في ذكرى الدكتور داهش
الدكتور أسعد دياب
قاضٍ لبناني، حاز دكتوراه دولة في الحقوق (كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية). زاول التدريس في معهد الدروس القضائية وفي عدة جامعات بلبنان. تولى رئاسة معهد القضاء (1984 – 1992)، ورئاسة الجامعة اللبنانية (1993 – 2000)، ووزارتي المالية (1992) والشؤون الاجتماعية (2000 – 2004).
من مؤلفاته: “ضمان عيوب المبيع الخفية” و”السجل العقاري” و”التأمينات العينية” و”العقود الخاصة”.
الداهشية نزعةٌ إنسانية1
في التاريخ لحظاتٌ بهيةٌ تجدد فيها الإنسانية إيمانها بالله. فهي نظامُ الطبيعة كاملاً قبل أن شوهناه، ووجودُنا البشري قبل ضعفٍ ورِثناه، والعافية الأولى التي يصلُنا منها بعض الوجوه فندنو من الجوهر.
ومن تلك الوجوه كان الدكتور داهش الذي أُوتي قوةً روحية أثارت جدلاً حولها، فملأت الدنيا وشغلت الناس. وككل قوةٍ يمكن استعمالها للشر كما يمكن استعمالها للخير, ولكن داهش لم يستعمل هذه القوة لغايةٍ دنيئةٍ أو مادية، بل استعملها في سبيل الروح بهمةٍ شماء لا تعجزُ ولا تيأس، واندفع في عدوِه الصاعد لا تلينُ له عزيمة، وذلك برغم الاضطهاد والظُّلم اللذين نزلا به، متمثلاً بقول جمال الدين الأفغاني:
أنا إن عشتُ لستُ أعدمُ قوتًا وإذا متُّ لستُ أعـــــــــــــــــــــدَمُ قبــــــــــرا
همتي هِمَّةُ الملــــــــــــــــوك، ونفســــــــــــي نفسُ حُرٍّ لا ترتضي الأسرَ قسرا
فكل من يرغبُ في الأرضيات يتزلف ويُداهن للوصول إلى غايته. أما رجلُ العقيدة الراسخة، ورجلُ الإيمان بالله وبالحق وبالعدالة والقيم الروحية فهو جبارٌ لا ينحني ولا يُراوغ، بل يصمدُ ويصبر حتى تسطعَ الحقيقةُ أمام الملإ دون كلال أو ملال، فيصحُّ في
—————————————————
1 لعل هذه الشهادة هي آخرُ ما خطه قلمُه؛ فقد وافته المنية والكتاب في طور الإعداد للطبع. (الناشر).
—————————————————-
لذلك قولُ الشاعر:
زفا كم جدَّ في أمرٍ يحاوله واستخدمَ الصبرَ إلا فاز بالظفر
ولذا آمن الدكتور داهش بصلاح الروح أساسًا لكل إصلاح.
فالأنظمةُ مهما كانت صالحةً لا تؤدي وحدها إلى الإصلاح الحقيقي إذا كان الإنسان فاسدًا (إنما الأعمال بالنيات). فالإنسانُ وجِدَ أولاً، والنظامُ كان من أجله. وهل يمكن بناءُ صرح متين مهما كانت عبقريةُ مهندسة، إذا كانت حجارتُه سريعة التفتت؟ وماذا تنفعُ الكأسُ وإن تكن ذهبًا، إذا كان الماءُ فيها فاسدًا؟ وما نفعُ اللوحة البشعة إذا أحيطت بإطارٍ ثمين؟
فالإنسان مزيجٌ عجيب من روحانية عميقة وعقل متطلب وجسمٍ مادي. فقد روى آندريه مُوروا في كتابه “أشياءُ عارية” هذه الطرفة. قال ما مضمونه: معلومٌ أن العلامة آنشتاين انصرفَ في آخر أيامه إلى التفتيش عن قاعدةٍ كونيةٍ واحدة تشملُ كل أحداث الطبيعة وأسسها العلميَّة، فجند لهذا الغرض عددًا من الأدمغة الإلكترونية. وبينما هذه الآلات تدورُ وتقذفُ بالصفحات المشحونة بالأرقام، مات آنشتاين، وظلَّت تلك الآلاتُ تدور، وحُرِم العالمُ، في موته، هذا العمل.
ويقول مُوروا: ربَّما كان سرُّ الكون المنشودُ بين هذه الصفحات التي لا يُحسِن قراءتها أحد. ثم يُنهي موروا طُرفتَه بقوله: قد تتوقف هذه الآلاتُ يومًا بعد أن تكون قد طبعت على إحدى هذه الصفحات أحرفا أربعة لا غير “ا.ل.ل.هـ”.
هذا ما آمن به الدكتور داهش.
وانطلاقاً من حقيقة جوهر الروح، يتبنى داهش وجوهَ الأديان في عُمقها وجوهرها. فالأديان جميعُها من إرادة الرحمن، ويُقتضى احترامُها على السواء، فلا تستعمل أداةً لبغضاء أو تفرقة، بل هي أداةُ تقاربٍ وتسامُح ومحبة، كما جاء في القرآن الكريم: (إنما المؤمنون إخوة)، وكما قال السيد المسيح: “كلكم إخوة”. وكما جاء في الحديث الشريف: “الإنسان أخو الإنسان أحبّ أم كرِه”.
ولذا دعا داهش إلى الانفتاح الفكري والديني القائم على مبداٍ وحدةِ الأديان. وقد عبر عن ذلك الشاعرُ الداهشيُّ حليم دمُّوس في ديوانه “يقظةُ الروح”.
حقائق إنجيلٍ وآياتُ مُصحَفٍ لتعزيزِ أديانٍ حِسانٍ شقائق
تعاليمُ موسى والمسيح وأحمــــــدٍ كينبوعِ نـورٍ بالسعادةِ دافقِ
فإصلاحُ المجتمع والإنسان يكون بالحل الذي أوحاه الله بالعودة إلى جذور الإيمان الصحيح بوحدة الأديان وجوهرِ تعاليمها دون الالتزام بالفروق غير الجوهرية. وبذلك يقوى المسيحيُّ بمسيحيته والمسلمُ في إسلامه متى سارا على قيمٍ روحية ثابتة.
“فالله ينبوعٌ، والأديان جداولُه”.
ما يلفتُك بالدكتور داهش ولَعُه بالثفافة الواسعة والفن والجمال. فقد اقتنى مكتبةً من أكبر المكتبات الخاصة في لبنان، وعزَّز رسالتُه بتأليف العديد من الكتب. ومَن يطلع على عبقرية هذا الشخص وثقافته الواسعة يتعجب كيف تأتى له ذلك بالرغم من أنه لم يدخل المدارسَ سوى بضعة أشهُر كانت كل فترةِ دراسته، الأمر الذي يدلُّ على موهبته الفذة. فقد تميزت كتاباته بالنزعة الوجدانية والروحية وأدب الخاطرة والأدب القصصي والديني وأدب الرحلة والسيرة الذاتية وأدب المراثي والهجاء. وكتب في النثر والشعر. وقد بلغت مؤلفاته في النثر ثلاثةً وخمسين كتابًا، وبلغت في الشعر عشرة دواوين على الأقل.
وقد أولى الفنونَ الجميلة اهتمامه، فجمع ما أُتيح له من كنوزها التي يضمُّها “متحفُ داهش للفنون” في مدينة نيويورك. وكان يهوى تزيين كتاباته باللوحات الفنية التي ابتدع فكرها بنفسه ورسمها مشاهيرُ الفنانين الغربيين.
إن من يطلع على هذا الفكر الوقاد وعلى موهبةِ هذا الرجل وعلى ثقافته الواسعةت ورغبته في الإصلاح يأخذه العجب كيف جرت محاربته واضطهاده بدل أن يشجع ويُساعَد ويُسنَد ليُعطي؛ وما أكثر عطاءه في سبيل الإصلاح والإبداع وخيرِ البشرية، ولا سيما أنه من يد الله تلقى قيثارة عطائه.
فأعمالهُ فرح إلى ربِّة ثم طريقٌ إلى الخير، فما أقربه إلى حاجات الناس.
وأبلغُ وصف جاء على لسان الدكتور نجيب عشي الذي قال فيه:\
“أراه مثال اللطف والأخلاق العالية والعواطف النبيلة.
رأيته رجلاً دأبه الصلاح والإصلاح.
رأيتُ نفسه جياشة لإعانة الفقير والمظلوم.
وحدتُه رجلاً وديعًا رصينًا هادئًا.
ألفيتُه ناسكًا للروحانية والحكمة،
عاشقًا للكتب المقدسة على اختلافها.
عرفتُه أديبًا فكاتبًا ففيلسوفًا.
عرفته رجلاً مصلحا داعيًا الجميع إلى المحبة والخير”.
لقد وقف الدكتور داهش عند إصلاح المجتمع، يقرأ على صفحات الكون وعينُه في وجنه الناس، فبدا في قلب الذين يتوقون إلى رضى ربهم فراح يُشرفُ من عَلٍ على حقبةٍ من تاريخ الروحانية الفاعلة في هذا الشرق العربي.
كان من كبار الساهرين في غفوات الناس، ومن العيون الواعية في ليلِ الإنسانية الطويل.
صديقُ الإنسانية هو، يسقطُ أمامه كلُّ سلاح. فمعه لا يصحُّ الانتقامُ ولا الظُّلم، بل إشاعةُ سماح وسمو تعاليم. فله بسطةٌ على الأيام، ففتح أمام أهل زمانه أبوابَ هياكلِ الحقِّ والمعرفة والجمال.
العميد الدكتور أنيس مُسَلِّم
صحافيٌّ وجامعيٌّ لبنانيّ. يحمل دكتواره دولة في العلوم السياسية من جامعة باريس (1974). تولى عمادة كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية، وإدارة فروعها في البقاع. رأس تحرير جريدة “البلاد” الزحلية (1952 – و1979)، وكان صاحبها. حاضر وشارك في عدة مؤتمرات عُقدت في لبنان وخارجه. من مؤلفاته: “الصحافة اللبنانية محطات ومفارق” (1984)، “هواجس” (1998)، “تساؤلات” و”سلة الفاكهة” لطاغور (1999). وله أبحاثُ ومقالات كثيرة منشورة في الصحف.
الدكتور داهش كما لا أزال أذكرُه
سمعتُ الكثير من أخباره الطريفة، وتحدثتُ غير مرةٍ عنه، وزرتهُ في بيته برفقة الزميل الصديق جان بخاش والمرحومين: الشاعر خليل فرحات والزميل جميل ألوف. ومن يومها وأنا أترجحُ بين الوهم والحقيقة، ولا أجدُ الحد الفاصل بين التخيل والتذكر. وما أكتبه، الساعة، لا يشذُّ عن هذا المنحى.
لم أعد أذكر هل حدثني عنه الشاعر حليم دمُّوس؛ وقد كان يتردد، أواخر الخمسينيات، إلى مكتبي في زحلة، أيام الصيف. على أنني لا أنسى، أبدًا ما كان ينقله إليَّ من أخباره نسيباي الدكتور موريس معلوف – رحمهُ الله – وموسى دياب المعلوف – مَدَّ الله بعمره. فقد سأل الدكتور داهش موريس ذات يوم: من هو أحب إنسانٍ رحل عنك عنكَ وتودُّ رؤيته؟” فأجابه على الفور: “جدتي سليمة.” فقال له الدكتور داهش: “سأريك إياها شرط ألا تلمسها أو تتحدث إليها. “قبل موريس الشرط. وما هي إلا دقائق حتى رأى جدته سليمة تدخلُ من الباب، كما اعتادَ أن يراها في بيت والديه، وبالرداء عينه!
لدى الدكتور داهش، كما لدى معظم العظماء من فنانين وأُدباء وشعراء ورجالِ فكر، نزعةٌ قوية إلى العدالة، يرفدُها حِسٌّ إنسانيٌ سامٍ يُعبِّرونَ عنهُ، غالبًا، بازدراءِ الكبرياء واحتقار المال وعطفٍ لا يحد على الفقراء والبسطاء والمنبوذين. لنسمعه يردد في إحدى قصائده النثرية:
“أنا أحتقر شرائعكم وقوانينكم، آراءكم ومعتقداتكم.
أنا أحتقر مطامعكم ومطامحكم، بواطنكم وظواهركم…
أنا أحتقر فضَّتكم وذهبكم، نارضكم ودخانكم.”1
يؤكد الذين يوثقُ بكلامهم أن الدكتور داهش كان يتصرفُ كفنانٍ وقياديٍّ يطمأنُّ إلى شجاعته وبصيرته ورجاحة رأيه. لم يتحدث، يومًا، عن شاعريته وطاقاته الهائلة، بل كان يدعُ الآخرين يبوحونَ بما أتاه من أعمالٍ خارقةٍ لا يأتيها غيرُ الموهوبين, ويعجزُ العاديون عن فهم طبيعتها ومختلف أبعادها.
اللافتُ، فعلاً، في هذا الرجل النادر النظير هو الإخاءُ، البينُ والثابت، بين أتباعه، وهو الذي صارَ يسيرًا وعسيرًا في أيامنا المُترعة بالأذى وسوءِ الظنِّ. ولعل هذا ما حمل الشيخ عبد الله العلايلي على تشبيه الداهشيين بإخوان الصفاء، مُبديًا عميقَ إعجابه بأُلفتهم وصفوِ نفوسهم ومتانةِ علاقتهم، فقال: “لقد امتلكني، حقًا، ما تواصلَ بينهم ] رفاق داهش وأتباعه[ من إخاءٍ، وما تعاقد بين قلوبهم من وِدٍّ… في دُنيا جمحت بالإنسان عن قاعدةٍ إنسانية، لتستوي به على قاعدة دناوتها.”2
ولأنه رفضً بحزمٍ أن يُخضع الإنسانُ إلى حالاتٍ خاطئةٍ وحاجاتٍ مختلفة ومزورة، فقد سعى، على مدى حياته، إلى أن يعيش وأتباعه الحاضرَ بكثافةٍ ورويةٍ لا تتجاوزان الحدود، ولا تُسيئان إلى توازُن الشخص النفسيِّ والاجتماعي.
الزُّهدُ والتقشُّفُ والبساطةُ في العيشِ… لم تُبعدهُ عن الرواقية، ولا أفقدته روحانيته المثلى وإيمانه العميق بالله. فهو، من حيثُ زُهْدُه وتقشُّفُه ورزانتُه وصلابةُ مواقفه، أقربُ إلى الرواقيين. ولأنه عانى حالاتٍ عسِرةً ومعقدةً، ثابرَ على البحث عن الطرق والأساليب التي تجعلُ الحياة أسهل على الناس ومحتملةً في الظروف الصعبة.
——————————————————–
1 الدكتور داهش: “ناثر وشاىعر”، والجزء الأول (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1984)، ص 231.
2- الشيخ عبد الله العلايلي: “كيف عرفتُ الدكتور داهش” (دار النسر المُحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 46.
—————————————————-
لهذا حاول، جاهدًا، أن يؤمن لتلامذة أوفر شروط الطمأنينة والسالم الروحيين، أي أن يُعينهم على التحرر من الرعب الوراثي من القدر والموت، ويبسط لهم فهم قيمةِ الزمن. فمن يتغلب على الخوف ويعلُ على جراحه وآلامِه، يستمتعُ بوجوده. إن مثل هذه “السعادة” يستحيلُ أن يبلغها إلا من تألم كثيرًا، كما يقول نيتشه الذي عانى، بدوره، أشد الآلام. ومن يقرأ كتاب الدكتور داهش “ناثر وشاعر” يدرِكُ ما عناه نتشه. لنسمعه:
“نفسي حزينةٌ في صباحي وفي ديجوري
وشعورٌ غريبُ من الأسى يهيمن على كياني وىفاقي”1
فهو، حينًا، المؤمنُ المتألمُ المحزون:
“آه! تباركَ اسمُك، يا الله، يا مُخففَ حزني.
يا إلهي، لقد تحطم قلبي، وناحت مناحي نفسي في غمرة الجهاد…
يا إلهي، ولكنني بشريٌّ ضعيف؛ ورحمتُك شاملة، وحنانُك عميق، فارحمني”.2
وهو، حينًا، المُدرِكُ لزوال كل شيءٍ في الكون المادي:
“كلُّ ما في الكون يسيرُ إلى التلاشي والعدم والفناء…
والأرض بما حوَتْ من حيوانٍ وإنسانٍ سيكون نصيبُها التلاشي والنسيان والعفاء”3
الأمر الذي ينسحبُ على الإنسان نفسِه:
“هكذا هي حياةُ الإنسان المسكين تتلاشى
وإذا به مفقودٌ غير موجود!”.
وهو: حينًا، المتوحدُ المنتظرُ إرادةَ الله تُبعدُه عن بني البشر:
“حزينةً نفسي في أشد حزن، وملتاعةٌ في أعمق لوعة وعناء!…
وإن أيامي على هذه الأرض ليستْ إلا سلسلةً من الألم الذي استنزف دموعَ آماقي، إلى أن تشاءً (الإرادة) ردي إلى دار البقاء، دار العزاء”.
—————————————————-
1 “ناثر وشاعر”، ج1، ص 180.
2 المرجع نفسه، ص 189.
3 المرجع نفسه، ص 63.
4 المرجع نفسه، ص 93.
5 المرجع نفسه، ص 203.
————————————————-
على أنه لم يغرق في المادية المحضة . وعلى غرار إبيقور، لم يرَ المرأة من خلال الرحم، بل كان يحترمُها ويتعامل معها تعامل الند:
“عندما تتغلب الأحزان على نفسي المحطمة وقلبي الحزين
وعندما تتملك روحي التعسة أحزانُ الحدثان وتُرهقني بأحمالها…
أهرعُ إلى (رسمك) وأتملاَّ بنظري بعد بُعدك عني”.1
وهوَ، لفرطِ وفائه، لا يرى، بعد رحيل الحبيبة، حسنًا على الأرض:
“لا أرى أية روعةٍ، بعد الآن، للطبيعة التي كانت بها النضارةُ تحف”.2
إنه لا يحيا بدون الحب: من “إلى معبودتي” و”إلى من أهواها” فـ” دعوني أنساها” و”الظبيةُ النافرة” و”مُناجاةٌ في سكون الليل” و”أسمُكِ” و”أين أنتِ” و”رسمك…” ففي غزله براءةٌ وصدقٌ مجبولان بالحزن والألم. إنه يحبها في جميع الفصول، ويرى في كل فصل دعوة إىل الحب: في الربي والصيف والخريف والشتاء.3
كان يتقن تنشق طيب الأرض ونسم السماء. لهذا، جاء شعره الغزلي تعبيرا راقيا عن وجودية متسامية، عن هذا الزواج المدهش بين الأرضي والسماوي. تألم وتحمل آلامه بقدرِ ما تنعمَ بخيراتِ الأرضِ وخيورِ السماء.
من يطلع على قصائده الغزلية، يدرك كم تشي هذه برهافةِ حِسه ورحابةِ قلبهِ. وهذا، في ظني/ مؤشر يُنبئُ بأن الرجل كان كبير القلب بقدر ما كان راجح العقل ونقي الروح. ومن أروعِ ما كُتب عنه هذه الخلجةُ البهيةُ لعبد الله العلايلي: “تقع منه العينُ، أو ما تقعُ، على خلقِ استوى بنيانه (…) ورُكب عليه وجهٌ صبيح جاء نموذجًا جميلاً للطابع الشرقي، واغضح التقاسيم، ينطق بالعذوبة والبراءة والبشر”.4
ما لا أزالُ أذكُره عن الرجل مثاليةٌ مُخضَّبةٌ بكآبةٍ مُحببةٍ وغيرِ مُدَّعية؛ مثالية جعلت رِفقتَه سائغةً، لذيذةً، ولكم أنست نديمة مواعيده. وبقدرِ ما كان يعير كلامه الانتباه، كان الدكتور داهش يرُدُّ ذلك أضعاًفا مُضاعفة. أما قراءتُه، فلها نكهةُ المغامرة، وأرجُ السعترِ البري الذي لا يُنسى بالهين.
———————————————————
1 المرجع نفسه، ص 39.
2 المرجع نفسه، ص 42.
3 المرجع نفسه، الصفحات: 55 – 58.
4 “كيف عرفتُ الدكتور داهش”، ص 29.
————————————————————–
الدكتور عمر حلبلب
جامعي لبناني. يحمل دكتواره دولة في الاقتصاد والمالية العامة من جامعة الإسكندرية. تولى إدارة كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. وهو اليوم المديرُ العام لوزارة الثقافة اللبنانية. مستشار سابق في الأمم المتحدة وفي جامعة الدول العربية. عضو جمعية الديمغرافيين العرب.
شارك في عدة مؤتمرات. من مؤلفاته “مدخل إلى التنمية الاقتصادية في الدول العربية” (1983)، و”المالية العامة” (1985). وله عدَّة أبحاث منشورة.
كلمةٌ في المئوية الأولى
إن الدخولَ إلى عالم داهش الروحيِّ يتطلبُ كثيرا من التفكير والتأني والتبصُّر، ولا سيما إذا علمنا أن الذي نتكلَّم عليه ليس شخصًا اعتياديًّا بالمطلق.
يُخبروننا أنَّ داهشًا قلب أوهامنا إلى آمال، وجعل “فراديس الإلهات” مرصَّعةً باللينوفار المقدس. فـ”قصصُه الغريبة وأساطيرُه العجيبة” استوقفت كثيرين من الناس حتى بدت “بروقُه رعودًا”، وشِعرُه المنثور حياةً، و”قيثارةُ أُورفيوس” مكانًا آمنًا لنا لنحيا بحبٍّ وحرية. لهذا قالوا فيه ما لم يقله مالك في الخمرة.
لقد أسس الدكتور داهش مدرسةً روحيةً وأدبية تماسكت مع تفاصيل حياتنا اليومية، حتى بدت الآمالُ أفكاراً حقيقيةً تُجسدُ تطلعاتِ إنساننا نحو الوعي المطلق؛ وذلك في محاولةٍ راسخة لتكوين طاقةٍ كبيرة جعلته مَحطَّ أنظار الأدباء والشعراء والصحافيين… من خلال كتابه “ضجعة الموت”، يُفاجئك الدكتور داهش بحبِّه للموت على غير ما يألفُه الناس. فم من أشخاصً ماتوا وهم خالدون أحياء! وكم من أحياءٍ أموات وهم لا يُدركون!
وإذا تعمقنا في الأدب الداهشي، وحدنا أن الدكتور داهش يحس بالأحزان، ويُدرك الوقع قبل حدوثه. وهذا من ضمن قوةٍ خاصةٍ أعطاها ربُّ العالمي لشخصٍ أراد التوصلُ مع السماء، فعرف الحزين والأليم والكليم، وكأنه يتواصلُ مع الوجع قبل حضوره.
هذا ما يمكن أن نتحدث عنه من معجزات السماء. وكأنه القدر قد أتاح لنا فرصةَ أن نعرفَ كي نؤمن بالطاقة والعقل. وكلُّ ما توصل إليهن العقل ينزعُ إلى فكرة الإيمان بوحدة الوجود والحياة.
الشاعر طلال حيدر
شاعرٌ لبنانيٌّ. له عدة مسرحيات قُدمت في “مهرجانات بعلبك الدولية” وعلى “مسرح بيروت”، منها مسرحية “الفرمان” (1970).
من دواوينه الشعرية “بياع الزمان” و”أوراق المطر، و”آن الأوان” و”خيال برج الأسد”. وله ديوان بالفرنسية. كتب سيناريوهاتٍ وحواراتٍ سينمائية. غنى قصائده مشاهيرُ المغنين والمغنيات اللبنانيين.
زمنٌ خارجَ الزمان
كان بحاجةٍ لأكثر من جسدٍ كي تلتقي به أقانيم الروح المتعددةُ الأنوار. هذه الأقانيمُ تبدلُ فيه أجسادً متشابهةً؛ فهي، لأنها ترتدي ذاتًا واحدة، تبدلُ جسدًا ما كلما وقع الموتُ على أحدها، أو كلما اجتازت الروحُ مسافاتها عبر الأزمنة. أما المعجزات والخوارق التي عاينها معاصروه، فقد كانت أموراً بديهية لأنها تعبر عن التقاء الأقانيم الروحية العابرة للأزمنة في جسدٍ كان مركزًا تلتقي فيه الموجاتُ الروحية وهي في طريقها لعبور زمنٍ خارجَ الزمن الواحدِ المألوف.
قيامةُ المسيح من الموت في اليوم الثالث، والحياةُ الدائمة عبرَ الزمان للمهديِّ المنتظر الذي يتجولُ في الأزمنة، حسبَ المذهب الجعفريِّ الإسلاميِّ، وموسى الذي كلمه الله إذ راح يلتمسُ نارًا في النور الإلهي – كل ذلك دعا داهشًا إلى التبشير بوحدةِ الأديان، لأن التيارات الروحية السماوية اجتمعت فيه تجسيدًا جعل من شعره رؤًى لا هي صوفية، ولا هي لاهوتية، ولا هي دينوية، إنما هي “أزمُنية”، إذا جاز لي أن أبتكر التعبير.
فلا بد من جسدٍ للُّغة كي تنتقل من الرائي إلى المرئي. فشعرُه أبعدُ من الرموز التي تُوحيها، لأنها، للمرة الأولى، تُشيرُ إلى معانٍ هي بين الماهية والوجود.
الشعر، بالمطلق، يتجاوزُ المنطقَ الشكلي ليقعَ في الكشف الحدسي. وشعر الدكتور داهش، سليم موسى العشي، برزخٌ بين البساطة والإعجاز. من يقرأه، كما ألف أن يقرأ الشعر الذاتي، يستهجدن بساطته. ومن أنعمَ النظر في الغوص وراءَ جسدِ الكلام يصلُ إلى الاتحاد بذات الشعر، فيخرجُ منه إليه، ويتحدُ بذات الشاعر، ويخافُ ألا يعودَ إلى ذاته فيصيبه خبَلُ تعدُّدِ الذات، ويضيع.
ربَّةَ الشعر، الهميني معجزاتٍ خالداتْ
وادْني مني تُسعديني أَنتِ يا سرَّ الحيـاةْ
كانت ربةُ الشعر صِلتَه بالملاٍ الأعلى، لأنه أدركَ أنها سرُّ الحياة. ومن قبضَ على السر، دانت له تفاصيلُ الزمن اليوميِّ، فامتلكها، وسيطر عليها، فأصبحت ساحةً لممارساته الروحية التي أدهشت، فكان الداهش.
في ديوانه “القلب المحطم” يُلقي الضوء على وجوده في عالم لا يُنالُ، ولا يصلُ إليه إلا المختارون؛ فهو بعيدٌ موغلٌ في البعد: “… إذ إنني أكون بعيدًا، موغلاً في البعد عن عالمك هذا. وسأكون، يا أخي، في عالمٍ لا أستطيعُ له وصفاً وتعريفًا”. ولذا يصلُ به الانفصالُ إلى الثورة. ففي قطعته “أنا ثائر” التي كتبها في القدس عام 1939 يقول:
“أنا ثائرٌ على الطبيعة، شمسها وقمرها وأفلاكها.
“أنا ثائرٌ، وسأظلُ ثائرًا حتى تثور لثورتي الكائنات”
إنه يريدُ أن يغير وجهَ هذا العالم، معتمدًا على التيارات الروحية المتعددة التي تتقاطعُ فيه: “يا أشباح نفسي الخفية، أيتها الطيوفُ الأثيرية، أيتها المادةُ المجهولة…
أضرعُ إليك أن تُلهميني السير على النهج القويم”.
وهكذا، لا يُمكن أن نلِجَ مساحاته الشعرية قبل أن نحاول أن ندركَ كُنه ذاته العصية على الفهم والمكشوفة كالضوء الروحاني.
وفي ديوانه “أناشيدي” يفتحُ أمامنا بابَ معراجه إلى “مدينة الأنبياء والرسُل” حيث ينهلُ من هناك رؤاه التي لا تخطرُ على بال، ولا يُدركها إلا من أُلهم المنال الأعلى والرؤيا الصاعقة التي إن أُخِذ إليه من غير أهلها صُعقَ، ولا عادَ إلى نفسه فكان (المخبول) الذي رادَ (المجهول).
يقول داهش: “ويستمرُّ اختراقي لأجواز الفضاء اللانهائي، مشاهدًا كواكبَ سماوية وعوالمَ عُلوية”. فمَن كانت هذه رحلتَه، فما هي آفاقُ شِعره…؟! البعيد البعيد. ويقول:
“أيّثها القمر،
يا ابن السماء ويا رسول الله،
أيّثها السابحُ في أوقيانوس الفضاء،
يا سميرَ العشاق والشعراء،
أيّثها الزروقُ الإلهي يسري سابحًا في ممالك الزرقاء…”
هكذا يرى القمر. وللمرة الأولى في الشعر الكوني يكونُ القمرُ رسولاً إلهيًّا وزورقًا يسري في ممالك السماء.
يقف العقل عند عتبةٍ يجتازُها داهش ليعبر، بجسدٍ يتسعُ لأرواحٍ كثيرة، إلى مكان لا تُدركُه الجهات، ولا يحدُّه وجودٌ كثيفٌ آخر.
في 21/4/2009
الدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر
أديبة لبنانية وأستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية. حازت دكتوراه دولة الأدب الفرنسي (الجامعة اليسوعية ببيروت 1987)، ونالت الإجازة في الفلسفة (1987) والحقوق (1993). رئيسة “مجلس الفكر” منذ 1992 وعضوٌ في عدة مؤسسات ثقافية. شاركت في عدة ندوات ومؤتمرات ومحاضرات في لبنان وخارجه. اشتركت مع الأب نجيب بعقليني في تاليف “المرأة والتنمية”، “كي نبقى معًا” و”لقاء وعهد”. من ترجماتها “الشيء الصغير” Le petit chose لألفونس دوديه.
نشرت عددًا كبيراً من المقالات في كبريات الصحف والمجلات اللبنانية.
الفكر الداهشي
مَن يدخل العوالمَ الداهشية يتمنى استيطانها، علهُ يغدو جزءاً من ذرات أفلاكها. رُبَّ معترضٍ يقول: “وهل يمكن للأفلاك ملامسةُ أرضِ البشر؟” نُجيب كل مُشككٍ: “يستحيلُ التحليق على مَن آخى الأرض إن لم يتطهر من ترابته”.
إيكاريٌّ هو، من أرضعته الشمسُ حليبُ الارتقاء، فكسَّر قضبانَ سجن الأرض، وهوى صعودًا! عفوًا، ما مِن صفة للحُبَّ الماهويّ، ما من وجهةٍ لِمَن تخطى حدود المعمورة. وحدَه الكون يناديه، ودأبه مَركزُ الدائرة المقدسة. فالتشظي الجسدي موتٌ فانٍ لانبعاثٍ حقيقي.
كلُّ رحَّالةٍ في الفكر الداهشي يتسسيغُ المغامرة، فيعتقدُ لوَهلةٍ أنه ملك ما رأته عيناه؛ تمامًا كَمَن يعتلي أعلى قمة، فتترسخُ في ذِهنه نشوةُ استيعاب العالَم ضمًّا بصريًا! فاللوم لا يطالُه، بل يقعُ على تأثير المرتفعات! عشرات المؤلفات، ناهزت المئتين، والمئتان نداهاتان لدراسات تسعُها الكتب، إلا أنها تقفُ متسائلةً عند عتبة المعبد الداهشي!
المؤمنون كُثُر، إلا أن الإيمان الحقيقيَّ ما زال مشروعَ ولادةٍ يحلم باحتضان حبٍ حقيقي ليرى النور، مكللاً هامته بألقِ العارف وجرأة الهادي وشجاعة المبشر المؤمن بخلاص العقل ومعجزة تخطي الحواسّ.
لُقِب بالـ”داهش” لأنه خرج عن المالوف، وما تفرده الإدهاشيُّ سوى لونٍ من قوس قُزحِه الإبداعي. أحببته أم لا، وافقته أم لا، فرأيُك لن يزيل أثر من طبع حِقبةً زمنية بمحيطيه معرفته، ووفرةِ كتاباته، وشموليةِ ثقافته، وسيل معجزاته وخوارقه. آمنتَ به أم لا، فتجاهُلُك أو حتى إزراؤك لن يُلغيا مسارَ جدولٍ تدفق نهرًا، وفاض بحرًا، واهتاج محيطًا، وهدر شلالاً، “فتشلل” فكراً إنسيابياً لا تدفئُه سوى نار المعرفة اللابروماثية بعد أن تبركنت قذفًا حمميًا يتوق لحرق ذاتٍ وعدت بلذة الاحتراق، ورمادًا يكسو الحي الميت المتشوق لِكَفَنٍ لعازريٍّ ينتشلُه من هبائية العدم، فيهبه ماهية الوجود.
———————————————————–
دكتور داهش،
يا من زرعتَ الأمل تخطيًا، عجيبٌ أمرُك! وأنت من أنت، وقد هِمتَ في فضاءاتٍ أثرية، لامستَ المابَعدَ ارتحالاً ذهنيًا، وتخطيًا جسديًّا. إلا أنك لم تتنكر لطبيعتك البشرية، ولَم تلبس رداءَ الزيف، وخُبثَ الاستكبار، وقناعَ الادعاء، وازدواجية الكذب! أحببتَ كمعظم البشر؛ لَوَّعك الهوى وإن لَم تَهوِ: “عبدتُكِ عبادةً… أنتِ متجهي وقبلتي”.1 تألمتَ كمعظم البشر، بل أكثر؛ وهذا ما دفعكَ إلى ما قد يُعدُّ مُبالغةً، دينياً، إذ قلتَ: “لقد طفح كأسي بشرابٍ كريه، مرارته العلقمية تتفوق على كأس المر الذي سقوه للسيد المسيح وهو يقاسي آلامه الهائلة”،2 الأمر الذي جعلكَ تُناجي الموتَ بقولك: “حبيبي الموت”، ثم تُضيف: “تمنيتُ أن تمرَّ بسرعةِ الخاطر دقائقُ حياتي، لتدنوَ ساعةُ مماتي.”3
إلا أنَّ الموت بالنسبة إليك هو مجردُ عبورٍ إلى الكمال الذي طرّز روحك، فوهبتها تُحفةً فكريةً تُبهج العين، تُمنطق العقل، تُجنِّح الفكر، وتُنطِق مَن صَمَتَ وهو بعدُ حيّ!
————————————————————
1 الدكتور داهش: “آمالنا أوهام” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 86.
2 المرجع السابقن ص 94.
3 المرجع السابق، ص 98.
———————————————————–
دكتور داهش،
حَسِبوكَ صومعةً مداريَّة، إذ قرأُوك فتصوفوا. آمنوا بكَ، فتحلقوا في هزارٍ دُواريٍّ، اسكَرَهُم انتشاءً ما بعديًّا، قربهم لدقائقَ ميسانية من تشهب فكرك الوقاد.
إلا أن أولئك لم يرد على بالهم، ولو للحظات، أن النار تشتهي الاحتراق، أن الدكتور داهش يتمنى لو أنهن يحلقُ للنجوم1 ويندمجُ بالشمس ليتذوَّقَ لذَّة الألوهية!2 لا، لا تحكموا عليه بسرعة، وإن خُيِّل إلى بعضهم أن في كتاباته شيئًا من مخالفة المُسلماتِ الدينية. فهو يؤكد أن الله “هو الألف والياء، إذ هو البداية وهو النهاية”3.
جميعُنا، والحقُّ يُقال، خُلِقنا على صورة الله، إلا أن البعضَ محظيون بنعَم ربانية تفردوا بها، فاستفردهم تميُّزُهم. فإن قالوا نطقوا، وإن كتبوا زلزلوا، وإنْ تمرَّدوا هُدِر دمُهم، وإن صمَدوا جُوبهوا، وإن تحلَّوا بمشاعرَ إنسانية كُذبوا، وإن هدوا كُفِّروا. هذا هو قدر الاستثنائيين، نبوغُهم لعنة، تحررهم قيد، غيريتُهم مرفوضة، لا اعتياديتهم منبوذة، ونقاؤةُ تعاطيهم محجوزة.
والدكتور داهش فُسِّرَ غالباً بطريقةٍ مغلوطةٍ أساءت إلى هيكله الفكري، وأخافت كل من أراد اختبار تطلعاته غير الاعتيادية. لقد سمى الأشياءَ بأسمائها، لم يوارب، لم يساير، لم يُذعن للخطأ والمتسلطين، لم يُخفِ قدراته المذهلة، وعملَ على نشرِ دعوته الروحانية والفكرية والأدبية والفنية بأُسلوبٍ راقٍ ورائع. انفتح الدكتور داهش على جميع الشعوب، هَمُّه الإنسانُ النقيُّ والمُحِبُّ والمُكِبُّ على الخير الداعمِ للسلام الداخليِّ والخارجيّ.
أظنُّ أنَّه في تجلي صفاءِ روحه، شَعَر بالتماهي الأُلوهيّ، فأنشده على طريقة الحلاج الذي قال في قمة الوجد:
حوَيتُ بكلِّي كّلَّ كُلِّك، يا قُدْسي تُكاشفُني حتى كأنــــــــــــــــــك في نفســــــــــــي
أُقلِّبُ قلبــي في سِواكَ فـــــــــــلا أرى سوى وحشتي منه وأنتَ بـــــــه أُنســـــــــــي
فها أنــــــــا في حبسِ الحيـــــــــــــاةِ مُمَنَّعٌ عن الأُنس، فاقبِضني إليكَ مِنَ الحَبسِ
———————————————————
1 انظر الدكتور داهش: “أناشيد البحيرات” (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 29.
2 انظر”آمالنا أوهام”، ص 48.
3 المرجع السابق، ص 65.
الأستاذ أحمد عيد مراد
أديبٌ وشاعر، عميدُ الصحافيين العرب الكنديين، رئيس المركز العربي الكندي للصحافة والإعلام في أوتاوا، نائب رئيس سابق لمؤسسة نادي الصحافة الوطني الكندي، رئيس لجنة المنح للدراسات الصحافية في مؤسسة نادي الصحافة الوطني الكندي.
مئويَّةُ ميلاد داهش: تأبينٌ أَم تقريظ!
لستُ طويلَ عهدٍ بمجلة “صوت داهش”. ولا غضاضةَ في أن أقولَ إنني لم أقرأ كتابًا للدكتور داهش قطّ، فكيف لي أن أُجيزَ لدلوي أن يرافقَ دلاءَ العارفينَ في تخليد عبقري إن جاز لي الوصف، وأُشاركهم في ذكرى ميلاده المئوية الأولى!
قبل سنواتٍ، على ما أذكر، بينما كنتُ في مكتب صديقٍ في أُوتاوا، العاصمة الكندية، مدينتي التي اخترتُها وفيها أٌقيم، أنتظرُ قدومَه، وقعَ نظري على مجلةٍ أنيقةٍ بدت وكأنَّ يدًّا لم تمسها بعدُ. لم أدرِ لِمَ لفتت نظري وشدتني إليها، فتناولتُها وبدأتُ أتصفحُها، وسرعان ما شعرتُ أنَّ يدًا سحريةً أمسكت بي ولا تريدُ فكاكًا. لحُسنِ حظي أن الصديقَ لم يقرأها، والاَّ، على أغلبِ الظنِّ، لما وافق على طلبي بأخذها، وحُرمتُ من أن أطلعَ على “كنزٍ لغوي” وأدبيٍّ وفكريٍّ ثمينٍ. فـ”ما أجمل اللقيا بلا ميعاد!” بعد اللقاءِ، استجابَ الصديقُ لطلبي، وأذنَ لي أن أحتفظ بالمجلة. هكذا كانت البدايةُ، وتحولتِ العلاقةُ إلى رباطٍ وثيقٍ وشغفٍ في الاستزادةِ من مَعينِ” صوت داهش”، وأصبحتُ أحدَ أسراها. وعلى حدِّ قولِ مَالئ الدنيا وشاغلِ أهلها: “ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قيدًا تقيدًا”.
لَمْ يَدُرْ بخلَدي أنني، بعد سنواتٍ، سوف يُتاحُ لي شرفُ الكتابةِ فيها، وفي ذكرى مئوية من تنتسبُ إليه تحديدًا! لقد كنتُ طوالَ عهدي بـ”صوت داهش” تلميذًا وفيًا، أنتظرُ قدومها بشغَفٍ وتلهُّفٍ. وكمْ أعدتُ قراءةَ موضوعٍ فيها أسرني أسلوبُه الساحرُ، ونقاءُ لغته وسلامتها وسلاسةُ عباراته وروعتُها مراتٍ ومراتٍ! حقًا “إن من البيان لسحرًا”. وها أنا أتخرجُ في “معهد صوت داهش” وأتحوَّلُ بسحرها الذي أمسكَ بي أول مرةٍ، وما يزال، إلى “معلم” يوفى التبجيلا!
قدم لي لغةً عربيةً سليمةً، وأنا حريٌّ بأن أجد في موضوعك، مهما اكتنفه الغموض، القصدَ والمعنى اللذين تريدُ إيصالهما لي. فعندي أن سمو الفكر وروعته ونبله من سلامة اللغة وصونها من العجمة والعامية والابتذال. فالمعنى السليمُ في القول السليم. ولا ريب في أن أنحدارَ قومٍ في تفكيرهم وسلوكهم ونمط حياتهم يتزامنُ مع تهاونهم بلغتهم، ويكونُ بداية انحدارهم من على سلم الحضارة والرقي، وعدم القدرة على مُجاراة الآخرينَ في مضمار الحياة. ولا أغالي إذ أقولُ إن ما نشاهدُه الآن من انحطاطٍ في شتى ميادين حياتنا مردُّه سُهولةُ هوانِ لغتنا علينا، والقبولُ بتعليلاتٍ مريضةٍ وذرائعَ واهيةٍ تلُخصُ بقول:
“خطأٌ شائعٌ خيرٌ من صحيح مهملٍ أو ضائع”. لا وألفُ لا. صحيحٌ راجعٌ أفضلُ ألف مرةٍ من خطإٍ شائع وإن استمرأته ألسنةُ العامة، واستجابت له على مضضٍ أو قبولٍ ألسنةُ المتعلمين أو المثقفين. ومتى كان أسهلُ الأمورِ أفضلها!
قلما تقرأُ كتاباً أو مجلةً أو منشوراً أو مخطوطًا على شبكة الـ”إنترنت” أو تسمعُ ما تبثُّه الإذاعاتُ العربيةُ المسموعةُ والفضائياتُ دون أن تُصابَ بالغثيان والدُوارِ لفاحة الأخطاء وتبريرها، لا من أنصاف المثقفين الذين يتباهون بـ”إجادة” لغةٍ أجنبية، وهُم في مُجملِ الحال ليسوا بمجيديها، بل من أساتذةٍ ومفكرين تقعُ على كواهلهم مهمَّةُ تنشئة أجيالٍ تتعلم أخطاءهم ظنًا منها أنها تتلقى الصحيح السليم! ورحم الله إبراهيم ناصيف اليازجي حين نبه إلى تدني لغة الصحافة في مطلع القرن العشرين وبيَّن في كتابه “لغة الجرائد” ما يقعُ فيه الكاتبون والصحافيون من أخطاءٍ لغويةٍ ونحويةٍ تادُ تشوه جمال لغةِ الضاد وتمسخُها. فكيف به لو اطلعَ على ما يُنشرُ في معظمِ الصحافة المكتوبة وما يُقالُ في الإذاعات والفضائيات الآن! أما عن “الشعر” الحديث، فحدث بلا حرج. تحررٌ من الومن والقافية واللغة قواعد ونحوًا وصرفًا وإعرابًا، ومع ذلكَ يُصرُّون على أنها من متطلباتِ العصر الحديث ومن ضرورات مُجاراةِ التقدم والتحديث.
وفي هذا، أستعيرُ بيتين من قصيدةٍ لي أنشأتها بعد أن امتلأت الصحفُ بفاسد القول لغةً ومضمونًا بما سُمِّي زورًا واستخفافًا الشعرُ الحديث”، أو “شعرُ التفعيلة”، وشفت الآذان بكلماتٍ اختلطت معانيها، وبجملٍ لا رابط بينها ولا معنى واضحًا فيها:
قلو سَمعَ الخليلُ عجيبَ لفظٍ لخالَ كلامهم مـــن غيرِ لِسنِ
وأنبأهُــــــــــــــــــم حدثتُهُم هجينٌ على رَملٍ قُصورَ الوَهْم تبني
أما عن الكتابة عامةً، والصحافية تحديدًا، والصحافية تحديدً، فقد لخص اليازجيُّ، رحمه الله، كل ذلك حين قال: “ما نزالُ نرى في بعض جرائدنا ألفاظًا قد شذت عن منقولِ اللغة، فأنزلت في غير منازلها، أو استعملتْ في غير معناها، فجاءت بها العبارةُ مشوهةً، وذهبت بما فيها من الرونق وجودةِ السبك، فضلاً عما يترتبُ على مثل ذلك من انتشار الوهم والخطإ، ولا سيما إذا وقع في كلام من يُوثقُ به، فتتناولُه الأقلامُ بغير بحثٍ ولا نكير. ولا يخفي أن الغلط في اللغة أقبحُ من اللحنِ في الإعراب، وأبعدُ من مظانِّ التصحيح، لرجوعها إلى النقل دونَ القياس، فيكونُ الغلطُ فيها أسرعَ تفشيًا وأشدَّ استدراجًا للسقوط في دركاتِ الوهم”. ولما اشتد به الحنقُ والغيظُ على هؤلاء الذين أمسكوا بزمام نشر النور والمعرفة في صحفهم، قال: “ولمَّا كان الاستمرارُ على ذلك ممَّا يُخافُ منه أن تفسدَ اللغةُ بأيدي أنصارِها والمُوكلِ إليهم أمرُ إصلاحِها، وهو الفسادُ الذي لا صلاحَ بعدَهُ…”.
لا جَرَمَ أنَّ الصحافة كان لها، وما يزال، قَصبُ السبقِ في تثقيفِ الناس. فقد أثرت في ألسنتهم واسلوبِ تخاطُبهم، وغدا الخطأُ فيها أسرعَ من صوابِ اللغة، فابتعدَ عن مظانِّ التصحيح واستعصى على التقويم. ومع مرور الزمنِ، اشتد المرضُ وتفشى، فانحدرَ التفكيرُ وهبطَ مستواه إلى دركاتِ الوهم”. ولما اشتد به الحنقُ والغيظُ على هؤلاء الذين أمسكوا بزمام نَشر النورِ والمعرفة في صُحُفهم، قال: “ولمَّا كان الاستمرارُ على ذلكَ مما يُخافُ منه أن تفسدَ اللغةُ بأيدي أنصارِها والمُوكل إليهم أمرُ إصلاحِها، وهو الفسادُ الذي لا صلاحَ بعدَهُ…”.
لا جَرَمَ أنَّ الصحافة كان لها، وما يزال، قصبُ السبقِ في تثقيفِ الناس. فقد أثرت في ألسنتهم وأسلوبِ تخاطُبهم، وغدا الخطأُ فيها أسرعَ من صوابِ اللغة، فابتعدَ عن مظان!ِ التصحيح واستعصى على التقويم. ومع مرور الزمنِ، اشتد المرضُ وتفشى، فانحدرَ التفكيرُ وهبطَ مستواه إلى دَركاتِ الوهم. و”بعضُ” الجرائد التي أشار إليها اليازجيُّ غدت، بعد مرور قُرابة قرنٍ، “جُلَّها”. فكلما كَبُرَ الخطأُ، صَغُرَ الصواب. وقياسًا على ذلك، يضمحلُّ الصوابُ تمامًا، ويُمسي الخطأُ صَوابًا، وأسلوبَ حياة؛ وهذا ما نشاهده ونحياه الآن.
ومهما قيل في ذكرى الراحل الكبيرِ الدكتور داهش، ومهما تعدَّدت صفاتُه، فلا شكَّ في أنَّه تركَ تُراثًا يجدُ الباحُ فيه ضالَّتَه على اختلافِ مَرماها وتنوُّعٍ في مُبتغاها.
وليس عبثًا أن قيل: “إنَّ قوة صُنعِ الأفكارِ أوَّلُ شيءٍ وأهمُّه في الأدبِ العظيم، وإنَّ العظمةَ الأدبية صدًى للشخصية العظيمة”. فصدى “الهادي الحبيب”، كما يسميه أحدُ مريديه، يرتجع قويًّا مع تقادم العهد. ولأن هذا الصدى فنٌّ رحيبٌ وارفٌ، يُمسي الرواقَ الذي ندخلُ فيه إلى معبدٍ تحومُ حولَه فروعُ المعرفةِ مهما كثُرت. ومع تراثِ داهش، تقفُ الفلسفةُ في ساحةِ المعبد، وتستقرُّ فيه، وتغدو بعضَ مكوناته.
ما إن وافقتُ على طلب الكتابة عن الدكتور داهش في مئويتهن حتى اعترتني رهبة.
فكيف بي وأنا، كما أسلفتُ، لم أقرأ له واحدًا من عشراتِ وعشرات كتبه التي اشتملت على مُعظم أنواعِ الفنون وشتى ميادين الآداب، وهو، كما قيلَ وثبتَ، لم يتلقَّ تعليمًا مدرسيًّا يؤهلُه أو يُمكنه من تركِ تُراثٍ هائل من المعرفة بلغةٍ عربيةٍ سليمةٍ في زمنٍ غلبت فيه العُجمةُ والعامية وأصبحً القابضُ عليها كالقابضِ على الجمر؟ لَم تطُلْ بي الحيرةُ، فقد تذكرتُ أنني احتفظُ بملفٍّ بملفٍّ كبيرٍ أُدون فيه منقتطفاتٍ واقتباساتٍ من “صوت داهش”، فبدأت صفحاتٌ غزيرةٌ منها تنسابُ في ذاكرتي تتكشفُ عن كنوزها اللغوية ومواضيعها الشائقة والمتعة التي كنتُ أعيشُ فيها وأنا أقرأُ بقبولُ يساوره الشكُّ أحيانًا عن سيرةِ رجلٍ، مهما قيلَ فيهن قد أُوتيّ من العلم حظًّا عظيمًا لا يُمكن له، لولا سرٌّ إلهيٌّ، أن يتبوَّأَه. لم يغب عني أبدًا أن الله قد يضعُ سرَّه في أضعفِ خلقه، وينزلُ عليه من روحه ما يضعُه في منزلةٍ فوق الآخرين. (رفيعُ الدرجات ذُو العرشِ يُلقي الروحَ من أمره على من يشاءُ من عباده لينذرَ يوم التلاق). (غافر: 15). ولا ريبَ أن ما خُصّ به داهش، كما ثبت وأيدته الأدلةُ والبراهينُ والشهودُ الثقاةُ، لا يخرجُ عن كونه من فعلِ الرحمنِ وإرادته. فالله، جل جلاله وعلت قُدرتُهُ، يُعلمنا: (ينزلُ الملائكةَ بالرُّوحِ من أمرِه على مَن يشاءُ من عبادِه أن أنذرُوا أنه لا إله إلا أنا فاتقُونِ). (النحل: 2). وليست حكايةُ السر الإلهي أو الإلهام السماوي أو السيالات العلوية بغريبةٍ عن تراثنا أو جديدةً فيه. وسواءٌ وجدَ المؤمنُ بها تبريراتٍ أو تفسيراتٍ دينية لها أم لا، فهي تبقى، في كُنهها، لغزًا ربما لا يُدرِكه العقلُ البشري. وعدمُ إدراكهِ لا يعني استحالةَ وجودِه. وأمرُ داهش مهما اختلطت في أسطورتِه رواياتٌ، تبقى حقيقتُها أكبرَ من ظنِّها أو ما يعلقُ بها من أوهام. فمن القراءاتِ التي طالعتُها عن هذه الشخصية الغريبة المحيرة، يؤكدُ مُريدو الدكتور داهش أنه صاحبُ رسالةٍ تؤمنُ بالرسالات السماوية، وتتبعُ تعاليمها، ولكنها تنفردُ بخصوصيةٍ لم يألفها أبناءُ جيله، لذلك كانت الشكوكُ تحومُ حوله، وتقللُ من شأنها، أو تتجاهلُها أو تحاولُ القضاء عليها. لم يأتِ خصومُ داهشَ بما يُثبتُ زعمَهم، بل اكتفوا برفضها والنيل من صاحبها. وفي المقابل، انبرى مؤيدوه للدفاع عن رسالته بإصرارٍ وعزيمةٍ وإيمانٍ مع ما كانَ يمكنُ ان يُحيقَ بهم من جرَّاء ما يفعلون. لقد أدركوا أن في شخصِ داهش اجتمع “الذكاءُ البشريُّ المتوقد والإلهامُ الروحيُّ والسيالاتُ العلوية”. ومما احتفظُ به في “ملف صوتِ داهش” وصفٌ رائعٌ في حضرةِ “صاحبِ الرسالة” من قالس للأديب ياسر بدرِ الدين بعنوان “خطواتٌ في رفقةِ الدكتور داهش”، يقولُ فيهك “كنا نشعرُ في حضرته أننا في عالمٍ علويٍّ؛ فالآياتُ الفنيةُ في كل مكانٍ، وجوٌّ من الأمانِ يرينُ، وهو جالسٌ كقبسٍ من الضوء في الممر الشرقي، أو متنقلاً بين الغُرف، تطربُ لخطواتِه الجدرانُ والمقاعدُ وسائرُ الأشياء، فتنطلقُ أغاريدُ لا تعيها آذانُنا الصماءُ، بل تسمعها القلوبُ وتُحسُّ بها الأرواح”.
أقرأُ مقتطفاتٍ من أقوالِ الدكتور داهش من مقالاتٍ كُتبت عنه واقتُبِسَت من كُتبِه، فأشعرُ بأنني في رحلةٍ أجولُ معها، كما وصفها مَقالٌ في “صوت داهش”، و”في النورِ والمعرفةِ في رحلةٍ محفوفةٍ بالشعر والعِطر”. ومع كل المتعةِ والانتشاء، أُحسُ بندمٍ او تقصيرٍ لأنني آخُذُ من تفرُّعاتِ هذا العطاءِ الثرِّ، لا من معينه. ومع كل زيادةٍ في الاطلاع، أزدادُ رغبةً ولو في قراءة كتابٍ واحدٍ لهذا النابغة العبقريِّ الذي أُلهِمَ ما كَتبَ، وما هو فيه إلا ناقلٌ آمينٌ.
قوةُ الروح الخارقةُ لنواميس الطبيعةِ، والمتجاوزةُ حدودَ العقلِ البشري، والمستعصيةُ على الأفهام ليستْ ضربًا من الخيال أو أضغاث أحلام؛ فعلى مرِّ العصور، أكد الإنسانُ الذي أُوتي من الحكمة والنبوغِ ما لم يؤتَه سوادُ البشر أنَّ خالقَ الكونِ يُنعمُ بها على مَن يجتبيهم من عباده. فسقراطُ، على سبيل المثال، يقولُ بأن خيال الشاعرِ ضربٌ من “الجنون العُلوي”. واعتقد أفلاطونُ أن الشعراءَ متبوعون بأرواحٍ عُلويةٍ تُملي فيكتبون.
وفي تراثنا العربي نجدُ للشاعر قرينًا أو خليلاً، أملاكًا كان أم شيطانًا، يُلقنه أو يلهمه فيكتبُ. وها هو الفرزدق يزعُمُ بأنه كان صديقًا لإبليس وابنه، وفي ذلك يقول:
هُما نفثا في فِيَّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
ولتأكيد أن الدكتور داهش كان يُملى عليه فيستجيبُ ويكتبُ، أعودُ مَرةً أخرى لمقالِ “خطواتٍ في رفقة الدكتور داهش” حيث وردَ: “ينفقُ الأديبُ سنةً أو سنتين من عمرهِ لكتابةِ قصةٍ أو تأليفِ كتاب. وقد أنفق دانتي أليغييري أكثر من عشر سنين في تاليف “جحيمه”. فكيف لا نعجبُ إذا علمنا أن الدكتور داهش أنجر كتابه “الجحيم” خلال أيام معدودة! وكتاب “مذكرات دينار” الذي وُصِف بـ”أوذيسة” القرنِ العشرين في ما يُعادلُ يومين كاملين فقط! وبحضورنا نحن، كان يكتبُ القصة القصيرة خلال ساعةتٍ واحدةٍ، تزيدُ أو تنقص. لقد رأينا بأمِّ العين كيف كانت الريشة تسيرُ على أوراقِه واثقةً بنفسها بلا تردُّد ولا توقفٍ؛ فلا شطبًا ولا حذفًا ولا إضافةً أو إعادةً، بل حفرٌ وتنزيلٌ وثقبُ جُمَان! والكلمةُ في أمانٍ من اللحنِ وزلاتِ القلم وهنفوات اللسان.
كيفَ لا نعجبُ، وكتاباتُه جميعُها، منذ سنة العشرين، في بداياتها المشرقة إلى آخر كتاب كتبَهُ، هي في المستوى الفني والأدبي نفسه من حيثث العمق والنضج والنظرةُ الصائبةُ إلى الأمور. وآراؤه ثابتةٌ لم يطرأ عليها تعديلٌ أو تبديلٌ وفقًا لمقتضيات الظروف في مختلف شؤون الحياة وما بعد الحياة. فكأنَّ الزمنَ قد توقف بين كتابه الأول وكتابه الأخير، فلم تُشرق الشمسُ بينهما ولم تَغبْ”.
وإذا كان لا بد من تعليل ذلك، فحسبنا هنا شهادةُ الدكتور غازي براكس حين يقولُ بأن السيال وحدةٌ نفسية ذاتُ طاقةٍ حيويةٍ انفعالية وإدراكٍ نسبي ونزعةٍ نوعيةٍ وخصائص وطيفية. والسيالاتُ منها ما هو فطري ومنها ما يطرأُ على تكوين الإنسان الجسدي خلال مراحل نموه. وكل سيالٍ لا بد أن يلقى جزاء عمله خيراً أم شرًا. ونفسُ كل إنسانٍ تتكونُ من سيالات، لكن الهُداةَ الروحيين تمتازُ سيالاتهم بأنها علويةٌ موهوبةٌ قوًى روحية خارقة من لدنه تعالى.
أمَّا اليسيرُ الذي قرأتُ من “مزامير” داهش في مقالاتٍ أتت على ذكرها، فهي عندي تُضارعُ أو تُضاهي مزاميرَ داوودَ التي أجدُ متعةً رائعةً وساميةً في قراءتها يوميصا. وكما أسررتُ لزميل ذي علاقةٍ وطيدةٍ بـ”صوت داهش”. ربما إذا أُتيحَ لي أن أحصل على كلِّ “مزامير داهش” أن أستعيض بها عن مزامير داوود!
لستُ أدري أأنا، في ما كتبتُ في ذكرى مئوية هذا الفذ الذي ما تزال عقولٌ كثيرةٌ وكثيرةٌ تحارُ في ما تسمعُ عنه أو تقرأ له، مؤبنٌ أو مقرظ! فإذا ماتَ الإنسان، وداهش في كل ما قيلَ عن شخصياته المتعددة قد مات فعلاً، فما يُكتب عنه تأبينٌ، فكيف لي أن ألبس ما أكتبُ في داهش وأنعتُه بالتقريظ؟ قبل أن أجيب عن سؤال افتراضي لا إخالُ القارئ إلا سائله، أودُّ أن أذكر أن كلَّ ما قرأتُ عن الراحل الكبير من أقوالٍ لمستُ فيها شغاف قلب فاضت منه سجيةً، وحرارةَ صدقٍ عبرت عن روحٍ إنسانية علويةٍ، ومشاعرَ إنسانٍ مؤيدٍ بروحٍ لَم تدركها العقول. رسالةٌ ما تزالُ حيةً في روحِ قائلها، أو ما تزالُ روحُه حيةً فيها.
رسالةٌ تنسابُ كلماتُها من السطور إلى القلبِ فأُحسُّ بها بردًا ينعشُ النفسَ، ويُعطي الروحَ معنًى سرمديًّا في الحياة.
سيان إن كانَ ما كتبتُ في داهش هذا أم ذاك، أُحسُّ فيما أقرأُ له نبضَ حياةٍ ودفقَ روح.
فإلى الذي جعلَ الكتابَ خليله في يومه وسميره في ليله؛
إلى الذي ترك مُجلداتٍ خالدةً تراثًا منه لأجيالٍ مُقبلةٍ لن يقوى الزمانُ على طمسها ولا المشككون على رمسها؛
إلى الذي قال: “لا يعرفُ لذة الحياة من لم يسحقه الألمُ العميقُ المشبع، ولا يعرفُ أسرارَ الوجودِ مَن لم تتكأكأ عليه حادثاتُ الزمن”؛
وإليه حين يقولُ: “إن قلبي يخفقُ بالحبِّ للجمال، ومَن أدركَ سرَّ الجمال فإنه قد خطا خطواتٍ واسعةً في فهم أسرارِ الأزل والخلود”؛
وإليه حينَ قال: “تُرى ماذا سيقولُ الناسُ عني بعد موتي وزوالي؟”
أقولُ: أنا لستُ مؤبنًا، فأنت فيما تركت حيٌّ تتنفسُ في كلماتٍ خالداتٍ تكادُ تبيضُ من وهجها الصفحاتُ. وأزيدُ: “تالله إني فيما أتيتُ مقرظ، كي من سُباتٍ بعضَ قومٍ أوقظ. فنم قريرَ العين، ولا تبالِ بشانئيك”.
وفي الختام، أذكرُ ما قال أحمد شوقي، رحمه الله وإياك، في روايةِ “مصرعِ كليوباترا”، وأتمثله لك:
تمنيتُ رأسين لا واحــــــــــــــدًا إذا مستِ الأرض هامُ الرجال
أُطأطئُ رأسًا لِمجدِ النُبوغ وأخفِضُ رأسًا لِمجدِ الجَمـــــالْ
أوتاوا – كندا، 3/5/2009
الدكتور محمد قبيسي
باحث لبناني. نال شهادة الدكتوراه في الإعلام. خبيرٌ بالتوثيق وترميم وصيانة الوثائق والكتب. يُدرِّس في كلية الضباط مادة منهجية البحث العلمي للمجازين في كلية الحقوق. قام بدراسات ومشاريع توثيقية في عدة مؤسسات رسمية وصحفية. وهو عضوٌ في اتحاد الكُتاب اللبنانيين، واتحاد الكُتاب العرب في دمشق والأردن. من مؤلفاته “مراحل التدوين عند العرب”، “عِلم التوثيق والحفظ في الوطن العربي”، “القرآن الكريم: الوثيقة الأولى في الإسلام”، “شعوب وتقاليد: قصص وحكايات” (في جزأين)، “كيف جُمع القرآن الكريم”.
داهش… الحكمة العظيمة
إنَّ الكتابةَ عن شخصية الدكتور داهش مهمَّةٌ عسيرة لِما تواجهُه من استحالة الإحاطة بالجوانب الغنية المتعددة التي سكنتْ تلك النفس الكبيرة. فالمزايا والصفاتُ الإستثنائيةُ الخارقة التي يجدها الكاتب، أينما توجه في رحاب ذلك التاريخ الأغرِّ الذي أضاءته مواهبُ داهش وطاقاتُه وأقوالُه وأعماله، هي مما يعجز عن الإحاطة به أي كاتب ونحن هنا إذ نحاول، فلن يُخجلنا الاعترافُ بالعجز عن إدراك تلك الأبعاد البعيدة، ولن يُخجلنا أن نقول: إن ما نبذله من جهد وما نقدمه لا يعدو أن يكون فصلاً من سِفرٍ أو غرفةً من نهر.
إنَّ تلك المزايا والقُدرات الفريدة لشخصية داهش تتكامل كوَحدةٍ في إطار من التجلي ذي وجهين: وجهِ البناء النظري المعرفيِّ الراسخ والديناميكيِّ في آنٍ معًا، ووجهِ الممارسة المستندة إلى ثبات مبدئيٍّ مشتقٍّ من ذلك البناء النظري دون أي تراجُعٍ أو انحراف، مع مرونةٍ مدهشةٍ في التعامل مع الأحداث والمتغيرات، حيث تكون النتائج دائمًا في صالح ما تريدُه وتراه هذه الشخصية الفذة من مصلحة للأمة وللوطن على حدٍّ سواء.
ولأن الحكمة هي الخلاصةُ لتفصيلات ذلك كلِّه، فإن الكتابة فيها تقع في حدود الصعوبة التي أشرنا إليها. وهي مقاربةٌ للألق لا دخولٌ في الدوهر أو إحاطة به، لأن مثل هذا الدخول أو الإحاطة متعذر فعليصا أمام هذه الشخصية الحكيمة العظيمة النادرة.
إن كلِّ من عرف الدكتور داهش لمس فيه هذه الشفافية الإنسانية الرقيقة وذلك التواضعَ الجمَّ الأصيل، تعززهما ثقةٌ عاليةٌ بالنفس. إنَّ هذه الثقة الآسرة، وهي أحدُ العناصر السامية التي تكوَّنت منها شخصيةُ داهش منذ بدء تكوُّنها، امتدت أبعادُها واتسعَت جوانبُها لا تستطيع أن تضيف على الطبائع أو تحذفَ منها، في حين أن الطبيعةَ الفذة المميزة هي التي تصنع السلطة، وتصوغ منها الأنماطَ الاجتماعية.
إنها الأخلاق النبيلةُ السمحة والتواضعُ المعبر عن أصالةِ التكوين وأصالةِ الإعداد. ومن ذلك كلِّه تكاملَت لدى داهش هذه الشخصيةُ العظيمة التي تقوم على قاعدة رائعة من حبِّ الناس ورعاية شؤونهم ومصالحهم، فبادلوه حبًّا بحبٍّ وولاءً بولاء. وتلك هي غاية الحكمة ومبتغاها في نهاية المطاف.
وإذا كانت هذه الرؤية لمعنى الحياة ومعنى المسؤولية هي إحدى مفردات “الحكمة” بمعناها الكلي، فإن هذه “الحكمة المفردة” تظلُّ صالحةً على امتداد الأزمان واختلاف الأمكنة ما دامت الحياة الإنسانية قائمة، لأن في أساس كينونتها: صراع العدل ضد الظلم، والحق ضد الباطل، والخير ضد الشر… ومن يتعمق في أقوال الدكتور داهش يجد ما لا يُعدُّ من مثيلات هذه المقولة المتضمنة للحكمة ذات المضمون الذي يصحُّ وصفُه بأنه “مطلق” قياسًا إلى عموم الحياة البشرية. وها نحن نعرض نماذجَ من هذه الأقوال الحكيمة الفريدة مع تعليقاتٍ موجزةٍ عليها تبينُ مدى ما فيها من عُمق اتصال بحقائق الحياة البشرية، على تنوعها وتمايُزِ مجتمعاتها وثقافاتها ومشاكلها وطموحاتها وقضاياها.
إن هذا الفهم العميق للترابط الشديد بين حرية الفرد وقدرته على العطاء، إيجابًا وسلبًا، يبين بعد المدى الذي وصل إليه داهش في فهم طبائع الأفراد والمجتمعات، إذ أطلقَ حكمته لتكونَ دستورًا أزليًّا يُحكم الرابطة بين الحكمة والحكم. فالعدل أساس المُلك، ولا أدَلُّ على فقدان العدل من فقدان الحرية. كما لا يُنتظر العطاء ممَّن فقد حريته.
ولا تطوُّر لمجتمعٍ رسفَ أبناؤه بالأغلال. وفي مكان آخر يؤكّد الدكتور داهش وُجوبَ انطلاق الكائن الإنسانيِّ من حتمية التغير الذي هو جوهرُ صيرورة الحياة، كما يصمد بجدارةٍ أمام الهزات التي قد تنتابُه أو تُحيق بمجتمعه ريثما تتغير الظروف والأحوال، فيتبدل وضعُه ووضعُ الجماعة التي يعيش بينها من سيءٍ إلى حسن.
وهنا نجد العِبرة الأساسية التي أرادت حكمة الدكتور داهش أن ترسخها في ذهن المتلقي. هذه العبرة فحواها أن على الإنسان أن يصبَّ جُهدَه المبدع الخلاق بكل أمانةٍ وتفانٍ وإيمان في سياق حركة الحياة المتغيرة، ليجعل التغير نحو الأفضل مستمرًا قدر الإمكان. فالتفاؤل ليس مجرد (وضع نفسيٍّ) عابر، وإنما هو إيمانٌ وصبرٌ وفعلٌ مبدعٌ باتجاه تحقيق الوضع الأفضل للذات وللمجموع.
فلنتأمل عظمة هذه الحكمة، ومدى ما فيها من عبرةٍ وموعظةٍ تخصُّ بني البشر جميعًا على اختلاف أمكنتهم وعصورهم.
من يتأمل سيرة داهش، من حيث الشمولية الفكرية والممارسة الأخلاقية وأدواتها ومرتكزاتها، يجد أنه يجمعُ ذلك كله في شخصيته العملاقة التي تتنوع فيها مكوناتُ العظمة الإنسانية بأعلى أشكالها. فهو المفكر، والمنظر الأخلاقي. ولكنه، فوق هذا كله، امتلكَ القدرةُ المدهشة على إدراك أسرار الحكمة، بواطنها وظواهرها، خفاياها وأسرارها، قُدراتها المذهلة على صياغة نظرياتٍ متكاملةٍ في شؤون الحياة ومناحيها. كل هذه القدرة الهائلة من الامتلاك المعرفي والأخلاقي عند الدكتور داهش صاغت الشخصية الحكيمة القادرة على إبداء الرأي الصحيح والوصول إلى النتائج الصحيحة. والحق أن امتلاك هذه الدرجة العُليا من الحكمة والقدرة على التعامل مع مكوناتها جعل من داهش شخصية تاريخية قل نظيرُها في التاريخ الإنساني.
حين تُمسكُ القلمَ لتكتبَ عن داهش أعظمِ شخصيةٍ لا بد أن ينتابك شعورٌ من الزهوِ والفخار، ليس لأنك تتأمل في أنبل الإنجازات التي تحققت على يده فحسب، بل لأنك تُعايشُه فعلاً وتحيا في عصره الذي يشهد تجذُّرَ فِكرِه وصوابية قرارته، وعظمة حِكمتِه وسُموَّ أخلاقه.
الكتابة، إذاً، عن الدكتور داهش هي بطبيعة الحال كتابةٌ عن صانع المجد والشرف والمؤسس للمستقبل الزاهر على مدى أجيال كثيرة. والواقع أنه ليثس وقفًا على ما أدهشَ به فحسب؛ فإن عزمه أصلبُ من صخور الجبال التي كأنما قُدَّت منها أرادتُه التي لا تتزعزع، وحِكمتَه أعمقُ من كل الآراء التي عاصرها بثباته على الموقف، ونهجَه أنه الأكبر بلا منازعِ، تهزُّك مواقفُه من الأعماق، لأنها تتجاوب مع الفكر.
إنَّ الحفاظَ على البقاء البشري هو غاية الحضارة، أما أساسُ الحضارة فهو الإنسانُ عمومًا، والإنسان الفرد على وجه الخصوص والتحديد. ولكن الإنسان الفرد هو، في نهاية الأمر، ابن وطن وابن مجتمع وابن امَّه. والأمم يتمايزُ بعضها عن بعض، وتتميز الواحدة عن الأخرى بمقدار ما يقدم أبناؤها من إسهامٍ في عملية الارتقاء الإنساني، ومن خدمةٍ لتفتح الشخصية الإنسانية وانطلاقها نحو آفاقٍ جديدةٍ من التسامي والسموّ.
ويُحسُّ المرء، وهو يقرأ هذه العبارات أو يسمعُها، بعظمةِ السموِّ في فكر داغهش وفي أخلاقه ونُبل مقاصده. فنحن في الواقع أمام حالٍ من نُكران الذات قل نظيرُها، وأمام مُثُلٍ وقيم تحدد أنواعًا يندر أن تجد لها شبهًا إلا لدى القلةِ القليلةِ من حُكماء التاريخ وعُظمائه.
وممَّا يُثير الانتباه والدهشةَ المقرونةَ بالاعتزاز أن كثيرين هم الذين يفكرون بمثالية، لكنها تسقط عند أولِ اختبار لها بالممارسة. أما الدكتور داهش فقد تفوقت ممارساتُه – وهذه أحدُ أسرار عظمته – لتُشكل أفقًا لتجسُّدِ مُثُلِه وقيمه الرفيعة والعظيمة حقًا. فكان هذا التطابقُ المذهل والخلاق والمتفرد بين الفكر والممارسة.
إن الإحاطة بشخصية داهش تحتاج إلى دراسة طويلة ودقيقة لمسيرة أعماله على كل الصعد. فالقائد المعلم شخصيةٌ متعددةُ الأوصاف والأعراف، يصعبُ على أي كاتب أن يعالجها في كتاب واحد؛ فهو حكيمٌ وماهر، عزَّ نظيره في مواجهة الأحداثن وإنسانيٌّ يلامس شغافَ القلوب في توجهاته وتطلعاته.
إن وصف الدكتور داهش بأنه “حكيم” هو وصفٌ يليق بأنه عبقري ونادرٌ مثله. فالحكمة كما اتفق على توصيفها، وكما هي بالفعل، مجموعُ السمات العبقرية المتفردة للشخصية الإنسانية في أعلى درجاتِ ارتقائها الفكري والعقلي، سواءٌ كان هذا الارتقاء على مستوى السلوك والمواقف أم على مستوى الفكر والمعرفة والنموع الأخلاقي القيمي في أعمق تجلياته الإنسانية.
وفي الجانب الروحي من دلالات ذلك التعبير تنبثق قوة الإيمان لديه عندما يتلمس معالِمَ الطريق الصحيح، فيؤكد أن معرفة سرِّ قدرة الخالق في خلق الأرض وما عليها وما فوقها وما تحتها، يؤهل الكائن للتقرب الروحي من عالم السماء. فالعلم يقوانين الخلق هو في ذاته تبعُّد، (وإنما يخشى الله من عباده العلماء) كما قال سبحانه في مُحكَم التزيل. (فاطر: 28).
إذاً ثمة صراعٌ دائمٌ من أجل إحقاق الحق والعدل وحمايتهما. والحق والعدلُ كلاهما ضمانٌ لكرامة الحياة الإنسانية وشرفها ومهمة بناء الإنسان بناءً مُبدِعًا قائمًا على تفتُّحِ شخصيته تفتُّحًا حرًّا، وهي طريق الانتصار النبيل.
حين يواجهُ الدكتور داهش منهجه الفلسفيّ التاريخي العلمي، ويدفعُه باتجاه صناعةِ الحاضر بالقدر الذي يكفلُ ضمان ولادة مستقبلٍ مُشرقٍ مُزهر، فإنه بذلك يصبُّ اهتمامه على ما ينبغي أن يكون بالاستناد إلى كليات ما كان، حيث يترابط جوهرث الثقافة مع ما هو جوهري في الثقافات الإنسانية كلها. المجتمعُ والفردُ هما دائمًا في صُلب هذه العملية الواقعية؛ فلا بد منهما لتحقيق الترابط وإنجاز مقوماته كافة.
لقد شاهد الدكتور داهش إفلاسَ الأنظمة الجائرة التي ترزح تحت أثقالها البشريةُ، شيوعيةً كانت أم رأسماليةً أم دكتاتورية… كلها بدون استثناء، فأراد وهو المشترعُ الإنسانيُّ العودة إلى الديموقراطية السمحاء المبنية على أخلاق الفرج والمجتمع، والمنبثقة من سُننِ السماء وشريعتها والتي أنبتَت ثمارًا رائعةً وحكمةً وجهودًا عادلةً كجهودِ أبي بكر وعثمان وعليّ…
إننا في الحقيقة ننظرُ إليه على أنه فيلسوف حكيمٌ نظرَ إلى الإنسان فشاهد تعاسته وشقاءه. هذا الشقاءُ يأتي بسبب جهله لمصيره. لذلك أراد أن يُذكر الإنسان بخلود الروح. أما الحياة الأرضية فهي مرحلةٌ قصيرةٌ آيلةٌ إلى زوال، والحياةُ الحقيقيةُ تبدأ بعد الانتقال من هذا العالم؛ فالروحُ باقيةٌ… خالدة.
من أقوال الدكتور داهش إن من أسباب الحروب التكالبَ على المال وعلى المقتنيات، وطمعَ الإنسان بما عند سواه؛ وهذا ما يُسمُّونه الاستعمار والاستثمار. وهو يسمِّي كل ذلك انهماكَ الإنسان بالمادة، وابتعاده عن الروح، ويرى أن المادة وحدَها تجعلُ البشرَ بمُستوى الحيوان وربما أدنى قليلاً، في حين أن الروحانيات تجعلُ الناس يرتقون إلى عالمٍ أسمى، كلُّه سعادةٌ ونعيم. إذن يجب أن نعودَ بالناس إلى الروحانيات.
وكمجاهدٍ كبيرٍ ننظرُ إليه؛ شاهدَ تنافرَ الأديان وتفاوتَ المذاهب وتضاربَ الآراء الفلسفية، فأراد أن يجمعَ كلمةَ الشعوب وقلوبَها حول الكتبِ المُنزلة في جوهرها الأصلي، وحول القرآن خاتم الوحي والإلهام… لقد كان داهش من الرجال الذين يحملون مسؤوليةَ شقاءِ الإنسانية، وكان الواجبُ الإنسانيُّ يدعوه إلى خوض معركةِ الحق وأداءِ الرسالة. فمذ بدأ يفكر، أخذ يهتمُّ بهذه الناحية، ناحيةِ إصلاح البشر…
المسألةُ ليست مثلما يُظنّ. إنها مسألةٌ صعبةٌ جدًا، إذ إنّ إدخال التعاليم الروحية إلى الأذهان غايةٌ في الصعوبة. ربما كان ذلك سهلاً في الماضي، أما اليوم فأصبح صعباً. أفكارُ الناس تغيَّرتْ، ودرجةُ وعيهم اختلفت. والمبشرُ ينبغي أن يأتي بهذه التعاليم من باب العلم لكي يتم الإصغاءُ إليه. والدكتور داهش خاض المعركة بكلِّ ما فيها من الأخطار، وأراد أن يعودَ الناس إلى الروحانيات بأدلةٍ وبراهين يقبلها العقل ولا تصطدمُ مع العلم. فهو، بواسطة علومة الروحية، عرف السارقَ وأرشدَ إلى مكان المال المسروق… فاسترده. هذا ما رواه شقيقُ الشخص الذي سُرِقَ منه المال.
يرى الدكتور داهش أن “النبي هو الذي غرضُه في الحياة إنقاذُ الحق من بين أنياب الباطل. وبقدر ما ينصرف إلى هذه المهمة ويضحي في سبيلها ويثبتُ أمامها، تكون نبوتُه أعظم. وإن كل حركةٍ يقوم بها الإنسان دفاعًا عن الحق وغيرةً عليه، سواء كانت قولاً أو فعلاً أو فكرصا، هي كركةٌ فيها شيءٌ من روح النبوة”.
كلُّ الأنبياء الذين ظهروا كانوا يحملون أغراضًا نبيلة. وإذا اختلفوا في تعاليمهم، من بعض النواحي، فذلك مردُّه إلى اختلاف العصور والظروف؛ فلكل عصرٍ حُكمُه. ولو قُمنا بجمع تعاليمهم، لأمكننا أن نستخرج منها عقيدةً روحيةً جديدة تكفلُ للإنسان سعادتَه، وتعملُ على محوِ كل الفوارق بين الإنسان وأخيه الإنسان. وعند ذلك فقط يعمُّ السلام والرخاء، وتنسى القلوبُ أحقادَها، وتذهبُ الضغائنُ الموجودةُ فيها.
هذا غيضٌ من فيضِ تعاليم الدكتور داهش… وكان الرجُلُ سائرًا في جهاده ينتقل من فوزٍ إلى فوز، لكننا لم نستطع فهمه ولم نقدره. لو أن أحد رهبان فرنسا جاء بهذه التعاليم لكنا قدرناه؛ أو لو أن داهش كان مبشرًا إنكليزياً أو أمريكياً، لتقلينا تعاليمه، من دون إعمال الفكر ولو للحظةٍ واحدة، بالرضا والقبول؛ كنا تلقيناها، وكانت أثارت أعجابنا.
ذكرياتٌ وحنين
جاءت المقالات و الدراسات و الشهادات المُدرجة في هذا الباب اشبه بالمرايا تعكس صور الدكتور داهش : داهش الاديب , و الشاعر , و صاحب العقيدة ,و صانع الظاهرات الروحية, و مؤسس المتحف…. و في مقدمة ذلك كله داهش الانسان . ومع ان نتوقف على شخص الدكتور داهش , في كل ابعاده, امر ليس من اليسير تناوله.
ذكرى الحبيب
أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.
الدكتور داهش








