في ذكرى الدكتور داهش

أكتبُ كي لا ننسى

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي ومضَ في عالمنا ومضى، ذلك النور الإلهي الذي تجلّى على يدِ إبن السماء، كالبرق الخاطف يُنير ظلام هذا العالم الماديّ، المشرف على محيطٍ من الدركات الجحيميَّة. يقذف صواعقه شرَراً، يُشعلُ جذوة الإيمان الخامدة في بعضِ قلوب المُحتارين بين الحقّ والباطل، المُشكِّكين بالله واليوم الآخر، المشتَّتة أفكارهم بين المعرفة الروحيَّة والميول الدنيويَّة . يُضيء منارةً تُرشدُ القانطين من رحمة الله، الغارقين في خضمِّ الحياة المُتعِبَة، الذين تتجاذبهم أنواء الهموم والقلق والخوف المتواصل من المجهول. يُشرق شمساً تُلهِبُ النفوس الضعيفة، التائهة بين متاهات الجهل والأنانية، ومستنقعات الرذيلة والفجور، فأضاعوا النهى قبل الإتجاه، وساروا على غير هدى. يوقدُ ناراً تُثيرُ دماء المتقاعسين عن السير في طريق الله، يعيشون برودة الأيَّام على أحلام السنين، تتجاذبهم أمواج الحياة بين إقدامٍ وإحجام حتى يغمرها النسيان، ترميهم على شاطىء بحر الندم ، فيتبدّدُ الزَّبدُ على رمال الرغبة والغاية وهواء الحاجة والجسد، فالحياة قصيرة والقيود كثيرة، وبين لهوٍ وإهمال يضيع العمر في غمرةِ الأحداث والأحزان، الى أن تأزف الساعة ويدهمهم ما يُسمَّى الموت مقبرةُ الحياة.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى مِشعلاً يُنير دياجيرَ هذا العالم الجاحد برسله وأنبيائه ، بهُداته ومُصلحيه، المُبتعد عن وجه الله، وجه النور، وجه الحقيقة والمعرفة والخلود، غير مُدركٍ للحقائق الروحيَّة، ولا جوهر الأديان السماويَّة . تجلّى ضياءً في ظلمة هذا الليل الطويل، المهيمن على النفوس المتألِّمة ،المتمسِّكة بأهداب الفضيلة، يبعثُ فيهم الأمل المنشود، ببزوغ فجر الحقيقة ، للصمود بوجه الشرِّ الرهيب، يُلهمها السيرَ في طريق السماء، وسط إغراءات الحياة اللامتناهية، المُتربِّصة بنا شرّاً تحت جُنحِ الظلام، والتمكُّن من نشر الفضيلة بين الناس، والدعوة الى التآخي الإنساني ليعمَّ السلام والمحبَّة في أصقاع الأرض. تجلّى أنوار هدايةٍ إلهيَّة، في النفس الأمارةِ بالسوء، جسَّدها كلماتٌ من نور، تُهدي الصُّمَ لو سَمعوا، تنيرُ العقول الصدئة، العفنة، أصحاب إبليس، رمز الشرِّ المتوارث على مدى أحقابٍ وأجيال، لا يرون من الحياة إلاَّ بهارجها، يعيشون سجناء رغباتهم وشهواتهم وميولهم الوضيعة، يبيعون دينهم في سبيل دنياهم، غيرُ آبهين بثوابٍ او عقاب ْ، يعيشون ليومهم وكأنَّهم خالدون، يُكنزون المال وبناء القصور، لا يَشبعون ولا يُشبِعون، يستميتون للإستحواذ عليها بشتى الطرق، ولو كانت ملتوية، لا يرون الحقيقة إلاَّ في معتقداتهم، وما هم عليه من أرآءٍ وأفكارٍ بالية، رضِعوها من ثنايا الجهل بالإنقياد لحاكمٍ وسلطان وأولياء الأمر، تُكبِّلُ النفوس وتُقيِّد الأرواح، يعيشون في فلكها، يضحُّون في سبيلها، يموتون من أجلها حتى وان لم يكن لهم رأيٌ بها. يتعصّبون لجهلهم، يفرحون لخطاياهم، ويهللون لمعاصيهم، ويُطربُون لمصائب ضحاياهم، ثمَّ يرقصون على أشلاءهم.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى مُعجزاتٌ إلهيَّة وظاهراتٌ روحيَّة تأكيداً وتوضيحاً للمرتابين في وجود الروح وخلودها، المُلتبسين في معرفة الجحيم والنعيم، وفهم الحضارات الكونيَّة، الضَّالين المُضلِّلين، سجناء التقاليد والعادات التي لا تمتُّ الى الحضارة والعلم في شيء، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، أسرى موروثات ثقافية وإجتماعية قد تكون منافية للحقائق الروحيَّة أو القوانين الإجتماعيَّة، يتمسَّكون بها، يحافظون عليها بمالهم ورزقهم، يُعادون من يُخالفهم ويُدافعون عنها بحياتهم، لا يرون الحقَّ إلاَّ فيها، وما هذا إلاَّ لجهلٍ في النفسِ امتزج بالعصبيَّة والغرور، وكأنه يقول لا إله إلاَّ أنا.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى كلمةً تتحدّى سيوف الطُّغاة والمُتغطرسين، المغرورين المُتكبِّرين ، والقتلة المُجرمين، أصحاب العقول المُنحرفة والإنحطاط الأخلاقيّ، مرتكبي أحطَّ أنواع الموبقات والشرور، المتمادين بالمعاصي الهائلة، تجلّى ثباتاً وجهاداً وتضحيةً في وجه طغمةٍ حاكمة، مُتمثِّلة  بأصحاب النفوس المستكبرة، الوصوليَّة المنافقة،أعداء الحريَّات، التي تسعى لتحقيق أهدافها على حساب الآخرين،بإستخدام الوسائل القذرة والدنيئة، الذين يسخِّرُون الدولة ورجالها وقوانينها لتحقيق مآربهم الشخصيَّة وصفقاتهم المشبوهة، وإن كان في ذلك خرقاً للدستور وتعدِّياً على القانون، لا يتوانون عن إرتكاب الجرائم واستباحة المُحرَّمات، يعترِضون طريق المصلحين ويُشوِّهون صورهم، يُلصقون بهم كل فريَّة، يتسلَّطون على الأنبياء والهداة، يدوسُون  على كرامة الإنسان وينتهكون حرمة الأخرين لتحقيق غايتهم، يستغلُّون مناصبهم للإعتداء عليهم، يقِلبون الموازين، يزيفون الحقائق، يُسمُّون الأمور بغير مُسمياتها؛ يصُدُّون الناس عن معرفة الحقيقة باسم القانون والحفاظ على السِّلم الأهلي، أنذالٌ مُتبجِّحون ،عبيد شهواتهم، يغوصون في مُستنقعات الرذيلة، ينهبون المال العام، يعتدون على الفقراء الأمناء والبسطاء التاعسين المغلوبُ على أمرهم، وهم الأغبياء المارقين والخونة المماذقين، يظنُّون أنَّهم أصحاب السلطان، خالدين فيها، لا نهاية لهم ولا دينونة ولا حساب.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي انفجر كالبركان الثائر يقذف حِمَمُه كلماتٌ ناريَة في كُتُبٍ سوداء مُلتهبة ومنشوراتٍ مُبيدة لفضائحٍ نتنة، تُعرِّي إبليس ورفقاء دربه ، أصحاب الحقد الدفين، تبيِّن حقيقتهم وحقارتهم، وتفضح زيف المُعتدين على الحريَّات والكرامات، الناطقين زوراً وبهتاناً، ملئوا الصُّحُفَ بأكاذيبهم، ينشرون التعصُّب والكراهية بين مكوِّنات المجتمع الواحد، خوفاً على مصالحهم وإستحواذاً للسُّلطة، أبوا إلاَّ أن يكونوا حاجباً لنور الحقِّ والحقيقة، يقمعون الحريَّات في الإعتقاد والتعبير، يعتدون على حقوق الإنسان التي كفِلتها شرائع السماء والقانون، يُمارسون إرهابهم الفكريّ على من يُخالفهم في الرأي، يروِّجون خطابات البغض والحقد والتحريض والتهديد بصراعاتٍ مُخيفة تُهدِّد سلامة وإستقرار المُجتمع، فالجهل أشرس أعداء الإنسانيَّة. لم يتعلَّموا من ماضيهم وتاريخهم، فسجلوا أنفسهم في مزابل التاريخ.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلَّى شِهاباً ساطعاً يبهر العيون من شدَّة ضياءه، يُغشي بصَرَ رجل الدّين الإنتهازيّ، الضَّال المُضلِّل، مَنْ يُداهن أصحاب المراكز والنفوذ ويتزلَّف لأصحاب الحُكم والسلطان، ليتربَّع صدور الولائم، ويسخِّر المنابر لأهواءه وتجاذباته في الأديان والسياسة، وفيما بين الطوائف والمذاهب والأحزاب، ولو كان ذلك على حساب الدين والقانون والعلم والمنطق والحقيقة والإنسان، ولا ضيرَ في تسخير كلِّ إمكانيَّاته في ذلك لتحقيق مآربه في التحكُّم بقلوب المؤمنين البسطاء، واستغلال أصحاب العقول لخدمة رجال السياسة وتحالفاتهم ، يُمارس الإستبداد والطغيان، بعذبِ الكلام ويوهمك بصدقه، ومعرفته وعلمه الروحيّ، وما نفع المعرفة إن لم تتجسَّدَ عملاً يعمّ بالفائدة على الآخرين، يداخل النفاق في الفضيلة بلهجةٍ تُحاذي الصّدق، يقول ما لا يفعل، يتحدَّث بكلِّ طيبةٍ وكأنَّه النعجة الوديعة، وهو الذئب الكاسر يفترس كلَّ ما في طريقه، للوصول الى هدفه.

تجلَّى نجمٌ ساطع،لامع، تَلأْلِئَ بصيرةً نيِّرة، تُرشِدُ أصحاب الأخلاق الحميدة لِكشفِ السِتار عن رجالٍ عاهدوا الله وما ثبتوا، نسوا طاعة الأنبياء والتزام مبادئهم، مارسوا أشدَّ أنواع الخِداع بكلِّ إبداع، نسبوا آراءهم للأنبياء وأحاديثهم ليعطوها المصداقيَّة، تسلَّطوا على رقاب العباد، فكلمتهم نافذة، وحُكمهم لا مردَّ له، نسوا طاعة الله وفرضوا طاعتهم. حرَّفوا تعاليم السماء، اجتهدوا في التوثيق لإثبات الحقائق، فانحرفوا عن جوهر الأديان، ولقصرٍ في الرؤية وجهلٍ في الوعي، اختلط الحقُّ بالباطل، وتألَّه المُجتهدون حتى نشأ عن إجتهادهم طوائفَ ومذاهب، أصبحت سبباً للتناحر والتقاتل، وإشعال الفتن، واضطرام الحروب، ساووا أنفسهم بالخالق في العلم والمعرفة ، لهم الطَّاعة ومنهم العفو والغفران، دائماً على حقّ في أرآءهم وتصرُّفاتهم، فوق الخطأ والمسآءلة، كلمتُهم مُستمدَّة من السماء، فيها الفصل، ممارسة الطقوس والشعائروالشرائع هي الطريق الأوحد لدخول ملكوت السماوات، لهم الجِنان وحور العين، كافرٌ من يخالفهم، والجحيم لمن ليس على ملَّتهم. يتملَّقون بعضهم البعض صواباً أو خطأً، عندهم الحقيقة المُطلقة، وما هذا إلاَّ بحجَّة أنَّهم الراسخون في العلم كما يزعمون. أسلمَ الناس لهم العقل قبل الجسد، إنتشر الجهل والتطرّف، ابتعدوا عن نور الحق،عن المعرفة الروحيَّة، غرفُوا من معين رجال الدين والدنيا، ضاعُوا بين تحليلاتهم النفعيَّة، ومصالحهم الشخصيَّة، ضلُّوا بين صراعاتهم ومفاهيمهم الدنيويَّة ، عاشُوا الحياة الدُّنيا بأفكارهم وتشريعاتهم، على أمل الفوز بالآخرة، وهذا ما لم ولن يكون.

تجلَّى فجراً نديَّاً على أزهارٍ تفتَّقت من براعم النور، يُرهفُ قلوباً مُفعمة بالإيمان، لا تنجرف وراء أضاليل تمخَّضت من عقولٍ جوفاء، لا ترَ في الدِّين إلاَّ تطرفاً لأفكارٍ نبويَّة حيكت كأثوابٍ تُزِّين للحاقدين إطاراً مُزَخْرَفاً لنفوسهم المريضة، وإشباعاً لغرورهم ونزواتهم، يأوِّلون آيات الله بما يتوهَّمونه من حقائق ثابتة ومُطلقة، يُفتنُ بها أعمياء البصيرة، يفسِّرون في الأديان ليجعلوا منها بُؤَرًا للأحقاد والكراهية ، يستقطبون بها المُنافقين ليصبحوا أدواتاً للقمع والترهيب. ثمَّ ينطلقون لنشر أفكارهم ومبادئهم الخاصَّة، مع عدائيَّةٍ مُطلقة غير مُبرَّرة لمن يُخالفهم، واستعمالهم وسائل إجراميَّة وإرهابيَّة لترويع الناس والمجتمع، فالحريَّةُ ألدَّ أعدائهم لأنَّها تُهدِّدُ وجودهم. ويعظُمُ الجَهل، فيستبيحون الأعراض، يأكلون مال الأيتام والأرامل، يشربون من دماء الضعفاء المساكين، يتسامرون على أنغام إبليس الرجيم، ويرقصون على أشلاء الحق والفضيلة، يعيثون فساداً في الأرض، ويزعمون أنهم وحدَهم الدُّعاة إلى الإصلاح والنهضة في المجتمعات، أبوا الاَّ التمسُّك بعرى الشيطان الوثيقة.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى فكراً مُرشداً للإنسان الباحثُ دوماً عن الألوهيَّة والتي هي ما وراء الأدراك البشريّ، وعن معرفة الله ربُّ الثواب والعقاب، أصلُ كلَّ معرفةٍ وقوَّة، قِبْلَة السعادة والخلود، عن معرفة الأرواح النقيَّة المجيدة وعوالمها، الخارجة عن قيود الزمان والمكان، عن العقل الإلهيّ المُدبِّر، الضابط لنواميس الكون، عن الأرواح التي لا تشوبها أيّةُ كثافة ماديَّة، إنبثقت عنها السيَّالات الروحيَّة التي اتَّخذت تجسُّدات ماديَّة في درجات مُختلفة، نتيجة نقصٍ ودنسٍ طارئين، يخبرنا عن عوالم لا يرقى إليها خيال البشر، تتمتَّع بحضاراتٍ راقية، يعلِّمُنا عن الجحيم والنعيم المُقسَّمة الى درجات روحيَّة ذات هناء ومعرفة، لا يدخلها إلاَّ من أوصل بعضٌ من سيَّالاته لدرجتها، ودركات جحيميَّة، يعظمُ فيها الجهل والعذاب، ويضمَّان بلايين النجوم والكواكب،  يخبرنا عن العدالةُ الإلهيَّة التي تشمل جميع الكائنات، معروفها ومجهولها، وإن رحمته لانهائيَّة، ولذلك كان التقمُّص بالمفهوم المُطلق والصحيح، ويشمل كل السيَّالات، وما الموت فناءً، بل إنتقالاً من شكلٍ الى آخر، يحصل بإنتقال سيَّاله الرئيسيّ والذي هو سبب وجوده في العالم الذي ينتمي إليه.يخبرنا عن آدم قبل أن تُجسِّده المشيئة الإلهيَّة في أرض البشر، وعن السَّماح لكائنات تنتمي الى عوالمٍ أخرى بزيارة كوكبنا لتلقيح بعضٍ من بنات البشر عن طريق الإقتران بهم، تُسهم في رقيُّهم ولدفع الحضارة الإنسانيَّة للتقدُّم. يخبرنا أنَّ لكلِّ كائنٍ دوره الخاص في دورة الحياة الكونيَّة، وما من عبثيَّة في الخلق مهما كان الكائنُ تافهاً.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى صوتاً صارخاً في السماء وفي الأرض، يُرشد الى سُبل الحق، يُنير طريق الباحثين عن الحقيقة، يُهدي الضَّالين والمُضلِّلين في فهم الحقائق الروحيَّة، يشرح الأختلافات في فهم الأديان التي تعاقب عليها الرُّسل والأنبياء، يوضّح التناقض فيما بينهم، يقرّب المفاهيم الإلهيَّة من عقولنا التي انجرفت مع التفسير والتحليل، والمُغالات في التعصُّب، مُحاولاً العودة بالمؤمنين الى دين الأنبياء، وليس أصحاب الأرآء التي أصبحت طوائف ومذاهب مع مرور الوقت، والتي لا تمتَ الى أصحاب الأديان بصلة. يُنير البصيرة حيث لا دلائل ماديَّة تُلمس، يفتح أفآقاً وأبعاداً روحيَّة ، ومفاهيماً مُغلقة على أصحاب العقول المُتحجِّرة، ينقضُ جهلاً عايشناه على مدى الأزمان، توارثناه عن الأهل والأجداد والأسلاف، اقتبسناه منْ قالٍ وقيلٍ بعيداً عن إثباتٍ ودليل، أضف إليها مصالح رجال الدين ورجال السياسة على مرِّ العصور.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى داعياً الى الله، خالق العوالم ومُكوِّنها، ربُّ البرايا وموجدها، حاملاً رسالةٍ روحيَّة، تدعو الإنسان بالعودة الى أصول الدين وجوهره، فالأديان جميعاً من مصدرٍ إلهيٍّ واحد، تجمعها روحٌ واحد، أساسها وصاياً عشر، هدفها زرع المحبَّة في نفوس البشر، والتمسُّك بروح الإنسانيَّة، فالإنسان أخ الإنسان، بعيداً عن العصبيَّة التي زرعها فينا رجال الدُّنيا وتجَّار الدين، وجهتها الخلاص من عوالم المادَّة، والعودة الى الأصل الإلهيّ في عوالم الأرواح الخالد ، عوالم السَّعادة والطمأنينة، عوالم السلام والمحبَّة الشاملة، عوالم الراحة الأبدية بعد رحلة الحياة المُملّة والمُضنية بالإبتعاد عن وجه النور الأعظم الذي لا تدركه العقول، نمجّده، نضرع إليه، وننحني لجبروته الإلهيّ، نخشع له مع الخاشعين، ونسبّح باسمه القدّوس مع الملائكة الأطهار.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى نذيرٌ بدمار الكرة الأرضيَّة، وجَعْلِ عاليها سافلها، إن لم ترعَوي البشريَّة عن غيِّها، فالحياة وإن طالت قصيرة، والموت أقرب من الشهيق الى الزفير، هو إنتقالٌ النفس الى النفس، فيه الثواب والعقاب، لذنوبٍ إقترفناها في ساعاتِ ضُعف، وفاحشةٍ أتيناها في لحظةِ غباءٍ وقلَّةِ إدراك، شربنا من خمرة شياطيننا الطافحة باللذاذات الدنيويَّة الآنيَّة، مُتوغِّلين في مجاهل الرذيلة، غير مُدركين عواقبها، ولا آبهين بما ينتُج عنها، الكلٌ بما كَسِبَ رهينة، ولا مفرَّ من يوم الحساب، فاليَّدُ الإلهيَّة ورغم محبَّتِها لن تمحو ما أقترفناه طائعين مُختارين، والعين الإلهيَّة ورغم رحمتها لا تغفرَ لعصيانِ تعاليمِ السماء بأعمالٍ أتيناها بملء الإرادة والإدراك، فالألآم خير مُطهِّرٍ للنفوس، ولا بدَّ من دفع الثمن مهما طال ومهما عَظُم. فالقانون الإلهيّ والعدالة الإلهيَّة تأبى إلاَّ أن تستوفي الأجر كاملاً.

تجلَّى تحذيرٌ قبل الكارثة العُظمى، وحين لا ينفع التحذير، فالأحلامُ تُبدِّدُها اليقظة، والتقاعس لا ينفع، وغضب الله عزَّ وجلَّ يُمهل ولا يُهمل، وكل آتٍ قريب مهما طال الزمان، ولا يعصمُ الموتُ من أهوال الآخرة، ومن عذاب النفس ودينونتها، فالعودة الى الله، الى القيم السماويَّة، العودة الى الأخلاق الحميدة هي المُنقذ الوحيد للخلاص من العذاب الأبدي، للراحة الخالصة، مع الأنبياء والهداة، مع الخير والمحبَّة، مُحيلةً أتراحنا الى أفراح.

تجلّى نوراً على نور يُنيرُ قلوب المؤمنين المخلصين في هذا العالم، أصحاب العقول النيِّرة، الذين يستمدُّون من نورِه نورا يُغشي العيون المتحجّرة، يلجمُ ألألسنة المُتطاولة. يَرشفون من نوره إكسيراً روحيَّاً يُحيِ ميتَ الآمال، وخمراً سماويَّاً يُنعِشُ قلوب المؤمنين المُخلصين لله والحقيقة، يشدُّ أزرهم، ويثبِّتَ إيمانهم، ويزيدهم معرفةً نورانيَّة، لنشر كلمة السماء، دون مواربة أو تحريف، يُلهمهم الوعي الروحيّ لإذاعة رسالة الصّدق بين الناس، دون غاياتٍ أو مصالح، لتحقيق الإصلاح الحقيقيّ، وخلاص البشر. يستزيدون من معرفته بياناً، ومن علمه إعجازاً، كُتُبٌ وتعاليمٌ ووصايا أُنزلت في قرطاسٍ في لحظة تجلّي، فكانت زاداً تُشبِع الجائعون لخبز السماء، يُطّلون به على العلمِ والعلماءِ والعالم بمعرفةٍ تبزُّ علمهم وعلماؤهم وتقرّع حجَجهم بحقائق دامغة، لا لبس فيها ولا غموض.

نور حزيران يأخذُ بمجامع القلوب الحزينة، يُنير جنباتها المُظّلمة، يؤجِّجَ نار الإيمان في ثناياها، يلقي فيها علماً يساعدها في سبْرِ سُبُل الحقّ، وحبّ الجمال، وعمل الخير، يُعيد إليها الثِّقة بعدالة السماء. ينشرُ فيها صفحاتٌ من نور لينتشلها من بؤرة السقوط، هذه القلوب وحدها تقف مع الحقّ، ومع الحقِّ تكون، تعيشه، تُجاهد في سبيله، وتُضحِّي من أجله فقط، ترفع راية التآخي الروحيّ، تشملها السكينة ، تعمُّها السلام والمحبَّة، تُصدق العمل، وتُحسن السلوك أنَّى كانت، تُجسِّد إيمانها أعمالاً والتزاماً وسيراً في طريق السماء، لتكونَ قدوةً للآخرين، مِثالاً في الأخلاق، رقيَّاً في التعاطي، تنصحُ بحبٍّ، وتهدي بمودَّة، فالعملُ خيراً من القول، تُثير فضول الناس، ينجذِبوا إليها لمعرفتها ومعرفة أبعادها، يتسآءلون فَيَسْألون، تُفيدُ فتستفيد، تُنيرُ طريقاً، وتهدي ضَّالاً، تساعد في فهم الأديان وجوهرها، تقرِّبها الى العقول، تستحثُّ للإلتزام بتقوى الله عزَّ وجلّ، تزيد الآخرين أيماناً بالسماء ونُظمها السامية، وإعادة النظر في مفاهيمٍ موروثة، بها يُرشدون إلى الحقائق الروحيَّة من خلال تعاليم مُرشدها وهاديها، تنشر كلمته المُوحاة من السماء لآبناء الأرض، تُتابع مسيرته رغم الصِّعاب التي تعترضها، ولا تتزحزح عن معتقداتها التي أصبحت دستوراً إلهياً يُهديها وعثاء الطريق المُقفرة.

النبيّ الحبيب الهادي، داهش العالمين، هو نور حزيران، نبيُّ الله، آخذٌ العهد على نفسه، أمام الله عزَّ وجَلّ والآب السماويّ، ليُعيدنا الى عوالم الأرواح، يهدينا ويرشدنا الى نوره، يحرِّر ذاتنا من تكثُّفاتها الماديَّة، يجذبنا الى عالمه، نهاية اللطافة المادَّية، ينتظرنا هناك لنعود معاً الى حُضن الله، من حيث بداية الإنطلاق.

كل عام وأنتم بخير. 

حسين يونس

بيروت في الأول من حزيران 2022

 

في الطريق إلى ينابيع الداهشية

الأستاذ عبد القادر الحصني

شاعر سوريٌّ. عمل في الصحافة الأدبية محررًا في مجلة “الثقافة” السورية. رأس تحرير جريدة “الأسبوع الأدبي” الصادرة عن “اتحاد الكتاب العرب” في سورية. وهو حاليًا مديرٌ لتحرير مجلة “الموقف الأدبي” وعضوُ المكتب التنفيذي في “اتحاد الكتاب العرب” في سورية. شارك في عدة مؤتمراتٍ أدبية ومهرجاناتٍ شعرية في داخل الوطن العربي وخارجه. مما صدر له: “ماء الياقوت” (مجموعة شعرية 1993)، “الشجرة وعشق آخر” (مجموعة شعرية 2000)، “سرُّ المدينة النائمة” (مجموعة قصصية للأطفال 1985)، “أوقفني الورق وقال لي” (مقالات 2005).

 

في الطريق إلى ينابيع الداهشية

 

صرحٌ وعواصف

حين هممتُ بمقاربة عالَمِ الدكتور داهش في حياته ورؤياه وإبداعِه وجدتُني أمام صرح باذخٍ لعطاءِ رجلٍ استثنائيٍّ ومختلف… صرحٍ له أبراجُه العالية، وبواباتُه الفارهة المشرعة، ورحباتُه اللامتناهية.

          على جنبات هذا الصرح تتلاطمُ الأحداث، فتضطرب، وتضطرم، وتتكسَّرُ دون النيل من قواعده الراسخة.

          وبأسواره تعصفُ الريح العاتية فلا تزيد على أن تؤرجحَ قناديلَه، فتنسكبُ أنوارُها على نحوٍ يجعل معالِمَ ذلك الصرح أكثر بهاءً وسطوعًا وائتلافًا، ثم لا تجد تلك الريحُ بدًّا من أن يمارسَ حقدها الغيبة والنميمة، وربما التشهير والافتراء، فتبوح مضطرة بما حملته من شذا الورد وتغريد البلابل وشقشقةِ العصافير وسجع الحمام. فهي عندما عصفت، عصفَت بما انداح في أرجاءِ ذلك الصرح من حدائق غنَّاء وجنَّاتٍ شهاء وينابيع تمزجُ النماءَ بموسيقا الماء، فيذكرنا مُجتنى تلك الجناية بقول أبي الطيب المتنبي، أولاً:

ربَّ أَمرٍ أتاكَ لا تَحمَدُ الفعـــــــــــــــــال                   فيـــــــــــــــــــه، وتحمَـــــــــــــــــــدُ الأَفعـــــــــــــــــــــــــالا

وبقول أبي تمام ثانيًا:

وإذا أراد الله نشـــــــــــــــر فضيلــــــــــــــــــــةٍ          طُويَت، أتاح لهـــــــــــــا لسانَ حَسودِ

لولا اشتعالُ النارِ في ما جاورَتْ           ما كان يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العودِ

 

 

 

تعرُّفاتُ أُولى

تعرَّفتُ، أوَّلَ ما تعرَّفتُ، إلى الدكتور داهش في ذلك اللقاء الروحيِّ العالي الذي ضمَّني والصديق الشاعر علي محمود جمعة، حين زرتُه في بيته بـ”علي النهري” في لبنان، 2008، ففتحَ لي نافذةً على الدكتور داهش، بل قل: وضعني على مطلةٍ استشرفتُ منها آفاقاً حافلةً بما هو إنسانيٌّ ووجوديٌّ وكونيّ، حين استرسلَ في تأمُّلاته، واستفاضَ بالإفصاح عن مكنوناتِ نفسه، نثرًا وشعرًا وحديثًا عذبًا وبسيطًا وعميقًا، وعزا كلَّ ذلك إلى ما تشبعت به روحُه من فلسفة الدكتور داهش وتعاليمه ورؤياه، في الحياة وما وراءَ الحياة، ثمَّ وضع بين يديَّ ما تيسَّر له آنذاك من نصوصِ الدكتور داهش وفنِّه، لتبدأ بعد ذلك رحلتي مع ذلك الرجل الاستثناء، سفرًا في أسفاره، و”كلُّ سَفَرٍ لا يُسفِر لا يعوَّلُ عليه،” 1 على حدِّ قول ابن عربيّ، فأسفرَ ذلك السفرُ عن حبٍّ وإيمانٍ وشمسٍ لها مشرقٌ وليس لها مغرب.

          وتعرَّفتُ إلى الدكتور داهش في ما كتبَه مريدوه وحَواريّوه ودارِسوه، شهادةً، وتأريخًا، وتحليلاً، فتعرفت إلى كواكب متألقة في فضاء الداهشية الرحب: يوسف الحاج، ماري حدّاد، حليم دمُّوس، جورج حدّاد، جورج خبصا، فريد أبو سليمان، عبد الله العلايلي، إسكندر شاهين، وآخرين.

          وتعرَّفتُ إليه أيضًا في ما افتَراه خصومُه، ولفَّقه حاسِدوه، وشنَّع به المرجفون عليه والمتآمرون على أفكارِه وحياته ممَّن يترفَّعُ القلمُ عن أن يسوِّد وجهَ الورقِ بأسمائهم، فكان هؤلاء أيضًا بمثابةِ الليلِ الذي أحاطَ سوادُه بنورِ الفجر، فبدا النورُ أبهى وأكمَلَ وأجمل. “النورُ يضيءُ في الظلمةُ لم تدركه”2.

——————————————–

1 ابن عربي: “الرسائل”، رسالة لا يعوّل عليه (دار صادر، ط1، بيروت 1997) ص 248.

2 إنجيل يوحنا 1/5.

——————————————–

مَدينٌ أنا، إذًا، لكلِّ هؤلاء بتعرُّفي إلى الدكتور داهش.

وها أنذا أتطلَّع إلى أن أخطَّ ما يُمليه عليَّ ذلك التعرُّف، فإذا لم يؤْتَ أحدُنا أن يكون هون النورَ، فليكن شاهدًا له.1

 

من أين أبدأ؟

هل أبدأُ من معجزاته وخوارقه؟

لا… فما أظنُّ المعجزاتِ والخوارقَ إلاَّ لمَن تطلَّبوا شهادةً من كثافة المادَّة على رهافةِ الروح، ومن مبنى الكلمة على معناها. أولئك يذهبون إلى الهيكل ليتعرفوا إلى الربّ، أمَّا الذين عرفوه، فيذهبون إلى الهيكل لأنَّ الهيكلَ مُعرَّفٌ به. وقد لا يذهبون إذا اكتشفوا أن الربَّ فيهم، وأنَّهم هيكلُه.

          سمعان وأخوه أندراوس، ويعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا لم يتركوا شباكهم ويتبعوا المسيح لأنهم رأوا معجزاته، بل لأن الرب قال لهم اتبعوني.

          أبو بكر الصديق رضي الله لم يتلق معجزةَ الإسراء والمعراج كآيةٍ، تزيده إيمانًا بمحمد (ص)، بل اتخذ من قول محمد (ص) آيةً على صدق وقوعها.

          وبعد ذلك ما أكثر الممارين بالمعجزات، والجاحدين لها، والمشككين فيها!

          فهي مرهونةٌ بزمنها، ومقصورةٌ على مَن عاينها، ومحتاجةٌ إلى صدق مَن ينقل خبرَها… ثم شتان بين مَن وقفَ تصديقُه على ما رأت عيناه، أو عندما رأت، وبين من أناطَ تصديقه بما رأى قلبُه. فرؤيةُ العينِ للبصر، وتكتفي بمفعول واحد، في ما يرى النحويُّون، أما رؤيةُ القلب فهي للبصيرة، وتتعدَّى إلى غير مفعولٍ من المفعولات… ولها الرؤيا أيضًا.

          وإذا كانت المعجزاتُ والخوارق عُرضةً لمحاولات الدحض، وفيها فسحةٌ لمَن يُثيرُ اللُّبسَ، ومَدعاةً للمنازلة: (وإن كنتم في ريبٍ مما نزّلنا على عبدنا، فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين،)2 فإن رؤية القلب لا تقع في إطار هذا الأخذ والردّ: (ما كذب الفؤاد ما رأى* أفتمارونه على ما يرى. )3

1 إنجيل يوحنا  1/8 “لم يكن هو النور بل كان ليشهدَ للنور”.

2 القرآن الكريم، البقرة/ 23.

3 القرآن الكريم، النجم/ 11 -12.

——————————————–

 

هل أبدأ من معاناتهِ وعذاباته؟

لا… فالمعاناة والعذابات إنما هي معالِمُ لا بدَّ منها ف مسيرة كل نبيٍّ ووليٍ  ومصلح، بل هي معالمُ في سيرةِ كل من نبذ الباطل وأرادَ الحق على هذه الأرض. قال محمد رسول الله (ص): “أشدّ الناس بلاءً: الأنبياء ثم الصالحون”.

                وقال: “أشد الناسِ بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل…”2

          وها هي ذي معاناةُ الأنبياء والأولياء الصالحين وعذاباتُهم مسطورةٌ في كتب الأولين والآخرين، شاهدةً على ما لا قوه من عنَتٍ وظلمٍ واضطهاد وألونِ قَتْل:

          أُضرمَت النارُ لإبراهيم عليه السلام.

          ونُفي إسماعيلُ عليه السلام إلى أرضٍ قفرٍ لا ماءَ فيها ولا زرع.

          وابيضَّت عينا يعقوب عليه السلام من الحزن.

          ورُميَ يوسفُ عليه السلام في البئر، ومكثّ سنين في السجن.

          وحُملَ رأسُ النبيّ يوحنَّا على طبق.

          “والنبيُّ زكريا عليه السلام ذُبح ذبحًا أو نُشر بالمناشير.”3

          وحَملَ المسيحُ صليبَه إلى الجلجلة.

          ولاقى ما لاقى محمَّد (ص) من أهله وقبيلته، وهُجِّر، وأتهم بالسحرِ والشعوذة والجنون.

          ولاقى ما لاقى الأنبياءُ القديسون والأولياءُ الصالحون والمُصلحون:

          قُتلَ عمر وعثمان وعليّ، رضي الله عنهم، وصُلب الحلاَّج، وسُلخَ جلد النسيمي، وقُتل السهرورديّ صبرًا، ورُميّ القديسون في النار وإلى الوحوش المفترسة، وتجرَّع سقراط السُمَّ… وقُتلَ غاندي.

          فلماذا لا يعاني ما عاناه الدكتور داهش؟!

          “بل كيف لا يكون غريبًا عن البشر مَن كانت ميولُه غير ميولِهم، واتجاهاتُه غير

———————————————

“نوادر الأصول” 14 – 20

2 من حديثٍ ذكره المتقي الهندي في “كنز العمال” ج3/ ص 3329 وعَزاه لابن حيان من حديث أبي سعيد الخدريَّ.

3 “نوادر الأصول”، ص 717.

———————————————

اتجاهاتهم، ومذهبُه غير مذاهبهم، وحنينُه غير حنينهم، ومطامحُه غير مطامِحهم، وصلاتُه غير صلاتِهم؟!

“وكيف يأتلفُ السَّاعون للنساءِ والخمر والجاهِ والمال، والنفوذِ والسلطان والحياة، والساعي مدى العمرِ للَّه والسماء، والحقِّ  والمعرفة، والعدالةِ والمجهول، وللاندماجِ بالقوة الموجدة؟!”1

 

حُقَّ عليكَ العناء

أجل. إنَّه العناء.

وإنَّ الحقَّ والباطل لا يأتلِفان

بل دعني أقول في حضرة روحِك النبيلة، أيُّها الدكتور داهش: لقد حُقَّ عليك العناء.

أنتَ يا مَن تأمَّلت وجودَك بين الموجودات، لتجيبَ عن السؤال الكبير: “أنا مَن أنا؟ ومَن كنتُ في غابر الأزمان؟”2

          فكان أن طوَّفتَ في رحابات عوالم وجودِك في قطرةِ الماء وحبَّةِ الرمل وزهرةِ البَيلسان وشجرةِ التفَّاح والخمرةِ المعتَّقة والعصفورِ  الغرِّيد والنَّهرِ المتدفِّق والصخورِ الصَّماء… وفي النجم والسماء والملاك والشيطان والنحلة والفراشة والبنفسجةِ والنرجسة والنسر والسلحفاة والدوحة الغنَّاء… وفي العقرب والزجاج والقاتل واللصِّ والمدينة والمنارة والريشة والجبَّار العنيد والقديس المُستنير بهدي السماء…

          وكان أن وضعتنا بصدقِ تجربتك وما اعتراها من شوقٍ وحنين وحيرةٍ ورجاء على شُرفةٍ مأنوسة، فيها ما فيها من العَزاء، على الرغم من آلامِ الحياة وما فيها من شقاء، لنتطلع من مكاننا، أيًّا كان هذا المكان، إلى لا نهائية ما كان، ولا نهائية ما يكون، ولنُصغي لصرختِكَ المُفعمةِ بالألَم والرُؤيا العميقةِ والمتشحةِ بالنُّور والأسَى الشفيف. نُصغي إلى السؤال الذي تستحقُّ إنسانيَّةُ وجودنا وما نعانيه في هذا الوجود أن نُجيب عنه:

          “أمْ كنتُ عدمًا رهيبًا فوهبَني اللَّه كياني؟

——————————————–

الدكتور داهش: “ابتهالات خشوعية” (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983)، ص 15 – 16

2 الدكتور داهش: “قيثارة أورفيوس” (دار النسر المحلَّق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 119.

———————————————

وَيحَ قلبي!… أين أصبحتُ الآن، وأين محطُّ أمانيّ؟

نعم، أنا مَن، ومن كنتُ، واليوم هذا مكاني”.1

 

سلامُه علينا

تُرى إلى كَم من العناءِ كانت منذورةً هذه الروح؟!

وكم من المكابدة كان لا بدَّ أن يكابدَ من حملَ اللانهايةَ إلى المركوسين في حمأةِ ماديتَّهم المُستَسلمين لصغائر أقفاصهم وقيودهم وأغلالهم، وما يستتبعُها من أحقادهم وضغائنهم ومكائدهم له ولمَن آمن بحكمته! فَلندَعْ آلامَه وعذاباته، مُكبِّرين، مُقدِّرين؛  فقد كان جديرًا بها، شأنه في ذلك شأن كلِّ عظيم مرَّ بهذا الكوكب، ولنتلقّ سلامَه علينا:

          ” سلامٌ على مَن اضطُهدوا وعُذبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقة!

          سلامٌ على مَن ذاقوا الهوان، وشربوا كأسَه المريرةَ حتى ثمالتها!

          سلامٌ على أرواحنم السعيدة من الأزل إلى الأبد!

          سلامٌ أنثرُه على هذا الطرس

          من قلبٍ كسيرٍ خافقٍ، حزينٍ مكلومٍ ممزّق”2

          ولنتطلع إلى خلاصِنا وسلامنا الأبدي في العالَم الأسمى، فمملكةُ المسيح، عليه السلام، لم تكن من هذا العالَم، ومملكةُ الدكتور داهش التي يبثُّها حنينَه، ويرسلُ إليها سلامَه ليست من هذا العالَم أيضًا:

          “سلامٌ على عالَم غيرِ عالَمنا الماديِّ المَرذول!

          سلامٌ عَبِقٌ فوَّاحٌ عطريٌّ، لا ماديٌّ موبوءٌ قَذِر!

          سلامٌ أبديٌّ إلى أحكامِه العادلة النافذة!

          سلامٌ من عالَمي الحقيرِ هذا،

          أُرسلُه إلى ذلك العالَمِ العظيمِ السَّامي!”3

          نرفعُ سلامَنا معك، أيُّها المعلِّم بمعاناته وعذاباته، إلى ذلك العالم الحقِّ العدل، إلى ذلك الحُلم الإنسانيّ بمدارجَ للنفس الإنسانية، ترقاها درجة، بالثوب الذي يليقُ بكلِّ درجة، حتى تعودَ إلى الروحِ الكليِّ في براءته ونقائه وصفائه وعليائه، وحتّى تصيرَ الكينونةُ والصيرورةُ واحدًا في الكون والتكوين والكائنات؛ ذلك الحلُمِ المُنقذ من تدلي النفس إلى ما يُسِفّ، وينحطّ، فترسُف في ما لا يُطاق من أثوابِ ماديتها. وقد طالما أمعنتُ النظر في هذه الرحلة، من قبل، فقلتُ في صديقٍ رحل:

“يا راحلاً،

والسنديانُ رفيقُ رحلتهِ الأبيدُ

إنْ رثَّ ثوبٌ

يصطفيكَ لنفسِه ثوبٌ جديدُ

متنزلاً في الخلقِ

حسبُك، لا تُراد ولا تُريدُ

أو صاعدًا درجَ الوجودِ

وفي المدى نجمٌ بعيدُ”1

هذا ما قلتُ من قبل. وقد يكون ما أقوله من بعد شيئًا آخر.

ولكن لا بدَّ من المضيِّ مع الدكتور داهش. فما زلتُ في أوَّل الطريق. وما زلت أتلمَّس من أين أبدأ.

 

هل أبدأُ ممَّا كُتِبَ عنه؟

لا…

فما كُتِب عنه ليس هو.

ما كُتبَ عنه صورتُه في مرايا الآخرين، وللمرايا طبائعُها وأوضاعُها، تستضيفُ المرئيَّ على النحو الذي تستطيعُه، فتُريكَ ما تُريك.

          صحيحٌ أنَّ بعض هذه المرايا كان صقيلاً ومُستويًا ونقيَّ الجوهر، ولكنَّ بعضَها الآخر لم يكن كذلك، فابدَت تشوُّهَها في ما تراءَى فيها. ولمَّا المرايا/ النفوس غيرَ

———————————————

1 الحصني، عبد القادر: “ينام في الأيقونة” (دار الكنوز الأدبية، ص 1، بيروت 2000) ص 104.

———————————————

حيادَّيةٍ، فقد جاء التشويهُ مقصودًا، ومفتعلاً، ومُفترًى في بعض تلك المرايا/ النفوس.

          وأنا لن أخوضَ هنا في تُرَّهات ما صدرَ عنها. فما زلتُ في أوَّل الطريق.

          قلت: فلأبقَ مع صورته في المرايا التي كانت أكثرَ قُربًا وصَدقًا، فقرأتُ، وقرأت، وكِدتُ أشتبكُ في مداخلاتٍ مع ما تبدَّى فيها، ولكني أرجأتُ ذلك لأسباب:

          أوَّلها: ضرورةُ الإطِّلاع على المزيد ممَّا رشحَ من الأقلام عن الدكتور داهش.

          وثانيها: حضورُ جبران خليل جبران وكتابه “يسوع ابن الإنسان”، فقد أبدى لنا في هذا الكتاب صورةَ المسيح لدى مَن عاينوه وعايشوه، فإذا هي صورٌ لهم مثلما هي صورٌ لتصوُّرِهم عنه.

          وثالثُها: أنَّ رجلاً كونيًّا كالدكتور داهش، يتحدَّر من الأزليَّة، ويتشوَّق إلى الأبدية، ويتطلَّعُ إلى الاندماج بالنير فانا، فيقول:

          “هناك في الأعالي.

          نورٌ متوهِّجٌ متلالي.

          بهاؤُه مُذهل!… ولستُ أُغالي

          فمتى أندمجُ به فتُحقَّق أحلامي وأمالي؟”1

          مِثلُ هذا الرجل جديرٌ بأن تكونَ مقاربتُه بالاقترابِ منه، لا بالتقرُّب إليه بوسيط.

          مِثلُ هذا الرجل النهر، جديرٌ بنا أن نذهبَ إلى ينابيعه، وأن نمكثَ طويلاً هناك…

          هناك في الكلام البعيد، لنرى حقيقتَه، ولنرى حقيقتنا فيه، ولنستطيعَ أن نقولهَ من جديد، على النحو الذي يتُيحُه لنا اقترابُنا منه، فنتعرَّفُ به، ويتعرَّفُ بنا:

          “الكلامُ البعيدْ

          سوف يلقَى على طرفِ الأرض شيخًا على شكل نهرٍ،

          فيأخذَه في شعافِ الجبالِ إلى بركة علَّقَتها الينابيعُ

          في حيث لا فوق لا تحت إلاّ يد الشيخ،

          تنْزعُ عنه ادِّعاءاتِه واحدًا واحدًا، ثمَّ حتَّى إذا هو عريانُ

          قالَ له الشيخ: انظرْ

—————————————-

1 الدكتور داهش: “مفاتن الشعر المنثور” (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 160.

———————————————

فلمَّا رأى الماءَ، لم يرَ في الماءِ صورته

قال:اصغِ، فأصغي لصمتٍ مديدْ

صدِّقوني: هو الآن في البابِ

لا يتذكَّرُ ماذا يريدْ

إلا إذا قلتُه من جديدْ

الكلامُ البعيدْ”1

 

رحلةٌ إلى الينابيع

إلى الينابيع، إذاً. إلى حيث أستطيعُ أن أقولَ للدكتور داهش، على طريقةِ الصوفيين: “ما دلَّني أحدٌ عليك”، مؤمنًا بأن لا مرآة للنور إلا ما فينا من نور:

“لأنَّ كتابَ المرايا يقول:

بشمسِ ترى الشمسَ، لا بسواها”.2

—————————————-

ها أنذا في الأعالي، أمام الينابيع، فأيُّها أقصد؟ ومن أين أبدأ؟

* فلسفةٌ وجوديَّةٌ إنسانية تسلكُ كائناتِ الوجود والحياة في أنساقٍ محكومةٍ بسيالاتها الروحية، وماضيةٍ في ظهوراتها من أفقٍ إلى أفقٍ أعلى، ومن دركٍ إلى دركٍ أدنى،

في دوراتٍ من عناءِ الوجود، متاقُها أن تتحرر من التقيُّد والتعين والتحيُّز، وأن تعانقَ المُطلق الذي هو روحُ الكون، فتكون فيه، وتكونـَ(ـه).

هل على هذا أثرٌ من تصورُّرِ أنكسيمندرس الفلسفيّ، حيث رأى “أنَّ هناك جوهرًا غير مُتناهٍ سبقَ الاشياء جميعًا، وأنَّ هذه الأشياء تخرجُ من مادَّته الأولية حينما يتحرَّكُ تحرُّكَه الخاصّ، أي أنَّ الجواهرَ خرجت منه بانفصالِها عنه، وهي تعودُ إليه بعد تحلُّلِها، وأنَّها تقومُ بذلك مرَّة بعد مرَّة، ممَّا يعني أنَّ هناك دورًا حقيقيًا تمرُّ العناصرُ به”،3

——————————————-

1 ينام في الأيقونة”، مرجع سابق، ص 65.

2 الحصني، عبد القادر: “كأني أرى” (اتحاد الكتاب العرب، ص1، دمشق 2006) ص 60.

3 شيخ الأرض، تيسير: “الفحص عن أساس التفكير الفلسفي!”، (اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق 1993) ص 276.

أم أثرٌ من فيثاغورس الذي رأى “أنَّ الروحَ الحقيقيةَ ليست هي التي نجدُها في الموجودات فقط، بل تلك التي تسودُ الكونَ كلَّه أيضًا، فالكونُ روحٌ وحياة. ويبدو حضورُ الروحِ في النظام الذي يسودُ كلَّ شيء. فالكونُ منظَّمٌ بحيث تترابطُ أجزاؤُه بعضُها مع بعضٍ بروابط متناسقة. لهذا كان تناسقُ الروح يبدو في أفعالها كلِّها”؛1

          أم أثرٌ من التفكير الإلهيّ لدى أفلاطون؟ و”وحدة الوجود” لدى ابن عربّي؟ و”مراتب الوجود” لدى عبد الكريم الجبليّ؟ ونظريَّه “الفيض” لدى ابن سينا والفارابيّ والسهر ورديّ؟ ونظريّات الطاقة الكونيّة الحديثة؟

          أعتقدُ بتفاعُلِ هذه الآثار جميعًا في فلسفة الدكتور داهش. وإنَّه لتفاعلٌ وجوديٌّ حيّ أنجزَته روحٌ كبيرةٌ في تواصُلِها مع الحياةِ والوجود والكون، وتركته لنا لنكشفَ أبعادَه الثقافية بما أُوتيناه من علم في مجالاتٍ معرفيةٍ متعددة. ولكن الطريق طويلة، والزاد قليلٌ، والينابيعَ عالية… ولكن السماءَ أعلى منها.

* عالمٌ من الفنِّ التشكيليّ الرائع، صوره الخيالُ الفذُّ للدكتور داهش. هذا العالَمُ هو ينبوعٌ آخر، تأخذُنا فيه الألوانُ والأشكال إلى مراتب الوجودِ الأربعة في ممالكها الزاهية:

الجمادُ والنبات والحيوان والإنسان، فيشرقُ فينا انسجامُ هذه الممالِك وتناغُمها، وكأننا نباشرُ، توًّا فطرتنا الأولى؛ تلك الفطرةُ التي لم تعرفْ بعدُ انقسامَها على ذاتها، فهي ما زالت في ملَكوتها المنزَّهِ المُبرَّأ.

          لوحاتٌ لا تحسبُ أنَّ  الألوانَ بأخضرِها وأحمرِها  وأزرقِها وأصفرِها و… قد صنعَت فتنتَها، بل تَخالُ أنَّ فجرًا لاحَ، وصباحًا انداح، وماءً انساب، وربيعًا همسَ في أُذنِ الأرض، فأخرجَت كلَّ ما استودِعَت من كنوزِ زينتِها وزُخرُفِ حَيواتها… وترى فيها روحًا تبلَّج، وتألَّق، وشفَّ، ورفَّ، وراقَ، ورقَّ، وسكبَ بَهاه وسَناه في كلِّ ما تراه، فيقول لك: أنا النُّور. فتُدهَش، وتَمتلئُ غبطةً، ويسكنُ سؤالُ الحيرة في عينيك: تُرى. ما لونُ النور؟!

* وتراثٌ إبداعيٌّ ثَرٌّ، خطته يراعُه بمِدادِ الصدق، وارسلَته بين منظومٍ ومنثور، يعبقُ بالحقِّ والخير والجمال، ويسجل الخلجات والمشاعر والأحسايسَ لروحٍ استثنائيٍّ مرَّ بهذا الكوكب، وعاش غريبًا، غربةَ الناي التي لا يفقَهُها إلا الصوفيون أولئك الذين حَكَوا لِمَن اعترض على إدخالهم الناي في طقوسِ تسبيحهم ومواجيدهم وإنشادِهم، فقالوا له: أتعرفُ ما تقولُ هذه الناي؟

قال: إنها تصفرُ، وتنغم، وترنِّم، ولا تقول غير ذلك.

قالوا: بل هي تروي سيرةَ حياتها، فتقول: لقد كنتُ قصبةً خضراءَ بين مثيلاتي من القصبات على ضفة النهر، وكنت أتمايلُ مع الهواء، وأرتوي بالماء، وأبتهجُ بزقزقةِ العصافير وتغريد البلابل وسجع الحمام… ولكنني قُطعت، وغُرِّبت عن ضفة النهر، ورُميتُ في العراء تحت وهج الشمس، فجفَفتُ، ويبستُ، ثم قطعوني بالسكين، وأحْموا السيخَ على النار وجوَّفوني، وثقبوني، وكَوَوا فَمي، فصِرتُ كما ترى.

ولكن على الرغم من ذلك ما زلتُ أتذكَّر ماضيَّ البعيد ومن أين أتيت، وكلَّما وضعَ أحدُهم شفَتيه على شفتيّ يثورُ فيَّ الحنين، فأتنهَّد وأبثُّ وأبثُّ أنيني، وأقول لنفسي: ما أقسَى غُربتي وما أشدَّ ألمي!! والى متى سأبقى في أوجاعي؟ وهل يا ترى أعودُ مرَّةً أخرى إلى ذلك المكان الذي غُرِّبتُ عنه، قصبةً خضراءَ على ضفَّة النهر.

أجل إنَّه الحنين… حنينُ الأشياء إلى أصلِها الذي تحدَّرت منه… حنينُ قصبةٍ إلى ضفَّة نهر…

فكيف إذا كان هذا الحنينُ حنينَ إنسان غلى مُوجِده؟

          وكيف إذا كان هذا الإنسان متحدِّرًا من جوهرِ الحقِّ والخير والجمالِ كالدكتور داهش؟! وكافُ التشبيه، هنا، مُقحَمةٌ إلى درجةٍ كبيرة. فما أندَرَ أمثالَ الدكتور داهش في هذا العالم!

                                           ***

هنا في الأعالي، أمام هذه الينابيع أقِف، أتأمَّلُها بعيني الدهشة، أقرأ خطوطها الكبرى، وأستقرئُ ما فيها من أبعادٍ إنسانية، وأحاولُ أن أتقرِّى ما بين هذه الينابيع من وشائج، تستجمعُ خلاصةَ ما في الأرضِ من حكمةٍ وجمالٍ وشعر، وتنهضُ  بها إلى أفقٍ عالٍ وفضاءٍ رحب، على أجنحةٍ ملوَّنة من الحبِّ والشوقِ إلى معانقةِ وجودِنا الأسمى.

هنا في الأعالي سأمكثُ طويلاً لأجيبَ عن سؤالين ليسا حول الفلسفةِ أو الفنّ أو الشعر، بل حول الحياةِ والموت. سؤالين هما:

مَن هو الدكتور داهش؟

ما هي الداهشية؟

هطل الروح في قحط النُفوس

الدكتور علي منير حرب

كاتب وباحث في شؤون التربية والتعليم والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والمرأة والطفل. حائز الإجازة التعليمية في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية (1971) ودبلوم الدراسات العُليا (1972) وشهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (1986). مارس التعليم والإدارة المدرسية. علَّم في جامعتي كونكورديا ومونتريال في كندا. له عدَّة كتابات وأبحاث وبرامج تلفزيونية وإذاعية توجيهية وتعليمية. يعمل حاليًّا على إنجاز سلسلةٍ تربويةٍ لتعليم اللغة العربية إلى غير الناطقين بها.

 

 

هطل الروح في قحط النُفوس

في الذكرى المئوية الأولى لولادة الدكتور داهش

 

يقفُ العالمُ هذه الأيام على بُعد مئة عام من ولادة رجلٍ أقل ما يُقال عنه إنه أثار جدلاً عريضًا، واختلفت في فك أسرارِ شخصيته آراءُ العلماء والفلاسفة والمُفكرين، وأحدثَ هزةً عنيفةً في مألوفِ الحياة، وأعاد عقاربَ الزمن إلى ما قبل آلاف السنين، وفضحَ زيفَ السؤال الرَّاسخ في ضمير الكائن الإنسانيِّ منذُ بدء الخليقة: هل يبحثُ الإنسانُ صادقًا عن الحقيقة؟ أم إنَّه يعمدُ دائمًا إلى خطفها وتغييبها، وقد تجلَّت مرات في نفسه وفِطرته، وأمامَ عقله وناظريه، ليجعلها علَّةً من علَلِ صراعه المستمرِّ مع الوجود؟

          هل كُنَّا بحاجةٍ إلى رُبع قرنٍ آخرَ، على الأقلِّ منذ رَحيلِ الدكتور داهش، من جاهليةٍ مُتوارثةٍ مُتجددة، تأسست على الشهوات والأحقاد والضغائن والأطماع، وتغذى فيها الأخُ على لحم “أخيه حيا”، حتى نعيّ أنَّ الحقيقةَ المُغيبة مسجونةٌ تحت جُلودنا وداخلَ قشرة أجسامنا، قابعةٌ مقموعةٌ “داخل القفص” ووراءَ القناع الجسديِّ الذي نرتديه ليعطينا شكلنا الآدمي المادي، فنبحر صباحَ مساء في فضاءٍ من الضلالةِ والخداع، ونسافر معه إلى عوالمَ ريائيةٍ من صُنع فوكايا (فرانسيس) وهنتغنتون (صموئيل) وأمثالهما، ونظريات عالم جديد تحكمُه شبكة  معقدة تنسجُ خيطوها حولَ رقاب الخلق وتجرهم نحو وجود وهمي يلفظ قذراته الأرضية في حق الله والأنبياء، وجرائمه في حق الإنسانية والأبرياء، ليثبت مرةً بعد مرةٍ ألواهية مخلوقٍ قاصرٍ وضعيفٍ ما يزال يُخفي حقيقته وراءَ حُجب الأضلاع ليُتابع معركته الخاسرة التي بدأها منذُ أيام آدم؟

          ليس من شأن هذه البحث البسيط أن يسجل أو يؤرِّخ أو يتتبع حياة الدكتور داهش والأعمال الخارقة التي تهيأت له. فقد امتلأت بها صفحاتُ الكتب ووسائلُ الإعلام ومراكزُ الأبحاث والدراسات، وشهدتها عيانًا نُخبةٌ واسعةٌ من مُختلف الفئات الاجتماعية المشهود لها بالثقافة العالية وعلمها وموضوعيتها وفكرها ومنطقها في لبنان والعالم العربي وما وراءَ البحار.

          الغايةُ من هذه الصفحات مُحاولةٌ متواضعةٌ للإمساكِ بـ”المفتاح العام” الذي يمكّن من الدخول إلى عالم الدكتور داهش، فيربطُ بين طبيعته الإنسانية وقدراته ومهاراته الخارقة، ونتاجه الفكري والأدبي، وصولاً إلى حقيقة رسالته ودعوته، في مُحاولةٍ لقراءة هذه الظاهرات وإخضاعها لدراسةٍ مقارنةٍ وتحليلٍ غير اعتياديٍّ وُصولاً لفهمها ووضعها في إطار المنطق الإنساني.

          كنا كمؤمنين، ونحنُ نعبرُ النصف الثاني من القرنِ الماضي، قد أُشبعنا تعاليمَ ودروسا وقراءات في عقائدنا وعلومنا الروحية والفلسفية والنفسية والطبيعية، وفي شتى مجالات فنوننا وآدابنا، حتى خُيل لنا أن ما عرفته البشريةُ في مجال الخلق والأديان والفلسفةِ والماورائيات والمعجزات التي أيَّد بها الله تعالى المصطفين من أصحاب الرسالات السماوية قد اكتمل عقدُهُ، واختتمت فصوله، وانتهت أحداثه. فالزمنُ ارتوى بما مَنَّ عليه الخالقُ العظيمُ من ديَمِ الإيمان والتقوى التي أنعشت روحه الظمأى إلى معرفته، وأترعت وجدانه الالحائر في عُبوديته، وطهرت نفسه القلقةَ من آثامِ الشك في وجهِ اليقين الناصع كوجهِه جلَّ وعلا. وتحوَّل الإنسانُ ليضربَ في دُنياه ويسخرَ عقله وعلمَه ومعارفه في البحث عن فُتوحاتٍ وإبداعاتٍ جديدةٍ في دنيا العلوم والتقنيات: (اليوم أكملتُ لكم دينكَم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلام ديناً) (المائدة: 3).

          بيد أن مُسلسل الخطايا التاريخي المتكرر منذُ المعصية الأولى، وما تَلأاها من محُاولات الردة عن الإيمان والرُشد، والغرق في لُجة الغي والشركِ والظلم، عبرَ الأحقابِ المتالية، لم ينتهِي فصولاً، وأن المعركة الأبدية التي أعلنها إبليسُ الشر على المخلوق الذي أبى أن يسجدَ له لن تتوقف حتى قيام الساعة، آخذةً مع كُلِّ عصر لونًا جديدًا ونمطًا مختلفا من أشكالِ الصراع والحروب. وكان لا بد من “باعث عزاء” بين فترةٍ وأخرى، يهزُّ في الإنسان أسَّ الكيان، ويُقلِّمُ “الأغصان المُتيبسة” في داخله، ويعيدُ مدَّة بنُسغٍ حي يجدد فيه إنسانيته ويعيدُ إليهن بوصلة الاتجاه التي فقدها نحو السماء.

 

 

مُعجزاتٌ ومواهبُ وقُدُرات

ثلاثةٌ أنواعٍ من الأعمالِ تندرجُ تحت تسمياتِ الأعمال غير الطبيعيةِ وغير المألوفة، أو ضمن مفهوم المعجزات والعجائب التي عرفها الإنسانُ حتى زمن الدكتور داهش:

          الأول: يتمثل في المعجزات الإلهية العظيمة التي أيَّدَ الله سُبحانه وتعالى بها الأنبياءَ والمُرسلينَ والمُصطفين من عباده من أجلِ نشرِ كلمتهِ والدعوةِ لعبادته إلهًا واحدًا لا شريكَ له في هذا الكون.

          تجلَّت هذه المعجزات أعمالاً خرقَتِ المُتعارفَ عليه في الأزمنة التي بُعثوا فيها. ولا أحدَ يجهلُ ما وردَ في الكُتبِ السَّماوية من قَصص الخلق والأنبياء، وما جرى من أحداثٍ وخوارقَ منذُ هبوطِ سيدنا آدم على هذه الأرض، مُرورًا بكُلِّ أصحاب الرسالات والدعواتِ وختامًا بالنبي محمد، عليهم جميعًا أفضل الصلاة. وجاء تأييدُ الله عز وجل لهؤلاء المصطفين بأنواع وأشكالٍ مختلفة، كلٌّ حسبَ ظروفِ بيئته وثقافة مُجتمعه وإدراكِه. فكما أوحى ببناءِ الفُلكِ (السفينة المعجزة) لِنوحٍ يَعبرُ بها الطوفان، وأفارَ التنُّور في وجوهِ الكافرين، وأخرج الناقةَ من الصَّخر أمام قومِ صالح وضربهم بالصيحة العظيمة، وأحالَ نارَ الملكِ النّمرود بَردًا وسلامًا على إبراهيمَ، ونفخَ في فَرجِ مريمَ من روحِه، فكان السيِّدُ المسيحُ، صاحِب المُعجزاتِ الكبيرةِ في إحياءِ عازَرَ، وشِفاء الأبرصِ والأبكمِ والكسيح – المسيحُ الذي أعادَ الله بعثه بعدما توفَّاه ورَفعه إلى السَّماء – وأيَّد محمَّدًا بـ “جُنُودٍ لَم ترَوها”، ونصَرَه على القومِ الظالمين، وخصَّه وميَّزه بمُعجزةِ القُرآنِ الكريم وهو الأُمِّيُّ اليتيم.

          الثاني: اكتِسابُ بعضِ النَّاسِ مهاراتٍ بفعلِ الدراسةِ أو الممارسة والتدريب، جعلتُهم قادرين على أداء بعضِ أعمالٍ غيرِ مألوفةٍ أمام جمهورةٍ من المشاهدين، تحُوزُ دهشتَهمُ وإعجابَهُم، كأعمالٍ تُعزى إلى السحر وخفةِ اليد، أو السيطرةِ والتنويمِ المِغناطيسي، والتأثيرِ والخداعِ والشعوذةِ وغيرها. وقد راجت تلك على مختلف عُصورِ العالم، ولكن ضمن حيزٍ زمنيٍّ مُحدَّد وبنمطٍ خاصَ، وتنتهي بعد أدائها دون أن تترُك أيَّ أثرٍ ما.

          الثالث: ادَّعاءُ نَفرٍ بقُدرتِهم على قراءةِ المستقبل ومعرفة أسراره وخفاياهُ، والتنبُّؤ بالأحداثِ التي تحملها الأيام القادمة، سواءٌ كانت سياسيّةً أو طبيعية أو غيرها. ومع شيوع مثل هذه المزاعم وتأثيرها في الرأي العام منذُ فجر التاريخ، وتفسيرها بأنها جزءٌ  من علوم الفلك والأبراج، فإنها بقيت دون مستوى التصديق ولم تحُز ثقة الناس، لأنها اتصفت بالتنجيم، أي الاستدلال بوسائل فلكية على الأحداث الأرضية، أو بالبراعة في قراءة بعض الأحداث السابقة والجارية وتحليلها واستخلاص التوقعات والافتراضات التي يمكن أن تنشأ عنها في المستقبل. لذا سادَ القولُ المألوف: “كذب المنجمون ولو صدقُوا”.

          النوع الأول من الأعمال العصية على قُدرات الناس عامةً يكون بفعل عاملٍ خارجي لا إراديٍّ، وهو من الله سُبحانه وتعالى، ولا يستطيعُ فاعِلوها تأديتها متى يشاؤون، لأنها تُوكلُ لهم، وليست مُلكَهم أو غبَّ طلبِهم. كانت الغايةُ منها خِدمةَ كلمةِ الله وطاعتَه وعبادتَه ونشرَ رسالتِه، وتأييدَ المُصطفين في ردِّ اتهامات التكذيب والجُنونِ المُوجَّهة إليهم، ونُصرتَهم على المُشركينَ والكافرين. هذه المعجزات، مع ما تنطوي عليه من قدراتٍ لا تدركُها العقول، لن ينسبها المؤيدون بها لأنفسهم، ولم يدعوا الإتيان بها إلا بأمرٍ من العليَّ القدير.

          النوعانِ الآخران مُكتسبانِ بالتعلُّم والتدريبِ والخبرةِ والمُمارسة. ساهمَ تطوُّر العلوم النفسية والتقنية برواج بعضها من أجلِ الكسب الماديَّ. قد يكونُ هذا الأمر مشروعًا في بعض نواحيه، طالما أنَّه لا يدَّعي قدراتٍ فائقة ولا يَرمي إلى إيقاعِ الأذيَّة بالناسِ والإضرار بحياتهم ومصالحهم. وهما لا يختلفان في مُجمَلهِما عن أصحابِ المواهب الفنية أو الأدبية أو الغنائية التي منَّ الله بها على بعض خَلقِه، وطوروها بالعلمِ والتدريب، وأصبحَت مصدرَ معاشِهم في الحياة.

 

 

طاقات خلاقةٌ متنوِّعةٌ غيرُ اعتيادية

وُلِدَ الدكتور داهش في القُدسِ الشريف، ونشأ يتيمًا فقيرًا. لم يتسنَّ له التعليم إلا لأشهرٍ معدوداتٍ في ميتم في بلدةِ غزير اللبنانية. ومع الأمية والبؤس، فقد تمكن داهش أن يتتلمذَ على ذاته ويثقف نفسه ويطورَ مدارِكَه، بالإكبابِ على مُطالعةِ شتى مصادرِ المعرفةِ الدينية والزمنية، وأن يؤلفَ ما يَقرُبُ من مئة وخمسين كتابًا، تنوَّعت ما بين التأمُّلات الفلسفية والروحية، والقصة والرواية والشعر. كما قام بعددٍ كبيرٍ من الرحلات قادته إلى أقاصي الشرقِ والغربِ…

          عُرِفَ عن الدكتور داهش، بشهادةِ كبار المفكرين والمحامين والقضاةِ والأطباء والأدباء والصحفيين وغيرهم من أبناء الطبقة المثقفة، أنَّه أتى أمامُهم وبحضورهم، وفي خلالِ جلساتٍ روحيةٍ جرت على الملإ وتحت الأضواء، في منزله كما في منازلَ أُخرى، بأعمالٍ خارقةٍ عجيبةٍ، تفوقُ قُدراتِ الناسِ وتتجاوزُها بما لا يقاسُ من الطاقات، وتستعصي على التفسير العقلي والعلميّ. كما رُوي عنه تميُّزُه بخاصِّيةٍ مُذهِلة، وهي تمكُّنه من التماهي والتماثُلِ الكاملِ مع شخصياتٍ متعددةٍ لتُصبحَ صورًا منسوخةً عنه يستحيلُ التفريقُ بينها وبين هيئته وملامحه وسيماءاته، تتحرَّكُ وتنتقلُ معه، وتجوبُ المدنَ والقاراتِ وتتجسَّدُ أمام الناسِ في وقتٍ واحد.

          من بين الأعمالِ الخارقةِ والعجيبةِ التي تُنسَبُ إلى الدكتور داهش، أختارُ هنا، على سبيل المِثال، بعض النماذج التي تنتمي إلى عدةِ أنواع، دون التعرُّض للكثير ممَّا تناقلته الأخبار، كي لا يجنحَ بحثُنا إلى اتجاهاتٍ ليست من مقصَدِنا:

*أُصيبَ الطفلُ سليم العشِّي (قبل أن يتخذَ اسمَه الروحي “داهش) بمرضٍ أدخلَه في غيبوبةٍ حيَّرتِ الأطبَّاء. ولمَّا عجزَ طبيبٌ أميركيّ، أحضره والدُه الذي كان يعملُ آنذاك في المطبعة الأميركية في بيروت، عن علاج الطفلِ وهمَّ بالانصراف، فإذا بسليمٍ يستيقظُ سليمًا مُعافىً، ويُخاطِبُ الطبيبَ بلغةٍ إنكليزية، ويُملي عليه اسمَ الدواءِ الذي كان يجبُ أن يقرِّرَه لعِلاجه.

*تمكَّن من السير على سطحِ الماءِ في بِرَكِ النبيِّ سليمانَ قُرب بيتَ لحم، كأنه يمشي على اليابسة.

* في إحدى جلساته الروحيَّة، حوَّل رسمَ عُصفورٍ إلى طائرٍ حيٍّ، وبِقيَّ العصفور في قفصٍ لمدَّة عامين عند إحداهُنَّ. وأمام مُحامٍ وصحافيٍّ، حوَّل قطعة ورقٍ إلى ورقةٍ نقديةٍ صُرِفَت في السوق. وأمام رئيس المجلس النيابي وعددٍ من النواب والسياسيين آنذاك، استحضر قطعًا نقديَّةً ذهبية، بقيت في حوزةِ الرئيس، وباعها لاحقًا إلى أحدِ الصرافيين.

* في دعوةِ عشاءٍ عامَّةٍ، حول السائِلَ من صُنبورِ ماءٍ أمام المدعوين، ومن ضمنهم أحدُ الوزراء اللبنانيين، إل خمرٍ ملأ منها الحاضرونَ كُؤوسهم وشربوها.

* قدَّم له أحدُ المحامين لائحةً تتضمَّن اثنين وسبعين سؤالاً تتعلق بشؤون خاصةٍ وعامةٍ،

وطلبَ منه الإجابةَ عنها. وسُرعانَ ما عقد الدكتور داهش جلسةً روحيَّة تمكَّن فيها من تقديم اللائحة نفسها إلى المحامي فيها الإجاباتُ الصحيحةُ التي أذهلته.

* بعد أن جرَّدتِ السلطاتُ اللبنانيَّةُ الدكتور داهش من جسيته، وأثناءَ نفيه خارج البلاد، أُدينَ في أذربيجان بعقوبةِ الموتِ رميًا بالرصاص. وفي تموز 1947، نُفِّذَ فيه الحُكم، ونشرَتِ الصُّحفُ صورَ إعدامِه. وما إن وصلً الخبرُ الفجيعةُ بيروتَ حتى خيَّم حزنٌ عميق ولا سيما على مُريدي داهش وعارفيه. والحقيقة أن الدكتور داهش كان على قيد الحياة في لبنان يتابعُ معركته مع الأجهزة المسؤولة لاسترداد جنسيته.

* تمكَّن من شِفاءِ فتاةٍ أتَت من القُدسِ بصُحبةِ شقيقتها في 14 شباط 1944، اصيبت بالبَرَصِ. كما شفى طفلاً عمرُه ستُّ سنواتٍ من شللٍ أُصيب به بِسببِ مرضِ التهابِ السحايا عام 1964.

* تنبأ الدكتور داهش بوقُوعِ الحربِ الأهلية في لبنان وتعرُّض البلادِ إلى دمارِ وويلاتٍ بقطعةٍ كتبها عام 1948، بعنوان: “الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروِّع”؛ وقد نُشِرَت تلك النبوءة في بعض الصُحُف. وحدَّد فيها بشكلٍ صريحٍ أنَّ عام 1975 سيكون عامَ الحربِ الأهلية التي “لا تُبقي ولا تَذر”.

* في أواخِرِ الستينياتِ من القرن الماضي، وفي خلالِ زيارةِ مجموعةِ طلابِ إحدى المدارسِ الثانوية منزلَ الدكتور داهش، استقبلهم بثلاثِ شخصياتٍ. كانت الأولى للدكتور داهش عند مُلاقاتهم مُرحبًا بهم، وسُرعان ما تلاشت، لتحلَّ  مكانها شخصيَّةٌ ثانيةٌ للدكتور داهش رافقتهم إلى بهوِ المنزل لتغيبَ بَدورِها، وتأتي مكانها ثالثةٌ تجلِسُ خلفَ مكتبٍ أنيقٍ، راحت تشرَحُ للطلبةِ الزائرينَ أسُسَ الداهشيَّةِ ومبادئَها ودورَ الإنسانِ في الكون والحياة.

 

 

 

 

مفتاحُ الأقفال الغامضة

يقولُ الدكتور داهش في كتابه “كلمات”: “أشعرُ بأني أحوي في أعماقي قوىً روحيَّة خفيةَّة هائلةً تودُّ الانطلاق لتقوم بعمل خطيرٍ عظيم”.

ويقول في مجلة “بروق ورعود” إن هناك عوالمَ فوقنا وعولامَ تحتنا. نحنُ لم نأتِ من العدَم، ولَسنا ذاهبينَ إلى العدم. نحن ككُلِّ الموجودات طاقةٌ لا تزولُ بل تتحول من حالةٍ إلى حالة. ويؤكد في موضع آخر أن كل ما قام به وما صدر عنه لم يكن من عنده، إنما حصل عن طريق قوىً روحيةٍ علوية سامية: “دُون إرادةٍ مني، بل بإذنٍ من الله”.

          يقولُ الدكتور الأديبُ غازي براكس، أحدُ أبرزِ تلامذةِ الدكتور داهش والمؤمنينَ بدعوَته، والمُشرفُ على رئاسةِ تحريرِ مجلة “صوت داهش” في هذا الصَّدد” “منذُ أكثر من ستين سنة، أكَّد مؤسسُ الداهشية أن كيان الإنسان النفسيَّ الأساسيَّ الذي يبثُّ الحياةَ فيه لحظةَ يُولد، ثم يكوِّنُ السِّماتِ الأبرزَ في شخصيته، يتأتى بفضلِ سيَّال رئيس… هذا السيَّالُ الرئيسُ قد يكون عاديًّا في مُستواه الرُّوحيِّ… وقد يكونُ، أحيانًا قليلةً، مُميزًا بمستواه الرُّوحيِّ، فتبرزُ موهبةٌ متلقيَّةٌ، فيبدو كأنما هو طفرةٌ غيرُ طبيعيةٍ تكثرُ وتتناقضُ في أسبابها التأويلاتُ الاعتباطية”.

          يؤكد الداهشيون أن هذه القوى الروحية ليست وقفًا على بني الإنسان، إنما هي شاملة عامَّةٌ لكل مظاهر الكونِ وعناصرِه، أحيائها وجمادها، معلومِها ومجهولها. قد تختلفُ في المظهر والفعالية، لكنها واحدةٌ في الجوهر والطبيعة. فهي التي تُعطي للإنسان شخصيته وتميُّزه، كما تعطي للحيوانات والأشجار والزهورِ والجماد ما يشكِّلُ طبيعتها وصفاتها.

          ويردِّدُ أتباعُه بإجماعٍ أنه مؤيدٌ بروحٍ مقدسةٍ يستمدُّ منها القوة على صُنع المعجزات، ويُضيفُ موسى المعلوف (أحدُ الباحثين عن الحقيقةِ وقد وجدَ ضالَّتَه مع داهش) أنَّ الدكتور داهش هو: “واحدٌ من أولئك الذين مُنحوا قوَّةً روحيَّةً خارقةً لإثباتِ وجودِ الرُّوحِ من خلالِ صُنعِ الخوارق”. كما يصفُه أحدُ المؤمنين به، السيِّد حسن بلطجي، بأنَّه كان: “من طينةٍ بشريةٍ مُختلفةٍ”.

          أمَّا عن شخصياته الأخرى التي تتكون من سيالاتٍ روحية هي أيضًا، فقد وُصفت بأنها لا تخضعُ لنوامسيِ الأرضِ وقوانينها؛ فهي تخترقُ الجدران، وتنتقلُ كلمعِ البرق من مكانٍ إلى آخر، وتسيطرُ  على الجاذبية وترتفعُ في الهواء وتمشي على الماء. وتتجسدُ أحيانًا على الأرض لأداءِ مهماتٍ تساعدُ على نشرِ العقيدة.

          ماذا يعني كل هذا الكلامِ وهذه الأوصافِ والتأكيداتِ التي تتعلقُ بشخصية الدكتور داهش وكيانه؟

          يعني أولاً أن الدكتور داهش قد اختُصَّ بقوى خفية غير منظورةٍ، تلازمُه في حياته، وهي في حالة نشاطٍ دائم، تتحفزُ باستمرارٍ للانطلاق به نحو حالاتٍ وعوالمَ غريبةٍ، وتمدُّه بإمكاناتٍ غيرِ طبيعية، يستطيعُ من خلالها وبها، وبإذنٍ من مانِحها، تحقيقَ مُعجزاتٍ وعجائب، والقيامَ بما يفوقُ القُدُراتِ البشرية المعروفة؛ وأنَّ هذه القُوى رُوحيَّةٌ عُلويَّةٌ مُنبثقةٌ من شلالِ السيالات التي تحكمُ الكونَ وتتحكمُ بالكائنات جميعًا، في ماضي الخلقِ وحاضِرِه ومُستقبلِه، وهي تسكُنه وتسيلُ به كما يسكنُ الدمُ الشرايينَ ويجولُ بها في دوراتٍ متلاحقةٍ تضُجُّ الحياةَ وتبعثُ الوجود.

          ويعني ثانيًا أن مسألةَ الرُّوح، و”سُكناها” في أجسامٍ بشريَّةٍ أو غير بشريةٍ، كانت ولا تزالُ مدارَ جدَلٍ طويلٍ، وعُرضةً للكثيرِ من الأقاويلِ والتفسيرات المتناقضة، كما كانت موضُوعًا دسمًا لدى كثيرين من المفكرين والفلسفة، شرقًا وغربًا، الذين بنوا عليه العديد من النظريات والفرضيات والنتائج، لأنه يدخُلُ عميقًا في مسائِل الإيمان والأديانِ وأسرارِ الوجودِ والخَلق. فالرُّوحُ الإلهيَّةُ وأرواحُ الملائكة والأرواحُ العُلوَّيةُ الأُخرى تُحدِّدُ النطاق الأهم في مفهوم الدين، كما تُشكلُ الشاهد الأكثر إقناعًا لدى المؤمنين من خلال حدوث المعجز أو الإعجاز بها.

          دعُونا نقرأ ما كتبَ المفكر أديب صعب، الذي اشتهر بدراسةِ موضوع الفكرِ الديني وفلسفة الدين ووحدة الأديان منذُ أواخرِ القرن الماضي، في كتابةِ “وحدةٌ في التنوُّع” الصادر في طبعته الأولى عام 2003 عن دار النهار للنشر في لبنان: “كثيرونُ من الناس في كُلِّ الأديان، وحتى خارج النطاق الديني التقليديِّ، يُصدقون حُصولَ أحداثٍ خارقةٍ قد يستتبعُ الإيمانُ بها مزيدًا من الخوارق… تشتركُ كلها في كونها تخرقُ المألوف أو المعتاد. من هُنا درجتِ العجيبةُ في أذهان الناسِ على أنها خرقٌ للقانون الطبيعي. وهذا هو تحديد العجيبة المقبولُ على أسوع نطاق.

          إن الاستغناء عن المعجز هو الاستغناء عن الدين والإيمان الديني. فالإيمان إما أن يكون إيمانًا بمعجزٍ، والدين، إما أن يدورَ على مُعجزٍ، وإلا لا يكون ثمة دينٌ ولا إيمانٌ على الإطلاق… المُعجزُ يجعلُ الدين دينًا أو يعطيه صفته الأساسية. نطاقُ الدين هو نطاقُ الإعجاز”.

يُتابعُ صعب قائلاً: “الخبرة الدينية كلها خبرةُ مُعجزة: “إنها اختبارُ الإعجاز في العالم. وإذا كان الإنسانُ يختبرُ الأشياء حوله بحواسِّه المختلفة، فما هي الحاسَّةُ التي تحصل بها الخبرةُ الدينية؟

          أنت تلمسُ باليدِ وترى بالعين وتسمعُ بالأذنِ وتشمُّ بالأنفِ وتذوقُ باللسان. لكن ليس من حاسةٍ كهذه الحواسِّ – يقولُ بعضُ المفكرين الذين يدَّعون الاحتكام إلى العِلم – يختبرُ بها الإنسانُ حُضورَ الله في الكَون. الجوابُ هنا أن العِلمَ لا يُقدِّمُ ولا يؤخِّرُ في هذا النطاق. المهمُّ النظرةُ إلى العالم: أهوَ كونٌ موجَد وكفى، أم مخلوقٌ من خالِق؟ الجوابُ الدينيُّ هو الثاني – العالمُ مخلوق. هكذا إذ تلمسُ وترى وتسمعُ وتشمُّ وتذوق، فإنما تختبرُ بحواسِّكَ هذه جميعًا صورةَ الخالِق في المخلُوق، فتقولُ مع الكتاب: “ذُوقوا وانظروا ما أطيبَ الربَّ.” إذ ذاك يتجلى لك العالمُ كلُه أيقونةً تنضحُ زيتُا بلا انقطاع. لكن كيف يستطيعُ أن يرى الزيتَ مَن لا يرى الأيقونة؟”( ص: 71-74).

          بناءً على ما تقدم، لا يستغربُ الباحثُ قولَ الدكتور براكس في وصفِ تشخصياتِ السيالِ الروحيِّ المتفوق والفعالِ وتمظهرها أمام الخلقِ بأنه “طَفرةٌ غيرُ طبيعيةٍ وتتناقضُ في أسبابها التأويلاتُ الاعتباطية”. فكلُّ ما يتجاوزُ القُدُراتِ الإنسانية على استقبالِ المظاهرِ والأحداثِ والوقائع وإخضاعها إلى المعايير المتاحةِ عقلاً وإحساسًا يمكنُ أن يكونَ مدعاةً للاستهجانِ والاستغراب. كما لا نعجبُ حين نقرأُ ما وردَ في مُذكراتِ جبرا إبراهيم جبرا “البئرُ الأولى” عن الدكتور داهش إذ يقول: “سُرعان ما تحوَّلَ هذا الشابُّ، الذي علَّم نفسَه بنفسِه، إلى أسطورةٍ بما يقومُ به من خوارق ]….[

 

وذلك بعد رحيله إلى القدس، ثم إلى بيروت، حيثُ دعا نفسه “داهش بِك”، ثم الدكتور داهش، وأسس طريقةً عُرِفت بالداهشيَّة”. وما يهمُّنا في هذا الحديث العبارةُ التي لجأ إليها الأديبُ جبرا ليصفَ الدكتور داهش وأعمالَه: “الأسطورةُ”، مُختتمًا قولَه بأنه “أسَّس طريقةً” (على سبيل التشبيه بما يُعرفُ عن أصحاب الطُرِق الروحية، كالصوفية وغيرها).

أستدركُ هنا لأقول إن موضوعَ الروح يرتبط أساسًا بموضوع الخَلقِ ويدخلُ في صميم كينونةِ الجنسِ البشري خصوصًا، ويحملُ في تكوينه روحَ الخالقِ العظيم: (فإذا سوَّيتُه ونفَختُ فيه من رُوحي) (سورة الحجز: 29)، وفي ذُريته من بعِده فنفخ الرُّوحَ في الجنين، ثُمَّ في الخلقِ المعجزِ للسيد المسيح: (فأرسلنا إليها رُوحنا فتمثل لها بشرًا سويًّا* قالَت إني أعُودُ بالرَّحمنِ مِنكَ إن كُنتَ تَقيًّا* قال إنما أنا رسُولُ ربِّكِ لأَهَبَ لكِ غُلامًا زكيًا* قالَت أّنَّى يكُونُ لي غُلامٌ ولم يَمْسِني بَشَرٌ ولم أَكُ بغيًّا) (سورة مريم: 17 – 20). ثم في سورة (الأنبيا: 91)، حيثُ يقولُ تعالى في كتابه العزيز: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من رُوحنا وجعلناها وابنها آيةً للعالمين). فالروحُ الصادرةُ من الله تعالى أو من ملائكته بإذنه، إنما هي نُسغُ الحياةِ الجاري فينا منذُ لحظة الخلقِ الأولى، وهي الحقيقةُ السابقةُ كلَّ الحقائق الكامنة في أسرارِ الإيمانِ والوجود.

          فالروحُ إذًا ليست مفهومًا طارئًا على الإنسانية، وليست ظاهرةً جديدةً عليها، وليست أمرًا مستحدثًا في عصرٍ ما. إنها جزءٌ من سر!ِ الخلقِ الإلهي، مزروعةٌ فينا وفي مَن حَولنا، مغروسةٌ في صُلبِ كينونتنا تُلازمنا وتُرافقنا وتحركنا وتُوحي إلينا وتحدِّدُ مدى قُدُراتنا ومساحتها وسقفها. فلماذا نعجبُ من تجلياتها في شخصٍ ما! أو في ظاهرةٍ طبيعيةٍ ما! أو مما يحدثُ من عجائبَ أو معجزاتٍ أو خورق! فإذا أدركنا هذه الحقيقةَ الإيمانية الساطعة، نستطيعُ معها أن نفهمَ ونفسِّر ونستوعبَ كلَّ ما يخرجُ عن نطاقِ تجربتنا الحسية، لأنه آتٍ من شيءٍ مركبٍ فينا أساسًا، ومتوافقٌ مع قولِه تعالى: (قال كذلك قال رَبُّك هُو علَيَّ هيِّنٌ وقد خلقتُكَ من قبلُ ولَم تَكُ شيئًا)(سورة مريم: 9). وفي قوله تعالى أيضًا، في السورةِ نفسها، آية 21: (قال كذلك قال ربُّك هُو عليَّ هينٌ ولنجعله آيةً للناس ورحمةً منَّا وكان أمرًا مقضيًا). ويقعُ ضِمنَ التسليم بسلطان الله تعالى وإرادتهِ: (ينزلُ الملائكة بالرُّوحِ من أمرِه على مَن يَشاءُ من عباده) (سورة النحل: 2)، وقوله أيضًا في السورة نفسها، آية 40: (إنما قولُنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقُولَ لَه كُن فيكون).

          إذا كانت الروح مفتاحًا يمكننا من فتح الأقفالِ المستعصية في شخصية الدكتور داهش، وإذا كانت الروح، لا بماهيتها التي هي المعجزُ الإلهيُّ الأكبرُ: (ويسألونك عنِ الروح قُلِ من أمرِ رَبِّي وما أُوتيتُم من العِلمِ إلا قليلاً) (الإسراء: 85)، بل في تجلياتها في الخَلقِ والرُسُلِ والأنبياء، هي مولدةُ الطاقةِ الحياتية في الكائنات، فالسؤالُ الذي يجبُ أن يطرحَ في هذا المجال ليس التحقُّق ممَّا فعلَ الدكتور داهش، ومتى كيف وأين، وغيرها من أسئلةٍ تبقى سطحيةً وظاهريةً مع ما تضفيه على شخصيته من شُهرةٍ وبُروزٍ وتألُق، لأن ذلك يُعتبرُ بمثابةِ إصدار حُكم مُسبقٍ بتركِ الرجُلِ أسيرَ الإطار الأرضيِّ التقليديَّ النفعيِّ والآنيِّ، وتحويل صنائعه إلى مشهديةٍ مسرحيةٍ تستقطبُ المشاهدين لرؤيتها والمتع بفنونها الخارق، وبالتالي تسجنُ مبدعها في خانة اللاعبين والسحرة والماهرين الذين يُقدمون مهاراتٍ ذاتية وشخصيةً صادرةً عن عوالمهم وعلومهم وقُدُراتهم المحدودةِ والضيقة التي تُدهِشُ وترفِّهُ، كغايةٍ بحدِّ ذاتها، ولأهدافٍ شخصيةٍ أو فنية أو مادية، لكنها أبدًا لن تترك منهاجًا فكريًا وعقيديًا، ولا رسالةً خُلُقية أو اجتماعية، ولا مذهبًا فلسفيًا إصلاحيًا، وأتباعًا وجمهورًا وتراثًا، كما هي حالُ الدكتور داهش، ولم تكوِّن لمثلِ هؤلاءِ مضبطة تحقيقٍ وسجن وإضطهاد ومُلاحقةٍ ونفي.

          لذا فالسلوكُ العلميُّ والموضوعيُّ الواجبُ اعتمادُه في مسألةِ الداهشية يكونُ في اعادةِ تصويب مسار النقاش وتصحيح الوجهةِ التي سُحبَ إليها قصدًا أو عفوًا، وعمَدَ الكثيرون، حتى من بعض مؤيديه، الذين أذهلتهم التجربة الإعجازيةُ الداهشية، ووقعوا تحت تأثير غرابتها، إلى التوقف عند حدود الفعل الحدثِ والاستغراق في وصفه وبيان عظمته وقوته وفرادته، دون التفكُّر في مصادر هذه الأفعال ومنابعها ومآلها وأهدافها، الأمرُ الذي ساهمَ في الإساءة إلى الرجل من ناحية، وتحويلِ مسارِ البحثِ إلى وجهةٍ أخرى، وتضليل السعي نحو جوهرها وحقيقتها ومفاعيلها.

          السؤال الصحيح يجب أن يتوسل الإجابة عن الأهداف والغايات والعلل التي تتوخاها الداهشية، والدوافع التي من أجلها سُخرت هذه القوى وهذه الظاهرات. بمعنى آخر، هل جاءت أقوالُ الدكتور داهش وأفعالُه التي ينسبُها إلى قوةٍ روحية عُلويةٍ مُقدسةٍ على مُستوى هذه العلوية والقُدسية والسموِّ؟ هل هي من نسيج صفاء هذه الرُّوح وبهائها وطهارتها؟ وهل جاءت من وحيها خالصةً صادقةً لوجهِ الله، أم لغير ذلك ودونه؟ هنا، في رأيي، يكمُنُ سرُّ الحُكم لهذا الرجلِ أو عليه.

          للإجابة عن هذا السؤال، أبدأُ من بعض المزايا الشخصية والفكرية والخلال الخلقية والاجتماعية التي كان يتمتع بها الدكتور داهش، والتي شاعَت من خلال معارفه وأتباعِه، وما نُشرَ عنه في المؤلفات والصُّحُفِ والمجلاّت. فقد كان الدكتور داهش يؤمنُ، كما صرَّح دائمًا، إيمانًا مُطلقًا بالرُّوحِ، ووجودها وديمومتها ودورها الأساس المؤثر في الحياة، كما جاءَ في سياق هذا البحث.

          وكان يؤمنُ بالأديانِ جميعها وبكلِّ الأنبياء والكُتبِ والرُّسلِ والمصلحين والهداةِ والفلاسفة في العالم أجمع، ويقدرهم ويجعلهم ويحترمُ الرسالات التي كلفوا بها، لأنها أساساً تشكلُ التواصل الروحي الذي يعتبرُ العنوان الأكبر في موضوع إيمانه.

          بناءً على ما جاء به من أدلةٍ وشواهدَ وآياتٍ وأقوال، كان الدكتور داهش على معرفةٍ عميقةٍ ودرايةٍ واسعةٍ بكل الأديانِ السماوية وغير السماوية، ومنها استمدَّ مرجعية دعوته ورؤيته ونظرياته. وكان على إطلاعٍ وافرٍ بمضمون الفلسفاتِ الدينية وأبعادها وتفاسيرها وفقهها، الأمر الذي مكَّنه من بناءِ منهاج دعوته ومحتوى رسالته بالارتكاز على أسُسِ هذه الأديان، ولا سيما في أبعادها الروحية الإيمانية، وفي توجهاتها الخلقية والإنسانية. لكن إيمانه هذا لم يكن إيمانًا تقليديًا موروثًا، ولم يقتصر على مظهر الدينِ وطقوسه ومُمارساته، إنما كان نابعًا من قناعةٍ راسخةٍ وتسليم تامٍّ بأن الإيمانَ فطرةٌ إنسانية لا يمكنُ للفردِ أن يتخلَّى عنها، وبأنه بنيةٌ روحيةٌ متكاملةٌ تعوِّلُ على الجوهر في الأديانِ أو كما يقولُ أديب صعب: “على الدين في الأديان”.

          أضِف إلى ذلك أن الدكتور داهش عُرِفَ بين أهلِه وأصدقائِه ومعارِفهِ بأنه كان صادقًا عفيفًا متواضعًا، ومحبًّا مُتسامحًا مع الجميع، وكريمًا، وعلى ثقةٍ كبيرةٍ بنفسه وعلمه وقدراته. لذا، تعددت الألقابُ التي أُطلقت عليه، سواءٌ من أتباعه أو من سواهم الذين شاهدوا أعمالَه الخارقة، والتي تشيرُ بوضوح إلى خصائصه الروحية وإمكاناته العالية وخصالِه الخلقية الرفيعة. فقد عرفوه بأنه “نسرُ السماوات”، و”نبيُّ القرنِ العشرين”، و”النبيُّ الأديب”. ووصفه الصحافي كميل قبيسي في جريدةِ “الشرق الأوسط” (عدد آب/ أغسطس 2001) بأنه مؤسسُ أكبر حركةٍ روحانيةٍ في الشرق. وأطلق معتنقو دعوته على أنفسهم لقب “المؤمنون”، حتى أن الشاعر حليم دموُّس، مؤرخ الرسالة الداهشية، عُرف بحسان، تيمُّنًا بحسانِ بن ثابت، شاعر الرسول العربي.

          نصلُ الآن إلى حقيقة الدعوة التي أبقاها الدكتور داهش في نطاق ضيق بادئ الأمر، بين صفوةٍ من مُريديهِ المواظبين على حضور جلساته الروحية في منزله، ثم أعلنها على الملإ بعد أن أيقن أنه استحوذ على ثقة حشدٍ كبيرٍ من العامة.

          لن أخوضَ عميقًا في تفاصيل الدعوة الداهشية ومقوماتها ومبادئها، ذلك أمرٌ يستوجبُ بحثًا خاصًا، ولكن لا ضيرَ في إلقاء بعض الضوء على معالمِ الإجابة عن السؤال المطروح.

          من أهمِّ الأسس والأركان التي ارتكزت عليها الرسالةُ الداهشيةُ مسألةُ العودة إلى الجذورِ والأصول من أجل اكتشاف الجوهر النقي في الإنسان والطبيعة والمخلوقات جميعًا، والذي غيِّب وطُمِس تحت تراكُم الفساد والطمع والغرائز الدنيوية التي تحكمت بالإنسان وحولته إلى آلةٍ من لحمٍ ودمٍ خاويةٍ من الروح المنزهةِ التي نفخها الله بها ليكون خليفته على هذه الأرض، فعاث فيها فساداً بدلاً من أن ينشر فيها الخير والصلاح، وأثار فيها الحروبَ والقتل والدمار عوضًا عن نشر السلام والطمأنينةِ والاستقرار، وسيَّد عليها الظُّلم والقهر والاستبداد مكان المحبة والعدل والتسامح. فامتلأ العالمُ جورًا وظلمًا وحقدًا وكراهيةً، وأشرفَ على السقوط في هاويةٍ سحيقةٍ من الشرور والآثام. وبذلك، فقد الإنسانُ روحَ إنسانيته ومبرر بقائه واستمراره. وقد لخص ذلك الدكتور براكس: ” كلُّ وجودٍ حياتي له مبررٌ لبقائه كامنٌ في طاقته الجوهرية، فإذا فنيت هذه الطاقةُ الداخلية التي بها قوامُ وجود الشيء، في الشيءُ حتمًا. ووجودُ الإنسان الحياتيُّ، كنوعٍ من الكائنات، رهنٌ بوجودِ الطاقة الإنسانية فيه”.

          لذلك انطلقت الدعوةُ الداهشية على خطين متوازيين، الأول ذو منحًى إيماني دجيني خالصٍ، والثاني ذو توجُّهٍ إصلاحي لمفهوم الدين من ناحية، ولإعادة تكوين مجتمعٍ صالحٍ من ناحيةٍ أخرى.

          تناولَ الجانبُ الدينيُّ في دعوةِ الدكتور داهش “إيقاظَ الرُّوح في النفوس”، بعد تسلط النزعة  المادية عليها، لتعود إلى أصالتها في الإيمان بالله الواحد وعدم الشركِ به، والطاعةِ له، والإيمان بملائكته وكُتبه ور”ُسله واليوم الآخر، والتمسُّك بأهداب الدين وتطبيق تعاليمه الصحيحة من مصادرها  الأصلية النقية، والتمثلِ بالأنبياء والمرسلين في ممارسة العبادات، وعدم الأخذ بادعادءات الملحدين والكافرين، للعودة إلى وثنية جديدة، وصُنعِ أربابٍ على قياس مصالح المستبدين والأقوياء والظالمين.

في الجانب الإصلاحي الديني، تتلخصُ الدعوةُ الداهشيَّةُ بضرورةِ  تنقية الأديانِ من الشوائبِ التي اعترتها وأفرغتها من جوهرها وغناها، وأخضعَتها لمصالحَ دنيويةٍ  مختِلفة، فتحولت بذلك إلى مجموعةٍ من الطقوس والممارساتِ والاحتفالات، ومناسبة للاستعراض والتباهي، على حساب العقيدة نفسها، ثم بالعمل على مُصالحةِ الأديانِ والمذاهب (“وحدة الأديان”) التي بتخاصُمِها واستعداءِ واحدِها على الآخر، ومحاولاتِ احتكارِ الله ووعودِه كوَّنت فِرقًا مُتناحِرة شوَّهت  معنى الرسالات، وجرَّت على العالم حروبًا طاحنةً مدمِّرة. فالأديانُ كلها واحدةٍ، وإن اختلفت في بعضِ مظاهرها وأشكالها تبعًا لتغيُّر الأزمنة والناسِ عندَ نُزولِ كلِّ رسالةٍ سماوَّية. وقد أبدعَ الشاعرُ حليم دمُّوس في وَصف ذلك، حين قال:

فيـــــــــا رَبُّ  قــــــــــد تاهَت بليلٍ مراكبٌ     وهـــــــــــــــــــــــــــا هي لــــــــــــــم تغرق ولَـــــــــــــــــــــــــم تتوحــــــــــــــــــــــــــدِ

فهل تلتقي في شاطىء الحُب والهُدى    سفائنُ مُوسى والمسيحِ وأحمَدِ!

 

ومن قصيدةٍ ثانية له:

فأنت أخي ما دامَتِ الأرضُ أمَّنا                           وأنت أخي بالرُّوح قبل التجسُّدِ

لعمرُكَ ما الأديانُ إلا نوافِـــــــــــــــــــذٌ                    ترى الله منهــــا مُقلةُ المتعبــــــــــــــــــــد

أما في الجانب الخلقي والاجتماعي، فتركزت الدعوةُ الداهشية على محاربةِ الجهل قبل كل شيءٍ لكونه آفةً تهدِّد الأفرادَ والمجتمعات، ومصدرً للشرورِ التي تجتاح العالم. وتوجهت إلى التزام المثل العالية والقيم السامية في المعاملات والعلاقات بين الناس وبين الدُّول، والحرص على الحرية التي بدونها لا حياة للشعوبِ ولا أملَ في التقدم، والتمسُّكِ والتعاونِ والبُعدِ عنِ الرذائلِ والفواحشِ والخطايا، ورفضِ العنفِ والدماءِ والأحقاد.

 

 

 

 

فرادةٌ الإعجاز

ويمكنُ في إيجازٍ استخلاصُ الحقائق التالية:

أولاً: إنَّ أحدًا من المشككين في أعمالِ الدكتور داهش لم يُنكرِ وقوعَها وحدوَثَها ويكادُ الجميعُ من عامَّة الناسِ ومن مؤيديه ومناوئيه يُجمعونَ على وصفِ أعمالهِ بالخارقة.

ويبقى الخلافُ في كيفيَّة حدوثِ هذه الخوارِقِ وتفسيرِها ومصدرِها والغايةِ منها.

 

ثانيًا: إنَّ أغلب أعمالهِ الخلاقةِ تحوَّلت إلى تجسيدٍ  ملموسٍ متداولٍ بين الناس، ويمكثُ معهم، ويستمر وجودُه بينهم إلى ما بعد انتهاء الجلسة الروحية التي أسفرت عن هذا الوجود.

ثالثاً: أسست هذه المعجزات ركيزة دعوته وإعلان رسالته الروحية.

رابعًا: لم يتخذ هذه “الخوارق” وسيلةً لعملٍ مأجورٍ وسبيلاً للكسب، ولم يبتغِ منها شُهرة أو ملكًا، ولم يستغلها لتحقيق مآربَ شخصية.

خامسًا: لم يذكر أحدٌ، حتى من أشد مناوئي دعوته وخصومه، أنه توسَّل قواه لإيقاع الشر أو الأذية بأحدٍ؛ بل على العكس من ذلك، فما أُشيع عن حادثةِ انتحار ماجدًا حداد المعروفة بـ”الشهيدة الأولى” في الدعوة الداهشية يُثبتُ جنوحَ الدكتور داهش للسِلم والتسامحِ ورفضِ العنف والحقد والانتقام. فقد تركت ماجدا حداد رسالةٌ ذكرت فيها أنها أقدمت على انتحار بسبب الاضطهاد الكبير الذي مُورِس على الدكتور داهش وأتباعه، ولأن الدكتور داهش وأتباعه، ولأن الدكتور داهش نفسه منعها من تنفيذ قرارها باغتيال رئيس الجمهورية، أنذاك، الذي كان وراء الحملة التي شُنَّت عليه وتجريده من جنسيته.

          سادسًا: استثمر قدراته لخدمةِ الفكرِ والأدبِ والفنِّ، فقد ترك ذُحرًا هائلاً من المؤلفات والمقتنياتِ الفنية والأثرية. وهذا ما لم يفعله أحدٌ من قبله.

          سابعًا: لم يكتفِ بواقعه المميز، بل صاغه ضمن منهاج حياةٍ وتفكيرٍ وفلسفة. وإن اختيارَ اسم روحيٍّ له بديلاً من اسمه الأصلي يندرجُ ضمن سياق هذا المنهاج.

ثامنًا: هو الأهمُّ من بين كل هذه الأسباب، توظيفُه كل هذه القوى والطاقاتِ من أجلِ إطلاقِ دعوتِه التوحيدية الروحانية الجديدة. ولا شكَّ أنه شاءها لخدمة الإنسانية واسقرارها وخيرها، ومن أجل إتمام المصالحة بين الأديان جميعها، وبين الإنسانِ وذاته، وبين الإنسان وربه، وبين الإنسان وعناصر الكون الأخرى.

          تاسعًا: حظي الدكتور داهش باهتمامٍ واسعٍ من كبارِ المفكرين والأدباء، في مختلف بلاد العالم العربي، الذين كتبوا عنه  وسجلوا خوارقَه، ومنهم الشيخ عبد الله العلايلي في كتابه “كيف عرفتُ الدكتور داهش”، والدكتور محمَّد حسين هيكل مؤلفُ كتابِ “حياة محمد”، وزيرُ المعارف ورئيسُ مجلسِ الشيوخِ المصري آنذاك، والصحافي المصري لطفي رضوان، رئيسُ تحرير مجلة “المصور” في كتابة: “خوارقُ ومعجزاتُ الدكتور داهش”، والشاعرُ اللبنانيُّ حليم دموُّس في كتابه: “المعجزاتُ والخوارقُ الداهشيةُ المذهلة”، إضافةً إلى ما وردَ عن أخباره وأعمالهِ المدهشةِ في مذكراتِ اثنين من أدباءِ العالَم العربي ومفكريه، هما جبرا إبراهيم جبرا وهشام  شرابي، فضلاً عن عشراتٍ أخرى من المؤلفات والمقالات واللقاءات والمقابلات التي شغلت الأوساط الثقافية والمؤسسات العلمية والصحافة اللبنانية والعربية والعالمية لسنواتٍ طويلة.

عاشرًا: نعرفُ من سِيرَ الأنبياءِ والمصلحين، عبر التاريخ، أنَّ من أسبِق أتباعهم والمؤمنينَ  بدعواتهم ورسالاتهم أبناءَ الطبقة الفقيرة والمظلومة والمقهورة، المتطلعين إلى هادٍ ومنقذ. الأمرُ الجديدُ في دعوةِ الدكتور داهش أن أوائلَ المؤيدين لها والمضطهدين بسببها كانوا في أغلبهم الساحق من اهل النخبة الفكرية والثقافية والعلمية.

          وأخلُصُ من ذلك، تاركًا أمام القارئ سؤالاً واستلهامًا.

          أما السؤال، فهو هل يجدُ المؤمنون الصادقون اليوم علاجًا للقضاء على القحط الروحي الذي تعانيه الإنسانية، وللتخاصم العقائدي الذي تشهده الأيانُ والمذاهبُ والعوزِ الأخلاقي الذي يضربُ الأفرادَ والمجتمعات، أفضل من تلك الكلمةِ السواء التي أطلقها الدكتور داهش قبل ستين سنةً ونيف؟

          أمَّا الاستفهامُ فهو في تقدير الحُكمِ في ما إذا كان الدكتور داهش جديرًا بالمنحةِ التي وُهبت له، وما إذا كان وفيًا وعلى مستوى جسامةِ المهمة التي من أجلها حدثت تلك الأعمالُ الخارقة، وما إذا كانت عجائبُه قد انتهت بوفاته، أم أنها تحولت إلى صرخةٍ داويةٍ، لو تسنى لها أن تجد آذانًا قبل نصفِ قرن، لوفرت على الإنسانية جمعاءَ كثيرًا من مآسي جنون الصراع بين الحضارات والأديان، وهَوسِ نهايةِ التاريخ، وموجاتِ البرابرةِ الجدُد.

إشادةٌ برجلٍ عظيم

الدكتور مرسي سعد الدين

كاتب مصري باللغتين العربية والإنجليزية. حاز شهادة الدكتواره في علم اللغات المقارن من جامعة لندن.

شغل عدة مناصب سياسية ودبلوماسية في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان الناطق الرسمي باسم الرئيس أنور السادات خلال محادثات “كمب دايفيد”. اعتزل العمل السياسيَّ عام 1981، وانصرف إلى الصحافة، فرأس تحرير عدة مجلات باللغة الإنجليزية، منها Egypt today و World Tourism. وهو اليوم من محرري الصفحة الثقافية في جريدة Al-Ahram Weekly من مؤلفاته “نشوء الأحزاب السياسية” و”حفيدتي… وأنا” وPlain talk.

 

 

إشادةٌ برجلٍ عظيم

لا أدري كيف أبدأ بالحديث عن الدكتور داهش. هل أكتبُ عنه كمفكرٍ ومؤلف لأكثر من مئة عمل أدبي من الشعر والنثر أم أكتب عنه كرسول للسلام والحب بين الناس بصرف النظر عن دياناتهم وأوطانهم أم كمصلح اجتماعي يريد أن يرى العالم حوله يعيشُ في سلام وعدالة؟ الواقع أن الدكتور داهش هو كل هذه الأشياء مجتمعةً.

          كانت معرفتي الأولى بالدكتور داهش في الثلاثينيات من القرن العشرين. وكنتُ في ذلك الوقت تلميذًا في المدرسة الثانوية، وكان والدي أستاذًا للعلوم، وكان يصحبني دائمًا إلى منزل صديقٍ له، هو أيضًا أستاذ علوم، لكنه من المؤمنين بـ “تحضير الأرواح”. فقد كان يعقد في منزله الذي يقع في “الروضة”، أحد أحياء القاهرة جلساتٍ يحضرُها عددٌ من الأصدقاء، ووسيط كان يتمتع بما يطلقون عليه “الجلاء البصري”. وفي إحدى تلك الجلسات قدمني والدي إلى شابٍّ في منتصف العشرينيات من عمره، يتسمُ بالوسامة وبعينين لا تستطيع أن تحدِّق إليهما أنت طويلاً. وتُحسُّ، وهو ينظرُ إليك، أنَّه يحاول أن يصلَ إلى قرارة نفسك. وتذكرتُ أني رأيتُ صورةَ هذا الشاب، وهو الدكتور داهش، في الجرائد المصرية، وعرفتُ في تلك المقابلة سرَّ نظرته النافذة.

وزارنا الدكتور داهش عدة مرات في منزلنا. وكان، هو ووالدي، يدخلان في مناقشاتٍ حول الروح والخليقة ومصير الإنسان، وفي موضوعاتٍ كانت، في ذلك الوقت، أعلى من قدرتي  على الفهم.  وترك الدكتور داهش مصر، ومرَّت سنواتٌ كثيرة…

وفجأةً اتصل بي صديقٌ من القاهرة لا أذكر اسمه، وقال إن لديه رسالةً من الدكتور داهش – وكنتُ في تلك الأثناء قد تخصصتُ في اللغة الإنجليزية  للإذاعة المصرية برنامجًا  بعنوان “تحت سحر مصر”، وأخرَ بعنوان” ديوان الشعراء” كنتُ أقدم فيه قصائد عربية حديثةً قمتُ بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. ولعل هذا ما دعا الدكتور داهش، عن طريق الصديق اللبناني، أن يطلب إليَّ ترجمةً أحد كتبه من العربية إلى الإنجليزية.

          لم يكن  وقتي يسمحُ بالقيام بتلك الترجمة، فاعتذرتُ، وترك لي الصديقُ اللبنانيُّ مجموعة من مؤلفات الدكتور داهش بدأْتُ بقراءتها. ولكن لا بد لي من الاعتراف بأنني لم أستطع أن أقرأها جميعها؛ وتجدرُ الإشارة إلى أنها تزيد على مئة كتابٍ ما زلتُ أُداوم قراءتها. قرأتُ أشعارَه في “أسرار الآلهة” و”قيثارة الآلهة”، وفيهما يستعمل ما يُطلَق عليه الآن “الشعر المنثور”. كما قرأتُ له أشعارًا كلاسيكية، لكنها قليلةٌ جدًّا في مؤلفاته. منها:

          أيُّهـــــــــــــــــا العصفــــــــــــور غــــــــــــــــــــــنِّ            تُبعــــــــــــــــــــــدِ الأشجــــــــــــــــــــــانَ عنّــــــــــــــــــــــــِي

          غنِّنـــــــــــي لحنًــــــــــــــــــــــا شجيًّــــــــــــــــــــــــا            وأَعِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدْه وادنُ منّــــــــــــــــــــــــــــــِي

                                      ***

          أيُّهــــــــــــــــــــا العصفـــــــــــــــــــــــورُ حلِّقْ             واشدــــــــــُ حُــــــــــــــــــــــــــرًّا في الفضــــــــــــــــــــــــاءْ

          ليتنــــــــــــــــي مثلـــــــــــــك أَشــــــــــــــــدو             إنَّ قلبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي في عنــــــــــــــــــــــــــــاءْ

         

          وكان من الطبيعي أن أقرأ الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش والدكتور محمد حسين هيكل؛ وهي أكثرُ من مجرَّد رسائل عاديَّة. إنها تعكس فلسفةً عميقة ورشحًا لمفهوم الاضطهاد في عصرنا الحديث. إنَّ ما تعرَّض له الدكتور داهش على يد رئيس جمهورية لبنان الأسبق بشاره الخوري يذكرنا بمحاكم التفتيش في العصور الوسطى. وقد بيَّن مؤسس الداهشية في رسائله أسبابَ ذلك الاضطهاد ومراحلَه القانوية والتعسفية.

ولكنها (أي الرسائل)، في الوقت نفسه، تعكس عظمة الدكتور داهش في مقاومته ذلك الاضطهاد واسترداده لحقَّه بيده.

          وهناك أيضًا كتبٌ تعالج الروحانيَّات، ومنها “ابتهالاتٌ خشوعيَّة” الذي يضمُّ صلواتِ الدكتور داهش وأناشيده الروحية التي يتوجه بها إلى الله، إلهِ جميع الأديان التي كان يؤمن بها. وهو يستهلُّ صلواته بأحد عشرَ ابتهالاً اقتبس معناها من مزامير النبي داود، وصاغها بأُسلوبه. وفي تلك الصوات يعترف بالضعف البشري واصطراع الخير والنشر في نفسه، ثم يستغفرُه تعالى ويستنجدُه في سحق الميول الوضيعة. ومن الأناشيد الروحية ما يناجي فيها المؤلف عالم الروح حيث النقاء والبهاء.

          وبالإضافة إلى هذا العدد الكبير من المؤلفات الرائعة، فإن الدكتور داهش كان مهتمَّا بالفنون الجميلة بكل أشكالها. وقد استطاع أن يقتني ما يزيدُ على 2000 عملٍ فني، وكان أمله أن يستطيع أن يُنشئ منها في بيروت متحفًا لا يقل شأنًا عن المتاحف العالمية. ولكن أمله تحطم حين قامت الحربث الأهلية في لبنان، وصارت بيروت أطلالاً بائسة. وقد استطاع الدكتور داهش أن ينقل مُتنياته الفنية إلى الولايات المتحدة حيث قام بعضُ أصدقائه ومريديه بتحقيق حُلمه، فأقاموا “متحف داهش للفن” في شارعٍ من أكبر شوارع نيويورك. وكان على رأس هؤلاء الأصدقاء السيدة الفاضلة مرفت زاهد وابنتها أميرة. وقد وُصِف المتحف في إحدى المجلات بأنه “صندوق مجوهرات”.

          وقد دخل القائمون على المتحف في معركةٍ حين أرادوا الانتقال إلى مكانٍ أوسع من المقرِّ الأول، وكان أمامهم عددٌ من كبار رجال الأعمال، وكان التسابُق محاولةً جادةً وقومية. كانت بمثابة خط الدفاع العربي الأخير. وبالرغم من أن المُتحف كان الأكثر إيفاءً للشروط المطلوبة، وكان في طليعة المؤسسات المتسابقة، وفقًا لكلام الصحف، ولا سيما “النيويورك تايمز”، حتى لقد ذهبت إحداها إلى القول إن السباق بين “متحف داهش” والمنافس الأقوى هو أشبَهُ ما يكون “بمنازَلة داود لجُليات الجبار” – بالرغم من ذلك كله، لم يكسب المتحفُ المعركة – وقد دامت ست سنوات – وكسبها مُتحف آخر مغمورٌ لم يكن أصلاً في عداد المؤسسات المتسابقة. كلُّ ذلك يفيد أن الدول المتقدمة لا تخلو، هي أيضًا، من التمييز العنصري.

          وليس “مُتحف داهش” مقرًا للوحات والتماثيل فقط، لكنَّه أصبح مؤسسة فنية عالمية تُلقى فيه المحاضرات، وتُنظمُ المعارض المختلفة للفن. وقد كان لي حظٌّ وشرفُ إلقاء محاضرةٍ في المُتحَف عن الاستشراق الحديث، وكان ذلك بمناسبة إقامة معرض الفنِّ الاستشراقيِّ وتأثير مصر ودول شمال إفريقيا على عددٍ من الفنانين الأوروبيين، وخاصة فناني إنجلترا وفرنسا.

          وأَودُّ أن أُدوِّنَ هنا أنَّ دارًا للنشر في نيويورك باسم “الدار الداهشية” أصدرت وتُصِدر جميعَ مؤلفات الدكتور داهش، بالإضافة إلى إصدار كتبٍ بأقلامِ آخرين؛ وقد شرفني أنها نشرت لي أحد كتبي بالإنجليزية Plain Talk.

          وأودُّ  في النهاية أن أشارك أصدقاء الدكتور داهش ومُريديه في الاحتفال بمرور مئة عامٍ على ولادته. لقد كان الدكتور داهش عبقريًّا قلَّ أن تجود بمثله الدنيا.

رأيٌ في الظاهرة الداهشية

السفير فؤاد الترك

دبلوماسي لبناني. شغل منصبَ سفير لبنان في عدَّة دُوَلٍ منها الأرجنتين وإيران وفرنسا وسويسرا. تبوأَ منصبَ الأمين العام لوزارة الخارجية اللبنانية (1983 – 1988). ترأس الوفد اللبناني الرسمي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى جامعة الدول العربية في دوراتٍ متعددة، وشارك في مؤتمراتٍ واجتماعاتٍ كثيرة، إقليمية ودولية. نُشرت له محاضراتٌ ومقالاتٌ في موضوعاتٍ تاريخية واغترابية ودبلوماسية، ونُشِر عنه عدَّةُ كتب منها “سعادة السفير” (1996) و”فؤاد الترك” (2007).

         

 

رأيٌ في الظاهرة الداهشية

كنا في مقاعد الدراسة يوم طرقت أسماعنا أخبارُ الدكتور داهش وما أثاره، في أربعينيات القرن الماضي، من أخذٍ وردٍّ في الصحافة اللبنانية، ثم ما عقب ذلك من إبعادٍ أثار جدلاً ولقد اقترنَ اسمُه بما رُوي من أعمالٍ غير مألوفة كانت تجري على يديه.

والحق أن الرجل كان، ما يزال، مثارًا لكثيرٍ من الأسئلة. وليس من مطمح هذه الكلمة، في المئوية الأولى لمولده، بسطُها والإجابةُ عنها. بحسبي، في هذه المناسبة، الإشارة إلى ثلاثة أمور:

          الأول أن الدكتور داهش لم يلجأ إلى فرض آرائه بالقوة أو العنف، بل كان من دُعاة حرية الفكر، بعيدًا عن الإكراه والتعسِّف. إلا أنه وُوجِه بغير ما ارتضاه، وتحديدًا في أول عهدِ الاستقلال، فجرِّد من جنسيته اللبنانية، وأُبعد من لبنان. لكن ذلك كله لم يَفُتَّ عن عضُدِه، بل زاده مَضاءً وإصراراً على ما يدعو إليه. وإذا كان قد أعاق، إلى حينٍ، نَشْرَ فكرته، فإنه لم يقضِ عليها. وهوذا التاريخ أمامنا شاهدٌ أن فكرتَه ما تزال نابضةً في قلوب أشياعه.

          الأمر الثاني أن الظاهرة الداهشية لم تُدرَسْ، إلى الآن، دراسةً علميةً موضوعية برغم ما صدر في موضوعها من مؤلفات. فقد غلبَ على كثيرٍ منها النزعةُ التبشيرية، أو المقاربة الأدبية، أو المعالجة الصحافية. ولعلَّ خيرَ خطوةٍ تُتخذُ، بعد انقضاء قرنٍ على مولده، الشروع بها. وإلى أن يُقام بهذه الخطوة الضرورية، فإنه من الصعب جدًا أن يُحكم له أو عليه. ذلك أن الأحكام المرتجلة والافتراضات السطحية أمورٌ لا يُعتدُّ بها، ولا يُبنى عليها.

          أما الأمر الثالث فهو أن الرجل كان ذا أبعادٍ كثيرة لا يجوزُ ردُّها إلى بُعدٍ واحد أو حصرها فيه. فإذا اختلف الناسُ في تعليل أعماله “الغريبة”، فما أحسبهم مختلفين في ثلاثةِ أبعادٍ أخرى تفرد بها: “بُعدٍ أدبيٍّ، وبُعدٍ فكريٍّ، وبُعدٍ فني. فهو، أولاً، أديبٌ خلَّف تراثًا أدبيًا لا يُستهانُ به. ولا يتسع المجالُ هنا للبحث في أدبه وتقويمه. على أننا نكتفي بالقول إنه إذا غلب على أدبه منحًى رومنسيٌّ ربما انقضى زمنُه، فإنَّ الإبداع لي وقفًا على المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها الأديب. وما يزال البابُ مُشرعًا أمام النقاد للبحث عن مكامن الإبداع في أدبه.

          ثم إنَّ الرجل هو، ثانيا، صاحبُ اتجاهٍ فكريٍّ روحيٍّ يُنسَب إليه، وله مؤيدوه الكُثر. وإذا كان لكَ أن تُخالف آراءه، فإنَّ عليك أن تحترمَها، ولا سيما تلك التي تنطوي على مَنْزَعٍ إنسانيٍّ وتوحيدٍ دينيّ ما أحوجَ هذا الزمن إليهما.

          وهو، أخيرا، واضعُ اللبنات الأولى لمُتحفٍ فني أقيم في قلب مدينة نيويورك. ولئن دل ذلك على شيء، فعلى توجُّهه الحضاريِّ في مخاطبة العالَم.

          نأمل أن تكون هذه الذكرى مناسبةً يُبادَر فيها إلى دراسة الظاهرة الداهشية، في كل أبعادها، بتجرُّدٍ وحيادٍ وموضوعيَّة.

الدكتور داهش من خلال مؤيديه

الدكتور جوزف صايغ

شاعر ومفكر لبناني. حاز دكتوراه في علم الاجتماع الأدبي من جامعة السربون بإشراف المستشرق جاك برك. عمل صحافيًا ومُنتجًا لبرامج  ثقافية في إذاعة باريس العربية، ثم معلقًا سياسيًا في “الملحق” الأسبوعي لجريدة “النهار”، ومُشرفًا على القسم الأدبيِّ والفني في “النهار العربي والدولي”. أسس “الملحق” الأدبي لجريدة “الأنوار”. زاول التعليم الثانوي والجامعي في بيروت وباريس. شغل منصبَ الملحق الثقافي في مندوبية لبنان لدى اليونسكو بباريس. مُنِح وسامَ الفنون والآداب الفرنسيَّ من رتبة ضابط (1993). صدرت مجموعتُه الشعرية عام 1994 في 4 أجزاء تضمُّ 13 ديوانًا. من مؤلافاته النثرية المطبوعة “معيار وجنون” و”المجرة الأبجدية”.

الدكتور داهش من خلال مؤيديه

لم أُصادف الرَّجلَ إلا مرَّةً واحدةً، خلال لقاءٍ وجيز لم يترك، مع الأسف، في خاطري ذكريات أسردُها، ولا سمح بالكلام مباشرةً عليه. الواقع، يعسُرُ الكلام على الشخصيات التي هي خارج المألوف، أمثال الدكتور داهش.

          بخلاف ذلك، يسهلُ الكلام على تأثيره في الجماعات التي عرفته عن كثب، أو كان لها معه تجارب استثنائية، أو تعمقت في ما خلفه من مؤلفاتٍ مرموقة لا تترك الإنسان حياديًّا بإزائها. من هؤلاء، عرفتُ مَن يمكن اعتبارُهم مُثُلأاً ورموزًا وقُدوة، ويمكن، بالتالي، الكلام على القيم التي نمتهم، أو التي بنورها اهتدوا، أو كانوا فقط من الميالين إليها وغلى إعلائها في تصرفهم وحياتهم.

          أوَّل ما لفتني أن معظمهم كان من النخبة، لا سيما على صعيد المناقب الحميدة، والتصرف القويم، والكلمة الصادقة. هذا، إلى ميزةٍ فريدة في أيامنا أفردتهم عن غيرهم، ألا وهي تنزههم التام عن الطائفية والمذهبية وما إليه. فهم من مختلف الأديان والطبقات على تآخٍ لا يَرقى إلى سلامته شكٌّ، وعلى تصافٍ في المودة يُشعرُك بأنك، معهم، أنت في حضرةِ غير المألوف من الناس. فتحترمهم، وتكنُّ لهم المودَّة. كل ذلك دون أن يحملك الفضول على البحث عن السبب، أو عن الغاية: فلا غاية ولا سبب غير أنهم من هم، تبدَّلوا هكذا!

          فنِعمَ ما هم عليه، ونِعمَ الأسباب.

داهش: ظاهرةٌ روحية يحاصرُها الجهل

 الأستاذ سليمان تقي الدين

كاتبٌ لبنانيٌ، ومحامٍ بالاستئناف، وصحافيٌّ في جريدة “السفير” البيروتية. نائب رئيس لجنة الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان في نقابة المحامين اللبنانية. ورئيسُ “المركز المدني للمبادرة الوطنية”. حقق عدة مخطوطاتٍ تاريخية، منها “الأُسر في تاريخ الشوف”، “دراسات في تاريخ الشوف”، “سجل الأحكام المذهبية الدرزية”. وله، أيضًا، عدة مؤلفات في القانون والفكر السياسي والتاريخ والأدب، منها “المسألة الطائفية في لبنان”، “العرب والمسألة السياسية”، “تحوُّلات المجتمع والسياسة”، “القضاء في لبنان”، “سيرة الأديب سعيد تقي الدين”.

داهش: ظاهرةٌ روحية يحاصرُها الجهل

لم أتعرَّف شخصيًا على الدكتور داهش (سليم العشي) لأنني من جيلٍ آخر. عندما صارت ظاهرةُ الدكتور داهش في أربعينات وخمسينيات القرن الماضي على كل شفةٍ ولسان، ومدار الجدل في الأوساط السياسية والثقافية، لم أكن قد وُلدت. لكن هذا الاسم كان يطرقُ سمعي دائمًا، ويحفزُني بداعي الفضول للتعرف على أفكاره وتراثه. وفي ظل الظروف السياسية والأمنية التي عصفت بلبنان على مدى عقدين من الزمن، تراجع الاهتمام بالكثير من القضايا المثيرة على الصعيد الفكري والإنساني نتيجة الانغماس بالشأن السياسي اليومين الطاغي. ومع الاستقرار النسبي، عدنا نبحثُ عن “الحقيقة” في أمورٍ كثيرة، وليس أقلها هذه الظاهراتُ الروحية الخارقة. وفي هذا المجال، لي علاقةٌ خاصة من المهم عرضُها؛ فهي ما يمكن أن يضيء على حكاية الدكتور داهش. قصتي الشخصية هي، إذاً، من صُلب الموضوع الذي نحن بصدده، أعني شهادتي في تجربة داهش.

          ولدتُ في أُسرةٍ عريقة من أُسَر لبنان لها عمقٌ تاريخيٌّ ثقافيٌ ورحي؛ أسرة اشتُهرت بوجود علماء الدين فيها والمرجعيات الروحية الكبرى. فجدُّ هذه الأسرة منذ خمسمئة سنةٍ له مؤلفات فلسفية مُشتهرة. تنتمي هذه الأسرة إلى مذهب ديني هو مذهبُ “الموحدين” (الدروز) الذي له نظرتُه الخاصة والمُميزة إلى الله والكون والإنسان، وله طرائقُه الخاصة في العبادة، ويؤمنُ بالعرفان والطاقة الروحية. وفي مكتبتنا العائلية كثيرُ من الكتب (المخطوطة) التي تعالجُ قضايا علوم الفلك والفراسة وقراءة الكف وحساب الأبراج وسوى ذلك. وهذا الطائفة تؤمن وتعتقد بالتقمُّص على كثيرٍ من الغموض في أسرار هذه الفكرة.

          في سنوات طفولتي الأُولى، قيل لي إنني “متقمص” لشخصٍ آخر أو إنني “نطقتُ” بذلك. أنا لم أعد أذكر هذه الواقعة. غير أن فكرة التقمّص سائدةٌ في بيئتنا الثقافية التقليدية.

          وقد كنتُ، وما زلتُ أسمعُ نوادرَ عن ذلك. وقد قرأتُ فلسفةَ هذا المذهب، ولي رأيٌ خاصٌّ فيه. أما أحدُ أدباء العائلة المعاصرين المشهورين، وهو الأديب خليل تقي الدين، فكتب روايةً حول هذا الموضوع تحت عنوان “العائد” تروي إحدى قصص التقمُّص الذائعة في هذه البيئة الجبلية والتقليدية والمذهبية.

          في بيئتنا هذه نسمعُ يوميًّا رواياتٍ وطرائفَ واعتقادات تكوِّن الوعي الأوليِّ لدى الجماعة. تندرجُ كل هذه الظواهر تحت عنوان القدرة الإلهية وتدخلها في حياتنا، وظواهر الروح وقوتها ودور الأولياء في استحضار أو استدعاء الملائكة في مواجهة الشر والشياطين. وفي المأثور الشعبي، تختلطُ هذه الأفكار وتتداخل.

          هذه هي خلفيَّة المسرح الشخصي. لكن تجربتي كانت من نوع آخر. لقد كنتُ أشعرُ دائمًا بأنني مزاجيُّ الطبع، أتغيرُ، ولا أدري لذلك سببًا، من حال فرحٍ إلى حال حزين، أو العكس. أشعرُ باقتراب كثيرٍ من الحوادث ولو بصورةٍ ضبابيةٍ وغامضة. أهتمُّ لعلم الفلك ولِعلم الفراسة ولَما يُسمَّى الميتافيزيك والظاهرات الروحية. تأتي بعضُ الأحداث أو الوقائع لتُقوِّي لديَّ الفضولَ في خَوص ميدان البحث عن “الحقائق الروحية”. وقد أعادني ذلك إلى وجوب الاطلاع على تجربة الدكتور داهش.

          في مخيلتي كان داهش (“رجل الأسرار”) شخصيةً شبه أسطورية. كان يُشاع أنها “تلاعبت” بمصاير بعض الشخصيات اللبنانية المهمة، سلبا كالرئيس بشاره الخوري وأنسبائه من آل شيحا وفرعون، وإيجابًا كما هي حالُ الشاعر الكبير حليم دمُّوس، أحدِ أركان هذه المدرسة، وآلِ حدَّاد. وكا كنتُ أسمعُه عن هذا الرجل (داهش) أنَّه ذو شخصياتٍ عدة حاضرةٍ في أكثر من مكان في آنٍ معًا، وأنَّ له خوارق للطبيعة أو معجزات، كما يُقال.

          تابعتُ سيرة الدكتور داهش، كما تابعتُ تراثَه وقرأتُ كثيرًا من أدبه، وتعرفتُ إلى بعض أصدقائه. ما يمكن أن يستنتجه دارسُ هذه التجربة وهذا التراث هو أن داهش مدرسة روحية وظاهرةٌ وصاحبُ طاقةٍ روحية، وأن أفكاره يمكنُ إدراجُها في تيارٍ كبير، وأن هذه الأفكار كانت، وما زالت، في دائرة الاختبار المعرفي الذي يتقدم من غير أن يصل بعدُ إلى مرتبة العلم اليقينيّ. لكن المؤكد أن الظواهر التي ارتبطت بالدكتور داهش تدلُّ على حقيقةِ وجودِ “الطاقة الروحية”. إلا أن الجهل قد حاصر هذه الظاهرة، وقاومَها، بدلاً من الانصباب على الإفادة منها ورعايتها. الغريبُ في الأمر أن هذه الأفكار لا تخرجُ عن دائرة الإيمان بوجود الله، والروحِ وخلودِها، والسيالات الروحية أو ما يمكنُ اعتبارهُ “الهالة” أو الطاقة، والسببية الروحية، والعدل الإلهي، والتقمُّص، ووحدة الأديان الجوهرية.

          هذه الأفكار موجودةٌ لدى مذهب “الموحدين” الذين هم فرقةً دينية تعتقدُ بالكشف التدريجي التطوريَّ! للمعرفة الدينية، وبإتمام الحقيقة عبرَ هذا التطور. وبهذا المعنى، يقول أصحابُ هذا المذهب إن الدين واحد (“ينبوعٌ واحد وجداول متعددة”، كما يقول داهش)، وإنَّ المعرفة هي “بركةٌ واحدة يجتمع من حولِها المؤمنون. كلٌّ يشربُ من هذه البركة، ويقول: ما أعذَبَ ماءَها!”.

          لكنَّ الأهمَّ هو نظريَّةُ الانبثاق الكوني العظيم منذ ملايين السنوات، وأن الحضارات البشرية تندثر وتعودُ في نظام هائل القوة والتنظيم. أمَّا وحدةُ الوجود فهي جزءٌ مهمٌّ من فكر العِرفان الشرقيّ. ولعلَّ توقعات الدكتور داهش عن وجود الروح في النبات والجماد فكرةٌ يتقدم العِلم نحو إثباتها. يُقال إن الله يُعطي الحشرة غذاءها وهي في كنفِ الصخر!

          لقد رأيتُ حشراتٍ حيَّةً في قلب الصخر، فهل كانت هذه روحَ الحشرة أم روحَ الجماد؟!

          من الواضح أن سيرة داهش تدلُّ على ظهورِ علائم الطاقة الروحية لديه منذ الصغر. يعني ذلك أنها طاقةٌ فظرية لم يكتسبها، ولم يتعلمها، ولم يعرف فنون السحرة والمشعوذين. فهو، إذاً، من طرازٍ خاصٍّ، بل هو يجزمُ بعدم اقتناعهِ بالتنويم المغناطيسي، ولا بضرب المندل، ولا بمعرفة الغيب بالمعنى الذي يُمارسُه المنجمون والمبصرون. لكنه، بالتأكيد، يؤمن بوحدةِ الكون والوجود، وبجزئية وجود الإنسان الفرد أمام الخلود للنوع الإنساني. وهو يؤمن بوجود كائناتٍ عاقلة على كواكب أخرى غير الأرض. كما إنه يؤمنُ بالعدل الإلهي، ويرى في انتقال النفس، أو السيالات، من قميصٍ إلى قميص، ومن جسدٍ إلى جسد، على دورات، هو السبيلُ الوحيدُ لتحقيق العدالة ومحاسبة الإنسان على خياراته.

          هذه الفلسفة ليست، في مبادئها، العامة جديدة، كما قلنأ، لكنها، مع ذلك، تتفرد بإيضاحات وتفصيلات خاصة بها. على أن المهم في تجربة داهش إيمانه بوجود طاقةٍ روحيةٍ عند الإنسان لا تتحصلُ من التعليم أو المجاهدة أو سلوكِ طُرُقٍ معينةٍ، مثلاً، يسلكُها العِبادُ الصالحون ليكتسبوا بواسطتها نوعًا من المعرفة الإشراقية (العِرفانية)، كما يعتقدون.

          داهش اعتقدَ أنَّ الله وهبَه هذه القدرة، وهو حاول بواسطتها إثباتَ وجودِ الله، وإثباتَ الطاقة الروحية التي يبثُّها في بعض البشر. هو لم يدَّعِ أنه يُؤسِّسُ دينًا جديدًا أو مذهبًا، بل قال إن ظاهرةٌ من ظاهر وحدةِ الأديان وتقاطعها العميق في المسائل الجوهرية غير الطقوسية. لم يستخدم الرجلُ هذه القوة لأغراضٍ سلبية في حياته. هو لم يُسئ إلى أحد- وهذا ما يبدو في أعماله و”معجزاته” – لكنه أراد إثباتَ نفسه ووجودِه من خلال إظهارِ عناصر هذه القوة بتحويل ورقةٍ عادية إلى ورقةٍ نقدية، أو بمعرفة ما يفكر بهذا الإنسان وما يُضمِرُه أو من خلال محاطبة الآخرين من دون تواصُلٍ مادي.

          إن تخلف السلطة السياسية في لبنان حاصرة، وأراد أن يطمس هذه الظاهرة، فشوهها إعلاميًا، وحاول قتلها معنويًّا وماديًّا. لكن داهش صمد وعاش عمره برغم حكاية إعدامه في إيران. لقد آمن به عددٌ من كبار القوم، واقروا بقوته، وشهدو أمثلةً حسية على هذه الطاقة الروحية.

          لقد كان حَرِيًّا أن يتحول داهش إلى قيمةٍ إنسانية وعلمية، ويُصارَ إلى الإفادة من تجاربه وأفكارِه، ودرسِها والبناء عليها حقائقَ وقيمًا أخلاقية تتعلقُ بطبيعة الإنسان، والروح، ومستقبل البشرية، لكنَّ العكس هو الذي حصل.

ذكرياتٌ وحنين

جاءت المقالات و الدراسات و الشهادات  المُدرجة في هذا الباب اشبه بالمرايا تعكس صور الدكتور داهش : داهش الاديب , و الشاعر , و صاحب العقيدة ,و صانع الظاهرات الروحية, و مؤسس المتحف…. و في مقدمة ذلك كله داهش الانسان . ومع ان نتوقف على شخص الدكتور داهش , في كل ابعاده, امر ليس من اليسير تناوله.

بوَّابة المعرفة

ذكرى الحبيب

أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!