش مُصَّنفة بناءً على الأفكار المحوريَّة للعقيدة الداهشيَّة، تُمكِّن الباحثين من سهولة الوصول لتصوّراته ومفاهيمه للحياة والوجود

جـِراحُ الأديـان

إنحراف المفاهيم النقيَّة والجوهريَّة للأديان وآثارها السلبيَّة والصِّراعات التي نتجت عنها

الوحدة الأزليَّة

جميع الأديان السماوية تنبع من مصدر إلهي واحد أزلي، وأن الاختلافات الظاهرة هي مجرد  تفسيرات بشرية.

فـي مـحـرابِ الـحـقّ

الحقُّ لا يقبل التنازل، هو الميزان الذي يجب أن تُقاس به كل التصرفات البشرية والاجتماعية

قدسية الحقيقة

البحث عن الحقيقة ومعرفتها والتمسُّك بها هو بمثابة فريضة وعبادة مُقدَّسة

طـريـقُ الـعـودة

رحلة الرُّوح الأبديَّة وكيف تحقُّق العدل الإلهيَ والتطور عبر الأزمان

الـمـوت والـتـقـمُّـص

الموت ليس نهاية العدم، بل هو مجرَّد نقطة تحول لتصحيح الأخطاء وفرصة للتطوُّر  

الـعَـرش، والـمُـنـتـهـى

الألوهيَّة والسُّلطة المُطلقة، المكان الأسمى ونُقطة الإنطلاق والنهاية.

غاية الوجود

حيثُ سُدرة المُنتهى والهدف الأسمى للروح الإنسانية في رحلتها الطويلة

صـراعُ الـيـَقـظـة

الوعي والإدراك الحقيقي لقوانين الوجود والتحرُّر من الأوهام الماديَّة التي يفرضها المُجتمع والجسد.

سـبـر أغـوار الذّات

البحث والتحليل للكشف عن الحقائق المخفيَّة، وتقييم الذَّات وإصلاح أعماقها مفتاح معرفة الكون والخالق.

الـحـرّيـة والإِنـسـان

الحريَّة المسؤولة، صراع اليقظة وسِبر أغوار الذَّات ضمن سياق السُّلوك الإنسانيّ وتفاعله مع مُحيطه

الطبيعة البشريَّة

الرَّغبات والشَّهوات، صراعاتٌ بين الرُّوح والمادَّة، ينعكس على واقع الإنسان والإنسانيَّة.

مـنـاهـج الـبـصـر

المادَّة هي الشَّكل الأدنى للُّروح، تتجاوز حدود العلوم المعروفة الى أبعادٍ روحيَّة لانهائيَّة.

تكامل المعرفة

الـكـون والـمـادّة، العلم والعقلانيَّة أدواتٌ منطقيَّة ضروريَّة للإيمان بالحقائق الروحيَّة.

أساطير الأبد

السرديَّات التي تتجاوز الزمن، وتتَّصل بجوهر الأزل وخلود الرُّوح 

تجارب الأرواح

رحلات الأرواح وتجاربها في عوالم ما بعد الموت، تُقدم رؤية شاملة وكونية عن معنى الحياة والعدالة الأبدية.

الكتب هي طعامي المفضل. و نهمي لالتهام متنوعاتها لا يشبع فضولي مُطلقاً مهما طالعت منها. فأنا أقرأها و أتذوَّق حلاوتها، و أنتشي بما تحويه من كنوزِ المعرفة التي أودّ فضَّ مغاليقها، و استيعاب أسرارها المكنونة دوماً و أبداً.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!