في أدب الدكتور داهش
مقدمة
ليس في هذا الكتاب , أو هذه الحفنة المضمومة من الأوراق – أسمٍهِ كيف شئت- حروف استوت في ألفاظ ,. مثلما تعوَّد ان يجد الناس في الكتب.
انما هو حشاشة ارفَضَّتْ قطراتها , بمواقع الإِثم في منازل الناس, و جرت في خطوط رسََمَتْها, ثم جمدت فيها. فكان الكتاب ,و كانت حروفه.
هذه الحروف التي غَمَسْتُها طويلا ً بدم القلب, و خمَّرتُها طويلاً في قطرات تلك الحشاشة , التي ذَوَتْ الاّ من الذكرى.
فأنا من هذا الكتاب , كتلك الشجرة التي اصطلح الناس – و بالأحرى علماء النبات منهم- على تسميتها ” بالشجرة الباكية”… و من خَبرها: ان كل ما فيها يَنْدَى, و ليس كما يندى الشجر بل كما يبكي السحاب.
فهي أبداً تهطل, و عند جذعها أبداً مثل بحيرة, كأنما لتسبح فيها.. و هي ترتسم عليها بعريها حيناً, و بتبرُّج أوراقها حيناً , كما لو كانت لها مرآة.
انها تدْمع- فيما يراه الناس دمعاً – لتبقى و تدمع-فيما يسميه الناس دمعاً- لترقى … أما هي في حسّ طبيعتها , فتنمو و تشتد و تزدان, من ذَوْب ذاتها لذاتها.
أو … كذاك الذي أجرى النهر من مُتَحلّب آلامه في الأساطير , ثم ذهب يغتسل فيه ليتجدَّد, و يَنْبُت من بعد مثل كائنٍ سعيد. و دائماً لن تجد الطريق الى اليم المحيط,الاّ اذا فجَّرتَ ينابيع نفسك هذا التفجير, فينعطف ينبوعٌ على ينبوع, و يلتقي رافدٌ على رافد… و يرتفع بالينابيع المدُّ و لا يزال يرتفع, حتى يكون لك النهر الذي يطلب البحر.
و هو انما يَنشُده بالشوق, الذي لا يكون جاذباً الاّ اذا كان لاهباً أيْ مُوقِد آلام…
انا , و أنت و هو… ذرات ماء كنَّا في عرض المحيط , تبخَّرت, و احتملتها السحابة الى كل مكان.
و كانت ترفضّ هنا و هناك, عنها في مثلها, لتنعقد على شكلٍ و تتبلور في لون.. و تعالت عليها الأشكال و الألوان فتحجَّرت و استدارت دونها السدود.
و ما كان ليؤذن لها فتعود, الاّ بالانصهار الذي يردُّ اليها خصائص وجودها .. و من هنا كان الألم السامي سبيله…
و في هذا الكتاب ألمٍ ساميّ, لنفسٍ انسانيَّة ظمِئتْ, و أحبَّت الظَّماءَ يوم أحسَّت بمكان الريّ… و ما كادت تهتف بهم , حتى امتدَّت اليها يدٌ تسمَّرت عليها الجريمة… و شاع في الناس, ان يداً في البلد عُطِبَتْ.
و أنا- علم الله- ما كنت لأُجري حرفاً على قرطاس, لو انَّ من أكتب عنه يقرأني, أو يقرأ في يومه عن أمسه.
و لكن هي مأساته التي أملت عليّ, و كانت طليعة الماسي في هذا الشعب المُرهَق.. يوم باتت أكبر من حدود اللحم و الدم, و أوسع من واقعها في الزمان و المكان.. و يوم أضحتْ معنى فيما تملك الانسانيَّة من وجوه الصراع الأقدس:
بين الحقّ و الباطل … بين المستَصْرخ و الناكل, بين الإِباء و الإستعباد … بين الكبرياء و الأَصفاد, بين المرؤة و الجريمة… بين المحبَّة و السخيمة , بين الشعب الغاضب و المُتحكم الغاصب…
و نحن- ابناء النضال- نُصفِّق, كلما سقطت في الميدان ضحيَّة, لأنها الاعلان بانتصار الحقّ , بانتصار الحرية…
و بعد قد يعجب ناس اني أجريت قلماً بحرفٍ مما يقرأون… و لكني بعجبهم – اذا وقع ذلك حقاً- أكثر عجباً, كأن المأساة هي أيضاً لا تكون كذلك , الاَّ اذا هم عادوا فقاسوها بقياس عرفهم- و هو انانيَّات تدور على شهوات – و باركوها, و منحوها الحقّ بالاسم… و الا ظلَّت أشلاء لا اسم لها , مهدورة مطلولة.
أترى ان حروف المأساة , هي أيضاً, مثل حروف الألقاب و الأوسمة. هم أنفسهم ينفخون فيها الروح و يركبون خَلْقَها على ما أرادوا, بينما في وعي الحياة – تقدَّست و تبارك اسمها- انَّ أضأل ذي نفس حيَّة, هو أكرم من كل دنياهم, و سخريات دنياهم.
خذوا الدنيا على ما شئتم, عابثين أو لاهين… و لكن دعوا المفاهيم دعوها , ايَّاكم و العبَث بها… فانكم بذلك تعتدون على المفرغها من ذاته, تعتدون على ضمير الكون في معنى الكون.
ان من هو موطن الجريمة أو يصنعها, ليس هو الذي يسميها أي يَقْدِر لها حدودها, و إِلاّ جاء عمله جريمة أخرى … فالجريمة لا تقدر الأشياء و تقيسها الاّ بذاتها, و ذاتها كلما تحركت كان المعنى : ان جريمة جديدة ولدت… على انَّ ما ترفعه و تُعليه و تُتْلِع جيدك طويلاً لتراه , اذا سئل عنه اخر , يجيب:
أذكر انني أتعبت بصري كثيراً- و انا أجيله في المنحدر البعيد دون مواطئ الخطو- فلم أرى الاّ شيئاّ تناهى في الضمور… و اذا صدقت أخمصي يوم حدثت فانه يكون … فقد قالت: ان عهدها به في عالمها, و كثيراً ما كانت تراه جيداً.
و انا لا يهمني فيما أقصُّ للناس , ما كان هذا الرجل ؟ في خياله , في استمداد خياله, في غايته, في قصد غايته… بقدر ما يهمني: انه اراد و فكَّر , و ناضل و صبر, و ثبت لزُمَرٍ من ورائها زُمَر , وتحدَّى الطَّواغيت من البشر , وما هان على المكروه او تثنَّى في ايديهم وانكسر ,و لكن مثلما نشره قدر… عاد فطواه قدر, ثم ما هم وقِيَم الحقّ؟ . و ما أقدارُهم في الإعطاء ؟ ليقولوا: خاطئٌ فَجَر.. و مارقٌ كَفَر.
و غداة التحدِّي, أروني أيّ الناس قال:” انا” , و رمى المرأة بالحجر.
ثم هو – فوق انه ضحية بغيٍ لا يتورعّ, و على الدروب من مجتمعنا مساحِبُ اذياله- كان صديقاً كريماً لصداقته طعمُ الصدق.
فإن فاتني في ساحة الصداقة , ان أصدقه العَوْنَ في بلواه, فلا اقَلَّ من ان أصدقه الكَلِمَ الطيب في ذكراه.
و هذا مَدَاي, و ان كان قليلاّ في جنب مداه.
و انه قُصَارَاي, و لعلّه يفي- و هو سماحٌ- في جنب قصاراه.
و ها يدي بأفاويقِ نَدَاي, و عسى ان يكون له عَبَقُ نداه…
الشيخ عبدالله العلايلي
بقلم الشيخ عبداللّه العلايلي
بين يديّ طائفة من تأمّلات روحيّة تحركت بها نفس وخفق بها جنان .
الى طائفة أخرى من أحلام روح هائمة بالجمال , مفعمة بالحب , تأوّد بها ضمير , واستهام بها وجدان .
الى صور وصور كانت مباءة حيوات أفتنّ بها خيال وتأنّقها بيان .
فجاءت آية فنّ كما شاءت تهاويل عبقريّة الفنّان ,
ورائعة أدب أشرقت بسنى إلهام الروح في قلب الإنسان !
******
مضيت أتلوها وأنا في مثل دغدغات النشوة عند حالم نشوان !
فخلتني أجنّح في جوّ أمان عبقريّات حسان !
تألّق كلّ شيء , عنده , في مثل سنى الألماس والعقيان ,
واحتبكت في فضائه أقواس تمور باّللمعان ,
وانبثقت من حفافه ينابيع طهر تغسل ما على الأرض من أدران
فظلّلت رانياً أطلب العلاء بالقلب , وإن أعلقت دنيا الأرض بالجثمان .
*******
فهذه رسالة أدب الصدق دون ما زور أضاليل ينطق به أدب البهتان .
فإنّ في الأدب الحقّ قوى تنزع من النفس ألواناً وتجىء إليها بألوان ,
وتبعث الإنسان بعثاً جديداً حتى يجيء كائناً حيّاً أسمى بين الإفتان والإفتنان ,
وتتناول المجتمع فتصوغه صوغاً آخر حتى يجيء كائناً إجتماعيّاً أكمل بين الإتقان والإحسان .
فليس إلاّ ” أدب الصدق ” خالداً على لسان الدهور والأزمان .
وهل لغير أدب الخلود قدرة على إستبدال ما ينبغي أن يكون في الحياة والأخلاق والفكر بما هو كائن وما قد كان ؟
*******
في طبيعة البشري معركة ضارية عوان ,
شبّت وما فترت منذ كان الدهر وليداً الى أن كاد يخلولق منه الكيان .
تلك معركة الجسم والروح ! فالحيّ منها بين حيرة وأطمئان !
وهو يسير تحت ثقلها مجهوداً لاهثاً , فقد ناءت منه الأركان ,
ومسحته الكآبة وتمشّت على وجهه طيوفها , وغارت في محاجره العينان ,
وراح يطلب الخلاص من لظى الصراع الدائر بين جوانحه في عنفوان ,
فيغمض عينيه مستسلماً لليأس أواناً , ويفتحهما في أوان …
*********
ورسالة ” المصلح الحقّ ” تنحصر في أن يجعل من عنيف الصراع تفاعلاً ينضر مادّة الجسمان ,
فيتجوهر وجودها الترابي كالماس حتى يشعّ بإشراق الروح مثل الكوكب الفتّان ,
ويسحق في وجودها وجود ذيّاك الأفعوان .
وبذلك يهيّء السبيل ليرجع بألحيّ وقد طرد أول عهده من ساحات الجنان .
**********
تلك غاية ” الدكتور داهش ” , وفي سبيلها يرسل نفثات صدره المنبثق بشعلات الإيمان .
فجاءت أدباً فوق الأدب بما تميس به ميسان حاليّات الأفنان !
وجاءت صوفيّة فريدة بما فيها من مثاليّة الضمير الريّان !
وبرزت في ألفتها صورة من نضار تراكب عليه درّ ومرجان !
**********
ألا سرّ في طريقك غير عابىء بما يصدّونك به من صارم أو مرّان ؛
فالناس في هذه ” الأرض ” في مثل مسبح التماسيح والحيتان .
وعسى أن يعود الكون ويبتسم ثغر الزمان ,
والمجد للّـه في العلاء , وفي الناس المسرّة , وعلى الأرض السلام والأمان .
بيروت , 19 نوّار, 1943
“القلب المحطم”
عبقرية متجلية في بساطة التعبير ونضج التفكير
بقلم الدكتور سمعان سالم
الدكتور سمعان سالم أستاذ في الفيزساء النووية بجامعة لونغ بيتش في ولاية كاليفورنيا.
نشر له ثلاثة كتب في التاريخ والحضارة وأكثر من مئة مقالة في الفيزساء النووية.
وصلني كتاب الدكتور داهش “القلب المُحطَّم” هدية من “مكتبة تراث داهش”. وعلى الفور ابتدأت ألتهم صفحاته. وما إن قاربت منتصفه حتَّى طلبَ إليَّ بعضهم أن أُبدي رأيي في الكتاب. تساءلتُ: ما قيمة رأيي عندما يعتقد كثيرون أن الدكتور داهش هو رجل المُعجزات، وقد يكون “القلب المحطَّم” إحداها.
فكَّرت مليًا، ثم عدتُ إلى الصفحة الأولى ادرسها وأنعم النظر بما جاء فيها، إذ أدركت أنه يجب عليَّ أن أتفحَّص وأتفهَّم ما أقرأ، ففي صفحات هذا الكتاب آمال وآلام رجلٍ في قلبه جروحٌ وفي نفسه حروقٌ، وهو يكتبُ والدمُ مدادُه.
“القلبُ المحطَّم” يحتوي على خمس وستين مقالة في موضوعاتٍ مختلفة، لكن الرسالة قد تكون واحدة جليَّة. ترافقُ جميعَ هذه المقالات رسومٌ من نسيجِ خيال المؤلِّف فتزيد المعنى جمالاً وإيضاحًا، وتعطي الكلمات رموزًا رائعة. وقد قدَّم الكتاب الشاعر الكبير حليم دموس فأنشدَ وأجاد.
عندما يدرك القارئ أن جميع المقالات الواردة في هذا المجلّد وضعت عندما كان الكاتب في الرابعة والعشرين ربيعًا، قد يعود بذاكرته لما كان يجول في تفكيره ( أي تفكير القارئ) عندما كان هو في ريعان الشباب، فيُقارن، إذْ ذاك، آراءه وأفكاره بآراء الكاتب وأفكاره، فتتجلّى له عظمة الروح والأفكار التي كانت تختلج في نفسِ مؤسس الداهشية.
إن الدكتور داهش يكتب بسرعة خيالية فتسيل عصارة أفكاره كالنهر الجارف، فتأتي كتاباته بأسلوبٍ بالغ السهولة، بليغ التأثير. فالعبقرية متجلِّية في بساطة التعبير ونضج التفكير وعمق المعنى.
إن في الأسطر الأوائل إشارةً واضحةً لما يحويه الكتابُ من جيد التعبير وقوة الإدراك وما في قلب المؤلف من آلامٍ وأحزان.
“أنا ابنُ الأسى ووليدُ العذاب
فطهريني أيتها الآلام”.
الروحُ تطهرُ بالآلام والحرمان والتقشف والابتعاد عن مهازل الحياة التافهة، ولقد صدق الشاعرُ حليم دموس عندما قال:
“لم أشكُ من وقع المصائب مرةً
إن المصائب هذَّبت أخلاقي” لقد انفرد وتنسَّك الدكتور داهش بروحه، فارتفع عن الحياة الدنيا ووصفها بعبقرية قد تكون فريدةً في التفكير وعُمق الفلسفة وحُسن الإيجاز:
“كلما ازددتُ تعمقًا في ضروب الحياة، تكشَّفت لي منها نواحٍ عديدة ساقطة كنتُ أجهلها”.
احتقاره للمادَّة يتجلَّى بوضوحٍ في كل صفحة وفي كل سطر حتى يبلغ الذروة في مقاله “المال المال”، إذ يخاطب المال قائلاً:
“فافن من هذه الأرض وتلاش
يحلُّ الهدوء محلَّ الصخب
والسعادةُ محلَّ الشقاء”.
ويزدادُ المعنى إيضاحًا عندما يخاطب جبران خليل جبران بقوله:
أيها الطيف الغير المنظور بأعيننا
التي لا ترى غير عالم المادَّة،
أيها النابذ عالم المادَّة الحقير”.
يرى في الحياة الآلامَ، فيصفها بأسلوبٍ واضحٍ لتدخل عميقًا في قلب القارئ وروحه:
“لقد بَلوتُ الحياة وخبرتها، فإذا بها أضحوكة، بل قل إنها مهزلة”.
ثم يستدركُ بغبطة وحبورٍ علمًا منه أن المهزلة لن تدومَ، فهي إلى زوال:
“ما الحياةُ غيرَ وهمٍ باطل سوفَ يزول”.
وآلامُ الحياة والكآبة تطهرُ الروح، فيبتهجُ لذلك رجلُ الروح:
“وفي ألمي العميق لذَّتي
وفيه سعادتي وبهجتي”.
ومَن شعرَ بسعادةٍ في الآلام فقد صارعت روحه الآلامَ فصرعتها، وفي التغلّب على الرذيلة فضيلة وبهجة وسعادة. فالدكتور داهش يرى الحياة امتحانًا؛ مهمَّة الروح فيه أن تتغلَّب على المادَّة وتقهرها، فتنتصر وتحظى بالسعادة الخالدة السرمدية، فتنتهي الآلامُ وتُبادُ الأسقام.
في عدة مقاطع يصفُ الكاتب جمال حياته السابقة، مقارنًا عذوبتها بمرارة الحياة الحاضرة، ليستدرك بأن الامتحان سينتهي وسيعودُ إلى الحياة السرمديَّة الأبديَّة:
“أنا غريب في هذه الحياة الغريبة عني
نعم، أنا جئت من عالم مضيءٍ غير هذا العالم الكئيب”.
عالم عمَّه الظلم حيث الحقّ للقوة وحيث المادَّة تتحكَّم في رقاب العباد، فهي، وليس سواها، إلاهة هذه الكرة.
“أنا أنكرُ عدالة الأرض لأنها مفقودة”.
ولكن الحياة عليها ليست سوى هُنيهة وتمر. ثم يطلب متوسِّلاً ليتحرَّر من سجن المادَّة وقيودها إلى:
“حيث الخلود السرمديّ الأبديّ الأزليّ اللانهائيّ”، فيناجي الموت مناجاة الحبيب للحبيب، لأن فيه التحرّر من مرارة الحياة.
“في الغد قد أندمجُ مع حبيبي الموت،
ففي هذا سعادتي الكاملة الشاملة،
فالوداع، أيتها الحياةُ القاسية المريرة، الوداع”.
حبُّه للحياة الأبدية حبٌّ صادقٌ قد تحكّم بكل جوارحه، فصرف ذهنه كليًا عن الحياة الدنيا، فاحتقرها وأراد التخلّص منها. إزدراها وازدرى كل ما فيها حتى الزواج، إذ رأى فيه الشهوة العارمة لا الحبّ الحقيقي؛ فالزواج نتيجة المتعة الجنسيَّة، لأن الحبَّ الحقيقي السامي لا يمكن أن يتبلور على الأرض، فموطنه الحياة الأبدية في السماوات العلوية. ولذا،
الزواج رذيلة وليس فضيلة
كما زعموا ويزعمون”.
وقد يرى القارئ في “القلب المحطَّم” دمعة عين وحرقة قلب وعصارة يأس، ولكن من أنعم الفكر وتبصَّر، ارتفعَ عن هذا إلى ما في الكتاب من تفهّمٍ للحياة وما فيها. إن فيه رسالة قيّمة؛ وفي مواضيعه دروسٌ ومعانٍ دقيقة سامية، وإن اختلفت العناوين. فالرسالةُ واحدةٌ واضحة – الابتعاد عن المادّة بكل أنواعها من المال حتى الزواج، والاندماج بالروح السماوية.
“القلبُ المحطم” في اختلاف موضوعاته وعمق أفكاره وبساطة البلاغة التي فيه فريد. فهو ثورة على المادّة وعلى الحياة الدنيا بأسرها، كما على الأساليب المعقَّدة.
وقد يتساءل القارئ هل تمكَّن الدكتور داهش من الصعود إلى قمة الرابية وأنفذ النظر في أعماق الحقيقة فشاهد ما شاهده الرسل والمصلحون من قبله، وهل ارتشف من مياه النبع الذي شربوا منه؟ الروح الطاهرة تشتاق إلى تلك الرابية، وإلى مياه ذاك النبع تبقى أبدًا ظامئة.
مُهــداة الى الدكتور داهش
شعر طوني شعشع
ببالي إذا مرّت حروفك , سيّدي , تهيج عصافير وتنمو بيادر
وإن جلجلت قلت : الزمان مروّع وفي جبهة التاريخ منها خناجر
تعلّمني أنّ المصير حرائق , وهل لسوى الأحرار تعنو المصاير !
وتفتح لي درباً الى اللّـه صاعداً فأبصرني في الغيب , والغيب سافر
وأطرق أبواب السماء مهلّلاً, وفي فلك الروح الأمين أسافر
وأرنو الى الدنيا , وأضحك ساخراً؛ فما في مدى الآفاق إلاّ المقابر
هي الأرض : طين في الفضاء مكوّن , إذغ عصفت ريح به يتناثر
حروفك مشكاة تضيء كآبتي , ويعبق منها في الضمير مجامر
وفي وحدتي الصفراء تهبط أنجماً , فيملأني شوق الى النور قاهر
وأعرى من الأبعاد حتى كأنّني اله صغير في يديه المقادر !
حروفك أمطار تغلّ دفيئة , فتزهر بالأشعار منك الدفاتر
وأغفل عن فكر دجيّ بنوره وأعلم أنّي في ظلالك شاعر
الأدب الداهشيّ
يتميز هذا الأدب، الذي يضمُّ أعمال الدكتور داهش نفسه وعدد من الداهشيين الذين عايشوه في حلِّه وترحاله، حيث يتجاوز كونه مُجرَّد أدب يتناول مواضيع الحُبّ، الجمال، الشوق، والألم. ليروي جوانب من العقيدة الداهشيَّة وخوارق مؤسِّسها، ممَّا يجعله أدباً فريداً ومثيراً للجدل في المشهد الأدبي العربي.
فهذه رسالة أدب الصدق دون ما زور أضاليل ينطق به أدب البهتان
التصنيفات الرئيسيَّة في كتابات الدكتور داهش
العناوين الأساسيَّة في كتابات الدكتور داهش مُصَّنفة بناءً على الأفكار المحوريَّة للعقيدة الداهشيَّة، تُمكِّن الباحثين من سهولة الوصول لتصوّراته ومفاهيمه للحياة والوجود
جـِراحُ الأديـان
إنحراف المفاهيم النقيَّة والجوهريَّة للأديان وآثارها السلبيَّة والصِّراعات التي نتجت عنها
الوحدة الأزليَّة
جميع الأديان السماوية تنبع من مصدر إلهي واحد أزلي، وأن الاختلافات الظاهرة هي مجرد تفسيرات بشرية.
فـي مـحـرابِ الـحـقّ
الحقُّ لا يقبل التنازل، هو الميزان الذي يجب أن تُقاس به كل التصرفات البشرية والاجتماعية
طـريـقُ الـعـودة
رحلة الرُّوح الأبديَّة وكيف تحقُّق العدل الإلهيَ والتطور عبر الأزمان
الـمـوت والـتـقـمُّـص
الموت ليس نهاية العدم، بل هو مجرَّد نقطة تحول لتصحيح الأخطاء وفرصة للتطوُّر
الـعَـرش، والـمُـنـتـهـى
الألوهيَّة والسُّلطة المُطلقة، المكان الأسمى ونُقطة الإنطلاق والنهاية.
صـراعُ الـيـَقـظـة
الوعي والإدراك الحقيقي لقوانين الوجود والتحرُّر من الأوهام الماديَّة التي يفرضها المُجتمع والجسد.
سـبـر أغـوار الذّات
البحث والتحليل للكشف عن الحقائق المخفيَّة، وتقييم الذَّات وإصلاح أعماقها مفتاح معرفة الكون والخالق.
الـحـرّيـة والإِنـسـان
الحريَّة المسؤولة، صراع اليقظة وسِبر أغوار الذَّات ضمن سياق السُّلوك الإنسانيّ وتفاعله مع مُحيطه
الطبيعة البشريَّة
الرَّغبات والشَّهوات، صراعاتٌ بين الرُّوح والمادَّة، ينعكس على واقع الإنسان والإنسانيَّة.
مـنـاهـج الـبـصـر
المادَّة هي الشَّكل الأدنى للُّروح، تتجاوز حدود العلوم المعروفة الى أبعادٍ روحيَّة لانهائيَّة.
تكامل المعرفة
الـكـون والـمـادّة، العلم والعقلانيَّة أدواتٌ منطقيَّة ضروريَّة للإيمان بالحقائق الروحيَّة.
أساطير الأبد
السرديَّات التي تتجاوز الزمن، وتتَّصل بجوهر الأزل وخلود الرُّوح
تجارب الأرواح
رحلات الأرواح وتجاربها في عوالم ما بعد الموت، تُقدم رؤية شاملة وكونية عن معنى الحياة والعدالة الأبدية.
الكتب هي طعامي المفضل. و نهمي لالتهام متنوعاتها لا يشبع فضولي مُطلقاً مهما طالعت منها. فأنا أقرأها و أتذوَّق حلاوتها، و أنتشي بما تحويه من كنوزِ المعرفة التي أودّ فضَّ مغاليقها، و استيعاب أسرارها المكنونة دوماً و أبداً.
الدكتور داهش








