في ذكرى الدكتور داهش

الدكتور داهش منارةٌ إنسانية

الأستاذ محمد عبد الرحمن محمد

صحافي لبناني. صاحب مجلة “حضارتنا” ومديرُها العام (وهي مجلة تُعنى بالشؤون الإنسانية والحضارية عامة، وبخاصة ما يتصل منها بالعالمين العربي  والإسلامي). وهو صاحب مجلة “قطر الندى” ومديرُها العام (وهي مجلة ثقافية اجتماعية على وشك الصدور).

 

 

الدكتور داهش منارةٌ إنسانية

إن الكتابة عن عظماء الإنسانية وعباقرتها، وهم أشبهُ بالفصوص الألماسية التي تزينُ عقد التاريخ بألوانها المختلفة، هي معاناةٌ ما بعدها معاناة تعترضُ سبيل أي كاتب بمجرد تفكيره بالكتابة عن هذه النخب الإنسانية، وتحديدًا النخب التي طبعت مسيرة الإنسان، منذ فجر الخلق وبدء التكوين الآدميِّ، ببصماتٍ حضاريةٍ رائعة، والتي هي أشبهُ ما تكون بالمنارات التي تهتدي بها كلُّ نفسِ تائهة في لُجَج العتمة والظلمات.

ولئن تبسط القرطاسُ أمام ناطريك فذلك سهل؛ وأسهلُ منه امتشاقُ اليراع. فمكمنُ المعاناة سينحصرُ في زوايا الكيف والأين من كيفية عمل الفكر والعقل، وفي إيفاء هؤلاء العظماء ولو اليسير مما يستحقون. نعم، فلو أراد أيُّ كاتبٍ أن يتناول أي موضوعٍ أو مادةٍ ليكتب فيها، فما علي سوى أن يترك العنانَ لعقله ليستنبط، ولأنامله أن تمسكَ القلم، فترتسم الأفكارُ لوحاتٍ فكريةً أو أدبية أو علمية أو وجدانية. ولو أراد الكاتبُ نفسُه، أو أي كاتبٍ آخر يمتلكُ الحرفية في الكتابة، أن يتناول بحثًا ما، فما عليه سوى الغوص في أعماق هذه البحث وسَبْرِ أغواره عبرَ المراجع الوافرة والغزيرة التي تتناولُ كل مفصلٍ من مفاصل تطور الإنسانية منذ البدجء وحتى عصرنا هذا…

أما عندما يُطلب من الكاتب أن يكتب عن عظيمٍ من عظماء كوكبنا الأرضي أو علَمٍ من أعلام التاريخ والإنسانية، فدون ذلك صعابٌ وصعابٌ تنتصب أمامه، ولا سيما إذا كان يتصف بالحياد والتجرُّد، ويتسلح بالحجة والمنطق والدليل. وتبدأ المعاناةُ عندما يحاولُ الفكرُ لملمةَ ما يمتلكُ من علوم حول هذا العلم أو ذاك النجم أو غيره ليحاولَ التحليقَ لمُلامَسة حقيقة تلك الشخصيات الإنسانية، وخاصة تلك التي حباها الله بنعمٍ إلهية ومكرُماتٍ ربانية بانت حقائقها لكل ناظرٍ إليها، ولامستها كل يدٍ أراد عقلُ صاحبها أن يستيقن؛ فمنهم من استيقن وآمن، ومنهم مَن استيقن وكابر. فما إن يبدأ الكاتب حتى تغزو الحيرةُ عقله وتقتحمَ أفكاره وتدهم خواطره. ويكاد يشعرُ بالشلل الفكري، إذ تجتاحُه الرهبة، ويتملكُه الخوفُ من أن يخطئ في التقدير أو يُنقص في التقييم، فلا يُوفي المصنفَ حقه من التصنيف. وتتملكُ الأنامل الرجفةُ لإدراك صاحبها أن مساحة اليراع والمداد والقرطاس أضيقُ من مساحة هذه المنارات الإنسانية العظيمة!

ولكم أنبأنا التاريخ عن تلك المنارات الإنسانية التي ما خلت الأرض منها لا عصرلًا ولا دهرًا بدءصا من أول الخلق آدم، عليه السلام، وابتلائه بقتل أحدِ ولديه الولدَ الآخر – وكان ذلك تجربةً رهيبةً مرَّ بها أبو البشر زادته إيمانًا على إيمان ونورًا على نور، وما استطاعت هذه البليةُ أن تنال من صبره وإيمانه العظيمين – إلى سيدنا لوط، عليه السلام، وابتلائه بقومه الذين كلما ازدادوا فسادًا في الأرض ازداد صلاحًا في النفس والروح. وثمة سيدنا نوح الذي أنذر قومه من غضب الله أو يصلحوا أنفسهن، فاستهزأ أكثرهم، فأتى أمرُ الله، وصدَقَ وعدُه؛ وسيدنا أيوب، عليه السلام، الذي صبر على كل بلاء أُصيب فيه في الجسد والرزق والولد، لنتعلم منه الصبر الذي راح مضرب المثل إلى وقتنا هذا؛ وسيدنا يونس، عليه السلام، الذي ابتلعَه الحوت. ولا ننسى  تجربة الإيمان مع خليل الله وولده إسماعيل، عليهما السلام؛ وسيدنا عيسى ابن مريم، عليهما السلام، وقد كانوا يزرعون الآلام في جسده الشريف، فتنبت وردودٌ تعبقُ برياح الحب وأريج التسامح؛ وسيدنا يوسف، عليه السلام، الذي لا يقلُّ صبره على المظالم بإيمانٍ عظيم – لا يقلُّ عظمةً عن مجابهة سيدنا موسى، عليه السلام، لجبروت فرعون وطغيانه. وأختمُ بالهادي محمد، عليه وعلى إخوانه النبيين من قبلُ ألفُ صلاةٍ وسلام، وقد تحدى بإيمانه الإلهي غطرسةَ المُشركين الذين أطلقوا عليه سهام الافتراءات الظالمة والأحقاد، فردَّ بتضرُّع لله وابتهال أن يغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون. والأمثلة بالآلاف من نُخَب هذا الكوكب الذي نحيا عليه.

والحق أن الصراع بين الخير والشر لم يتوقف عند الرسل والأنبياء والمكرمين فقط. فلقد شهد التاريخُ الإنسانيُّ صداماتٍ كثيرةً ومبارزاتٍ بين جبابرة التاريخ العُتاة والمنارات الإنسانية والحضارية التي لم تخلُ منها الأرضُ يومًا لا في زمان ولا في مكان. فما دام النقيضان موجودَين، أعني الخير والشر، النور والظلام، الإيمان والكفر، الرحمة والقسوة، الموت والحياة، الليل والنهار – أقول: ما دام هذان النقيضان مستمرين، فالصراع بينهما لم ينته – ولن ينهي – حتى في عصورِ ما بعد النبوة؛ ولنا من كربلاء الحسين شاهد، فضلاً عن كثيرٍ ممَّا مرّ به عبادُ الله الصالحون ورجالاتُه المؤمنون. ونحن إذا كنا لم نحي في تلك الحقبات السالفة، ولم نُعايش أو نعاين أحداثها لنستذكرها فكرًا وبصرًا، فإن التاريخ قد أخبرنا عن منارات الخير والنور، تلك التي جابهت رموز الشر التي ما فتئت تُحاول النيل من إيمانهم وهديهم بقصد هدم مناراتهم المُضيئة لإطفاء نور الله (ويأبى الله إلا أن يُتمَّ نورَه ولو كرهَ الكافرون).

ولكن ما عذرُنا نحن الذين عايشنا وعاصرنا معركةً ضاريةً دارت رضحاها بين هذين النقيضين التاريخيين، ومن يمثلهما. نعم، في الأمس القريب عايشنا إحدى جولات الحق مع الباطل. وكان رمزُ الحق رجلاً أتى دنيانا الفانية كومضةِ نور: في عقله نور، في قلبه نور، في يده نور. نورانيًّا كان في علمه وعلومه، في أدبه وأدابه، في خُلقه وأخلاقه. والنور قد يصبح خطرًا على مَن كانت بصيرتُه مظلمةً، وعقلُه مُظلمًا. رجلٌ حباه الله بأنعام إلهية ليكون حُجَّة على من ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة. قابلوه بالكذب فازداد صدقًا. انهالوا عليه بافتراءاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، فكان سلاحَه الحُجةُ والدليلُ والبرهان. وصفُوه بما يتصفون هم به، وهو من وصفهم براء، فكان أيضًا وأيضًا يصدُّهم بالعلم والمنطق والبيان. هتكوا بظُلمهم له كل عُرفٍ وكل شرع، فكان يزداد تمسُّكًا بالأعراف والشرائع. هددوه تنكيلاً وسجنًا، بل قتلاً، فردَّ عليهم مُشفقًا على نفوسهم الضائعة والتائهة. عليةُ القوم يأتونه، فيرونه أكبرَ منهم. يأتيه المعذبون من فقراءِ القوم، فينفتحُ لهم ذراعيه، وبنعَم الله الإعجازية وبإذنه يشفي هذا ويُبرئُ تلك. يزيده الله تعالى إعجازًا وأنعامًا ومقدرة، فيزدادُ تواضعًا وطيبة وتسامُحًا. إنَّه الدكتور داهش الذي أتى إلى هذه الدنيا الفانية كما سبقه الكثيرون من رجالات الله على الأرض، الذين ينطبقُ على كل واحدٍ منهم وصفُ “المعلم” بحق. انساب الدكتور داهش إلى دنيانا كما تنسابُ بضعُ الشمس المُشرقة على شجرةٍ وارفة، فيها من الوريقات المفعمة بالحياة التي تنهلُ من إشراقات النور ما يزيدها اخضرارًا وحياةً، وتطلعُ ثمرًا طيبًا؛ وفيها من الوريقات الصفراء التي تختبئُ من بضع الشمس، فيصيرُ مثلها مثل السقيم الذي يزدادُ سُقمًا والدواءُ بين يديه لا يَقربُه. هكذا هي النفوسُ الخضراء المورِقة والمخضوضرة، تستمدُّ العافية من تعاليم العُظماء ونواميسهم لتبقى مناراتُهم شامخةً في كلِّ آنٍ وزمان، تنيرُ الدروبَ أمام المعذبين والمتعبين. أما الصفراء من الوريقات، فهي واهيةٌ ديدنها السقوطُ على الأرض لتدوسها كل قدَمٍ تطأُها.

فمثلُ شجرةٍ مثمرةٍ تحمل ثمرةً طيبة تُنبتها لتُطعم كل جائعٍ، فترجمُها كلُّ يدٍ بحجر، فلا تغضب، ولا تتوقف عن الحمل المثمر، بل تعاودُ حَمْلها في كلِّ عامٍ غيرَ آبهةٍ بالأحجار التي تُرجَم بها – مثلُها مثلُ رجلٍ طيبٍ يحمل بذورَ الصلاح رسالةً زرعها في كل نفسٍ تائقةٍ للصلاح، وفي كل أرضٍ خصبةٍ لتُزهر إنسانيةً نورانية إيمانية تتجذر كجذور الشجرة الطيبة. فكما إن الشجرة المثمرة لا ينفع لها أحيانًا ثمرُها الطيب، كذلك الرجال الصالحون لا يشفعُ لهم صلاحُهم عند الظالمين مهما بلغت الخوارق على أيديهم، ومهما بلَغت العطاءاتُ الإلهية لهم. ودعُونا من سبر أَغوار التاريخ لتقديم الأدلة على ما نقول من رُسُلٍ وأنبياء مكرمين، ومن أئمةٍ طاهرين، وصحبٍ مُنتجبين… فالأمسُ القريب، كما ذكرنا قبل هذه السطور، يقدمُ عينةً راقية، ونموذجًا حضاريًا، ساميًا ونبيلاً؛ نعني به الدكتور داهش الذي كانت جريمتُه الوحيدة أنه قدَّم للإنسانية المعاصرة باقاتٍ إنسانية في شتى مجالات الفكر والأدب، وكانت له لمساتُه الإعجازية التي بهرت كل من عايشه، ورأى ولمس.

المجذافُ والبحر

الأستاذ غازي قَيس

كاتبٌ لبنانيّ. يحمل الإجازة في الآثار والفنون من الجامعة اللبنانية. شغلَ أمانة سرِّ “ندوة الخميس” في بعلبك، وأسس فيها صالون “مجلس الأدباء”. شارك في عدة ندوات ومؤتمراتٍ ثقافية. صدر له كتاب “رحلة في الغرف السبع” (دراسة جمالية لشعر جورج غريب)، و”ظلال فوق بحيرة النور” (رواية). له مقالات منشورةٌ في الصحف، وكتابٌ قيد الطبع.

 

المجذافُ والبحر

تحيَّة إلى روح الدكتور داهش

… ويأتي العام 2009 حاملاً إلينا مناسبتين اثنتين أعادتا إلينا شيئًا من كبريائنا التي نُباهي بها أمام العالم، ونتباهى بها في محيطنا الشرقي، أمام الشمس الفاضحة. هاتان المناسبتان هما: إعلانُ بيروت عاصمة عالميةً للكتاب، والاحتفاء بمرور مئة سنةٍ على ولادة مُبدعٍ كبيرٍ من الشرق تحدى الجاذبية في الصعود والتحليق، قاهرًا حتمية الوقوع في سراب هذه الدنيا الدنيئة، مرتفعًا ومترفعًا كطائر الأسطورة… إنه الدكتور داهش. وفي المناسبتين الحديثتين فخرٌ لنا بأننا أمةٌ ترفعت بعزها ومجدها وتاريخها ورجالاتها الرؤيويين الذين أدهشوا العالم بعقولهم المتوجهة وحدسهم الصائب ورؤاهُم المحققة. وبمناسبة إعلان بيروت عاصمةً عالميةً للكتاب، أُهديى هذه التحية إلى روحِ الدكتور داهش الذي لم يتسنَّ لي التعرُّف إليه شخصيًا، فاقتصرت معرفتي به على قراءة البعضِ القليل السخيِّ من نتاجه الأدبي والفكري الضخم.

          أيُّها الغريب المُترفعُ عن قضايا البشر المادية، أيّثها الساخرُ من دنيانا البراقة، أيها القويُّ في انتصاراتك الرائعة على كل سراب، أيها الناشدُ الحق في الملإ الأعلى، أيها العاشقُ الروحانيُّ السخيُّ في عشقك، كم أتلفتَ من جسدِك وأنت تبني لروحك أبراجًا لتُسكِنَ إلهةَ عشقِك ومعبودتك “ديانا”.

          في وُجومِ أبي الهول حزنٌ على “ديانا”، وفي هرم خوفو رصدٌ لروحها النقية، الطاهرة، إذ تحول الانتظارُ لديك إلى عملية تفكيكٍ للزمن الهارب ومعه أعمارنا المحسوبة علينا عبثًا. معك عِشنا أعيادَ الكلمات بفرحٍ لا يشبه الفرحَ الأرضيَّ بشيء، بل يتعالى كهيمنات النسائم على رؤوس أشجار الغاب الذي تاقت روحُك إليه، لتنطلق إلى معبودتك الساكنة خلف غيوم الحياة رافلةً في غلالاتٍ ورديةٍ من عقيق الشمس في ساعات الأُفول.

          في مئويتك الأولى، نقرأُ أدبًا فيه من الرفعةِ ما يجعلنا نحلقُّ بأجنحةٍ خفية إلى أعراس الكلمات، حيث الموسيقى الكامنة بين الأحرف تعيدنا إلى زمن المتصوفة الذين نقرأُهم بشغفٍ، فنتذكر جلال الدين الرومي القائل في كتابه “المثنوي”.

          لي حبيبٌ حُبُّه يشوي الحشا                      لو يشا يمشي على رمشي مشَى

          راحٌ بفيهـــــــا والروحُ فيهــــــــــــــا                         لي أشتهيها قُــــــــم فاسقنيهــــــــــــــــــــا

وتقولُ أنت:

“وصاحت الأحجار والأشجار، ومن فوقها الأطيار:

إن الحبَّ دعانا لأن نرى جمال “ديانا”.

ونشعرَ بسلطانه القاهر يغمُرنا، فنصرع أن لا تُغادرَنا…”.

إنَّ الجدلَ القائمَ اليوم حول ماهيَّة الشعر، حديثه وقديمه، سببه عدمُ العودة إلى الينابيع التي شربتَ منها حتى الارتواء، وقدمت لقارئيك من كوثرها العذب كؤوسًا شعشعانية تُعلم الأجيال ماهية الشعر الساكن الأبراج على هديلِ حَمامٍ وتصفيقِ يمام وتغريد طير.

          أيُّها الساكنُ شغفنا، المالئُ توقنا إلى السعادة التعي هي هدفُ الأهداف، كم تفانيت في البحث عن السعادة خارج هذا العالم، منطلقًا من نقطة الزوغان الوحيدة، ألا وهي الحُبُّ، إلى نقطة الذوبان الكلي بالمعشوق تمامًا كما المتصوفة.,

          نقاط التقائك بين المبدعين الخالدين من البشر كثيرةٌ على خصوصيةٍ واضحة؛ فبينك وبين جبران رأيٌ في المحبة، إذ يقول جبران: “المحبة لا تعرف عُمقها إلا ساعة الفراق”. وتقول أنت: “حانت ساعةُ الفراق لأني سأُغادرُكم بعد ساعة، فيكون فراقًا لا لقاءَ بعده”.

وبينك وبين المتنبي رأيٌ ثابت في البشر، إذ يقول المتنبي:

ولما صار ودُّ النـــــــــــــاس خبًّــــــــــــا               جُزيت على ابتسامٍ بابتسامِ

وصرتُ أشــكُّ في مَن أصطفيه               لِعلمي أنـــه بعضُ الأنـــــــــــــــامِ

وتقولُ أنت:

“أخبرها بأن لا تأتمِن أيًّا من بني البشر، إذ إنَّ أصدقَهم هو الخائن”.

 وبينك وبين “رونسار” كلامٌ في السعادة. يقول  رونسار في قصيدة à Ode Cassandre : “إقطفي، إقطفي شبابك، لأنه كهذه الوردة التي تتفتح يومًا واحدًا، فتذبُل ثم تذوي”. وتقول أنت: “كلُّ ما في الكون من صاخب وصامت سيعتريه الذبول فالأفول”.

          يقول إميل زولا: “عابرةُ سبيلٍ هي الحقيقة، ولا حقيقة إلاَّها!” وتقول أنت في كتابك “قيثارة الآلهة”: “الحُبُّ هو السعادة الحقيقية، إنها الحقيقةُ بعينها!”.

          في كلامك على الحبِّ ترفُّعٌ عن المادة وعودةٌ إلى الحبِّ الخيالي، حيث تتعانقُ الأرواح في الارتفاعات الشاهقة: “مَن حصلً على معبودتهِ فقد فقدها إلى الأبد…”.

          قرأتُ الأناشيد في كتاب “ضجعة الموت” فخِلتُ قلمَك ينقرُ على وتر الحروف، فإذا الموسقى تُلغي الضجر وتحيلُ السكون إلى صمتٍ بليغ في حركات الخيال التي توقعُها الكلمات الآتية من الألم وجعًا مقدسًا ينقل القارئ من المكان إلى اللامكان حيث الروح هائمة كجنيةٍ خرجت من الفردوس لتُقيمَ على الأرض فردوسًا آخر!

          في هذا المقطع بالذات:

“والحواري الجميلات خشعنَ وهنَّ جاثيات،

وهِمن في فضاء الذكريات، الحافلِ بشتى المغريات…

ديانا… الممشوقةُ القوام، الفتانةُ الانسجام…

واقتربتِ الملائكة الأطهار حيث مليكةُ الأزهار

لتستشعر السعادةَ العُلويَّة الكاملة،

والغبطة السرمدية الشاملة”.

في هذا المقطع موسيقى كامنةٌ بين الكلمات سبق أن استوحاها رافيل من الغابة، فأتى برائعته “البوليرو”؛ هي هنا سيمفونيةٌ خالدة.

          أما الطبية في الأناشيد، فهي تجدد دائم وحركةٌ متكاملة كرقصةٍ فالس. أمواجٌ من الموسيقى الهادئة تهزُّ القارئ هزًّا خفيفًا، فتنقلُه من واقعه إلى الطبيعة في لوحةٍ خالدة تعجزُ عن إبداعها ريشةُ سيزان، أو جان كلود مونيه، أو مانيه.

          “النسيمُ الطروب الساكن ابتدأ يهُبُّ ملاعبًا رؤوس الأشجار المنتشية  من فرط ما شعرت به من الغبطة بتأثير ذلك الصوت السماويِّ الذي يخترقُ الجمادَ فيبعثُ فيه روحًا…

          نعم، إنَّ الأشجار استيقظت بعد أن كانت غائبةً عن نفسها طوالَ تلك المدة التي استغرقتها الأنشودة. كلُّ ما في الروضة جائشُ العواطف، مُهتاجٌ، يشعر بأنه قد ملك ناصية السعادة السرمدية”.

                                                ***

          وبعد، إن رأيك في السعادة يشكلُ صفعةً لكل من يتوهم أنه سعيدٌ في هذا الكوكب الأرضي. أتى ذلك في كتاب “مذكرات دينار” حيث تتوالى القصص شواهد على استغلال الإنسان واحتكاره وطمعه وجشعه وتوهمه الحصول على السعادة التي تشبه سراب الصحراء؛ عفو السراب، فإنه يختزن في لمعانه الشعر الذي هو طريقٌ فرعيةٌ نحو السعادة!

          إن احتقارك كل اهتماماتِ بني البشر هو رأيٌ صائب. فها هم يتقاتلون منذ وُجدوا على “اليابسة”، اليابسة بتفاهاتهم وذُلِهم وخسيسِ مطلبهم، كأنهم لم يتعلموا من الحياة شيئًا.

          نوافُقك الرأي في كلامك على السعادة حين تقول إنَّ السعادة لا وجود لها في كوكبنا الأرضي. إنها هناك في الملإ الأعلى “حيث لا مكر ولا حسد، ولا كبرياء ولا دناءة، ولا سفالة ولا جريمة، ولا بُغض ولا نقيصة، بل حُبٌّ شاملٌ وسرورٌ كامل، إذ يُظللنا العليُّ القدير، ، ويرعانا بحنانه اللانهائي…

          فلنصرعْ إلى الله تعالى أن يُرشدَنا إلى الطريق القويم كي نقوى على محاربة الأدران والشرور، فنقربَ وقتَ خُلودِنا، حيث السعادة مع الأتقياء الأنقياء…”.

          إن المعاناةَ التي تزهقُ أجسادَ المفكرين في هذه الأمة مستمرةٌ ما دام بريقُ الدنيا يعمل تخريبًا في شؤون الناس وغاياتهم، ذاهبًا بعقولهم بعيدًا عن الحقيقة إلى عالَم المادة البشع حيث الرذيلة هي المسيطرة على القرار الذي أصبح كما القدر المحتم، لغياب العقل الإنساني عن التحكم بمصير الإنسان كقيمةٍ واستخدامه كآلةٍ تعملُ وتُستعبَد، لتصبحَ الحرية نشيدًا خيالياً لا مكان له على الأرض ولا في المجتمعات.

ما كتبه أبو العلاء المعري وأوصى بأن يكتبَ على قبره:

هــــــــــــــــــــــذا جنـــــــــــــــــــاء أبي علـــــــــيَّ             وما جنيتُ على أحـــــــــــــــــدْ

          إن هو غلا الألم الذي يختزنه المفكرون والفلاسفة، وعلى أساسه يصنفون الإنسان والقيم. ألم يصنف أبو العلاء الناس إلى صنفين:

          إثنان أهلُ الأرض: ذو عقلٍ بلا                   دين وآخرُ دينٌ لا عقل له

 

وبعد:

          لقد أعادتنا هذه المئوية – المحطة – إلى التفكر في واقعنا المرير، وذكرتنا بأننا بشرٌ نسبحُ في بحر الخطيئة، فتبتلعُنا لُججُها لتلقي بنا في العدم، ثم تبصقنا على شواطئ الخيبة والانكسار، وتُعلمنا أن الظلم هو سلاحُ القوي يشهرُه دائمًا في وجه الضعيف، وأن العالم غابةٌ، والحضارة كذبةٌ، والحرية أمنية غير قابلةٍ للتحقيق، وأن قوانين حيواناتِ الغاب أرأف من قوانين الإنسان.

إنَّ العالم الذي نعيش في كنفِه مملوءٌ بالليل، والعدالةَ المنشودة ليست موجودةً على الأرض. فهنيئًا لك في عالَمٍ رحلتَ إليه في تحرُّقٍ منذ أدرتَ حقيقةَ هذا العالَمِ المُشوَّه والحافلِ بالموبِقات.

يرحلُ الإنسانُ ويبقى ما أبدعتْ يداه من سكبِ فِكرِه على الورق. وأنت أردتَ أن يكون ورقُ كُتبِك صقيلاً وجميلاً يليقُ بفكرك، فكان لك ما أردت. بقي هذا الورق، وبقي هذا الفكرُ كلماتٍ تقُضُّ مضاجعَ الطامعين الساعين إلى كل بريقٍ كاذبٍ؛ وهذا يعني أنك كنتَ جميلاً.

رحلَ قلبك غاندي، فاعتبرته آخِرَ نبيٍّ يغادر الأرض. فالحكماءُ هم تمامًا كالأنبياء، يفتقدهم العالمُ وتفتقدهم القيم كمعلمين حقيقيين في ورشة بناء الإنسان.

شكرًا لكواكبةٍ شاءت أن أخوضَ فيك أيها البحر، بالرغم من عدم درايتي بالسباحة، فمجذافي قلمٌ قصير كهذا العمر القصير.

          بُورِكَ فِكرُك ودامَ أدبُك!

إطلالةٌ داهشيَّة

الأستاذ عبد الكريم الناعم

شاعرٌ وناقدٌ سوري عمل في التعليم، والصحافة، والإذاعة. إنخرط باكرًا في النشاط الحزبي السياسي، ثم انصرف عنه إلى النشاط الأدبي، فشارك في عدة مؤتمرات ومهرجاناتٍ أدبية شعرية دُعي إليها، داخل سورية وخارجها. صدر له تسع عشرة مجموعة شعرية، وكتابان في النقد التنظيريِّ التطبيقيِّ، وكتاب “سيرة زمن” (سيرة ذاتية)، وكتاب “الحزن والناي” (بالمحكية البدوية).

 

إطلالةٌ داهشيَّة

ذات يوم من أواخر شهر آب 2009 اتصل بي الصديق الشاعر عبد القادر الحصني، وأبلغني أن كتاباًا سيصدرُ بمناسبة مرور مئة سنةٍ على ولادة الدكتور داهش. واقترح عليَّ أن أكتبَ مساهمةً ما فيه، مُراهنًا على تلك الجُذوة الروحية التي في داخلي، من خلال حُسنِ ظنِّه بي، ومن خلال جلساتٍ نادرة وقليلة وجدنا فيها متِّسعًا لشيءٍ من الكلام عن ذلك الَّلوبان والحنين إلى ما لسنا ندرك، ومن خلال قصائدَ لي حملتْ رائحة ذلك الحريق. هو يُحسن الظن بي، وأنا أعلَم بنفسي وكم فيها من النواقص والعيوب التي كم تمنيت لو أنها لم تكن، ولكن ما كان كان. فوعدتُه خيرًا.

لعلَّه من المقيد هنا الإشارة إلى أنني من جيلٍ فتح عينيه على الوعي، فوجد الدعوات والأفكار الفلسفية والسياسية مفرودةً بين يديه، فانتميتُ إلى ما قدرتُ أن فيه وحدةَ العرب وقوتهم وتحقيق العدالة الاجتماعية. وما زلتُ شديد الميل لكل ما يحملُ بذرةَ “العدل النسبي”، لأن العدل المطلق هو شأنٌ إلهيٌّ بضحت، لا طاقة لنا، كبشرٍ، بتحقيقه، في المساحات المعروفة والمتاحة، وذلك بسبب نواقصَ هي جزءٌ من تكويننا الإيجادي، ومن ترتيبنا الوجودي. وما زلتُ أنحاز لأي موقفٍ أرى فيه أنه هو الحق، مبتعدًا قدر ما يسَع التعليل عن “الجبرية” التي هي من توليفات حاجات ذوي التسلُّط الدنيوي، والخالية من نُسميات العدل الإلهي، (ولا يظلمُ ربك أحدًا). ونظرُنا كبشرٍ هو  نظرٌ نسبيٌ، وعلى قدنا، ونحن مسؤولون عما نراه ونعقلُه وليس عمَّا لم نُكلفْ به؛ وتلك منطقةٌ لم تُترك غُفلاً، بل ثمة فيها شيءٌ من التكليف الإلهي، والفعل الذي يرفع صاحبَه نحو الأعلى حين يتحقق. فقد جاء في الحديث النبويِّ: “الخلق كلهم عيالُ الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.” فالخلق “عائلة” الله، بمعنى الرعاية، والمخلوقية، لا بمعنى المجانسة؛ وهو ما عبر عنه الإمام علي (ع) بقولهك “الخلق إثنان، إما نظيرٌ لك في الخلق، أو أخٌ لك في الدين.” وهذا يوجب على كل ذي وجدان حيٍّ أن يسعى لرفعِ الظلم الذي يقع على عائلة الله.

قد تأتي هذه الدرجة من عُمق الوعي تاليةً للاختيار، وهذا لا يقلل من أهمية أن يجيء الإنسان  مفطورًا على الانحياز لكل ما هو عادل. ولذلك فقد كنتُ  بجانب الدفاع عن الدكتور داهش الذي ظُلم على أيدي سلطات ذلك الزمن في لبنان، لا لشيءٍ إلا لأن له رأيً يختلف عن السائد، في واحدةٍ من تلك الخانات التي لا تعرف إلا ذاتها، ولا تقبل إلا بما هي عليه، تأخذُه دون تمحيص.

إنها “الأنا” في أدنى “دركات” مُثولها التعصبي الأعمى.

هكذا كانت تلك الأنا في أشد قتامات حضورها مع قابيل حين أراد الاستحواذ بغير حق، فلم يجد سبيلاً إلا الجريمةت الكبرى: قتل النفس التي حرَّم الله بغير حق. فلما ارتكب، دون أن يداخله الندم، وأضناه أن يحمل “الجثة”، ولم يؤرقْه أن يحمل جريرة القتل، جاءه غرابان، وعلماه ماذا يفعل؛ “غرابان” أسودان، رمز النعيق والتشاؤم، لأنه في “دَرَكٍ” لا يتلقى إلا مما هو من جنسه. والجنس لا يفهم إلا من جنسه، وعنه، ولو عن طريق المشاكلة. غرابان جاءاه. ولو جاءه ملكان، ولو على هيئةٍ بشرية، لما كان مستعدًا للفهم والاستجابة. فوصايا أبيه آدم، بذرةِ بدءٍ النشأة، بما فيه من صفاء الفِطرة الطبية، لم تؤثر فيه. وأنى لإشراقة النور أن تخترق الحجرَ الأصمّ، لا لعلَّةٍ في النور، بل لعلةٍ في الحجر!

غُرابان علماه كيف يواري سوءةَ أخيهن لا سوءته. ولو جاءه ملكان لأصدر قرارًا بنفيهما، وتعذيبهما، لأن موجة التلقي الرحماني مغلقة.

لا يحبُّ الظلم إلا الظلمة. ولذا كنت في صفِّ الدكتور داهش؛ (إن الله لا يحبُ الظالمين). وخلال ثلاثة أيام وجدتُني وقد قرأتُ أكثر من أربعة كتب من مؤلفاته، استطعتُ من خلالها أن أقفَ على تلك المشارف، وأن أعرفَ ما لم أكن أعرفُه عنها من قبل. وإذا أنا أمام صورةٍ جديدة للدكتور داهش لا علاقة لها بالصورة التي وصلتني بداية الشباب، فيما يصلُ من أنباءٍ أو حكاياتٍ هي أقربُ “للخرافة” منها “للأسطورة”؛ وشتان ما بين الاثنتين!

ففي “الخرافة” من الاستهانة بالعقل ما يجعلُه سِلعةً لتداول المنتفعين من تصاعد البخور في المعابد، أيا كانت، ومن خداع الشعوذة أنى كانت؛ وفي “الأسطورة” صناديق رموز لا تعالج رموزٌ إلا بمفاتيحها. و”الملكية” المالكة، لا المملوكة، لا تمنح شرف حملِ أختامِها إلا لمؤتمنٍ جدير.

خلال هذه الفترة شعرتُ بشيءٍ من الإنهاك لأنني كنتُ ما إن أستريح حتى أتابع القراءة… وها أنا أتوقف عند نقاطس يشتبك ما فيها اشتباكًا نسيجيًا بين القارئ والمقروء:

1- لفت انتباهي أن معظم أتباع الدكتور داهش، بحسب ما وصلني، هم من المثقفين، ومن علية القوم ثقافةً ومواقع اجتماعية، من أدباء، وفنانين تشكيليين، ,أطباء، وصحفيين، وأصحاب مناصب. وكان مميزًا، في هذا السياق، أن يُصدر ذلك الأديب والعلامة الشيخ عبد الله العلايلي كتابًا بهذا الخصوص: “كيف عرفت الدكتور داهش”، وهو من هو عقلاً، وثقافة، وعمق نظر، وقد اخذته الدهشة من الدكتور داهش، لِما رآه منه، وخبره؛ وعلى مَن يريد المزيد أن يبحثَ عن ذلك الكتاب، ويطلع عليه.

هذه النخبة تُشير إلى أنها ليست ممن يمكن أن يخدعها لاعبُ خدع. وإذا كان من الجائز أن يخدع بعضُهم، فليس من المعقول أن يسري ذلك على هذا الجمع من هؤلاء الرجال.

2- الخوارق التي سردها أكثر من واحد، وقد أجراها الدكتور داهش أمام من شاهدها، أو لنقُل أنها شوهدت، وقد أجريت على يديه، وهو يقول إن الفعل لصاحب الفعل، وليس له – هذه الخوارق لا شك أن لها وظيفةً عميقة الدلالة. ففي العصر الذي تسود فيه الماديات، ويجري الجميع وراء المال والملذات الجسدية، وتنحدر بعض المجتمعات في “دركاتٍ” تبلغُ حد التشريع للزواج المثليّ، ويصبح الكلام عن الغيب أو عوالمِ الله الأخرى مدعاةً لإثارة الضحك، والسخرية، والاستخفاف، والغمز واللمز، وإلصاق التهم بالقصور العقلي، أو بـ”الرجعية”، كحدٍّ أدنى – في هذا الزمن يأتي من يقوم بخوارقَ أكدها العديد ممن لا يُشكُّ في عقولهم. أقول “خوارق” وليست  “مخرقات”. وذلك يعني أن هذا إيقادُ شعلةٍ ربانية تدعو الناس لعبادة الله الأحد، الذي لا يُحدُّ، ولا يُحاط ولا يُدرَك، ولا يُعلَم ما هو إلاَّ هو، جلَّت قُدرتُه. وهي دعوةٌ بعيدة عن التعصُّب، بل هي تنطلق من أنَّ جوهر الأديان واحد، وأنَّ اللواحق التاي غيَّرت وبدَّلت قد جاءت بفعلِ فاعل أغرقَته مُغرياتُ هذه الدنيا التي ما تلبثُ أن تزول.

“العُروش تزول، واللذاذات تنتهي وترحل، تذهب الشهوات ونتبقى التبعات”، على حد قول أمير الموحدين الإمام علي (ع). إن تلك الخوارق تجيءُ في زمنها المنتقى، لتُذكر مَن يُجيد التذكُّر بمعاجز الأنبياء الذين تفصلُ بيننا وبينهم آلافلإ من السنوات، ولتعيد وصل ما انقطع من صفاءٍ وفطرةٍ شوَّههُما تشويشُ الفكر وتخريبه الشيطانيُّ في نُزوعه المادي البحت النهبوي الظالم؛ تصلُ ما انقطع لتُعيدَ لتلك الخوارق طزاجتها الأبدية. وأعذبُ الماء ما وصلَك وأنت على شَفا هلاكٍ من الظمإ.

إنَّ أجيالاً بكاملها، لدى جميع الطوائف والمذاهب، شكَكَتْ في هذا العصر المادي، التدميري النهاب – شككّتْ بالإتيان بعرشِ بَلقيس من سبأ قبل ارتداد الطرف. فحين طلب سليمان (ع) إحضارَ عرشِ بلقيس، (قال عفريتٌ من الجن أنا آتيكَ به قبل أن تقوم من مقامك). حينئذ (قال الذي عنده عِلمٌ من الكتاب أنا آتيكَ به قبلَ أن يرتدَّ إليكَ طرفُك.) وأحضر العرش قبل ارتداد الطرف. هذه الخارقة الموجودة في القرآن الكريم تحوَّلت عند البعض من سببٍ للغيمان إلى سببٍ للشك، لأنها خارج منطقِ السبب والنتيجة والبرهان المادي المُمكن. وأحدُ مؤججات التشكيك أن أحدًا مِنَّا لم يرَها، والرويات هي قيلٌ عن قال. بيد أنه حين تحضرُ صخرةٌ، بلَمحِ البصر، من جبلٍ في لبنان، كان قد نقشَ عليها الشاعر حليم دمُّوس، قبل أيامٍ قليلة، بيتين من الشعر، بحضور الدكتور داهش وشخصٍ ثالث، وكانوا في نزهة – أن تحضرَ وتظلَّ في المكان حتى يعملوا على تكسيرها وإخراجها من البهو الذي كانوا فيه، ويجري ذلك في القرن العشرين، بحضور أناسٍ يؤكدوننه، وليس لهم غرضٌ مشبوه,، ولا منفعةٌ مباشرة، ويثبتونها لإنسان يقول عن نفسه إن هو إلا بشر، وأن ما يجري هو فِعلُ صاحبِ الفعل، لا فعلُه هو، وهو لا يبحث عن جاهٍ، ولا منصبٍ، ولا مال – حين يجري هذا، فإنه يقول بملء فم التحقق أن هذه أخُتُ تلك، وأنَّ الفاعل واحد: إنه صاحبُ القُدرة الذي لا يُعجزه شيءً في الأرض ولا في السماء.

أقول هذا وأنا مُقِرٌ بذلك القرآن القائم بين العقل والشك، أعني عقولنا نحن في هذه الأرض، مذكرًا بتلك الشواسع بين شك إيجابيٍّ من أجل الوصول إلى الحقيقة، وشك سُدَّته الشك، الذي حين يترسخ يُصبح أول درجةٍ في الهبوط الإبليسي إلى ظُلُماتٍ بعضُها فوق بعض.

لعلَّ من ثمار تلك الخوارق أنها تفتح الباب لإعادة النظر الجذري بالتشكيك الذي كاد أن يكون كتاب أجيالٍ برمتها، وربما كان هذا أحد الأهداف المنشودة في كل ما جرى، ودُوِّن.

نحن في زمن صنميةٍ عصرية لا تقبلُ إلا صنميتها، في كثيرٍ من مواقع المتدينين وغير المتدينين. ولعل أبرزها أن الغالبية، إن لم يكن ما هو أكثر، يتقبلون مقولات العلم على أنها “مطلقات” أو أشباهُ مطلقات، على الرغم من تبدُّلها الدائم، لأنها هي في الأصل ابنةُ المحدود والنسبي. وثمة من يتصنمون عند العقيدة، فيوغلون في التصنيم وهم يحسبون أنهم في الطريق، وأنهم نماذجُ تُحتذى للمتألهين!

لعل مَن يتساءل إذا كان الدكتور داهش قد قام بكلِّ تلك الخوارق، كما ورد، من مشي على الماء وهو طفل، إلى إحياء عُصفورٍ مَيت، إلى قطف سيدةٍ وردةً أعجبتها في لوحة، فقال لها: اقطفيها، إلى… إلى… فلماذا لم يدفع عن نفسه تلك الأذيات التي لحقت به من قبل أعلى سُلطةٍ رسمية في لبنان آنذاك، وهو رئيس الجمهورية بشاره الخوري، فضُرِبن وشُرِّد، وذاق ألوانَ النفي والعذاب؟!

يبدو لي أن الذين تكون تلك مهمتهم، عليهم أن يواجهوا ما يواجهون ليعلمونا كيف يكون الصبر على المكارِه في رحلتنا على ظهر هذا الكوكب الذي تحيط بنا أعباء حاجاته، وعذاباته، لأنه ليس موضع النعيم، بل هو، كما يقول  كثيرون من أهل الحجا، دارُ الشقاء. فهذا محمد بن عبد الله(ص) يطردُه أهلُ الطائف حين ذهب ليدعوهم إلى دينه، ويغرون به صبيانهم، فيلاحقونه بالاستهزاء والحجارة، حتى أدموا كعبيه، فآواه أحدُ أصحاب البساتين، فيتوجه إلى مَنِ اختاره لحمل هذه الرسالة بهذا الدعاء الشكوى ورائحة آلام الروح تعيقُ في صدور مَن تتلبسُهم الحالة حتى الآن، فيقول:

“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. أنت أرحمَّ الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَن تكلُني؟ إلى بعيد يتجهمُني، أم إلى عدوٍّ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، غي أن عافيتك هي أوسعُ لي.

أعوذُ بنور وجهك الذي أشرقت له الظُلمات، وصلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة، أن يحلَّ بي غضبُك، أو ينزلَ بي سُخطُك. لك العُتبى حتَّى ترضى. ولا حولَ ولا قوة إلا بك”. توجَّه بهذا الدعاء في لحظةِ شدَّة، وهو لو أقسمَ على الله لأبَرَّ اللهُ قسمَه، ولو دعا على أُولئك لاستجاب الله دعاءَه، غير أنه رضيَ باختيار الله؛ وهو اختيارٌ رسوليٌّ عالي المقاصد، ليس فيه منفعةٌ شخصية، ولا ربحُ تجارة.

نقطةٌ أُخرى لافتة في تلك الأعاجيب التي قرأتُها، وهي أن الدكتور داهش كان باستطاعته تصوير الذهب على الصيغة المطلوبة، أو المال الورقيّ، ولم يكن يعنيه من هذا “الصنم” المعبود ما يعني الآخرين، بل كان يعيشُ حياةً بسيطة لا بذخَ فيها ولا إسراف، وكأنَّ هذا السلوكَ هو إشارةٌ بعيدةُ الدلالة إلى خطوة “صنمية” الذهب/ المال.

قارون الذي وردَ ذِكرُه في القرآن الكريم، وكان يُضرَب بغِناه المثَل، خُسِفَ به وبِدارِه، فلم ينفعه ذهبُه؛

قومُ موسى (ع) حين غاب عنهم موسى، وأخذَتهم رِدَّتُهم عن التوجُّه للعلي الأعلى صنعوا صنمًّا من ذهب وعبدوه.

إحدى الطرق الصوفية حين تقيمُ المال/ الذهب… ترى أنه إن استعمل في طريق الشرور والمآثم والفجور، فهو مالٌ ذو شخصية إبليسيَّةٍ مَحضة؛ وإن صُرِف فيما ينفع الناس، فهو مِعراجٌ من مَعارج الرقيّ، وطريقٌ إلى باب الله الذي لا يوصد في وجه قاصديه بحقّ.

3 – المَفصِل التالي له علاقةٌ باللغة التي كتب بها الدكتور داهش مُناجياته الرحمانية. وأنا هنا أتكلَّم من موقعي كشاعر، تفتنُه الصورةُ الشعرية، والصياغةُ الجميلة، والبناءُ المُحكَم، الموحي، في النص، لدرجةٍ يكون فيها إشارات أو لطائف. وأنا هنا ابن  ما أضافته الحداثة  في الشعر العربي الحديث، وما افتتحته من آفاق، وابنُ التراث المشرق. كنت وأنا أقرأ نصوص تلك المناجيات أُقارنُ، بوعي، بين ما في الذاكرة وما في النزوع من جماليات وما بين يديَّ، فأجدُ نصوصَ الدكتور داهش تتقاطع، بشكلٍ ما، مع الأسلوب الجبراني، ربما لأنهما يمتاحان من بئرٍ واحدة، ولأَنهما في زمنٍ لُغويٍّ ناهض واحد ولربما استجرني إلى هذا أنني لا أقرأ لشاعر، ولا لِمَن همَّه الشعر، بل شاغلُه التوجه إلى القدرة الكلية، المُبدعة، الخالقة؛ فهو يؤدي صلاته، ويضرب بأجنحةِ التضرع، وهدفه رفع المناجاة وليس الصياغة الأدبية. بيد أننا نواجهُ، بوعي، بهذا القدر أو ذاك، أننا ما زلنا في أُفقِ مَن أدهشت خوارقُه كل مَن رآها، أو سمعَ بها، وطبيعةُ عقلنا البشريِّ أَنَّه عقلُ مقارنة؛ فـ”الضدية” أساسٌ في تركيبه. هذه المُفارقة بين إعجاز الخارق والصياغة الأدبية لا تستوقفُ إلا من سافر في عوالم الحرف والابتكار الفني، ومَن كان يحملُ طبيعة عين الصائغ الماهر الذي من طبيعته أن يمقل الزخرفة وتجويد الصنعة.

لربَّما لم يكن الدكتور داهش يعاني ما عاناه النفري والحلاج وبقيَّةُ الصوفيين الذين نشمُّ في كتاباتهم رائحة الشَّياط الداخلي. ولهذا كانت تكفيه المناجاة. ولربما كان من الأجوبة، في التقديرات المرضي عنها، الاهتداء لفكرة أن الخوارق كانت تتم بقدرة العلي القدير، وأن صياغة الكتابة كانت تقع في منطقة ما هو بشري. وهذه تفتح ورقةَ ما هو بشريٌّ في كل الذين رُويت عنهم الخوارقُ عبر التاريخ. فهم في تجسدهم يحملون قوانين أي جسدٍ بشريٍّ آخر دون إلغاء الفوارق الشخصية المميزة: إذ إنهم جميعًا “ماتوا” وربما استطعنا من خلال هذه الرؤية البشرية تفسير ذلك الغزل الأنثوي الذي نجدُه في كتابات الدكتور داهش. فهو في غزله ابنُ حنين الروح والجسد معًا. والتنبه لهذه النقطة ربما يؤنس تلك الوحشة عند الذين يعتقدون بتجليات سماوية في عالم الأرض. فالمسافة الهائلة بين الإتيان بالمعجز وتلمُّسِ كلِّ الماجريات البشرية في آن تقع بين تناقضين مذهلين لا يحل إشكالهما في التأولات المُريبة، في كثير من الأحيان، إلا القولُ بأن المظهر بشريٌّ بكل ما في البشرية من معنى، وأن المعجِزَ هو ابنُ القدرة المطلقة الكلية التي لا يُحاط بها. وإلا فأية قدرة “مخلوقةٍ”، عند المتألهين، قادرةٌ على أن تقبض مئاتٍ بل آلافَ الأرواح البشرية في لحظةِ كارثةٍ  من الكوارث؟!

إنها ليست قدرة “عزرائيل” وحدَه المعهودِ إليه بذلك، في درجةٍ من الشرف عُليان بل هي قدرةُ العليِّ الكلية تتنزل، فتفعل.

4 – قبل أن أغادر هذه الوريقات، وهي كلها، في أبعاد ما طرحته، وما رمت إليه، لم تخرج من حدود أن مسلك الراغبين في العُروج الأخلاقي، أو الروحي، هو صدق التوجه إلى الله، دون إعراض عن واجبات المقتضيات اليومية، ومحاربةِ الظلم أيًا كان شكلُه، لأنها نوعٌ من أنواع الجهاد، حين التزامها بالاستقامة، الاستقامة التي هي ما ينفعُ  الناس. هذا لا يكون دون نية؛ “إنما الأعمالُ بالنيات”. والنية لا تكون دون “معرفة”. وهذا يستدرج بدوره سؤالاً حادًا، وهو إذا كانت “المعرفة” أساسًا في النية، فكيف أهبطتِ “المعرفة” آدم، بحسب زعمِ البعض، حين أكلَ من شجرتها، وكيف حكمَت على سيزيف بأن يظلَّ  دأبُه أن يحمل تلك الصخرة، في تكرارات سقوطها، وتدحْرُجها؟!

بظنِّي أن المركزية الأوروبية الغارقة بالمادية حتى القرف والإقراف، في المآلات، هي التي زرعت هذا التفسير في الأذهان، وعممته، بحكم قوةِ سيطرتها الطاغية. فليست “المعرفة” هي التي أهبطت آدم، لأن المعرفة علوٌّ، ورقيٌّ، وصعود، شريطةَ صدورِ الخير عن العارف؛ وإلا فهي ظرفلإ من المعلومات، والمحفوظات، لا مقامُ إشعاعٍ وهدايةٍ واقتداء. والذي أهبط آدم المعنيَّ بالهبوط، جدَّنا الأول، نحو البرزخ الذي تمتزج فيه الظلمة بالنور هو “عِصيانُ” الأمر الإلهي. والذي دجفع عقوبته بروميثيوس هو إذاعةُ الأسرار لغير مستحقيها، لا سرقة النار. فقد ألقى الجواهرَ بين أيدي الخنازير؛ وهذا عصيانٌ للأمر الإلهي الواجب الطاعة، لأننا لا نستطيع الإحاطة بالمَرامي الإلهية البعيدة، لأننا أبناءُ ما هو محدود. وحين يتأكدُ لنا الأمرُ الإلهي، علينا الالتزام بالاستجابة. والأوامرُ الإلهية هي كل ما خلا من الشر. وهنا من حق أي واحدٍ أن يسال: إذن ما دورُ (العقل) في هذه الحالة، (العقل البشريُّ) الذي ألهته مدنية الغرب في دورتها المسيطرة، فاحتكمت إلى مُنتجاته، على تناقضاتها، فحصدت  تلك الصفقة مع الشيطان، التي كان أحدُ نماذجها صفقة فاوست؟

العقلُ في معظم الفلاسفات الغربية “إله”، والله من تصورات العقل. أما في عُمق روحاينة الشرق وبُكورته، فـ”العقل آلة، أُعطِيناه لإقامة العبودية، لا لإدراك الربوبية،” بحسب قول الإمام الصادق جعفر بن محمد.

وسيزيف ما زال يعاودُ تكرار رحلاته وعوداته. وستسمرُّ ما استمرت مخالفته…

لا أدري. لعلني، برغم هذا التخويض، لم أبتعد عن المرمى…

                                                                   حِمص – سورية، أيلول 2009.

الدعوة إلى وَحدة الأديان وبُعدُها الحضاريّ

الأستاذ أُسامة سمعان

كاتبٌ وصحافيٌّ وباحث في تاريخ الفكر السياسي. مُجاز في التاريخ من الجامعة اللبنانية – الفرع الأول. يحملُ شهادة الماجستير في التاريخ الحديث من الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع. يستعدُّ لمناقشة أطروحة دكتواره في التاريخ الحديث في جامعة دمشق تحت عنوان: “اتجاهاتُ الفكر القوميَّ في المشرق العربي: 1945 – 1963”.

 

الدعوة إلى وَحدة الأديان وبُعدُها الحضاريّ

بمناسبة المئوية الأولى لميلاد الدكتور داهش الذي وُلِد في مطلع القرن العشرين ليدعو الناس للعودة إلى تعاليم الأديان السماوية الواحدة التي هبطت على الأنيباء من لَدُن إلهٍ واحد بهدفِ تعميم السلام على العالم وترقية النفس البشرية، وتعزيز الحياة الإنسانية لمستقبلٍ أفضلَ وأسمى.

 

لم تكنْ دعوةُ الدكتور داهش يتيمةَ السَّنَد، بل هي دعوةٌ مؤيَّدةٌ بالروح من خلال المعجزات التي قام بها أمام آلاف الناس من الرجال والنساء.1 وهذا ما أربكَ، يومذاك، السلطات السياسية اللبنانية التي عجزتْ عن فهم ظاهرة الدكتور داهش، فعجزت عن استمرارها في تجريده من الجنسية اللبنانية، وذلك عندما تراجعت عن قراراتها الخاطئة،2 الأمر الذي وسَمَها بالظُّلم والغباء في آن، وأعطى الدكتور داهش اعترافاً، ولو غيرَ صريحٍ، بصدقه في ما قام به من معجزاتٍ لا يتصوَّرُها العقلُ البشري.

هذا هو الدكتور داهش الذي كان يُصِرُّ على تقديم نفسِه بأنَّه إنسانٌ عاديُّ كأي كائنٍ حيٍّ، ولا فضلَ له في اجتراح الخوارق والمعجزات؛ بل هي هِبةٌ من الله مُنِحَ إيَّاها.

—————————————————-

1 راجع في هذا الشأن كتاب لطفي رضوان: “معجزات وخوارق الدكتور داهش” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997).

2 للمزيد من الاطلاع على قرارات السلطة اللبنانية وتراجعها، راجع اسكندر شاهين: “الدكتور داهش رجل الأسرار” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 2001)، ص 313 – 328.

——————————————————

بحيث يكون واسطةَ الروح التي تقومُ بالمعجزات1.

وهو يُقدمُ للناس معجزاته، إنما يقدم لهم معها مزيدًا من المعرفة بأُمورٍ كانت غامضةً لديهم، أبرزها مسألةُ السيالات الروحية التي لا عدَّ لها، ولا حصر؛ فهي منبثقة من الروح، تسكن المخلوقات جميعها، من إنسانٍ وحيوانٍ وجماد، وهي كأشعة الشمس تتوزع في شتى الأرجاء، وكالمغناطيس الذي يسكنُ جزئياتِ الذرات المكوِّنة لكل عناصِر المادة. وهذه السيالات تتنقل من كائنٍ إلى آخر بفعل “التقمُّص”، وذلك بمُوجبِ قانون السببية الروحية والجزاءِ العادل.2

ترافقت دعوةُ الدكتور داهش إلى وحدة الأديان مع أزماتٍ دولية متعددة، كان أبرزُها الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت عام 1929، والأزمات السياسية بين ألمانيا والدول المجاورة التي كسبت أراضي ألمانية بموجب اتفاقية فرساي للعام 1919. ولم ترق هذه الأزماتُ إلى أسباب دينية واضحة، إذا اندلعت الحربث العالمية الثانية عام 1939 في أوروبا المسيحية، ولم يكن ظاهرُها كما كانت عليه الحروبُ الدينية التي شهدتها أوروبا في العصور الوُسطى بين البروتستانت والكاثوليك (1618 – 1648).3 فإيطاليا الكاثوليكية كانت متحالفةً مع ألمانيا البروتستانتية، وروسيا الأُرثوذكسية كانت متحالفة مع فرنسا الكاثوليكية وبريطانيا الأنغليكانية. ولذلك غلبت السمةُ السياسية على الحرب العالمية الثانية.

يومذاك لم يكن يدورُ في خلد الناس أن الحروبَ الدينية ستعود، وقد سيطرت الأسبابُ السياسية على الدينية، ولا سيما أن بُؤرَ التوتُّر الديني كانت محصورةً. ولكن الاستشراف الفذَّ للداهشية جاء مُغايرًا للمفهوم السائد. وهنا تكمنُ عظمةُ الدعوة الداهشية. إلى وَحدة الأديان.

لقد استنطقت الداهشيةُ التاريخ، فوجدته زاخرًا بالحروب الدينية، إذ الصراعُ الذي دار في الحربين العالميتين لم تكن أسبابُه الحقيقية سياسية بحتًا، زدْ أن ما تلا الحرب العالمية الثانية من حربٍ باردة بين الشيوعية والرأسمالية لم يكن إلا حدثًا سطحيًا زائلاً،

—————————————————-

1 مجلة “صباح الخير”، العدد رقم 185، تاريخ 16/3/1970.

2 يراجع “الدكتور داهش رجل الأسرار”، ص 254 – 261.

3 راجع محمد مخزون: “مدخل لدراسة التايخ الأوروبي” (دار الشمال، بيروت 1990)، ص 178 – 186.

—————————————————-

إذا ما قورن بالصراع بين المسيحية والإسلام. يقول جون إسبوسيتو John Esposito: “لقد ُوجدت المحركاتُ التاريخية للمجتمعين (المسيحي والإسلامي) في حالة تنافس دائم، وثُبتت في صراع قاتل للقوى والأرض والناس”1

سحابةَ قرونٍ طويلة، كانت نوباتُ انبعاث تصدر عن العقيدتين، المسيحية والإسلامية، تمثلت في اكتساح المسلمين لشمال إفريقيا2 وإيران وصولاً إلى شمال الهند في القرن السابع، بينما حدثَ انبعاثٌ مسيحيٌّ في أواخر القرن الحادي عشر بدأ بالحملات الصليبية التي حاول خلالها المسيحيون، ولمدة قرنين  من الزمان، إقامةَ حُكمِ مسيحي في الارض المقدسة والمجاورة.وفي القرن الخامس عشر، كان الانبعاثُ الإسلاميُّ المتجدد على يد الأتراك الذين استطاعوا أن يُضعفوا بيزنطية المسيحية، ويستولوا على البلقان، ويحتلُّوا القسطنطينية، عاصمة الدولة المسيحية في العام 1453، ويحاصروا فيينا في قلب أوروبا عام 1529. 4 يقول برنارد لويس Bernard Lewis في هذا المجال: “لفترة قاربتْ ألف عام، كانت أوروبا تحت تهديد مستمر من الإسلام”.

وبالرغم من السمة السياسية العامة للحرب العالمية الأولى، فإنَّ ما حدث بين العامين 1757 و1909 هو 92 حالة استيلاء على أراضٍ إسلامية من قبل حكوماتٍ غير إسلامية. و”بحلول سنة 1920 لم يكنْ هناك سوى أربعة دُوَلٍ مستقلة على نحوٍ ما عن الحكم غير الإسلامي وهي: تركيا والسعودية وإيران وأفغانستان:”6 وهذا لا يلغتي حقيقةَ الصراع الداخلي في أوروبا الذي هدف إلى توحيدها من أجل السيطرة على العالم. ولقد تنبهت لهذا الأمر الولايات المتحدة الأميركية التي دخلت الحربين العالميتين من أجل منع

——————————————-

  1. John L. Esposito. The Islamic Threat: Myth: Myth or Reality. (New York Oxford university press, 1992) p. 46..

2 راجع ابراهيم بيضون: “الدورة العربية في إسبانيا” (دار النهضة، بيروت 1986)، ص 17 – 60.

  1. راجع كتاب أمين معلوف: “الحروب الصليبية كما رآها العرب”، تعريب عفيف دمشقية (دار الفارابي، بيروت 1989).

4 راجع في هذا المجال كتاب محمد فريد المحامي “تاريخ الدولة العلية العثمانية”، (دار النفائس، بيروت 1988)، ص 160 -215.

4Bernard Lewis. Islam and the west. (New york. Oxford University press, 1993) p. 13.

                6 صامويل هنغتون: “صدام الحضارات”، تعريب طلعت الشايب (الطبعة الثانية، 1999)، ص 340.

——————————————-

توحيد أوروبا لتبقى وحدَها زعيمةَ العالَم؛ الأمر الذي حققته بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

أجل، لقد أدركَت الداهشية، بعُمقٍ، طبيعةَ الحروب التي سادت قرونًا متعدِّدة، وسببت كثيرًا من الضحايا البشرية والخراب العمراني. يقول الدكتور داهش بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1946: “إن سلسلة الحروب التي نشبت في خلال القرن البائدة، حتى أيامنا الحاضرة، اتخذ لها مُثيروها اسباباً واحدة لم تتغير رغم قدمها.

فهم يزعمون أنهم يُعلنونها حربًا مقدسة، ويخوضون غِمارها إعلاءً لكلمة الحق، ونشرًا لمبادئ الطمأنينة، إزالة الخوف، وإحلالِ السلام والوئام.”1 أما النتائج الحقيقية الصادرة عن هذه الحروب فهي مغايرةٌ للأهداف التي يُثيرها المتحاربون. يُردِف صاحبُ الدعوة الداهشية قائلاً: “ينتظرُ الشعبُ العدالة التي وُعدِ بها، فإذا كلُ ما سمعه كان عبارةً عن كلماتٍ خياليةٍ مثالية. والرخاءُ الذي أصبح لديه يقينًا، لكثرةِ ما ردده الساسةُ على مسامعه، قد استحال إلى جوعٍ جارفٍ يحتلُّ المدن والقرى، ويفتكُ بالعباد أكثر مما فتكت الحربُ الجنونية بجيوشها اللجبة. ويبقى القويُّ قويًا يُسيطر على الضعفاء، كعهده السابق، والغني يمكثُ متحكمًا بالفقير مثلما اعتاد قبل الحرب الضروس”. ويُتابع: “إن الحرب لا تجني في نهايتها إلا الخراب على الظافر والخاسر، سواءٌ بسواء”.2

والواقع أن يريطانيا، ومعها الدول الغربية التي كانت تشكل المجلس الأعلى لـ”مؤتمر الصلح”3 في باريس عام 1919، لم تهدف إلى تحقيق الحُلم اليهودي في “البيت الآمن” بقدر ما كانت تهدفُ إلى منع قيام نهضةٍ عربية وإسلامية، وذلك بزرع كيانٍ غريب في ظل رفض عربي كامل وإسلامي شامل متمثلٍ بالدول التي كانت منتسبة إلى الإمم المتحدة عام 1947 وهي: العراق، وسوريا، ولبنان، ومصر، والعربية السعودية، واليمن، وتركيا، وأفغانستان، وإيران، وهذا مؤكد في قرارات الأمم المتحدة في التصويت على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود.4

——————————————-

1الدكتور داهش: “مذكرات دينار”، ط 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986)، ص 105.

2 المرجع نفسه، ص 106 – 107.

3″ الدول الأعضاء في المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح هي: الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، واليابان؛ وهي التي اشتركت في جريمة تشريد شعب فلسطين من دياره بالتزامها وعدَ بلفور في مؤتمر سان ريمو 1920.

4John H. Davis. The Evasive Peace. (New York, New world Pres, 1970( p. 381

——————————————-

وبعد الحرب العالمية الثانية وبروز الاتحاد السوفياتي في العالمين الأوروبي والآسيوي ودوره في دعم حركات التحرر الوطني والقومي، وقدرته على إحداث التوازن العالمي مع القطب الأميركي وضعت الولايات المتحدة شِعارَها “التكنولوجيا في مواجهة الإيديولوجيا” في إطار حربها الباردة ضدَّ الاتحاد السوفياتي.

          ولما انتصرت الولايات المتحدة في حربها فتفكك الاتحاد السوفياتي، أطلقت شعار “الديمقراطية والعولمة” الذي استهدفت منه فتح بلدان العالم أمام الشركات التجارية العملاقة. يقولُ رمزي زكي: “إن الخطر الذي تُفرزُه الرأسمالية المعولمة من جراء هذا التطور الفوضوي في البورصات والأسواق النقيدة العالمية يعد أشد خطرًا إذا ما حدث انهيارٌ اقتصاديٌّ عالميٌّ بسبب  ضعفِ وهشاشة ضوابط الرأسمالية على صعيدها العالمي، وغياب ضوابطها على الصعيد المحلي”. 1

          وها هي الأزمة الاقتصادية العالمية تلفُّ العالم، وتنذر بأشد العواقب الوخيمة على الرفاهية النسانية. وهذا ما نبهت إليه الداهشية منذ أكثر من خمسين عامًا، وذلك حين دعت إلى عولمة من نوع آخر: “إن على ساسة العالم، في أربعة أقطار المعمور، أن يبنوا (عالمًا واحدًا) إذا رغبوا في أن يسود السلام العام أرجاء هذه الكرة اللعينة”، محددة الكيفية في بناء العالم الجديد بـ”الاتفاق العام بين زعماء الممالك الكبرى وملوكِ الدول القوية، وإجماع الآراء المخلصة، لا المزيفة، حول هذا الموضوع البالغ في خطرة وجلال قدره وشأنه، وطرح الأطماع جانبصا من الجميع في سبيل سعادة الأسرة الإنسانية، وعدم التكالب على المادة بجشعيهم الجارف الخطير، وبنيانهم قانونًا عالميًا شاملاً يدخلون فيه الدول الصغرى التي تنقادُ إلى آرائهم، وتوحيد أهدافهم السامية ومُثْلهم العُليا… وهو ما يؤدي إلى السلام العام”.2

          ثم عادت الولايات المتحدة لتطور شعارها السابق، فيصبح “التكنولوجيا الصليبية في مواجهة الأصولية الإسلامية”. وكان غزوُها لأفغانستان والعراق؛ وقد جندت عدة دول غربية إلى جانبها. وهذا ما حذرت منه الداهشية على لسان مؤسسها وباعثها بقوله:

——————————————-

1 رمزي زكي، في هانس بيتر مارتين وهارالجشومان: “فخ العولمة – الاعتاء على الديمقراطية والرفاهية” تعريب عدنان عباس علي (سلسلة “عالم المعرفة” عدد 238، الكويت 1998) ، ص 17.

2 “مذكرات دينار”، ص 108.

—————————————————-

” إن الحرب إثمٌ رهيبٌ فادح لا يغفرُ الله لمن ارتكب جريمته.”

تبين من خلال هذا العرض أن طبيعة الحروب على مدى ما يقارب ألف عام ونيفا

كانت في معظمها حروبًا دينية وصفتها الداهشية على لسانِ باعثها في قوله:

“يا أبناء الأرض المساكين،

منذ عشرات الآلاف من السنين

وأنا أُشاهدُ أعمالكم، وأسمع أقوالكم،

وأُراقبُ أفعالَكم،

وأقرأُ ما يجولُ في أفكاركم،

وإذا هي هي لا تتغير”2

          ولأنها لم تتغير كانت الإرادةُ الداهشية في فعل التغيير الجذري وفق وسالات السماء. ألم تعترف المسيحية بالموسوية! والمسيحُ هو القائل: “لا تظنوا أني أتيتُ لأنقضَ الشريعة والأنبياء. إني لم آتِ لأنقض، لكنْ لأُتمم.”3

          أوَلم تعترف المحمدية بما سبقها من رسالات السماء بقوله تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورُسله، ويقولون نؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً، أُولئك هم الكافرون حقًا. وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا. والذين آمنوا بالله ورُسُلِه، ولم يفرقوا بين أحدٍ منهم أولئك سوف يؤتيهم أُجورَهم. وكان الله غفورًا رحيمًا)4 أما الموسويون فلا يعترفون بالمسيحية ولا بالمحمدية، كما لا يعترف المسيحيون بالمحمدية؛ وهنا تكمن المشكلة. ولهذا يتابعُ صاحبُ الدعوة كلامَه في وصف الناكرين فيقول:

          “ٌقُسسُكم يتظاهرون بالتقوى وهم الأبالسة المتجسدون!

                دُستم على الوصايا!

—————————————————-

1 المرع نفسه، ص 117.

2 الدكتور  داهش: “مختارات من كحتب الدكتور داهش” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت، 1970)، ص 270.

3 إنجيل متى 17:5.

4 القرآن الكريم، “سورة النساء”: 150 – 151.

——————————————————

وهزأتم بالشرائع الإلهية!

وكفرتم بالسماء!

وقدَّستم الأباطيل!

هزأتم بالتعاليم السامية!

واتبعتم شهواتِ قلوبكم الدنيئة!

قرأتم ما أوصاكم به سيد الأطهار،

ولكنكم، لغلاظةٍ في قلوبكم ولعدمِ إيمانٍ في أعماقكم،

لم تفعلوا بما جاء في هذه التعاليم السامية!

حتى… ولا ببعضها!”1

          ولكن الداهشية لا تتوقف عند التشخيص والتوصيف، بل تنتقلُ إلى المعالجة الجذرية والمواجهة الفعلية. يقول “المؤدب” على لسان مؤسس الداهشية:

“صممتُ اليوم أن أبلغكم (أمري) الذي لا يرد،

والقاضي بتدمير (عالمكم) الحقير هذا…

الذي لوثتموه بجرائمكم، وأطماعكم، وشهواتكم!”2

أما كيف سيتمُّ تدميرُ هذا العالم (الحقير)؟ الجواب هو في الدعوة إلى وحدة الأديان، لا على أساس تبادُل الاعتراف وحسب، بل على أساس تصديق السابق للأحق كما صدقَ اللاحقُ السابق.

          بتدمير العالم الحقير يعم السلامُ والأمن، ويسودُ العدلُ بانتقاء العصبيات الدينية التي لا يوازيها خطرًا إلا العصبياتُ العرقية؛ وهي عصبياتٌ تُناقي الدين والعلمَ والأخلاق.

          هذا هو الهدفُ العظيم الذي سعَتْ إليه الداهشية بدعوتها إلى وحدة الأديان السماوية. وهي بذلك تضعُ على أكتافِ أتباعها حملاً ثقيلاً وعبئًا كبيرًا لا يضطلعُ به إلا جبابرةٌ كبار، ببعدٍ حضاريٍّ لا سابقة له في التاريخ. وهو في بُعده الإنساني هذا سينتصر بالإرادة الصلبة التي ستكون هي القضاء والقدر.

——————————————————-

“مختارات من كتب الدكتور داهش”، ص 271.

“المرجع نفسه، ص 272.

كان رائدًا بإنسانيته

الأستاذ مصباح محجوب

كاتب وباحث لبناني. عضو المجمع الثقافي العربي. عضو اتحاد الكتاب. نشر مقالات سياسية وعسكرية وفكرية كثيرة، وأعد وقدم عدة حلقاتٍ في برامج تلفزيونية. من مؤلفاته “رحلة المجانين في عالم الجن والشياطين” (دار شوق 2000)، و”أضواء على نبي الإسلام” (دار الانتشار العربي 2007).

 

      كان رائدًا بإنسانيته

 

مع أن لي من المؤلفات ما يزيد عن العشرة، فإنني حين أمسكت بالقلم، وقررت الكتابة عن الدكتور داهش في الذكرى المئوية الأولى لميلاده، انتابني إحساسٌ بعدم القدرة على الارتقاء، بفكري وقلمي، إلى مَصافً قِمم الأدب الذين كتبوا عنه. كيف لا، وهو الذي مَنَّ الله عليه، لعمق وصدق إيمانه وصفاءِ ونقاء سريرته وعشقه وشوقه للقائه في عالم الصفاء والنقاء والمحبة والسلام والسكينة، بفيضٍ من نوره لا تُطفأُ مصابيحه، وسراج لا يخبو توقُّده، ومنهاجٍ لا يضل نهجُه، وشعاعٍ لا يُظلمُ ضوؤه؛ وجعل من أفعاله وأقواله بُنيانًا لا تُهدَم أركانه، وعزًا لا تُهزمُ أنصاره، وحقًا لا تُخذلُ أعوانُه هو بعضٌ من معدم الإيمان النقي ويُنبوعٌ من ينابيع العلم الصافية وركنٌ من رياض العدل!

          لِمَ لا، وهو الذي أدرك أن أحبَّ العباد إلى الله المتأسي بنبية والمقتصُّ لأثراه!

          لِمَ لا، وهو الذي أعرضَ عن الدنيا بقلبه، وأمات ذِكرَها في نفسه؛ خرج من الدنيا خميصًا، وورَدَ الآخرة سليمًا!

          لكلٍّ هذا الذي أشرتُ إليه – وغيرُه لم أعلمْه – جاءت أقوالُه وأفعالُه أقربَ إلى الإعجاز، احتار القريبُ والبعيدُ في تفسيره أو فهم كُنهِه.

          فالبعضُ ترجم حقدَه على الدكتور داهش بوصفه بـ”الساحر”، تمامًا كما وصفت قُريش نبي الإسلام (ص)  قبل 1450 سنة (في بداية الدعوة إلى الإيمان بالله وعبادته) بأنه “ساحرٌ مجنون”.

          والبعضُ من أصحاب العقول المظلمة والألسنة البلهاء رمَوه بالمشعوذ المشاغب والمدعي.

          وفريقٌ ثالث (ختم الله على بصره وبصيرته) كبشاره الخوري الذي اشتط في أذاه للدكتور داهش الداعي إلى الإيمان المطلق بالله وأنبيائه وكُتبه، ولشقيقته البريئة. ولكن الله الذي يمهل ولا يهمل اقتصَّ للمظلوم من الظالم بشاره الخوري، فانتهى نهايةً بشعة لا تليقُ بالإنسان، بل هي إلى الحيوان أقرب.

          حقيقةٌ لفتت انتباهي: أعترفُ بأنني في البدء لم أقصد الجد في تقليبي لبعض من مؤلفاته. إلا أنني ما لبثتُ أن غيرتُ رأيي حين اكتشفتُ عظمةَ هذا العبقري الفذّ من خلال ما قرأته عن الروح وخلودها، والحياة، والموت… فوجدتُ نفسي، كلما انتقلتُ من موضوع إلى موضوع، أُحسُّ بتغيير المشاهد. تارةً كنتُ أجدُ نفسي ي عالمِ يغمرُه من المعاني أرواحٌ عالية في حُللٍ من العبارات الزاهية تطوفُ على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية توحي إليها رشادَها، ةتنفرُ بها عن مداحض المذال إلى جواد الفضل والكمال. وطورًا كانت تتكشف لي الجُمل عن وُجوهٍ عابسة وأنيابٍٍ كاسرة وأرواحٍ في أشباه النمور ومخالب النسور قد تحفزتْ للوثاب، ثم انقضت للاختلاب، فخلبت القلوبَ عن هواها، واغتالت فاسدَ الأهواء وباطل الآراء.

          وأحيانًا كنت أشهدُ عقلاً نورانيًا لا يشبه خلقًا جسدانيًا، فُصلَ عن المواكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونماه إلى مشهد النور الأجلي، وسكن به إلى جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التدليس. وأحيانًا كأني كنت أسمع خطيبَ الحكمة ينادي بعلياء الكلمة إلى كل أبناء الله، يعرفهم مواقع الصواب.

          بعد هذا الذي قلتُه بكل صراحة أودُّ أن أهمسَ للدكتور داهش وهو في عالمه العلوي النقي: يا عزيزي الدكتور داهش، أنا وأنت وكثيرون نعرف أن الإنسان العربيَّ  المُبدع أو المفكر بشفافية بعيدًا عن المآرب معلق على المشنقة منذ عقود، إن لم نقل قرون؛ معلق على المشنقة منذ تحالفت السلطة الحاكمة مع الطبقة الدنيا من رجال الدين، وأنت القاتلُ للشيطان في كتابك “جحيم الذكريات”: “ها هم رجال الدين يتخذون من اسمك ستارًا يُخفون وراءه غاياتهم السافلة ومقاصدهم الشريرة…”.

وأنا إذْ تطرقتُ إلى هذه النقطة إنما لأقول إن الاضطهاد والممارسات الظالمة التي لحقت بالدكتور داهش، بدون وجه حق أو أي مسوغً قانوني أو إنساني، سبق أن ذاق مرارتها واكتوى بألمها عدد كبيرٌ من مُبدعي الأمة في الفكر والأدب والاجتهاد والإبداع، من الحسين بن منصور الحلاج، إلى أبن مسرة القرطبي إلى ابن الاقليلي الأندلسي، وابن عاصم والسنابسي… وغيرهم كثيرون.

          بالعودة للدكتور داهش، أقول: لا بد لكل أديب ومفكر مهما علا شأنه من أن يعترف بأنه (أي داهش) عملاقُ فكر وبيانٍ وأدبٍ، وشخصية تتدفق بنور الوجدان؛ وأنه يستحق أن يتسنم أعلى القمم، لأنه مد العقول والضمائر بما لا ينضبُ له معين، وبما لا يؤثر فيه زمانٌ ولا مكان. فإذا به ملاذٌ يلجأُ إليه طُلاَّبُ الحق والعدل من الناس، وأبٌ يحتمي تحت عباءته الإنسانية من شعروا بالظلم بجورُ على العدل، وبالقسوة تكتسحُ العطف، وبالشر يفترس الخير، وبالإثم يعلو ويصبحُ له دولة وسلطان مصيرهما إلى زوال…

          وحتى لا أطيل، أقول إن الدكتور داهش كان رائدًا بإنسانيته المتفجرة فكرًا وأدبًا وثقافةً وإبداعًا، سار على دروب العطاء متسلحًا بالمحبة والتسامح حتى ملأ سني عطاءاته صفحات وصفحاتٍ، بل كتُبًا ومجلداتٍ أفادت منها الملايين من الباحثين عن المعرفة الروحية الشفافة.

          كان، رحمه الله، مناضلاً لا يعرفُ الانكسار أمام المحن والصعاب التي تعرض لها. وما كانت تضحياتُه إلا فعل إيمانٍ ومشروعَ عطاءٍ لا يحدُّه زمانٌ أو مكان. وهب نفسه لفعل الخير على صعيد مجتمعه والمجتمع الإنساني من غير أن ينتظر مقابلاً أو شهادة تقدير من أحد. فكانت محبة الناس له وتقديرهم لعطاءاته الفكرية النقية الإبداعية التي لم تكن لتنضب خيرَ وسام يُعلقُ على صدره في زمنٍ قل، بل ندرَ فيه امثاله من الداعين إلى التمسك بحبل الخالق وأديانه المنزلة.

          نسجَ الدكتور داهش حروف أدبِه بخيوطٍ من الشفافية والروحانية، فإذا به مُبدعُ الألفية الثانية (المنصرمة) من دون مُنازع. وإذا بأعماله الأدبية تستقر في أشهر المكتبات والمتاحف العالمية، ويدرسُ بعضُها في عدد من جامعات العالم، ليتكرس اسمه في ذاكرة الأجيال وفي ذاكرة كبار المُبدعين حول العالم الذين استوحوا من إبداعاته الأدبية عشرات الكتب.

          داهش واحدٌ من عباقرة الفن والأدب العالميين. لن يستطيع أحد أن يحاكيه في تجربته الفريدة، تجربة الارتقاء فوق العذاب والقهر والغش والخداع، تجربة الود والصفاء النفسي والانسجام مع كل ما هو طاهر ونظيف من سلوكيات أبناء البشر.

          لقد أنعم الله على الدكتور داهش بموهبة فذة غربية حيرت كل من حاول فك شيفرتها، وتفجرت إبداعًا طار في الآفاق ليصبح عالمي الصفة الهوية.

          هو روائي خلد تاريخ الإنسان ورسامٌ جسد روائع رؤاه في لوحاتٍ تقرأ وترى. إنه عالم من الخلق والإبداع النادر. لقد جسد الدكتور داهش حالته الروحانية في لوحات كتابية رائعة كشفت عن شفافية إنسانيته على إيقاع فلسفي صقلته السنونُ الطويلة التي أمضاها بحارًا يغوصُ في أعماق ذاته، ليخرج منها، بدلاً من اللؤلؤ والمرجان، إبداعاتٍ أديبة خالدةً امتزجت بالمحبة والصفاء اللذين يعتصر بهما قلبه الحنون.

          لقد اعترف أعلام الفكر والأدب بمواهبة غير العادية، وسحر قلمه الذي أبدعَ في تحويل الأفكار إلى ألوانٍ تزين لوحاتٍ يقف الناظر إليها مندهشًا مشدوهًا حائرصا في نعمة الخلق التي أنعم الله بها على الدكتور داهش، فكان بحق قمة من قمم الأدب العالمي الدائم الإشعاع.

          بقي أن أقولَ إن الكتابة عن الدكتور داهش هي بمثابة رحلة الأمس واليوم والغد. إنها بالنسبة لي، كالنحت في عالم الذكريات والحنين والتاريخ لتدوين الماضي والحاضر في ذاكرة المستقبل… ليبقى اسمُ الدكتور داهش رمزًا، بل نجمًا لا يخفتُ بريقه مهما طالت سنو غربته عن عالم أحبه وتمنى سرعةَ الوصول إليه، عالَمِ الروح، عالَمِ الخلود، إلى جانب أعظم خلقِ الله القائل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات…)
          أخيرًا لك يا دكتور داهش ولكل محبيك أُقدم اعتذاري، إذ لم أوقف في الارتقاء إلى حقك ومقدارك.. مع أني حاولتُ.

الدكتور داهش بين الرؤيا وشموليَّة الوجود

الدكتور ميشال سليم كعدي

أديبٌ وباحثٌ لبنانيٌّ. أحرز الدكتواره في فقه اللغة العربية من الجامعة اللبنانية (1973). انصرف إلى الكتابة والتعليم في الجامعات والمعاهد والمدارس الكبرى. عضوٌ في عدة مؤسسات ثقافية منها “أكاديمية الفكر” في لبنان، و”اتحاد الكُتَّاب اللبنانيين”، وجمعية “أهل الفكر”. له مؤلفات كثيرة، منها “حبيبتي إليك أكتب”، “أجملُ الأجمل”، “القصور اللغوي، أسبابًا وحاجات”، “المرأة في شِعر الدكتور زياد نجيب ذبيان”، “خليل فاخوري، شاعرُ الشباب والاطلاق”، “معلِّمو العالم” (مسرحية)، “على دروب الحياة”. وله قصصٌ للأطفال، وسلاسل كتب مدرسية.

 

الدكتور داهش بين الرؤيا وشموليَّة الوجود

تمثلتُه ماردًا يقف بين الروح المتسامية في سامقاتِ السدرةِ وإنسانِ هذه الأرض.

عاش مع الناس مُماشيًا سُننَ الحياة وفروضَ العيش، وثار على الرغبات الفارغة، ومشى مع روحه بتؤدةٍ على انسجامٍ تامّ. ولعلَّ اسجامَه كان مصدرَ وفائه وطيبته، وقوامَ دوامِه واستمراريتَّه.

          أحبَّه الناس لأنه عرف كيف يمرُّ عبرَ حياتهم، ويحيا أعمارَهم، ويفيهم الموداتِ والمُثُل. وساعةَ يخلو منفردًا بروحه، يُحبّونه أكثر، لأنهم يعرفون مُسبقًا أنه سيعود إليهم بشهوةٍ مُسَّت بروحٍ، وإذا الوقعُ والحقيقةُ من أهدافه وتعاليمه وتأملاتِه، والتمسكُ بعالياتِ المناف.

          الدكتور داهش.

عِملاقٌ، طاب وقعُ الكلمة على يده ومجدُ الروح، فلا الكلمةُ هانت، ولا الروحُ ابتعدت. فكان صُيانةً في العالمين: عالم الناس، وعالم الروح. وإذا انفرد عنهم، فذلك ليعودَ إليهم بخُلاصةٍ من حياته وعالَمه، بمادةٍ هي بنتُ الوجودَين: الوجودِ الأساسي والوجودِ السماويّ الذي غلَّفه بأشعةٍ نورانية، فغدت على ثوابت، أقرتها الفلسفةُ حتى باتت في عُهدة الرؤيا والمنطقِ والشموليّة ورحابِ المجتمع.

          لقد خاطب المرءَ، وطلع بثقاتٍ تمتاز بعجَبِ الطالع. ثم أدرك محتماتِ الدنيا، فعاش في أسرارها وأحكامها، ونَضاعنها الأسرار، ليطلَّ إلى عوالمَ لها مكانتها. وبرغم المحتمات، سار في كنهِ الزمان والمكان، وتخطى الحواجزَ المستحيلة. ففي يُمناه أسرارٌ داهشية، وفي يُسراه أدبٌ وروح، وغرائبُ مَلأى  بالمعرفة والتجارب من أعماق الحياة، مستمدَّة من فوق.

          أعمالُه الإعجازية قُدِّر لها حِسٌّ وإدراك يجتازان الأغوارَ والأبعادَ الزمنية، فإذا للرجُل، بجُمعِ كفِّه، معرفةٌ شاملة، وأدبٌ وشِعرٌ، ونفحاتٌ من المعجزات، ولا جدال.

          الفكرُ الداهشيّ فيه نبضٌ وحياة.

          والأدبُ الذي يؤمن بالقُدرة على الخلق، تُسعفُه الروحُ  الفاعلةُ في الأرض وفي الأجواء، وتُلهمُه النظرة لبعثِ الفضائل في حياة الإنسان الاجتماعية. وإن لم يكن كذلك فهو باطل. كان هذا حال الدكتور داهش في كتابه “مذكرات دينار”، وفي كتابه “جحيم الذكريات”.

          في الحياة، تبقى الكلمة صِنوَ العُمر، والحروفُ مهدَ اللحظات، وهي بعدُ مشوقةٌ إلى تعميق الفضيلة والاستقامة التي فوق جمعِ المال والطمعِ الذي يقود البشر إلى الهلاك والخراب القاتل.

          هذا الرائد في مجال الروح يذكرُني بطاغور الذي أحببتُه كُفيًا، وهو الشاعر الذي ربط الأغوارَ بالقِمم. أمّا الدكتور داهش فقد أضاف إلى الصوفيّة والتأمُّلات والابتهالات الخشوعية مُشاهداتِه ومعجزاته التي نقلها بأمانة، ولعلَّها معجزاتٌ فريدةٌ وعديدة، مضيفًا في أدبِه قيمةَ محتِدِ الآدميّ ليكونَ عونًا على الاستمرار الناجح والنزوع إلى البقاء.

          هذا الكبيرُ غنَّى ليستريحَ فيه النداءُ إلى الآخرين، وتهدأ الأعراق. ولغيرِه أن يؤمنَ بما يقول من شِعرٍ ونثرٍ وأسرار، أمّا هو فحسبُه أن يثبتَ تجاهَ الحقيقةِ والاكتفاء. وفي هذا الموقف تركيزٌ لا يُساويه شيء، ولا يوازيه أيُّ انتسابٍ أو قُدرة.

          هو، هو، الناثرُ والشاعرُ والمُلهم، والمعجزة، والسريعُ في الإنجاز، والمحلل القدير. هذا فعلاً ما رأيتُه وقرأته وطالعتُه من مشاهداتٍ لأكبر المفكرين والشعراء في لبنان والعالَم العربي.

          إذا قصدتَ دوحتَه المحلال، فستجدُ سماءه مصيحَّةً جَلواء، وزهرَه باقاتٍ مُنسقة، وأشجاره غيناء وارفةَ الظل، ثمراء يتدلى منها الرواء. أما الحصادُ في فوفير، وكرمتُه الروحيةُ مرفوعةٌ على مساويك الصدق والبساطة التي تفعل فِعلَها في النفوس.

          ارتفعَ، وهو على الأرض، ليرى تفاهاتِ هذه الدنيا. وفي كل مرةٍ كان يزداد حُكمُه على سكان البسيطة قناعةً ورؤيةً، جاعلاً العدالةَ الإلهية مقياسًا للأخلاق والإيمان والابتهالات لله. وما فاته أن يذكرهم بالألم والقهر الذي لَحِقَه. فالدكتور داهش من أُولئك الذين صبروا على المكاره والظلم حتى صفت روحُه، ومشت على الجوَّانية الصارخة، الفاعلةِ في مدى الدهر.

          تعالى على حياته البائسة التي غاصت في بحر العالَم، وكانت بمثابة زورقٍ تائهٍ، لا يعرف الهدوء، على صفحةٍ مضطربة، يتكاثف فوقها الضبابُ والرياحُ والظلامُ وزبدُ الأمواج والعتوُّ والارتطام. يقول:

          أنَّى لمثلي شرْحُ حالي البائسَهْ            والنفسُ من هذي الخليقةِ يائسهْ

          وأرى الحيـاةَ كزورقٍ متقلِّبٍ          ما بين أمواجِ البحــــــــــارِ الدامسَهْ

 

                                      **************

وأرى الضبابَ مع الدُجى متكاثفًا                          من فوقِه، والريحُ تعصفُ قاصفَهْ1

 

الكبيرُ ، هذا، رفَعه العقل ليُدركَ أسرارَ الدنيا، أما القلب فقد أعطاه أن يتجاوزَ المِساحاتِ الكونية، فإذا هو أمام أشياءَ كثيرةٍ. ثم استطاع أن يؤمَّ أغوارَها بسهولةٍ، وقد عمقَ بقدرِ ما صفا، ولأن إزاء الأحداث والمصاعب، وإذا الفوزُ دهشٌ وداهشيةٌ، والقضايا فِكرٌ، وشوقٌ لمعرفة. على أن وجودَهُ في دُنياه أوسعُ من دنيا، وعقله أكبر من عقولٍ نافذةٍ.

فهذا الاعترافُ يحملُ على القبول بالقوى الداهشية والاستغراب.

          تمكَّنَ من ضمِّ خيوط الفلسفة إلى أسلاك اللاهوت ليخلقَ من العمل نبراسًا يضيءُ للآخرين في غياهب اللاأدريَّة، ويستطيعُ الحقيقة لِمَن يريدُ الاطلاع.

———————————————————–

1 الدكتور داهش: “ناثر وشاعر”، ج1 (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983)، ص 47. والكتاب مختاراتٌ نثيرية له نظمها شِعرًا الشاعر حليم دمُّوس.

—————————————————–

ومع الواقع الإنساني والألغاز الكونية، بسط الأمور، وراح يُفسر معالمَ الخفايا، وعجائبَ الدنيا فعلاً، على طَرَفِ الريشةِ الولوعِ بالله، وبما يوحيه إليه العقلُ من أبوابٍ وطرائقَ لفهم هذا الكيان.

          وفي هذا الإطار، يلتقي مع عظيمين من عُظماء الأرض: غاندي الإنسان الروحانيّ، وطاغور الذي سجَّل في كتاب “قربان الأغاني” و”جنى الثمار” ملحمةَ الوجود والكيان، بأقلام نورانيةٍ سماويةٍ، على أبواب الجنة، راسمًا فرَحَ السماء على الوجه وفي النفس، ورافضًا ذهبَ الدنيا والمادة بكامل معطياتها  وأشكالها، ولم يرضَ إل بفيض راحتَي الله.

يقولُ في ديوان “جنى الثمار”، وتحديدًا في الأُنشودة رقم (14):

“إنَّ حِصَّتي مِن خيراتِ هذه الدنيا هي

“ِن فيضِ راحتيكَ، بحسبِ ما وعدتني.

“لذلك يستطعُ نوركَ عبرَ دموعي.

“أتردَّدُ في أتباع الآخرين مخافةَ أن أفقدك

“… وحِصتي من خيراتِ هذه الدنيا ليست

“إلاَّ من فيضِ يديك”.1

 

أمَّا ابتهالاتُ الدكتور داهش، فإنها تلتقي بكثيرٍ مما قاله غاندي وطاغور، وبخاصةٍ عندما ينادي ربَّ الأرباب، طالباً إليه في الابتهال التاسع أن يسمعَ نداءً قلبِه وصَلاتِه، ولُهاثَه الشبيه برائحة البخور المتصاعد أمام جبلِ قُدِسه. اقرأ معي:

“يا ربَّ الأرباب، إليك ارفعُ ضراعتي،

“فاسمع نداءَ قلبي النائح.

“لتصعد صلاتي أمامَ عرشِكَ

“مثلما تتصاعدُ رائحةُ البخورِ أمام جَبَلِ قُدسِك.

“… فاشملْني بحنانكحَ، وارحمِ انسحاقَ نفسي.

“إنني نادمٌ الندامة كلها.

——————————————————–

1 رابندرانات طاغور: “سلة فاكهة” أو “جنى الثمار” (دار مكتبة حبيبي، بيروت) ص 30.

———————————————————

“بدمعِ عينيَّ النائحتين أطلبُ غفرانكَ،

“فاشملني ببركتك ورضوانك”.1

          في أيِّ حالٍ، كوننا نحنُ يمتازُ بالعُقَدِ والمبهمات. فهناكَ المصير والنشوءُ والغايةُ والنهاية، وثمة قضايا كثيرة تجري بطواعيةٍ على مسارح الكينونة، فكان مِن السهل على الدكتور داهش بتقديري أن يفضَّ أقفالَها ليبدد القلق والحيرة، ويكشفَ ثوابتَ مذهلةً، تبرزُ في شخصيةٍ مميزة.

          إنه يختلفُ عن أهل الفلسفة والفلاسفة، وبخاصةٍ أولئك الذين يشكُّون أو يعترضهم الشكّ. فمن هذه الناحية نراه مرتاحًا إلى مُعتقدِه وعلمه.

          على أن شوقَ الدكتور داهش إلى المعرفة الكُبرى عرفتُه فيه شخصيًا، وعرفتُ أيضًا أنه لم يبلغْ حدودَ الارتواء؛ فقد بقيّ في ظمإ وتَوقٍ لاكتشاف الأسرارِ المخبأة، ولئن وُفقَ إلى بعض الحلولِ بإشاراتٍ من العقل.

          ولا عجب، فداهش أعتبرهُ من الفلاسفة الكبار؛ وهو من مفسري الأسرار.

          لقد قدر، بقدرةِ قادرٍ وهادفٍ، على أن يحل الألغاز والأبعاد وكل ما يسألُ عنه الإنسان في الكون منذ انبثاقِ الفلسفة حتى اليوم. أما عملُه فقد كان يمتازُ بالدقةِ والعنايةِ والثقة.

          ومن قال إن العاطفةَ عدوُّ العقل أو الشعر عدوُّ المنطق في الوجودِ البشري؟ فالرجل شاعرٌ كبيرٌ، وناثرٌ مبدعٌ، يرتاحُ في عُمقِ الجمالية والمناجاةِ التي تجعلُ الحب قرب الروح والخاطر والسعادةِ التي تُرشفُ حتى الثمالة والأيام الخوالي. يقولُ في قطعة “إليك…”(وقد نظمَها الشاعر حليم دمُّوس):

          إليك يــــــــــــــــــــــا أمنيةَ الحيــــــــــــــــاة                  أبهى مناجــــــــاةٍ إلى الممـــــــــــــــــــــــاتِ

          أنتِ التي لا تبرحينَ خاطري            ما دامتِ الروحُ بجسمي الخائرِ

          أيتُهــــــــــا الحبيبةُ الفريــــــــــــــــــــــــــــدهْ                          لقد مضتْ أيامنــــــــــــــــا السعيدهْ

———————————————

2 الدكتور داهش: “ابتهالات خشوعية” (دار النار والنور للطابعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983) ص 49 – 50.

————————————————-

تلك التي ذُقنـــــــــــا بها السرورا                           أذكرُهــــــــا واشكرُ القديـــــــــــــــــــــــــرا…

لذا وقعتُ بالهوى سريعــــــــــــــا                     مِن دَعَجِ العينِ فتًى صريعـــــــــــــــــــــــــا1

 

 

          وسارَ بنا الوقتُ والعمرُ،  وأقبلَ الدهرُ بمواكبه ومُخبآته ونظرياتهن المتطورة، وإذ بالدكتور داهش يسبقُ العصرَ بمحاولاتٍ كثيرة تجديديةٍ، وقد جعلنا نتفاعلُ معه في العقلِ والعاطفةِ، ناشطينَ معه إلى أدبٍ مُتماسكٍ رائدٍ يُنير.

          فمع هذا الرؤيويِّ، نقلنا عنه العاطفةَ في الشعر والعقل ي رحاب الكون، والتواصل والتمادي، حيث بسط الفكرُ سلطانه واجتاز مسافاتِ الأسرار، ثم تعدى نطاق الفلسفة إلى الأدب الجميل والجمالية.

          إنه من أدباء العقل والعاطفة معًا. فتجربة “التقشيب” التي لا بد منها أخضعها للعقل ليحلوَ الفكرُ ويغدوَ أدبًا يُستطابُ، مرصَّعًا بالألاعيب البيانية، والأقلام التي تجري في السلكِ، ونَسَقِ الدُرِّ.

          على أن كلَّ ما كتبهُ كان نتيجة تجاربَ حياتيّة، ومرونةٍ في التطويع، حتى يجعلَ من الصياغةِ قضيةً بشريةً بعيدةً عن الجفاف. فهذا القديرُ هو من جبابرةِ الأدب أيضًا، ولا جدال.

          قصيدتُهُ وكلامُهُ من روافدِ الحقيقةِ والمنطق.

          جَرُّ يراعته من زَهوِ الخاطرِ، وبَهجةِ الذكاءِ، وانطلاق الذاتِ في مهرجانت الوعي المنتفصِ على الكسل.

          مع كلام الدكتور داهش النثريِّ والشعريِّ والأسرار، نقيمُ للفنِّ المطلقِ عرسَ الإرادة التي تُثمَّنُ في الحياة.

          ثمَّ رافق عملهُ الفني الأوزانُ الخليليةُ والبلاغةُ، فغدا قولُه جريًا مع طبيعةِ القائل الرصين والموهبة من دون أن يبعدَ عن مجرى الفلسفةِ والروحِ والإيمان. أما النتاجُ فقد بلغ الذروةَ المتوخاة.

          على أننا إذا عُدنا نتفحَّصُ أسرارَ داهش العجائبية، فنشاهدُ السليمَ في العمل والمكانة في أعلى المَناط، مُتخذًا الأشياءَ ببساطةٍ، كما اتخذ أسرارَه طريقصا إلى كُنهِ

——————————————————–

1 الدكتور داهش: “ناثر وشاعر”، ج1، ص 83.

——————————————————-

الحياة… وهنا تطرُ السؤال، هل أدركَ الحاجة كُفيًا؟ وهل تعدى الحدودَ الكافية؟

الدكتور داهش.

طرقَ رِتاجَ وما كلَّتْ يدُه.

طرقَ أبوابًا لم يتيسرْ للعاديينَ من الناسِ والفلاسفةِ أن يصلوا إليها على مرِّ الزمنِ منذ أمَدٍ بعيد.

شغلَته قضيّةُ الإنسان، فسعى إلى تفسيرها. ولعلَّ ذلكَ تركَ أميرَ الفِقه في العالم العربي والقاموسيَّ العظيم الشيخ عبد الله العلايلي أن يثقَ به ويقفَ عند أسرارِه، وكذلك الشاعر الكبير حليم دمُّوس والدكتور فريد أبو سليمان والعشرات بل المئات غيرهم.

          هذا “الداهش” أكبرُ من فيلسوف، وأكبرُ من عالِم.

          الفيلسوفُ لا يحلُّ المعقدات، ولا يفسِّرُ قواعدَ الكون، ولا يتحقَّقُ من ما ورائيات الحياة. لكن داهش فسَّرها بطرائقهِ التي أنعم اللهُ عليه بها.

          وفي مطلقِ الأحيان، أدهشتني النخبةُ المؤمنة. كما إنني لا أُخفي أبدًا، بعد قراءتي لبعضِ كتبِه، أنه مشى بنا إلى التفكير والغوص والتبحُّرِ بقدرةِ المرسَلين والنهايات والموتِ وألغاز ما وراءَ القبر، وخصوصًا عندما يُشيرُ من بعيدٍ إلى قَيمِ الروح والربطِ بين أسبابِ الأرض وأسبابِ السماء.

          أمَّا إذا اعتبرنا الكتابةَ من الفنِّ، في التنسيقِ والفكرِ والتنقيهِ والنغم والموسيقى والفلسفة والطاقات الإيحائية في سياق الكلام، فإن الدكتور داهش هو الأوّل بين جماعة التطوُّر وأرباب الفِقه، لأنه ساوى الأقمطة الأدبية والروحية كما يشاء.

                                                                             8/11/2009

الداهشية: نداءُ الفكر والحوارِ والروح

الأستاذ علي رفعت مهدي

كاتبٌ لبنانيّ. حائز على شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية. من مؤلفاته. “الاتجاه الروحي في شعر العلامة السيد محمد حسين فضل الله” (2004)، “تقوى الصوم” (2005)، “مطارحاتٌ في الشعر والفن والأدب” (2006)، “معرفة الله في الفكر الإسلامي” (مخطوط). وله عشراتُ المقالات الشعرية والسياسية والأدبية في الصحف والمجلات.

 

الداهشية: نداءُ الفكر والحوارِ والروح

الحديثُ عن الفكر حديثُ شيِّق وغنيّ وممتع.

إنه حديثُ انفتاح العقل على العقل، والروحِ على الروح، والإنسانِ على الإنسان، والحجة على الحجة، والدليل على الدليل، والمنطق على المنطق.

والحديثُ عن الفكر عسيرٌ وشاقٌ وعصيٌّ، وربما قاسٍ!

عسيرٌ لأن الغوص في رحاب الحقيقة يحتاج إلى مهارةٍ ودقَّةٍ وموضوعية.

وشاقٌّ لأن الفكرَ إن لم يُتبع ويُرفَق بالحوار، فإنه يتحول إلى ملاكمةٍ قد يسجلُ فيه تقدم في بعض النقاط، ولكن لا ضربةٌ قاضيةٌ فيه بل قمعٌ واضطهادٌ وتسلط وجوز.

وعصيٌّ لأن الحقائق الكلية هي بيد الله تعالى و”الناس أعداء ما جهلوا”.

وقاسٍ لأن الفكر يتحول إلى تعصب وتزمُتٍ  وتعنُّت، إن لم يقبل النقاش، والجدال، والحوار، والمواجهة، وإن لم يفتح صدرَه للرأي الآخَر الموافقِ له أو المعارض.

 بهذه الروحية، يمكننا أن نطلقَ بحثنا.

وبهذه الخصوصية، يمكننا أن نستلهم تجارب السلَفِ ممَّن مضى، لنسترجعَ الفكرَ ونناقشَ في بعض مضامينه نقاشًا موضوعيًّا ودقيقًا وعميقًا وعادلاً فيما تفرضُه العدالةُ من التوازن في النظرة إلى الفكر أو المبدأ، وفي الاستقامة في الحُكم والشمولية في جوانب القضية المُثارة. وما القضيةُ المثارة؟ وما بحثُنا؟

إنه باختصارٍ مرورُ مئة عامٍ على مولد مؤسس الداهشية..ز بما في عناوينها من قضايا تتصل بغاية الوجود الإنساني، وماهية كثيرٍ من المسائل، وإطلاق الجم من المصطلحات التي شغلت الكثيرين كمصطلح: العقيدة، والرسالة، والمعجزة، والتقمُّص، والسيالات الروحية، والصلاة، والصوم… مما نزل وحيًا سماويًّا على الأنبياء في مسيرة دعوتِهم إلى الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدالِ بالتي هي أحسن، والحوارِ، والبرهان، والدليلِ والحُجَّة… وطرحَته الداهشيَّةُ من منظورها معتقدًا آمنَت به، وسعَت إلى إرسائه، وجهدَت في سبيل إقناع الناس بمضامينه وغاياته، ولا سيما مضمون الوحدةِ الروحية والدينية بين أتباع الديانات السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلام. ولعل خيرَ مَن يلخِّصُ هذا المضمون الشاعرُ الداهشيّ حليم دمُّوس في إحدى رباعيَّاته:

أرى في بحارِ الشَرِق والغربِ ثـــــــــــورةً                  وأمواجُها العُظمى تــــروحُ وتغتدي

وفي بَحرةِ الأديـــــــــــــــانِ هبت عواصفٌ          ستطرحُ أهل الأرضِ في كلِّ فدفد

فيا ربُّ قد تاهت بليــــــــــــــــلٍ مراكبٌ          وها هي لم تغـــــــــرق ولم تتوحــــــــــــــدِ

فهل تلتقي في شاطئ الحب والهُدى               سفائنُ موسى والمسيحِ وأحمــــــــد؟

 

مئةُ عام مرَّت، والفكرةُ لا تزال تنمو، والداهشيةُ لا تزال تواجِهُ وتواجَه. فهل يُقمَع الفكر؟ هل يُصادر؟ هل يُطمَس ويموتُ ويندثرُ ويتلاشى؟ وما الأساليبُ التي يجب اتباعُها بين أبناء البشر الذين يكادون لا يتفقون على إنسانيتهم المشتركة، فكيف بقضاياهم الفكرية والثقافية والعقائدية؟

من هنا أسترجعُ فكرةً توجِبُها متطلباتُ البحثِ والمناقشة:

كنت فتًى في السابعة عندما هجَّرتنا “الحرب الأهلية اللبنانية” عام 1975 من منطقة برج حمود في بيروت إلى مسقط رأس آبائي وأجدادي في البقاع، حيث التحقتُ بمدرسة “النهضة العلمية” التي كانت حينها الملاذ – شِبهَ الوحيد – في المنطقة ثقافيصا وتربويًّا وفكريًا واجتماعيًا وخدماتيًا، وهي التي خرجت – ولا تزال – الكثيرين من أبناء هذا الوطن الذين باتت لهم الحظوة والمكانة في كافَّة الميادين، حتى الآن.

وممَّا كان يُلفتنا آنذاك – وقد أتتِ الحربُ على القيم الإنسانية والمعرفة الفكرية – أن كثيرًا من جدران صفوفنا وملاعبنا مزدانةٌ بلوحاتٍ جداريَّة، واقوالٍ خالدةٍ لِمَن نقِّدسُ من عظمائنا الأنبياء والأولياء والمصلحين، مما لا تزال الذاكرةُ تحفظُه وتردِّدُه في كل مناسبةٍ فيها دعوةٌ للحبِّ والتسامح والتسالم. ومن تلك الشواهد:

* الأنبياءُ إخوةٌ: أُمَّهاتُهم شتى ودينُهم واحد. (النبي محمد).

* الحسدُ يأكل الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطب. (النبي محمد)

* وصيتي أن تُحبوا بعضُكم بعضًا كما أحببتُكم. (السيد المسيح).

* ماذا ينفعُ الإنسانَ لو ربح العالم كله وخسر نفسه. (السيد المسيح)

* لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل، ولا ميراثُ كالأدب، ولا ظهيرَ كالمشاورة. (الإمام عليّ).

* لا تقسروا أولادَكم على أخلاقكم لأنهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم. (الإمام عليّ) وإلى جانبها لوحاتٌ أُخرى كنا نردِّدُ اسم صحابها، ونشعرُ بتوأمتها مع الفكر الروحي الهادي إلى سُبل الحقِّ والخير والجمال، ومها:

* أحبُّ الكتبَ حبَّ السُكارى للخمر. ولكنني كلَّما ازددتُ منها شربًا زادتني صحوًا. (الدكتور داهش).

* المالُ ميزانٌ الشرِّ في هذا العالَم. (الدكتور داهش).

إضافة إلى نشيدٍ كَبُرَ في عقولنا وفكرِنا هو نشيدُ الملحمة العربية الذي صدرَ إدارة المؤسسة التربوية التي انتمينا إليها. وأذكرُه لأن له حدثُا حُفر بذاكرتي وطُبع ونُقِشَ، إذ كنتُ طالبًا في “حوزةٍ دينية” أتلقى العلومَ الشرعية والفقهية في بيروت سنة 1988، والمناسبة “المولد النبوي الشريف”؛ وقد طلبتُ الكلامَ بالنظام، فقلت: سأذكرُ بعض الأبيات لشاعر مسيحي آمنَ بالرسالات والأديان وَحدةً لا تتجزأ، وهو الشاعر الزحلي حليم دمُوس الذي أطلق على نفسه اسم حسان تيمنا بشاعر الرسول حسان بن ثابت الأنصاري. يقول حليم في النبي العربي محمد بن عبد الله (ص):

وأُقسِمُ لو يدري الورى كُنهَ دينهم                         لما فرقوا ما بين عيسى وأحمــــــــــــــدِ

ولا أطلقوا يومًا قنابلَ مِدفــــــــــــــــــــعٍ                       ولا صَقلــــــــــــــوا للحرب حدَّ مُهنَّدِ

فأنتَ أخي ما دامتِ الأرضُ أُمَّنا                           وأنتَ أخي بالروح قبلَ التجســــدِ

لَعمرُكَ ما الأديانُ إلاى نوافـــــــــــذٌ                       ترى اللهَ منهــــــــــــــــا مُقلةُ المتعبــــــــــــدِ

سأنشُرهـــــــــــــــا في الخافقين ملاحمًـا                      على نسج حسَّانٍ ونغمةِ مَعبـــــــــدِ

وأُلقي بُذورَ الحب في كـــــــــــل بيعةٍ                      وأُلقي بذورَ الحبِّ في كل مسجدِ

فألمُسُ في القرآن عيسى بنَ مريمٍ                            وألمـحُ في الإنجيل روحَ محمــــــــــــــــــدِ

 

وأنيتُ…

 

وإذا بصوتِ “علامةٍ” هو اليومَ من رؤساء المحاكم الشرعية الجعفرية في بيروت يُخاطبني: أَعِدْ، فأَعدتُ الأبياتَ ثانية، فكرَّر: أَعِدْ ثالثةً… وكانت المفاجأةُ أن ردَّدها بعدي وحفِظَها نتيجة السماعِ والتأثرِ بمضمونها… واعتبرها من روائع الشِعرِ الروحيّ.

يومَها أدركتُ أن الفكرَ الإنساني ينسابُ كاليُنبوع الذي يروي ظمأ العطاشى إلى المعرفة، فيُخصبُ الأرضَ ويمرعُ ويُعطي، دون وَسْمِه بنعتٍ أو وصفٍ أو حدٍّ.

بعد مئةِ عام تحتفي “الداهشيةُ” بولادة مؤسسها، والسؤال: أين القمعُ؟ والتسلُّطُ؟ والقيودُ؟ والحِرابُ؟ والأسنَّةُ والرِّماحُ التي شُهرتْ بوجهِ المعلمِ والمؤسِّس؟

لقد سقطَت جميعُها، لأنَّ الفكر، أيًّا يكُنِ الفكر، ينشرُ ويزدادُ رسوخًا وتجذُّرًا كلَّما تعاظمَت عليه النوائبُ والمشكلاتُ والمصائب، وهو ما يجعلُنا نتشبثُ بالأساليب التي أرسَتها كتبُ السماء والوحي في طرائق المحاجة والخصام والخلاف والنقاش، ومن أهمِّها أساليبُ الدعوةِ في القرآن الكريم، مُستلهمين قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادِلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، (قل هاتوا بُرهانكم إن كنتُم صادقين) (البقرة: 111)، (قل الله وإنا أو إياكم لعلى هُدًى أو في ضلالٍ مُبين) (سبأ: 24)، (فمَن شاء فليُؤمنْ ومَن شاءً فليَكفرْ) (الكهف: 29)، (وقُل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) (الإسراء: 53).

          كلُّ ذلك لمواجهةِ الفكرةِ بالفكرة، والدليلِ بالدليل، والبرهانِ بالبرهان، والرأي بالرأي، والكلمِة بالكلمة؛ وهو من أهمِّ الأساليب التي انتهجها أميرُ البيان الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) مع الخوارج، مثلاً الذين لم يبدأ معهم قتالاً إلا حين عاثوا فسادًا في الأرض، وقتلوا الصحابي خباب بن الأرت وزوجته. فحين أرسل الإمامُ عليّ عبد الله بن العباس للاحتجاج على الخوارج أمرَه قائلاً: “لا تخاصمهم بالقرآن، فأن القرآن حمَّالٌ ذو وُجوهٍ تقولُ ويقولون، ولكنْ حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها مَحيصًا”. فلا قتالٌ ولا حرابٌ بل فكرٌ يوجَّهُ ويُرشِدُ ويهدي.

وقد جاءَ في نهج البلاغة أنه (عليه السلام) كان جالسًا في أصحابه، فمرَّت بهم امرأةٌ جميلة، فرمقها القومُ بأبصارهم، فقال عليّ (ع): “إنَّ أبصارَ هذه الفُحولِ طوامحُ، وإن ذلك سببُ هبابها، فإذا نظرَ أحدُكم إلى امرأةٍ تُعجبُه، فليلامسْ أهلَه، فإنما هي امرأةٌ كامرأته.” فقال رجلٌ من الخوارج: “قاتلة الله كافرًا ما أفقههُ!” فوثبَ القومُ ليقتلوه، فقال الإمام: “رويدًا إنما هو سَبٌّ بسَبٍّ أو عفوٌ عن ذنبٍ”. (“نهج البلاغة”، ج4، ص 720 – “تحفُ العقول” ص 89).

لقد سبَّ الخارجيُّ أميرَ المؤمنين بالكفر، لكنَّ الإمام لم يسمح بقتله، بل قال: إما أن أسُبَّه – وهو ما لم يفعله الإمام قط، بل نهى وحذر أتباعه من السب واللعنِ والشتم – أو أن أعفو عن ذنبه، وهكذا كان.

فأين الإمامُ اليوم؟ وأني مَن عاداه وسَبَّه وشَتمَه؟

يجيبُ أحدُ الشعراء (مادحًا الإمام عليًّا):

قُمْ وارمُقِ النَجَفَ الأَعزَّ بنظرةٍ                   يرتدُّ طرفُك وهو باكٍ أرمَــــــــدُ

تلك العظامُ أعزَّ ربُّك شأنهــــــــا                      فتكادُ لولا خوف ربك تُعبدُ

وأين الدكتور داهش من المناوئين والظالمين والطُغاة الذين جرَّدوه من أسمَى مظهرٍ إنسانيٍّ روحيٍّ تجلَّى في نَزعِ الجنسيةِ الوطنية عنه؟ لقد تعملقَ وشمخَ بتعاليم السماء بينما ضاقتٍ الأرضُ بالطُغاةِ الأقزام…

ولداهش في تاريخ الأنبياء أُسوةٌ حسنة… فلقد تعرَّضَ الأنبياءُ المرسَلون – عبر تاريخهم الرسالي – لشتى صنوفِ القهر، والكيد، والحسد، والتعذيب، والتجريح، والأقاويل، والأكاذيب، والأباطيل، والاتهام بالسحر والجنون… وكذلك أتباعُهم ومريدوهم، وموالوهم، وكلُّ مَن اتخذ طريقَ الحقِّ والعدلِ والحرية والسلام والمحبة سبيلاً… وقد نصرَ الله مَن نصرَه صَدقًا والتزامًا ومنهجًا وأسلوبَ دعوةٍ.

لقد جوبِهَت الداهشيةً بالقمع، والسجن، والقيد، ومصادرة الحق المقدس في التعبير عمَّا يحاولُ الداهشيون التعبيرَ عنه، وهو الرأيُ الذي قيل فيه: “الفكر حر”، لأنه أثمنُ ما يملكُه الإنسانُ في حياته. ولا بد أن مَن يقارعُ الفكرَ لطَمسِه أو إلغائه أو مصادرته يكون مجنونًا؛ فهو لا يستطيعُ أن يفكرَ بحرية وأمانةٍ وموضوعية، ولا يمكنُه أن يأسرَ فِكرَ الآأخرين، لا سيما حين يتصلُ فكرُهم بنور السماء، ويعبرُ عن قُدسية الروح.

إن الميدانَ يتسعُ لكل الأفكار والطروحات، المقبولةِ منا والمرفوضة، شرط أن يبقى الاختلافُ والخلاف حواريًا. فالحوار منهجُ الرسالات والرسل، ومنهجُ وأسلوبُ الكتب السماوية؛ فهل من يحاورُ ويناقشُ بموضوعيةٍ وأمانةٍ ودقةٍ! الحقيقة بنتُ الحوار، “وليست ابنةَ الإرهاب الجسدي والفكري، والتحجُّر والانغلاق والعنف والظلم”. والفكرُ، كما يقولُ هيجو، قوةٌ فعالةٌ دونها كلُّ قوةٍ هائلة. وقد أكد كونفوشيوس أنه “لا يمكنُ للمرء أن يحصلً على المعرفة إلاَّ بعد أن يتعلم كيف يفكر”.

فهل يتعلمُ مَن قارعَ الداهشية بالبطش أنه كان ينبغي أن يكونَ “الحوارُ” وتكونَ “الحُجةُ” القاطعةُ هي الفيصلُ بين ما يدينُ به المرء، من معتقد فكريٍّ أو دينيٍّ أو سياسي أو ثقافي، والمبدأ الآخر؟ وقد ورد في المأثور الديني: “الطرقُ إلى الله بعدد أنفاسِ الخلائق”، وأنه (لا إكراهَ في الدين قد تبين الرشدُ من الغي). فالله تعالى قد بعثَ الأنبياء مبشرين ومنذرين، فمن شاء فليؤمنْ ومْن شاء فليكفر، وجعل مبدأ الثوابِ والعقاب بيده. ولو كان البشرُ المتخاصمون المتنابذون يملكون خزائنَ رحمةِ الله لأمسكوا خشية الإنفاق، ولبخلوا بالمحبة وبالتسامح والوِدِّ والرحمة الإنسانية. فلا يمكنُ لمخلوقٍ قط أن يعتقد أنه يملكُ الحقيقة المطلقة، وأنه من يمنحُ الناس صكَّ الإيمان، أو الكفرِ؛ فالإيمان نسبيّ، والكفرُ كذلك…

مئةُ عام، دليلٌ قاطعٌ على أن التعتيمَ أو المصادرة لمبدأ أو عقيدةٍ لا يمكنُهما إلغاءُ الكفر أو العقيدة، بل هو الحوارُ في الهواء الطلقِ وفي الصحوِ المبدع. فإذا التقتِ الداهشيةُ مع تعاليم السماء في دعوةِ الإنسان للعودة إلى أصالته وروحيته وإنسانيته، وفي الإلتزام بقيم الحق والعدلِ والحب والسلام والطمأنينة، شكل هذا اللقاءُ أرضًا صلبةً متينةً للانطلاق بركبِ الإنسانية في ما يأتي عليها بالخير والعزِّ والسعادة… وإذا اختلفت نظرةُ المريدينَ والأتباع لأيِّ مبدأ أو عقيدةٍ أو دينٍ أو مذهبٍ أو فكرٍ أو رسالة مع ما تُثيرُه من  مصطلحات: كالمعجزة، والرسالة، والعقيدة، والصلاة، والصوم، والروح، والإيمان، والثواب والعقاب، والتقمص، والدين, فليكنْ حقُّ الاختلاف هو الذي يحكمُ حركيةَ هذه المصطلحاتِ ومدى انسجامها مع ما يؤمنُ به الفردُ من معتقدٍ، لا سيما أنه ندُرَ أن يتفقَ الناسُ على وَحدةِ المصطلحِ والمفهوم… فإذا كان طاغورُ الهنديّ العبقريّ ممَّن يرى ربَّه في لون الزهرِ، وحَبابِ الموج، وزُرقةِ البحر، وشموخِ الجبال، وفي تجلياتِ الطبيعة الخلابة، كان وصيُّ الأنبياء عليّ بن أبي طالب يقولُ: “ما نظرتُ إلى شيءٍ إلا ورأيتُ الله فيه”.

أيُّها الأحبةُ… المئوية الداهشية نداءُ السماءِ ودعوةُ الفكرِ وكلمة الحوارِ والانفتاحُ الروحيُّ السامي.

ليكُنِ الحوار، وأساليبُ الكتبِ السماوية، ورُسُلُ السماءِ مُثُلاً نستلهمها في حياتنا وواقعنا؛ فقد (كان الناس أُمةً واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزلَ معهم الكتابَ بالحق ليحكمَ بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أُوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لِما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. والله يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم). (سورة البقرة: 213).

إن رسالاتِ السماء قد شكلت حلقة متكاملة، وخُتمت وحيًا بالنبي العربي الهاشمي محمد بن عبد الله (ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسولَ الله وخاتم النبيين) (الأحزاب: 40)، واستمرت بأوصياء الرسلِ والتابعين والأئمة والصحابة والمبلغين والمفكرين والمصلحين، والذين غيروا وجهَ العالَمِ في توجيه العالَمِ الدنيوي البشريِّ نحو قيم الروح. فإذا بالأهواء والمطامع الكامنة في النفوس تسعى لاستغلال الرسالات والدين والقيم والمبادئ والأخلاق الرسالية، فنأى الإنسانُ عن المُثُلِ والشرائعِ، واستحكمت الرغباتُ والنزواتُ؛ الأمر الذي يوجبُ العودةَ إلى الينابيع الصافية العذبة.

وهو نداءٌ من نداءات الداهشية. وما أحوجنا إلى قراءة “مذكراتِ يسوعَ الناصري” لنطرد لصوصَ الفسادِ وتجارَ الطائفية البغيضة من نفوسنا، وقراءةِ “محمدٌ سيدُ الخلق” ليكون لنا البشير والنذير والسراج المنير، وقراءةِ “أناشيدي” كي نُنشدَ لحنَ المحبة والتسامح العالميين، بعيدًا عن أدران الأرض وشهواتها وملذاتها.

ما قلَّ ودلَّ عن تميُّز الدكتور داهش

السيدة آسيا الفيتوري

زوجةُ الشاعر محمد الفيتوري. من رائدات المسرح السوداني. حازت بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون في القاهرة، وماجستير معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، وتُعِدُّ الدكتوراه في التربية في جامعة القاهرة. زاولَت التدريس والصحافة. أنشأتْ عدة مؤسساتٍ تعليمية منها “روضة أمّ إيهاب النموذجية” ببحري (1967)، و”مؤسسة أم إيهاب للتربية والتنشئة الاجتماعية” ببحري (1990). ومن المهرجانات التي شاركت فيها “مهرجان الأخطل الصغير” (لبنان 1969)، و”مهرجان جرش” بالأردن (1970)، و”مهرجان دمشق المسرحي” (1972). ولها عدة بحوث ودراسات.

 

ما قلَّ ودلَّ عن تميُّز الدكتور داهش

يسرُّني أن أبدأ بآياتٍ من الذكر الحكيم برغم أنها معروفة ومعلومة.

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: (ق والقرآن المجيد) (ق: 1)؛ (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا مُتصدعًا من خشية الله) (الحشر: 21)؛ (إنه لقولٌ فصلٌ، وما هو بالهزل) (الطارق: 13 – 14)؛ (حَم والكتاب المُبين. إنا أنزلناه في ليلةٍ مُباركة. إنا كُنا مُنذرين. فيها يُفرقُ كلُّ أمرٍ حكيم. أمرًا من عندنا إنا كُنا مُرسلين. رحمةً من ربك إنه هو السميع العليم، ربِّ السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم مُوقنين. لا إلهَ إلا هو يُحيي ويُميت ربُّكم وربُّ آبائكُم الأولين) (الدخان: 1 – 8).

(قُل لو كان البحرُ مِدادًا لكلماتِ ربي لنفدَ البحرُ قبلَ أن تنفدَ كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مددًا. قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهُكم إلهٌ واحدٌ فمن كان يرجو لقاءَ ربه فليعمل صالحًا ولا يُشرك بعبادة ربه أحدًا) (الكهف: 109 – 110).

إن القرآن الكريم معجزةٌ من معجزات الله سبحانه وتعالى لكافة الخلق ولعامة البشرية ورسالةُ خاتم الرُسل والأنبياء سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم. فمعجزاتث القرآن هي الخالدة والوحيدة حتى يرثَ الله الأرضَ ومَن عليها. وإعجازُ القرآن لفظًا ومعنًى جاء بلغةٍ عربية فصيحةٍ حيةٍ متطورة أفصحت عن الماضي عن الماضي والحاضر والمستقبل.

قال تعالى (ومَن يَبتغِ غيرَ الإسلام دينًا فلن يُقبَلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين) (آل عمران: 85).

فالدينُ الواحدُ الأوحدُ هو الإسلام. قال تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلمَ من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون) (آل عمران: 83).

ومَن أرادَ الله به خيرًا فقهه في دينه وعلَّمه البيان: (الرحمنُ، علم القرآن، خلقَ الإنسانَ، علمه البيان) (الرحمن: 1 – 4). (افمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه) (الزُّمر: 22)

          إن اختلاف ألوان البشر وتعدُّد لُغاتهم واختلاف أشكالهم وَسحناتهم من آياتِ قُدرة الله سبحانه وتعالى وحكمتِه البالغة في خلق السموات والارض وجميع المخلوقات وإبداعه في خلق الإنسان. قال تعالى: (ومن آياته خلقُ السموات والأرض واختلافُ ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآياتٍ للعالمين) (الروم: 22).

(يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكُم شعوبًا وقبائلَ لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكُم. إن الله عليمٌ خبير) (الحُجرات: 13).

لقد منَّ الله تعىل على خاتم الرسل والأنبياء بأنه رحمةٌ للعاملني، وخاطبه: (وكان فضلً الله عليكَ عظيمًا) (النساء: 113)، (وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم) وخصة (إن الله وملائكته يُصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) (الأحزاب: 56).

فأفضلُ الصلاةِ وأكملُ التسليم على هذا النبي الرؤوف الرحيم وعلى آألهِ وصحبِه أجمعين، والتابعين له بإحسانٍ إلى يوم الدين. كل ذلك متغلغلٌ في أعماق نفقوس المسلمين.

فالدكتور داهش استغرقه إيمانه بالله الحق الواحدِ الأحد، ورمزُ الداهشية هو “بحق الله والنبي الحبيب الهادي”. وقال تعالى: (والذي خلق فسوى والذي قدر فهدى).

فقد اهتدى الدكتور داهش إلى سواء السبيل، فحلق بوعيه وحسه تأملاً في عظمة الخالق الأعظم (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنتُ متخذ المضلين عضدًا) (الكهف: 51).

وليس تأملاً فحسب، بل تدبر وبحثٌ في معجزات الله تعالى والتحامٌ وتوحد. ولِذا حباه الله سبحانه وتعالى بقلبٍ عامرٍ بالعشق والمحبة المُطلقة للذاتِ الإلهية برغم المستجدات والتطورات في الحياة؛ فحبُّ الله ومحبته أعظم قوة، وما أشدها تأثيرًا في القلوب النقية والأرواح الزكية. لذلك تميز الدكتور داهش بشيم التواصل والتفاعل مع الإنسان؛ فالإنسانُ هو محور الكون، وأمتثاله لله تلقائيث وعفوي لأنه نابعٌ من ذاته. فخلقه الله في أحسن صورةٍ وفضله على جميع المخلوقات، ومنحه عقلاً وعلمًا وبيانًا. فروَّض الإنسانُ الطبيعة نُواةَ الحضارة الإنسانية، بإذن الله تعالى، حتى أصبح العالمُ قريةً صغيرة.

ومن ملامح شخصية الدكتور داهش الإرادةُ القوية والعَزمُ والمُثابرة والجدّ والثقة بالنفس والعقل، وفلسفته في الحياة والموت. ولا يخفي أن كل إنسانٍ يولدُ وتولدُ معه القُدرةُ الإلهية وتلازمُه. (وكل شيءٍ خلقناه بقدر). وكلُّ إنسانٍ مؤهلٌ لما خُلِق.

فقد وهبَ الله تعالى الدكتور داهش مقدراتٍ هائلةً وإمكاناتٍ كبيرةً ومواهبَ إبداعيةً متعددة، وآتاه الحكمة. قال تعالى: (يُؤتي الحكمة َمن يشاءُ، ومَن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا) (البقرة: 269)، (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكرُ أولو الألباب) (الزُّمر: 9).

فقد كرَّمَه الله بالعقل والعلم ليستثمره فكرًا منطقيًا وبيانًا للحقائق الكونية وهُيامًا في الملكوت الأعظم الذي ألهمه إبداعًا متفردًا وإنتاجًا غزيرًا بخيراتٍ ومعارفِ لا حدود لها، وأقسم الله تعالى: (نَ والقلم وما يسطرون) (القلم: 1). وقال تعالى: (وما أُوتيتُم من العِلمِ إلا قليلا.) سبحان الله ربِّ العرشِ العظيم، فكلنا مسؤولٌ فيما أفنى شبابه وقضى وقته وأنفقَ ماله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. “إذا ماتَ ابن آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له”. فالدُعاءُ معروف، ولكن هناك دعاءٌ آخر هو الاستمراريةُ بإحياء ذكرى الدكتور داهش العطرة بنشر إنتاجه والكتابة عنه وتبيان محاسنه والاستفادة من المعجزات، خاصة من محبيه وتلاميذه، لإبراز تاريخه، واستدامةِ علمِه للأجيال الحاضرة والآتية. فحكمةُ العارفين من القلوب التقية تصلُ إلى النفوس النقية، وهُم التلاميذُ والمُريدون والمحبُّون.

فجديَّةُ الدكتور داهش في غوصِه على الحقائق، وتفوقِه في عَصر العولمة والاختراع والفضاء. إذن هو ذاتُه المعجزةُ الحقيقية من معجزات الله سبحانه وتعالى التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. (له النعمةُ والفضلُ وله الثناءُ الحسن).

هذا هو سرُّ تميُّز الدكتور داهش الروحي والفكري والعلمي. وفي مُحكَم تنزيله تعالى: (إنما يخشى الله من عبادِه العُلماء). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. “العلماء أُمناء الله على خلقه… ويوزنُ مِدادُ العُلماء ودماءُ الشُهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر”.

ونظرية الدكتور مصطفى محمد “أن قيمة الإنسان هو ما يُضيفُه للحياة من ميالده إلى موته.” ولا شك فقد أضاء وأضافَ الدكتور داهش الشيءَ الكثير، وذلك بخبراته وعِلمِه وتجاربه وتعلُّمه وتأمُّلاته وخياله وطموحاته وإخلاصِه لتحقيق أهدافه نحو الآفاق والقِمَم، بما منحه الله من قُدُراتٍ كامنةٍ في مُعجزاته. فهو كظاهرةٍ استفحلت في العقول وآمنَ بها الكثيرون من الفئات الثقافية والعلمية والفنية المختلفة.

وفي الصفحة 11 من كتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش “للصحفي المصري لطفي رضوان (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، نجد هذا الإهداء بقلم فنان الشعب الدكتور يوسف وهبي: “السيد الدكتور داهش العظيم، إلى زعيم روحاني وشخصية من أحب الشخصيات التي شاهدتُ منها ما جعلني أؤمنُ بقدرة المولى على منحه المواهب الجبارة لمَن يشاء. أدعو لك بطول العُمر لخدمة الناس والإيمان”.

( الإمضاء: يوسف وهبي، في 29/3/1970).

وأثرت فلسفةُ الدكتور داهش ومعجزاته في أعماق المثقفين العرب في أواسط القرن العشرين وحيَّرت البعض. هل الدكتور داهش هو معجزةٌ أم علمُه الخطير بالروحانيات هو المُعجزة، ومُمارستُه للروحانيات بأدلةٍ محسوسةٍ وملموسةٍ وواضحةٍ وأمام مرأى الناظرين والمتأملين، وتناوله في معجزاته لشتى أوجُه الحياة المُختلفة بدءًا من المسائل الدينية والثقافية والطبية وحتى الجمادات والطيور وكل ما هو مرتبط بحياة ومحيط الناس في الماضي والحاضر والمستقبل؟

لقد أصبح المذهبُ الداهشي حقيقةً لها أعداء ومؤيدون ومُريدون. وحوربَ من رجال الدين والسياسة، إلا أن استمراريته إلى الآن هي الحقيقة والمعجزة. فالدكتور داهش تفرد بالوسطية والاعتدال. فإبداعه الشعريّ نابعٌ من صدق ذاته الحقيقية وأحساسيه الإيمانية وتوحيده وتوحُّده وفلسفته في الحياة والموت. كما إن هناك إشارات  لأسراره الروحية وخفاياه الذهنية ومشاعره وأحاسيسه العميقة بالتعظيم والإجلال وتعلقه اللامحدود واستغراقه في جمال الله وكماله، جل جلاله.

فشعراءُ الصوفية كابن الفارض وذي النون المصريّ وابن عربي تناولوا، في شعرهم الصوفيِّ، صفات الذات العليا وأسماء الهل الحسنى. فالاختلاف في المذهبين واضح. ثم لا ننسَ حسان بن ثابت، مادحَ النبي الأكرم، أُسوتِنا في الحياة وشفيعنا يومَ القيامة. ولا ننسَ عظمة “البُردة” التي شملت شمائل المصطفى المعصموم صلى الله عليه وسلم. فهذه ومضاتٌ من ملامح شخصية الدكتور داهش، أستاذ الأجيال الروحي.

وفي الختام، إن الكون قرآن ناطق، والقرآن كونٌ ناطق في فضاءات سماحة النور الإلهي ورحمة الله الرحبة. والتميُّز رمزٌ لقوة الله، مالك المُلك، جلَّ جلاله. فأسأل الله العظيم التوفيق، وآمل أن أكون أصبتُ الهدَف المطلوب في حقِّ الدكتور داهش. كما إني أؤكد أني قابلتُه في السبعينيات من القرن المنصرم، مع الشاعر العظيم محمد الفيتوري، ببيروت، وشاهدتُ ما ذكره شاعر إفريقيا والأمة العربية مما شاهده في الجلسة الروحية، وكان معنا الأصدقاء الأستاذ الصحفي الكبير ياسين رفاعية وزوجته الشاعرة القديرة أمل جراح، والأستاذ المرحوم فاروق البُقيلي وزوجتُه. ولا شكَّ في أن هذه الجلسة الروحية تركت أثرًا كبيرًا في نفوس الجميع، خاصة في نفسية الشاعر الفيتوري الصوفية، علمًا بأن ديوانه “معزوفة لدرويش متجول” سابقٌ لمقابلته للدكتور داهش.

ذكرياتٌ وحنين

جاءت المقالات و الدراسات و الشهادات  المُدرجة في هذا الباب اشبه بالمرايا تعكس صور الدكتور داهش : داهش الاديب , و الشاعر , و صاحب العقيدة ,و صانع الظاهرات الروحية, و مؤسس المتحف…. و في مقدمة ذلك كله داهش الانسان . ومع ان نتوقف على شخص الدكتور داهش , في كل ابعاده, امر ليس من اليسير تناوله.

بوَّابة المعرفة

ذكرى الحبيب

أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!