سجلْ الذكريات

Dr. Dahesh , Marie Hadad and George Hadad

ذلك الرصيد الأبديّ من التجارب الروحيَّة واللحظات الصَّادقة التي تتجاوز حدود الزمن الماديّ. هي ليست مجرَّد ذكرياتُ أحداثٍ ماضية، بل هي سيالات نورانية محفورة في عمق الوجدان، هذه الذكريات هي مرآة الحقيقة الداخلية التي لا يطالها التزييف أو النسيان، وهي مصدر القوة والإلهام لمن يسعى إلى الارتقاء الروحي.

بوَّابة المعرفة

ذكرى الأحبَّة

في ذكرى الأحبَّة

ّأخي في الحق

في ذكرى وفاة الشاعر الداهشي حليم دموس

الموافقة 27/9/1957

                                    شعر موسى المعلوف

 

صوتك السيف، له الكون قراب        فاسفح الصبح على دنيا الضباب

سائح في النور، خوَّاض عُلًى         كلُّ نجمٍ زرَتُه شطُّ اعتراب

في يديك الشمسُ مطواعٌ، فَقُمْ؛       طال ليلُ الأرضِ، أطلقها شِهاب

كم تملَّيتَ كُوىً عدنيَّةً                أشرق الله بها حينًا، وغاب!

قمْ وجَمِّع حُزمَ الضوءِ لنا             كدَّستْها فيك أيديه الرِّحاب

هاتِ أطلق زعقةَ البوق إذا           زلزلَ الباطلُ أرضًا وقِباب

ضربَ اللهُ على أسماعهم             وعلى أبصارهم هالَ التراب

قلْ لدهرٍ أسكرته بابلٌ                رابضٌ أنتَ على برجٍ خراب

قام إبليسُ على محرابها              كاهناً للموت يرثيه غُراب

ضفَّرَ الأرجاس تيجانًا على           جُمجماتٍ رُصِّعت نابًا فناب

رقصت أمسِ وجنكيزُ انتشى          وغدًا طوفانُها غمرُ التهاب

                        ***

رَبَّ هذا العصر، يا دينارَه،            كذِبٌ أنت، وسُمٍّ يُستطاب

نَصَبوا منك على السفح، على        زرقه البحر، على شُمِّ الهضاب

بَعْلَهم! ثمَّ تهاوَوا رُكَّعًا                تحت نعليه ذئابًا في ذئاب

رحمةً، ربِّ فهل حرَّرتهم              من غواياتٍ ومن وهجِ سراب

جالَ بومُ الحُزنِ في أعراسهم         ونعى أعيادهم لَيلُ اكتئاب

يزحفُ القبرُ إلى مضجعهم           يولِمُ الرُّعبَ طعامًا وشراب

ربِّ، هاتِ الحبَّ، هات الحقَّ أو       فاسحقَ الشيطان وانثرُهْ هباب

زَلْزِلِ الأرضَ، فإمَّا خُسِفَتْ            تُلهِبُ اليمَّ وتمتصُّ الضباب

                              ***

يا أخي في الحقِّ، مُجِّدتَ هُدًى       بأماناتٍ تُساقيكَ الثواب

نِعَمَ الفردوس، يا أشرعةً              نسجَتْها الروحُ آياتٍ عِجاب

أرزُنا في فُلِكها ساريةٌ                وروابينا مَناراتُ الإياب

أيَّ لحنٍ هيكليٍّ كنَته                 في سكونِ الحقِّ، والدنيا اصطخاب

أيفظَتْ أنَّاتُه أحلامَنا                 فصحَونا، وتساقَينا الصواب\

مُقَلٌ للروح طوَّفْن بنا                 هُنَّ فينا واحةٌ، فيهم بياب

يسطعُ (الهادي) مسيحًا عائدًا        كوكبُ الصبحِ لِمسراه مآب

(شاهِدٌ) لله مصلوبٌ على             حَربَة الآلامِ في كهفِ العذاب

دَحرَجَ الأصنامَ عن مذبحنا            فتساغمى الدينُ خيرًا وتحاب

نَحروه حَمَلاً في غابةٍ                اكلوه واستباحوه كتاب

آيه ملءُ الحضارات دَمٌ               في ضميرِ الكَون زخَّارُ العُباب

نحن منه، شدَّنا الآبُ لهُ…          كم سألنا… وبهِ كان الجواب!

                        ***

يا حليمًا، شَهِدَ النورُ له              أنتَ حيٌّ، كاذبٌ من قال: غاب

دُمْتَ بوقًا، مُجِّدَ الله بهِ،              صوتُكَ الرعدُ له الريحُ خِطاب

 

الدكتور فريد أبو سليمان

نسيجٌ فريدٌ هو الأنقى والأرفع

                                           بقلم الأستاذ حافظ ابراهيم خيرالله

صيف 1996 أطلَّ عليَّ في غرفتي، حيث كنتُ أمارس مسؤولياتي في إحدى الصحف وفي مُلحقها. لم أكن أعرفه، ولا كنتُ أعرفُ أنه ينتمي إلى مدرسةٍ فكرية يعطيها كل ذاته. ما كان يريده منّي هو أن أتعرَّف على دكتور كنتُ قد قرأتُ عنه ولم أقرأ له، وسمعتُ بأخباره من ماضٍ بعيد. بل كنتُ أظنّ أن الرجل مات من سنين في مؤامرة غامضة ربَّما كانت في لبنان أو في سوريا أو حتى في إيران. هو الدكتور داهش من يريدُني الدكتور فريد أبو سليمان أن أتعرَّف عليه وأقابله، وأتحدَّث إليه وأستمع إلى ما عنده. في ذلك الصيف، كنتُ أسلّي القراء في “الملحق” الأسبوعي بقصص المشعوذين والسحرة والمُتذاكين على الناس من على مسارح الاصطياف في شتَّى الأنحاء اللبنانية.

     الدكتور فريد قعد عندي ساعة، فأوجد قضية. نعم، في البلد سحرة ومشعوذون يمارسون البهلوانيات على عقول الناس. ولكن، نعم، في البلد شخصٌ له قدراتٌ خارقة، وشخصيةٌ مرموقة، ورصانة قلَّ نظيرها، واحترامٌ يفرضُ نفسه. وهذا هو السيد سليم العشي المعروف بالدكتور داهش الذي ألف العشرات من الكتب في الإبداع الفكريّ بمعظم تفرّعاته. وإزاء تعجّبي مما كان يقوله عن الدكتور داهش، ولا سيَّما عجبي من أنه لا يزال على قيد الحياة، وعجبي من أن له دائرة واسعةً، تزدادُ اتساعًا، من مريديه الذين يجلُّونه ويحترمونه ممَّن هم في مهن الطب والمحاماة ومن أهل الشعر والنثر والأدب وبقية الفنون الجميلة، فقد انتهينا إلى تلاقي الأفكار على وجوب قيامي بزيارةٍ للدكتور داهش بمعيَّته.

الزيارة حصلت وطالت على امتداد ساعات. وبعدها حصلت زيارات وزيارات على مدى سنوات إلى أن فرقتنا الحربُ في لبنان، خاصة أن منزل الدكتور داهش كان في منطقة “استراتيجية” للتلاحم والاقتتال والقنص والقصف وبقية ما تعلَّمناه من تعابير تصرفات المجانين. هذه الزيارات فتحت عقلي على تواجد مُذهل لصفوةٍ من الناس حول شخص ومبدأ وفكر وعقيدة، وجعلتني أرقبُ باهتمام بالغ ما كان يجري أمامي من مسرى حياتي عند أشخاصٍ تبيَّن لي أنهم ذروةٌ في الأخلاق والتصرّف والتعاطي مع الناس وفي ما بينهم. وصفُ هذه السنوات وهذه اللقاءات يطول، وهو الآن ليس موضوعنا.

واحدٌ من مكاسبي الكبيرة في مهنتي كصحافي كان تكرار اللقاءات الثنائية مع الدكتور فريد أبو سليمان عبر السنوات اللاحقة، مع أننا طالما التقينا كذلك في منزل الدكتور داهش. ما أدهشني في شخص الدكتور فريد ذاك الاحترامُ المُذهل الذي كان يكنّه للدكتور داهش ويثبتُه له. للسن احترام، وللمقام احترام؛ وهذا على الرأس والعين. لكن الدكتور فريد كان من نسيجٍ فريد هو الأنقى والأرفع. الدكتور داهش عنده كان كل شيءٍ على هذه الأرض. وتنفيذ ما هو واجبٌ وأصول ولياقة ضمن أسس المبدأ والعقيدة كان، عنده، نمط عيشٍ وحياة.

ناقشته وتحديته وحاولت حشرة في الزوايا، فإذا هو صخرةٌ من صوان. تعمدتُ السخرية والتفاهة والاستهزاء، ولو في إطار الأداء المسرحي، لعلِّي أستفزه لإخراجه أو لزحلقته من وقارة في الحديث عما يعتقده أو عما يمارسه من دقّةٍ ومسؤولية في تعامله مع الناس أو مع مرضاه أو حتى معي أنا، فإذا هو ماسةٌ من النوع الأفضل مخفية تحت ما هو عالقٌ فيها قبل الحك، ومستورة في ما هي فيه حتى لا يظهر جوهرُها لمن لا يفهمُ قيمتها.

تعلَّمت منه، عبر سنوات لقائنا، أن الحديث الخافت الرائق الراقي المهندم الخالي من النفاق والكذب والاستزلام والاستنفاع يبقى أقوى من الجيوش الجرارة أو الخطب النارية أو النقاشات التي تهترئ فيها الأصواتُ بلا نتيجة. كأننا، هو وأنا، كنا على علمٍ بأنَّ ما حصل لاحقًا من اقتتال في لبنان لم يكن ليوصل أحدًا إلى شيء، اللهم إلا تشرّذمنا وتشرّدنا في بقاع الدنيا.

وتعلمتُ منه كذلك صوابية تنفيذ تلك المقولة إن “المعاملة” هي الأساسُ في العلاقات البشرية. نعم، كنا نعرفُ ونردِّد أن “الدين معاملة”، لكننا كنا نوسعها إلى مناحٍ أخرى حتى نعطيها، في فهلويتنا، طابع “علمنة المعاملة”. رشده وثق في السعي إلى الصواب. وتأملي وتحليلي لما هو فيه طابعٌ وطبعٌ كانا يقودانني دائمًا إلى محاولة التبصّر قبل الإقدام.

الحربُ فرَّقتنا في الجغرافيا. الدكتور داهش صار في أميركا، والدكتور فريد بقي في لبنان، وأنا صرتُ في بريطانيا. من الدكتورين تعلّمت أمورًا كثيرة، ولهما حفظتُ جميلاً وافرًا، ولو أنني – وبلا تملُّقٍ لأحد، بعد كل هذه السنوات – لا أدعي أنَّني انضممت إلى المدرسة الداهشية، ولأسبابٍ قد تكون جزءًا من تكويني النفسي.

الدكتور فريد صار في ذمَّة الله، وقد سبقه الدكتور داهش. الدكتور فريد يبقى في ذهني صاحب مدرسةٍ تطبيقية في أصول التعامل بين الناس، وفي اعتماد وسائل الإقناع، وفي التركيز على الحجَّة والمنطق. صحيح أنه أخذ الخطّ الرئيسي من الدكتور داهش، لكنه طبَّق أفضل فهم له، واتَّخذ مسرى في حياته كم أتمنَّى لو أن كثيرين يطبقونه على أنفسهم.

رحمة الله عليكَ، يا دكتور فريد؛ فعليك وعلى أمثالك تجوز الرحمةُ الحقَّة*.

الدكتور فريد أبو سليمان

رجل ابتاعَ نفسَه فأعتقها

                                                     بقلم نقولا ضاهر

من تاقتْ نفسه إلى السماء مدَّه الله بزاد المعرفة، وأكسبه نعمة الإيمان، وألبسه لباس التقوى ودرعه الحصينة. هذا شأن المؤمنين، بل هذه غاية القانتين الصابرين، في كل زمانٍ ومكانٍ وفي كل رسالةٍ ودين.وما كان الدكتور فريد أبو سليمان إلا واحدًا منهم.

إنسانٌ طيِّب القلب، ورع، نقيّ السيرة والسريرة. عرفته عن كثب، سحابه أربعين عامًا، أخًا داهشيًا مُخلصًا وفيًا لرسالته الروحية وفاء السموأل. رافقته مراراً في زياراته وفي اجتماعاته وفي ندواته ومحاضراته، فوجدتُه إنسانًا مؤمنًا بالله العظيم إيمانًا مطلقًا، إنسانًا محبًا يريد لسواه ما يريده لنفسه؛ إنسانًا خلوقًا، حليم الطبع، لا ينطوي قلبه على ذرةٍ من حقد.

الدكتور فريد أبو سليمان فصلٌ بهيٌّ من فصول التاريخ الداهشيّ. تعرَّف بالدكتور داهش أواخر عام 1942، وعاين ظاهراته الخارقة، ولمسها لمس اليد، فآمن بعقيدته الروحيَّة ومبادئها الإنسانية الخيِّرة، وكان المؤمن السادس في عداد لفيف من المؤمنين منهم الطبيب والمحامي والأديب والشاعر ورجل الفكر…

لكنَّ اضطهادًا غاشمًا أنزله بشاره الخوري، أول رؤساء لبنان المستقلّ (1943 – 1952)، بالدكتور داهش ومن تبنَّى آراءه، فاعتقل الدكتور أبو سليمان في جملة من اعتقل، لا لشيء إلا لأنه داهشيّ! هذا ما جرى في بلد يتغنَّى بحرية المُعتقد، والحرية فيه مؤودة! ويتباهى بدستوره، ودستوره حبر على ورق!

ومما أُثِر عن الدكتور فريد أبو سليمان، في أثناء الاضطهاد، أنه كان رجل مبدأ وعقيدة، له مواقف في تاريخ العقيدة الداهشية تنمُّ عن صلابته وثباته فيها. فلما طلب إليه الاختيار بين وظيفته الرسمية – وكان آنذاك طبيبًا شرعيًا في محافظة مدينة بيروت – وإيمانه بالداهشية، لم يتردَّد في الاستعفاء من  وظيفته لئلا يحيد قيد أنملة عن معتقده.

ولم يقتصر اضطهاده على هذا التخيير، بل تعرّض للخطر أكثر من مرّة. فقد تعرَّض للاعتداء على يد نفرٍ من المأجورين؛ كما أطلق عليه النار بينما كان يقود سيارته، على طريق الجبل، عائدًا إلى منزله، فخرق الرصاصً السيارة، ولم ينله أي مكروه؛ فقد حرسته عين السماء التي لا تغفل ولا تنام، فنجا بأعجوبة، وصدق فيه قولُ القائل: وإذا العناية راقبتك بعينها، نمْ، فالمخاوف كلهن أمان ولا أحسبني مغاليًا إذا قلتُ إن الدكتور فريد أبو سليمان قد نذر نفسه للرسالة الداهشية، يجاهر بها حيثما وجد. كما إنه لازم الدكتور داهش ورافقه في كثير من زياراته لأصدقائه ومعارفه. ولم تكن عيادته في بناية سينما روكسي ببيروت مقصدًا للمرضى فحسب، بل كانت، أيضًا، مقصدًا لناشدي الحقيقة الروحيَّة أو للراغبين في مقابلة الدكتور داهش.

ولقد رافقته، أنا بدوري، في عدة زياراتٍ وإلى محاضرات، منها محاضرةٌ ألقاها في “مركز الشابات المسيحيات” القائم في شارع الحمراء ببيروت، فتحدَّث عن كيفية تعرفه بالدكتور داهش وما شاهده من ظاهراته الروحيَّة. كان الدكتور فريد يُلقي محاضرته، وكان الجو يسودُه الهدوءُ والاحترام. ولما فرغ منها، انهالتْ عليه أسئلةُ الحضور، مُستفسرةً مُستوضحةً، فكان يجيبُ عنها بلطفه وصراحته المعهودين.

وأذكرُ أنني رافقته عام 1986 إلى بروكسل لحضور محاضرة في موضوع الداهشية (ألقاها الدكتور غازي براكس)، ثم المشاركة في معرض الكتاب حيث أفرد لمؤلفات الدكتور داهش جناحٌ خاص. وإن أنسَ لا أنسَ كيف لازم الدكتور فريد الجناح الداهشيّ طول مدة العرض، وكيف كان يتحدَّث بلغته الفرنسية الجميلة إلى زائريه من غير أن يعتوره كلالٌ أو ملال، فيحدّثهم عن الدكتور داهش وأعماله وآرائه ومؤلفاته… كل ذلك بوضوحٍ ورحابة صدر.

ولقد تميَّز نشاطُ الدكتور فريد أبو سليمان، في حياته الداهشيَّة، بفضحه للشعوذة والمشعوذين حتى لقبته بعضُ الصحف اللبنانية باسم “فاضح المُشعوذين”. وقد دفعه إلى ذلك ما أكدته له الداهشية من أن الخوارق أو المعجزات إنما هي وقفٌ على رسل الله أو هُداته، يصنعونها بهبةٍ وإذن منه تعالى. أما ما يزعمهُ المشعوذون من قدرات خارقة، سواء أكان “تنويمًا مغناطيسيًا” أم قراءة أفكار أم معرفة غيب أم غير ذلك، فليس، في حقيقته، إلا دجلاً قوامه الخفَّة أو المهارة أو التمويه أو الاتفاق المُسبق أو ما شاكل…

كان الدكتور فريد أبو سليمان يتتبَّع أخبار المشعوذين في لبنان، فيقصدهم حيث يعرضون “ألاعبيهم”، فيكشفها أمام الجمهور. وقد كنتُ في عداد مرافقيه إلى Alumni Club (نادي متخرجي الجامعة الأميركية ببيروت) حيث فضح أحد أخطر المشعوذين العالميين ، المعروف باسم “طهرا بك”. كما رافقته، في بيروت أيضًا، إلى نادي Faubourg St. Honoré (وكان ملتقي النخبة المثقَّفة في المجتمع اللبناني) حيث شرح للحضور، بطريقة علمية عملية، بعض الاعيب المشعوذين كتنويم الدجاج والأرانب أو إيقاف النبض أو الاضطجاع على فراش من المسامير أو ما شاكل… ومما شدَّد عليه، يومذاك، أن جهل المشاهدين بقواعد “اللعبة” أو تقنيتها هو ما يُوهمهم بأن في الأمر إعجازًا، حيث لا إعجاز ولا من يحزنون! الدكتور فريد أبو سليمان قطب من أقطاب الداهشية، ارتبط بها اسمه، فإذا ذكر ذكرت، وإذا عُرض تاريخها لاح فيه وجهه بهيًا مُضيئًا. ما إن اعتنقها حتى اندفع يدعو إليها واضعًا يده على المحراث، لا يلتفتُ إلى الوراء، ولا يتورَّعُ من أن يتبرأ من جميع مناوئيه، وإن كانوا من أنسبائه الأقربين!

ولو شئتُ أن أختصر الدكتور فريد أبو سليمان لقلتُ إنه عين عرفت، فذرفت. عرفت الحقيقة، فذرفت دمعتين: دمعة الفرح لاهتدائه إليها، ودمعة الأسى على عالم البؤس والشقاء وعلى الهائمين فيه بلا نور.

ولئن قال الإمام عليّ بن أبي طالب: “الدنيا دارُ ممر لا دارُ مقر، والناسُ فيها رجلان: رجلٌ باع فيها نفسه فأوبقها، ورجلٌ ابتاع نفسه فأعتقها،” فلا يخالجني أدنى شكّ في أن الدكتور فريد كان الرجل الثاني؛ فقد عمل جاهدًا ليتخفّف من دنياه ويشتري بها أُخراه. ولم يفارقه الإيمانُ، يومًا، بأنَّ كل شيءٍ في الأرض زائل، وأن الإنسان فيها عابرُ سبيل، لا بدَّ له من أن يواجه الحقّ، عاجلاً أم آجلاً، ليحاسب على ما أتاه من أعمال. ولقد استغرقه هذا الإيمان حتى لم يعد يؤرقه أي سؤال. ولطالما تحدَّث عن العالم الآخر وكأنه يتحدَّث عن جارٍ له أو عن حديقة غنَّاء أُوتي له أن يشاهدها، مرارًا كثيرة، من خلال بعض الكُوى!

فهنيئًا لك، يا أخي الدكتور فريد، عالمك الذي استحققته بعد وعثاء الطريق! وهنيئًا لك ما قدمته لرسالتك وللمجتمع من خدماتٍ جليلة ستظلّ ذكرى طيبة للأـجيال المُقبلة، وعبرةً لا تُنسى لمن شاء أن يعتبر*.     نيويرك، 6 أيار 2003.

الدكتور فريد أبو سليمان

شجرة مباركةٌ أثمرت ثمرًا مباركًا

                                بقلم أسعد سليلاتي

هو أرزة صامدة طالت فروعها بفضل ينابيع العطاء السماوي الفتان.

وفاح عبيرها المُنعش في أرجاء المعمورة كلّها، يتنسمُهُ المشتاق الولهان

وأورفت ظلالها على كل ملهوف، فغمرتهُ بالدفء والحنان؛

دفءُ الحب والعطف والنقاء، دفءُ الإيمان.

تعرَّفت إلى الدكتور فريد أبو سليمان في ربيع ام 1964 كي استقي من مناهل الداهشية، بعدما عرفتُ أنه أحد المؤمنين بها، تلك العقيدة الروحانيَّة التي أتى بها الدكتور داهش لإثبات وجود الروح، في هذا العصر الذي بات يشهدُ انحطاطًا ماديًا زريًا، برغم التقدُّم العلميّ والتقنيّ.

أجل… قمتُ بزيارة الدكتور فريد في عيادته في بيروت، تدفعني لهفةٌ هاجعةٌ مُذ كنتُ في العاشرة من عمري، حين سمعتُ بعضَ الناس يتحدَّثون عن الدكتور داهش ومعجزاته الخارقة، وتمنيتُ يومها لو يتاحُ لي أن أتعرف إليه، وكنتُ ما أزالُ يافعًا. وها إن ذلك الحلم بدا حقيقة في تلك الآونة، وأتيح لي أن أصلَ إلى مُبتغاي.

فقصدت الدكتور فريد كي أستطلع حقائق هذا الأمر.

     والآن، بعد السنين المنصرمة، ما زلتُ أتذكر أول لقاء مع الدكتور فريد، وهو فريد بتواضعه النادر المثال، وإطلاعه على الحقائق الروحية والحياتية، وجرأته في قول الحقيقة، وصدقه الصارم في أحاديثه؛ فيشعرُ المرء بطعم المحبَّة الذي تطلبه النفس من أعزِّ الناس وأقربهم ولا تجده. ويمتد الوقت والكلام المستساغ ليس منه شبعٌ أو ارتواء. فكان الدكتور فريد، بالنسبة لي، الأب والأم والأخَ والأخت في آنٍ معًا.

“أهلاً… أهلاً… يا أخي”. هكذا يستقبلُ الدكتور فريد زائريه. فللحال يشعرُ الزائرُ بأنه في بيته وبين أحبابه. بهذه العاطفة النبيلة يعطي درسًا بليغًا في المحبَّة؛ لأن محبَّة حقيقية واقعية نبتت في ضميره ووجدانه تجاه الآخرين، أيًا من كان هؤلاء الآخرون. وهو لا يجاملُ، بل يقولُ الحقيقة التي تفيضُ من نفسه التي أدركت معنى الحياة والموت، معنى الصحة والمرض، معنى الفقر والغني، معنى النبالة والتفاهة، معنى الكبرياء والتواضع، معنى العفَّة والرذيلة… ففاضت نفسه الأبية بالمعاني الراقية المنزَّهة عن سخافات الرغائب الدنيوية البائسة، وتمسك بإيمانه القويم بفضل ملازمته لرجل الروح، الدكتور داهش، صاحب المعجزات الروحية الباهرة التي عاينها ألوفٌ وألوفٌ من الناس، بينهم الوزير والنائب والمحامي والطبيب ورجلُ الدين والأديب والصحافي والفيلسوف، عربًا وأجانب؛ وكلٌّ شهِدَ بما عاينه ورواه.

الدكتور فريد لا يحتاج إلى مديح. فكل المعاني تتراجع أمام صفاته الحميدة. ولا يستطيع قلم أن يفيه حقّ قدره. إنه مثل أعلى لكلّ من اتَّخذ درب النور والحقيقة، ونبراسٌ يستضيءُ بنوره المؤمنون، فينهجون على منواله كي تسمو أرواحهم ويدركوا أن لا خلاص للبشرية إلا بالعودة إلى جوهر الدين، حيث تقطُنُ المحبَّة الخالصة المنزهة عن الشرور. فالإنسان أخو الإنسان شاء أم أبى. لذلك قال السيد المسيح: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم”.

الدكتور فريد لازم الدكتور داهش منذ كان شابًا يمارس مهنة الطب. وأكبَّ على نهل التعاليم الروحية، وأيقن أن الرسالة الداهشية هي المنقذ الأوحد لأمراض هذا العصر، كالحروب والتعصب الديني والطبقي، فيتوجب على المؤمنين من أي طائفة كانوا، أن يتواصلوا ويتحاوروا ويتحابوا ويتقبَّلوا التعاليم السماوية، لأنها في حقيقتها واحدة، أساسها الوصايا العشر التي تبدو أنوارها ساطعةً في كل رسالة سماوية؛ والروح الإلهيّ يُعلِّم التقوى والصلاح، ويرشدُ الناس إلى الوحدة لا الانقسام: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لستَ منهم في شيء…) (الأنعام: 159).

لقد رحل الدكتور فريد عن عالم الأرض إلى عالم الخلود. فهو حيٌّ في عالمه الثاني، كما هو حيٌّ في نفوسنا. رحل في العشرين من نيسان عام 2003، عن عمر مديد ساعد فيه المحتاجين وهدى الضَّالين سواء السبيل. لم يغرّه جاهٌ أو ترف، مالٌ أو بنون، لأنه نبذ الدنيا وتمسَّك بالآخرة. عاش حياةً راضيةً مرضية، وتخلَّى عن وظيفته حين خيَّروه بين الرسالة السماوية أو الوظيفة مصوبًا وجهه المضيء، كشمس نوار، نحو درب الحقيقة.

أجل… لم يخشى السجون والحراب، وتحمَّل من الاضطهاد التعسُّفي في عهد بشاره الخوري (رئيس الجمهورية اللبنانية سابقًا)، دون أن تلين له عزيمة حتى انتصر الحقّ وأُسقط الرئيس عن حكمه قبل انتهاء ولايته. وقد عاينتُ، مرةً، الدكتور فريد يشرحُ لرجال الصحافة ولكثير من الحاضرين حقائق المُعجزات الروحيَّة واسباب حصولها، والتمييز بين ما هو حقٌّ وصوابٌ في التعاليم الداهشية، وما هو خطأ وضلالٌ في تقاليد موروثةٍ ليست لها قيمة تجدي نفعًا.

فإن غاب عنَّا الدكتور فريد، فهو ما يزال نبراسًا للجميع في هذه الغبراء الكئيبة. ومسكنهُ الأبدي الخالدُ في عالمٍ وضاء. وقد صبر وظفر… فهنيئًا له سعادتُه في تلك الربوع المقدَّسة أبد الدهر بين أحبابه القديسين الأطهار، والملائكة الأبرار.

فإلى روحك الطاهرة التي غادرت دنيا التراب هذه، وحلقت نحو الأخدار السماوية، أرفعُ سلامي وشوقي. ولعلَّك، ومن عالمك الوضاء – الذي أوصلت نفسك إليه بالتقوى والإيمان – تخاطب أرواحنا التي تحنُّ دومًا إليك وإلى سماع نصائحك فتستضيء بها إلى دربِ السماء، دربِ الخلود السرمديّ!*

المشعل الفريد

         (مهداة إلى  روح “الإنسان الفريد” الدكتور فريد أبو سليمان الذي تحرر من قيود التراب في 20/4/2003)

                                                                                      شعر نجوى سلام براكْس

بعضٌ من نفسي كنتُ أسكبُه في شجيرةِ  الوزَّال

وأنا أزرعها في حديقة منزلنا…

وإذا نبأ انتقالك من دنيا الشقاء يبلغنا؛

فترقرقت دموعي لانطفائك المُفاجئ،

ولكن سرعان ما زغردت فرحتي

ليقيني بأنَّ جهادك الجبَّار

سيقودك إلى عالم النَّعيم حيث تستقبلكَ

عرائسُ الفراديس وربَّات الأنوار.

وعلى الفور تركنا الطبيعة لنُناجي خالقها،

فكتبنا أنا وغازي لك “الرموز” الداهشية

مُبتهلين إلى العزَّة الإلهيَّة.

كي ترقي درجتك الروحيَّة.

                             ***

وما لبثتُ أن عدتُ إلى أمي الطبيعة

لأسمع الطيور الروحية اللامرئية

تصدحُ لانتصارك “الفريد” على المُغريات الدنيويَّة.

ورحتُ أتأمَّلُ في الأوراق الكثيرة الصفراء

التي تحملها شجيرةُ الوزَّال كألسنةٍ من اللهيبِ المُقدَّس،

فتثبُ إلى خيالي “رموزُك” الروحيَّة الصفراء،

فأرها كأنَّما احتلَّت أماكن أوراق الشجيرة.

وتتعالى النبتةُ الوهَّاجةُ في خيالي حتى تلامسَ السماء،

وأوراقُها “الرموز” الصفراءُ تتحوَّل إلى أجراسٍ

تصدحُ بصوتكَ الروحيّ البعيد:

“خلعتُ رداءَ التراب وقيد الدنى

 فنلتُ نعيمًا مُقيمًا وأشهى المُنى”.

                             ***

ما إن مسَّت الداهشيَّة أوتارَ قلبكَ الطيِّب

حتى رحت تعزفُ ألحان الفراديس،

تسكبُها في آذان مرضاك وزائريك،

فجعلت من عيادتك الطبيَّة عيادةً

لمعالجة الأجساد والنفوس

والتبشير بالخلود بعد ضجعة الرموس،

وأفعمتَ نفوسَ الجميع بشذا المحبَّة.

لكنك أيضًا دافعتَ عن الهادي الحبيب

دفاعَ الرآبلة الراعد زئيرها في غابة الحياة،

وانتضيتَ السيفَ الداهشيّ

تطردُ به غربانَ الإساءة وبُومَ الإيذاء،

فمخرتَ عُبابَ المخاطر مُستهزئًا بمهازلِ الحياة

من أجل مجدِ الروح الخالد.

                   ***

عرفتُكَ كالبنفسج متواضعًا،

وكالنسر المحلِّق صارخًا بالحقيقة الصادعة،

لا تهابُ حاكمًا ولا تحني رأسك إلاَّ للحقِّ وربِّ الحقّ،

عرفتكَ فتنسمتُ عطر سيَّالك الداهشيّ،

وطارت بي ذاكرتي إلى جلساتنا مع الهادي الحبيب،

يوم كنتَ تتشوق إلى معاينة معجزاته القدسية،

وتظمأ إلى إكسير إرشاداته الروحيَّة.

عرفتكُ أخًا مجاهدًا، جبَّارًا في إيمانه وعقيدته،

في أضلعكَ يخفقُ قلبُ طفل،

وبين مقلتيك مسرحُ النجم؛

تنهضُ مع أشعة الفجر الأ,لى

لتنسجَ الصلاة بقلبٍ ملؤه الإيمان،

وعندما تسحب ذكاء ذلاذلها

تعودُ إلى نبع الصلاة تستلهم القدرة الإلهيَّة،

فيبارك ليلك ونهارك،

وتتوسد طمأنينة البال وراحة الضمير.

إجتذبتك القيم الروحيَّة،

فنبذت كل غالٍ في سبيل الهادي الحبيب،

وطَّلقت كل شهوةٍ دنيوية،

بعدما نهلتَ من معين الروحانيَّة،

فكنت “فريدًا” بأخلاقك وإيمانك وجهادك،

“فريدًا” كاللآلئ الغوالي.

لا، لن تغادر بالي،

بل سيزدادُ ألقُ الحنين،

وتزهرُ أبدًا في ضمير التاريخ، في ذاكرة السنين.

                             ***

من أجل الداهشيَّة حملت الصليب

ولازمت هاديك الحبيب

ملازمةً خطَّتْ اسمك الروحيّ

بحروفٍ عملاقة على لوحِ الخلود.

أسرِّحُ اليوم طَرفي فأراك في أعالي السماء

تسبِّحُ بين نجوم – الرموز

التي ناجيت بها بارئك مُجنّحًا بالسعادة الروحيَّة،

وحولك جوقات الملائك

تستقبلك بأناشيدٍ إلهيَّة

تسمو بسيَّالك الأعلى إلى ذكرى الكواكب العلوية.

كم من الجلساتِ الروحيَّة سُمِحَ لك حضُورها،

فسجلَّت وقائعها بقلمك الصادق،

بعدما انتشت روحك بخمرة الخوارق!

هجرت أقرباءك وأنسباءك، ونبذت ملاهي الحياة،

وفضحت مهازل السحرة والمُشعوذين.

عشقت الروحانيَّة حتى الصميم

لتحيا حياة الفضائل والمُثل العليا، حياة التقشُّف والزهد،

تعشقُ البساطة والوحدة الخصيبة،

وتستعذبُ آلام الاضطهاد في سبيلِ الهادي الحبيب،

وتستطيبُ جروح أجنحتك المنكأة،

الدائمة التحقيق في سماء الحياة.

                             ***

اليوم غاب ليلُ جسدك ليبزغ فجر روحك

بزوغًا لا يعرفُ الأفول؛

انطفأ سراجُك لتتوهَّج أنوارُك،

فهنيئًا لك مجدك الروحيّ، وهنيئًا نعيمكَ الأبديّ.

لقد عاد النسرُ إلى ذُراه،

وما أعذب رُؤاه!

عادَ “فريدًا” بين النسور.

***

تبديت لنا جنةً وارفةً مزهرة،

وبعجائب ابن السماء منوّرة،

جنّةً سترودُ مفاتنها الأجيالُ الداهشيّة

جيلاً بعد جيلٍ بعد جيل،

جنَّةً يستلهمها المؤمنون ليتعرَّفوا الطريق إلى الفراديس.

                   ***

لقد كنتَ واحدًا من مؤرخي مُعجزات الرسالة،

وفي خريف حياتك امتشقت الريشة

ورحتَ ترسُم، وما أروع ثمار يديك!

لن أنسى يومَ ألححْتَ عليَّ،

في إحدى زياراتي الأخيرة إلى لبنان،

بإعطائكَ صورةً لي لترسمَها،

فقلت لي: “مكانتُكِ في قلبي فريدة”.

وكنتَ، يومذاكَ، محدودب الظهر،

شحيحَ النظر والصحة، فرسمتني بريشتك لوحةً

بثثتَ فيها نتفًا من سيَّالك الراقي

بعد أن سالت فيها ألوانٌ فاتنةٌ

تُرجِّعُ أصداء الإخاء والوفاء.

غرفتُكَ كانت معبدك ومكتبك ومكتبتكَ ومُحترفك،

سكنتها حوالى أربعينَ عامًا فجعلتها أوسعَ من العالم.

حقًا! عزلتُكَ كانت مُثمرةً بالخيال والصورة،

بصادق الكلمة وكنوزِ الروح.

                   ***

على أجنحة زفيروس طرت إلى ذُرى جبالِ الجمال

حيثُ حليم وخبصا وماري وماجدا وأنطوانِت

مُشتاقون إلى لقياك،

وتاؤقون إلى متابعة مسيرة الجهاد معًا،

لنشرِ المحبَّة في كل كوكبٍ من رحاب الكون.

إلى بحيرة الداهشيَّة المقدَّسة عُدْتَ تتهادى

زهرةَ لينوفار تُسبحُ خالقها عبر تموّجات الأسرار،

فتفتحتْ أزاهيرُ أحلامك على تحقيق أمانيك.

ولا عجَب، فكم من الايام الأرضية أمضيتها صائمًا،

لتفطرَ على ولائم الفراديس المتألِّقة

بكل خارقٍ وعجيب!…

                             ***

آهِ! ما أقصر الحياة البشرية

بالنسبة للخلود في الكواكب العلوية.

تجاوزت الخامسة والتسعين من عمرك الأرضي،

بعد أن اجتزت تجارب الحياة بنجاحٍ ما بعده نجاح!

دُستَ أباطيل التراب، ونفضت عنك غبار الأمجاد التافهة.

رحلتَ عنها، أرضِ العذاب،

وسرَّحتَ بصيرتك في آفاقِ النور.

فلم تترك قبرًا يُزار

ليكون عليه باقاتٌ من الأزهار،

ولم تخلف أي مزار،

تُبلله الدموعُ وتحرقُ فيه الشموع،

بل جعلت محرقة غاندي وماري قُدوتكَ،

فانطلقت جميعُ سيالاتك من كوكب الأدران،

من أرضِ الضلالِ والظلام،

وصُهِرَت ذرَّاتُ جسدك وهي تنطلقُ

كالنيازك في قُزحيِّ الأحلام.

لقد استحلت إلى شُعلةٍ روحيَّةٍ خالدة،

بل إلى فكرةٍ أولمبية تُلهم الفنانين والشعراء.

أصبحت منارةً للداهشيين، وقُدوةً للتائقين إلى الخلاص.

فتغلغل في حياتنا، وعلمنا الاقتداء بجهادك،

يا أوفى الأوفياء، ويا ابن الوداعةِ والنقاء.

بمركبة النور مضيت مُخلفًا اسمك كالبرق الومَّاض

في خضَّمِ أمواج الظلام المُتلاطمة؛

بسكونٍ كأسرابٍ من الفراشات الفردوسية

المُنتشية برحيقِ النور والزهور مضيت؛

توَّاقا لمعانقة رسولك الهادي

تواكبك جوقاتُ الملائكة الأبرار الأطهار مضيت؛

نسيمًا ربيعيًا مُشبعًا بالعطور

تألقًا للاندماج في سيّالات النقاء مضيت؛

سيالاتٍ نوارنية نسجتها بالصدقِ والإخلاص والصبر،

في أمسية صيامٍ هانئة ساحرة، مضيت…

مضيت بعد أن قمت بواجباتك الروحيَّة اليوميَّة

على أتمِّ وجهٍ وفي أعزِّ إنجاز،

بعدما طاردت مع إخواتك الداهشيين الأوائل

فلولَ الباطل وأعداء الحقيقة الداهشيّة،

ولاحقتهم مصوبًا إليهم وابلاً من سهامِ الحقّ.

***

سأذكرك كلما توقَّد قمر في دجنات الليالي،

وغاب نجمٌ في الأصابيح؛

سأذكرك كلما تنفَّس برعم،

وصمت بلبلٌ على غصنٍ مزهر؛

سأذكُرك كلما تهادى زورقُ المحبَّة على مويجات الخيال،

وانتصبت أشرعةُ النقاء فوق مراكب الجمال؛

سأذكرُك كلما هبَّت نسائم نيسان

وعلت وجنات الطبيعة ورودُ الجنان

سكرانةً بالعطور والأغاريد؛

سأذكرك كلما اشتعلت في الوزَّال أزهارهُ الصفراء،

ثم توهَّجت أوراقُه الخضراء،

وابتسمت فوقي السماء.

                             ****

كما الرؤى القُزحية في الأحلام

ستطلُ علينا في ليالينا،

كما الصحو بعد عواصف الصقيع،

واخضرار الحقول بعد زمهرير الشتاء

سيبقى اسمك في ذاكرتنا مُشتعلاً كرؤيا فريدة؛

وكلما ابتسم الزنبق،

سأراك فيه تتألق،

وكلما انساب جدول، سأخالُك فيه تترقرق،

وكلما ابتسم فجر، سأرى فيه وجهك يُشرق،

فهل من عليائك علينا تُشفق

علَّنا نقتدي بخطاك،

وبأنفاس هُداك،

وبالروح مجدَّدًا نُخلَق!

ستبقى في قلبي، يا “فريد” الخصال،

ذكرى حلوة فريدة،

وردةً مخملية جوريَّةً مُشتعلةً بالا انطفاء… بلا زوال…

لا، لن أرثيكَ، أيها الطفل الكبير،

بل سأغنِّيكَ يا حبيبَ الحبيب،

وأُنشدُ أناشيد الفرح لما أحرَزتَ

من نصرٍ روحيّ مُبين

وللمآثر الروحيَّة التي أنجزتَ

خلال أعوامِكَ الداهشيَّة الستِّين.*

المهاتما غاندي

رسولُ الإنسانيَّة المُعذَّبة

منذُ خمسين عامًا، وتحديدًا في 30 كانون الثاني (يناير) عام 1948، اغتالت يد الشرِّ رسولَ الإنسانيَّة المُعذَّبة، المهاتما غاندي، فاهتزَّ كل ضمير حي في العالم لمصرعه.

لقد جاهد غاندي من أجل قضية العدالة في بلاده، وفي العالم، كما لم يجاهد إنسان، فتألَّم وصبرَ وصمدَ في وجه طُغاة الإنكليز، كما في وجه العصبية الشريرة العمياء في بلاده، حتى انتصر على أكبر إمبراطورية في عصره بسياسة اللاعنف والتقشف والثَّبات على الحق. وما كان لينتصر على أعداء الهند المرهوبين لو لم ينتصر، أولاً، على نفسه الانتصار الأروع، حتى ليحقُّ القولُ إنه كان لملايين في العالم أشبهَ بتجسدٍ ثانٍ للسيد المسيح. فمنذُ ألفي سنة لم يكن لأمثولة التضحية والفداء التي قدمها يسوع الناصري للعالم صورة أروع من الصورة التي جسَّدتها حياةُ غاندي.

لقد جسَّد المهاتما الإنسان الكامل في أرضٍ جُبِلَت بالنقائص. وجسَّد الإنسان الصالح في أرضٍ تسَلْطَنَ الشر عليها، فجمع صفاء الروح إلى الإخلاص للحقيقة، إلى التضحية حتى الفداء، إلى التمسُّك الشديد بالقيم الروحية، وفي رأسها التواضع والعفة والجهاد من أجل انتصار العدالة.

وليس صدفةً أن يحمل قاتلُ هذا الإنسان القديس اسم “جوادس” الذي حملهُ خائنُ المسيح.

وفي الذكرى الخمسين لمصرعه ننشرُ الكلمة المؤثرة التي كتبها فيه، عامذاك، مؤسسُ الداهشية.

 

وداع عام 1948

عام الجريمة العظّمى المروِّعة

بماذا أودّعك أيها العام الخائض في أوقيانوس الإجرام؟

إذْ في مطلعك الفاحم الدجنة ارتكبت أفظع جريمة مُرعبة.

تلك الجريمة التي روَّعت الدنيا بأسرها ودكَّت أسسها دكًا.

لقد تقوَّضت أعمدة الفضيلة،

وأُلحدت العدالة في جدثها السحيق الإوار،

وتوارى الحق غائصًا في أعمق الأسحاق خجلاً واستحياءً.

وكيف لا تتقوَّض أعمدة الفضيلة،

ولم لا تُلحد العدالة في أغوارها،

ولماذا لا يتوارى الحقّ وينطوي على نفسه أسفًا وخجلاً

بعدما أطلق الجاني الأثيم (جوداس) شقيق (يهوذا) الأسخر يوطي الخائن رصاصة على (نبيّ) الإنسانية ورسولها ومُصلحها الأمين (غاندي)!

تبًا لكِ أيتها الإنسانية الخائنة، وسحقًا لوجودك المُخزي.

بل لُعنت أيتها البشرية الضَّالة في آثامها،

الغارقة في دياجير فجورها، السابحة في بحار شرورها.

ألم يكفك أنك قتلت من استطعت من الأنبياء المُرسلين،

ورجمت ما قدرت من المصلحين الذين حاولوا إصلاحكِ عبثًا…

أولئك الذين قدموا لكِ باقاتٍ من ورود الروح العطرة الأريج،

وحاولوا هدايتكِ، فكانَ نصيبهم التقتيل والتقطيع والتفظيع.

أولم تُشبعي نهمكِ من صلب السيد المسيح

ورؤيتك إياه معذبًا على خشبة الصليب

لا لذنبٍ جناه، ولكن مكافأة له على تعاليمه السماوية

وتحمُّله قسوة الحياة وشظف العيش في سبيل خلاصكِ أيَّتها المُجرمة.

أولم ترتوي من دمائه القانية الزكية التي أهرقتُ ظلمًا وعدوانًا،

حتى جئت اليوم يا أيَّتها البشرية السفاكة

المتعطِّشة دومًا لهدر دماء الأنبياء والقديسين،

فهدرت دمًا زكيًا لم يُجِدْ الزمانُ بمثله منذ (ألفين) من الأعوام؟

لُعنتِ أيتها البشرية الفاسدة، وسربل الله اسمكِ بالعار،

وطوق أيام حياتكِ بالذُّل والعاب والهوان.

ووالله إن هذه الجريمة اللعينة الصارخة بالمنكر الشنيع

قد لوثت صفحات أيامك يا عام 1948،

فأصبحت سُبَّة في جبين الدهر.

توارَ، توارَ يا عام الشؤم،

وافنَ من عالم البشر الملاعين،

واعلم أن اسمك قد خلَّده التاريخ بحروفٍ جهنمية لا ولن تنسى،

وكلما تُذكر فيها ستنصبُّ عليك ملايين من اللعنات الإبلسية.

لُعنتَ أيها العام مدى الأجال والآزال.

                                          بيروت. منزل الرسالة الداهشية

                                            31 كانون الأول 1948

إلى الأُمّ شمُوني

                                                بقلم ماري حدَّاد1

أُختي الحبيبة!

رحلتِ فجأةً من بيننا، وعادت روحُك النقيَّة إلى باريها.

رَقدِتِ رُقادَك الأبدي،

وعلى وجهك المتالّمِ المعذَّبِ ظهرَت علاماتُ السرور،

وعلى أساريرك بشائرُ الانبساط والغبطة.

لقد كنت أُمَّ الآلامِ الثانية مريم أُمّ يسوع.

إنَّ ولَدَك انتُزعَ منكَ بقوَة الظُلم.

وكم كنت تنوحين وتقولين وقلبُك جريحٌ ونفسُك منسحقة:

–       إبني طاهر… إبني بريء… والله كبير. فلتكن مشيئتُه.

ومع أنّ عينيك كانتا مغمورتَين بالدموع السخينة،

فإنّ روحَك بقيَت صامدةً أمام العاصفة الهوجاء.

أمّا جسمُك الجبّار كالسنديانة،

فقد مال منحنيًا، وخانك على طريق الجُلجُلة.

فرزَحت تحت أعباءِ الحياة القاسية.

ولكن هناك مَن ساعدَك في حَملِ صليبِ آلامِ…

هو ذلك (الكتابُ المقدَّس) الذي كان يُرافقُك ليلَ نهار.

وكنتِ تُردِّدين كلماتِه،

وشفتاك تتلُوانِ بهدوءٍ وسكينةٍ ما يحتويه من روح الحياة والعزاء.

ولذلك لم تشائي أن تعرفي في حياتك كلِّها كتابًا غير الإنجيل الطاهر.

——————————————–

1- تراجَع النبذة الشخصيَّة عنها في مقالتها السابقة. والأمُّ شموني هي والدة الدكتور داهش، والمقالة رثاءٌ لها بُعَيد وفاتها، كُتبتْ باللغة الفرنسية. وقد اقتُبستْ من كتاب “أناشيد حزينة”. جمعه ماجد مهدي (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991)، ص 42.

—————————————————-

أليس فيه معرفةُ الحقيقة؟

لقد رافقَك من مهد الطفولةِ إلى القبر.

وقد تكشَّفت لك أسرارُه منذ نعومةِ أظفارِكِ

حتَّى أصبح معلمَك الوحيد ومدرستَك الكبرى.

وقد وهبَك اللَّه نعمةَ الذكاء الفطريّ الخارق

الذي يُنشئُ النوابغَ الخالدين،

فاصبحتِ مستحقةً لأن تكوني، بكلِّ جدارةٍ، والدةَ داهش.

ولأوَلِ مرةٍ تعرفتُ بك أصبحتِ لي أُختًا حقيقيَّة،

وأُلفتُنا مَكّنَتْ بيننا صلةَ المحبةِ الراسخة.

وكتُ أقولُ دائمًا:

– ما أطيبَ الحياة مع هذه الأخُتِ العظيمة، النبيلة الصادقة،

الباذلة لنا بوَداعةٍ كلَّ ما يزخرُ به قلبُها الكبيرُ الكريم.

لقد اقتبَستُ فوائدَ غاليةً من مزاياك العالية.

وكنتُ أُريدُ البُلوغَ إلى درجتِكِ.

ولكن من أين لي ذلك؟

لقد ترصَّدك الموتُ، يا أُختي، في أواخر هذا العام،

وأخذَك من بيننا.

وفرَّقَ الدهرُ شملَنا على هذه الفانية.

وها أنا جالسةٌ على حافّة الطريق في منعطف الحياة،

أتَلفَّتُ يمينًا وشَمالاً، وإلى الأُفقِ البعيد.

فتوارَيتِ سريعًا، وأنا أُفتشُ عبثًا عنك، فلا أجدُك،

بعد أن كنت بقُربي منذ هُنيهة.

وها أنا الآن لا أرى آثاراً جديدةً لأقدامِك

على رمال هذه الحياة الفانية.

إنّ روحَك كانت كسهمٍ منطلقٍ ومتَجهٍ دائمًا إلى العلاء، إلى فوق.

أمّا قدماك فقد كانتا وحدَهما فقط تلمسان الأرض،

بينما روحُك تُجاورُ السماءَ وتُلامسُها.

إنّ كنوزَك كانت مكدَّسةً في الأهراء الخالدة

حيث لا يُصيبُها صّدأٌ ولا يأكلُها الدود.

لقد انفصلَت روحُك من هذه الأرض بلا ألَمٍ ولا جهود،

كالثمرة الناضجةِ المعدَّةِ للحصاد الإلهيّ.

وبينما أنا أُعانقُك الآن للمرّة الأخيرة

أستَودعُك رسالةً لا شكّ أنّك ستقومين بتأديتها هناك.

واللَّه وحدَه يعلمُ عددَ الأيّام التي ستفصلُ بيننا.

وإنِّي أطلبُ من اللَّه القدير أن أُكملَ الحياةَ الأرضيّة الباقية لي

بالكمال الذي أكملتِ به رسالتَك على هذه الأرض.

فإلى اللقاء، يا أختي، إلى اللقاء.

                                                في 24 تشرين الثاني 1949

 

جبران خليل جبران

في الذكرى المئوية لهجرته إلى بلاد الحرية

بقلم الدكتور غازي براكس

منذ مئة عام، وطئ أرض أمريكا فتًى في الثانية عشرة من عمره. كان واحدًا من آلاف المهاجرين إليها، لا يميزه عن سواه إلا بذورُ عبقريةٍ أدبية كانت تنتظرُ أن تحضنها تربةٌ صالحة.

هذا الحدث، وإن بدا في حينه غير ذي شأن، لم يكن عارضًا في حياة جبران خليل جبران. ذلك أن أمريكا كانت تلك التربة الصالحة؛ فقد أتاحت له من الحرية الفكرية والمناهل الثقافية المتنوعة ما لم يكن عهد ذاك موفورًا في وطنه. زدْ إلى ذلك أن من أبنائها مَن أدركَ ملامحَ عبقريته، فرعاها؛ وفي رأْسهم ماري هاسكل.

فلو لَم يُكتَبْ لجبران أن يُهاجرَ إلى أمريكا لاتخذت حياتُه، ولا ريب منحًى آخر، ولَما كان لنا “النبي” و”يسوع ابن الإنسان”، ولَما نشأَت “الرابطةُ القلمية”، فعُدِم الأدَبُ العربيُّ حركةً مباركةً مدَّتْه بنسغ الحياة. فمن الأحداث ما لا يستطيعُ واحدُنا يُدركَ أبعادَه الحقيقية إلا عندما يكتملُ نسيجُ حياته، أو يكاد. ذلك أن ثمةَ نظامًا روحيًا خفيًّا يربطُ الأسباب بالنتائج، ويضعُ خطةً لمسيرة حياته وفقًا لاستحقاقاته.

وإنه ليسرُّ أسرة التحرير أن تُحيي الذكرى المئوية لهجرة جبران إلى أمريكا، لِما لها في حياته من أثرٍ بعيد، أولاً، ولِما بينه وبين الدكتور داهش من وشائج كثيرة، ثانيًا.

من تلك الوشائج أن كلا الرجلين هجر وطنه: الأول هجره فعلاً، والثاني هجره وهو مقيم فيه! وإذا كان جبران قد أطلق صيحته اليائسة: “لكم لبنانُكم، ولي لبناني”، فقد نعى الدكتور داهش لبنان قبل هبوب العاصفة المدمِّرة عليه. لكن كلا الرجلين كان إنساني النزوع تضيقُ به حدود الأوطان، بل كان يعاني غربةً روحيةً في هذا العالم.

فضلاً عن ذلك، فإن نظرتهما إلى الحياة تكاد تكون واحدةً كلاهما آمَنَ بأن وراء كلّ منظور قوةً حكيمةً لا يخفى عليها شيء، وأن الكائنات جميعًا تنتظمها وحدةٌ روحية. وما النفسُ الإنسانية، في اعتقادهما، غير جزءٍ منفصل من روحٍ علوي، وقد كتب عليها أن تتقمَّص على الأرض مرارًا ريثما تتطهَّر من أوشابها، وتندمجُ بمصدرها. ولن يتسنَّى للإنسان ذلك إلا إذا استطاع أن يحقّق أولاً حريته النفسية، أي انعتاقه من عبودية الأهواء والميول الوضعية… وهو أساس الحريَّات كافةً.

ويلتقي الرجلان أيضًا في ثورتهما على التقاليد البالية والقيم الزائفة، وفي إيمانهما بأن الاديان جميعًا واحدةً في الجوهر، وأنها ليست طقوسًا فارغة تمارسُ في اوقاتٍ محدَّدة، بل توقٌ إلى السمو نحِّققه في كل لحظةٍ من لحظات حياتنا.

إلاَّ أن ما عبر عنه جبران تعبيرًا رمزيًا أو اكتفى بالإشارة إليه، قد أوضحه الدكتور داهش في كتاباته وفصَّله. وحسبُنا بعد مئةِ عامٍ من وصول جبران إلى أمريكا أن نعمل من خلال صوت داهش لنستأنفَ مسيرتَه الروحية والأدبية.

 

أخي جبران

مرفوعةٌ إلى روح جبران خليل جبران

باريس، نيسان سنة 1935

للدكتور داهش

 

أي أخي، وعزيزي، وحبيبي،

ومُخلفي في عالم القسوة!

يا حبيبي جبران!

أي أعزَّ مخلوقٍ لدي في هذه الدنيا الزخَّارة بالشرور، المليئة بالآثام!

أيها (الطيفُ) الغير المنظور بأعيننا

التي لا ترى غير عالم المادة!

أيها المتغنِّي بالعالم الذي أصبحت الآن تنعمُ فيه

كما كنتَ تهوى وتروم!

أيها الصديقُ الذي غاب عنا إلى غير ما أوبة أو رجوع! ويلاه!

أيها الحبيبُ الذي تحنُّ إلى عالمكَ البهيّ روحي المعذَّبة

فوق هذه الأرض أرض الشقاء!

أي (أخي) جبران المُنطلق في الفضاء

بعد أداء (الرسالة) التي ألقيت على عاتقه!

يا رجُلَ الألم والحُزن والأسى واللوعة

والشفقة والحب الخالد العميق!

أيها النابذُ عالم المادة الحقير،

المتطلِّع إلى عالم الرُّوح الدائم السطوعِ والبهاء!

يا مَنْ تجاهلك البشرُ في الحياة،

فخُلِّد اسمك، بعد الممات!

أيها (الأخُ) الذي أشعرُ بقدسية اسمه، إذا ما ذُكرَ أمامي!

أيها العزيز الذي لم يعرف غير عمل الخير،

وما هو إلى الخير بسبيل!

أيّها المتغنِّي بكلّ ما هو بعيدٌ عن هذه (الأرض) القذرة الموبوءة!

لقد (انطلقت)، يا حبيبي، من عالمنا\

كما ينطلقُ (العصفور) السجينُ من ققفصِه فرحًا مسرورًا!

فجأةً أتيتَ إلينا،

وفجأةً كان ذهابُكَ المريرُ عنا!

لقد سحقتَ قلبي، وفطرت مرارتي، باحتجابكَ، يا أخي، عني!

إنني أذكُرُ (إشارتَكَ في كتابك الخالد “النبي”

إلى قول إحدى السائلات بين الجموع المُحتشدة أمام مصطفاها:

“لا تدّعْنا نشتاق إلى رؤيةِ وجهكَ، ولا تذهبْ عنّا”.

يا أخي،

إنّها (نبوءةٌ) قد تحقَّقتْ في “النبي”!

فهل، يا رعاكَ الله، كنتَ تعرفُ أو تشعرُ بقرب ارتحالكَ عنّا،

وعدمِ رجوعكَ إلينا؟

هل كنتَ تتأكدُ من سرعةِ احتجابِ وجهكَ الجميل عن هذه الدنيا؟

يا أخي، وأنا أيضًا مَلَلْتُ الحياة وسخافاتها!

آه! وسئمتُ أكاذيبها وأضاليلها!

أجل، وأنا أيضًا أودُّ أن (أطير) إلى مكانك؛

ولكن جناحي القصيرين يأبيان عليَّ ذلك،

ولا يساعدانني على (الطيران) الآن!

أوّاه! أنا أود الانطلاق… ولكن هيهات!

إنني عاجزٌ كل العجز عن دَرْكِ بُغيتي وبلوغ أمنيتي!

فهل لك أن تمدّ إلى هذا الذي يهوى ما كنتَ تهوى

يَدَ العونِ والمساعدة؟

هل لكَ في هذا، يا (أخي) جبران؟

أخي جبران،

ثِقْ أنني سأظلُّ، ما حييتُ، ذاكرًا شخصيتكَ العجيبة،

و(طيفك) المحبوب، ونفسيتكَ النبيلة،

وأخلاقكَ النادرة، وروحكَ الفاضلة!

أي أخي، إن روحي حزينةٌ بعد أفولكَ السريع!

أي أخي، إنني بائسٌ، شقي، معذبٌ،

أفيضُ بالألم، وأنضحُ بالأسى!

إنني أغبطكَ على نعيمكَ، وأرثي لنفسي المعذبة الهائمة!

أخي، وعزيزي، وطلبتي، وحبيبي!

تُرى، متى يحينُ يومُ اجتماعي بكَ؟

هل يكون هذا اليومُ بعيدًا؟

لا، يا أخي، أرجو أن يكون غير بعيد.

والآن،

سلامٌ عليك.

سلامٌ على أقوالكَ الخالدة، وأعمالكَ الباقية.

سلامٌ على آلامكَ العبقرية، وعلى آمالكَ العذاب.

سلامٌ على صرخاتكَ وهمساتكَ، على صخبكَ، وسكوتك.

سلامٌ على الربوع، تلك الربوع

التي تشرَّفت بدوسِ نعليك، وتطهَّرت بوطء قدميك.

سلامٌ على (الغرفة)،

الغرفة المتواضعة، الغرفة المتصوفة الزاهدة

التي كانت تضمُّ بين حناياها

الروح المتواضع المتصوّف الزاهد.

سلامٌ على جدثك المقدَّس الذي خَلَدْتَ إليه،

بعيدًا عن آلام الحياة المليئة بالحسرات، المُفعمة بالزفرات.

وسلامٌ على روحكَ الطاهرة في الملا العلويّ

حيثُ تشعُّ في أجواز الفضاء فرحةً مسرورة،

آمنةً، مطمئنة!

سلام، سلام.

                                                   من أخيك المُحِبْ

                                                المتطلِّع إلى عالمك الخالد

                                                 من كتاب “القلب المحطم”

 

دَعــوني أقـولْ

مُهداة إلى الأخ الحبيب غازي براكْس

 

دَعوني أقـولُ لكم مَن هـو:                      هو أخٌ جبَّارٌ ومُجاهدٌ  مجهولْ

هو مؤمنٌ بكـلِّ مـا يكتبُ                    وبكلِّ ما ينظمُ  ومـا يقـولْ

هو صاحبُ يراعـةٍ لا تنضبُ                     يكتبُ للحقِّ وأمام اللّه مسؤولْ

هو يزرعُ اليومَ بـذورَ فكـرٍ                        وغداً ينبتُ الزرعُ وتُزهِرُ الحقولْ

دؤوبٌ، لا يضيّع وقتاً مهما قَصُرَ،          مِقـدامٌ، إن وعَد فهو فَعُـولْ

لقد كان سنَداً للحبيب في حياته                وحاملاً لواءَه وسيفَه المسلـولْ

كان ناطقـاً باسمـه أينما حـلَّ                      مُقارعاً الصديق والقريب والعزولْ

أثبتَ عن جدارةٍ أنّه نِعْمَ الأخُ                       وجهادُه وكتاباته خيرُ دليلٍ ومدلولْ

وله من الوعي مـا لا ندركه                       ولا يفقُهه المغرورُ وصغارُ العقولْ

فقــد كلّفـه داهشٌ بأمانةٍ                              فحملها في عَينَيه بلا وهنٍ أو ذبولْ

كما كان لسانَ داهش في مجلّته،                  يُجيبُ السائلين ويكشفُ المجهولْ

هو لـو شاء أنْ يكون وجيهـاً                  لقُرِعَتْ له حيثما نَزلَ الطبـولْ

ولَتسنَّمَ مناصبَ رفيعةً وحاز شهرةً                ولسار على الأكتافِ وهو محمولْ

لكنّه أبى أنْ يتخلّى عن عقيـدةٍ               هي رمزُ فخره وهدفُه المأْمُـولْ

فقـد عَرفَ أنَّ الحياةَ مهزلـةٌ                   والعُمر مهما طال سريعُ الأفولْ

فضحَّى براحته وهنائه وصحّته                     واكتفى من العيش بما زهدَ وبالبقُولْ

أمْ تريدونـه أنْ يعيشَ  قفرًا                       كما يعيشُ الصخرُ وعديمُ الشتولْ؟

هو صامتٌ عمّا قيـل ويقـالُ                    وفارسٌ في الحقِّ يصولُ ويجـولْ

هو لا يأبه  بصعاليك  الأزقّـة                  بل يُجابهُ الجبابرة  على الخيـولْ

هو لا يهاب قوماً  مهما  طغَوا                    ولا يتوانى في  الميدان  عن النزولْ

هو لا يخاف الموتَ حين  يأتيه                  بل يطلبُه لعلمِه أنّه سيُدعى للمثولْ

بين يدَي الديّــان  العـادل                    وسيقدّم أعمالَه وليس  بخجـولْ

وسيكافئه اللّه عمّا جنَت يداه               وعلى جُهده العظيم المبــذولْ

جنّاتٌ  وصفُها أبعدُ من الخيالِ                   والتصوُّرِ في عالَم الأرض المخبولْ

فهيهاتِ أن تعرفوا مَـن هـو                   وأنتم أهلُ تَشَدّقٍ وأكلٍ  وخمولْ

هو، وربِّ السماواتِ، خيُر مجاهد ٍ            هو غازي الجنانِ وبولسُ الرسولْ

 

حسين يونس

رحلَ فريدُ مُبتسِماً

رحلَ فريدُ مُبتسِماً، ولم يعُد، وعلى الأرحج أنَّه لن يعود، فقد انتصرت ذاته الفُضلى على الشرِّ الكامن في نفوسنا، وحطّمَ قيود المادَّة التي أسرتنا لمئاتٍ من السنين، نهض من بين ركام تقاليدنا فكسَّرها، أبالسة الدنيا لم تنل منه ليجوس ربوع الرذيلة ,ولم تُخضعه لسلطانها.

 فلا الفتيات الدعجاوات أغرته بجمالهنَّ وأنوثتهنَّ ولا بدلالهنَّ وفتنتهنَّ، وهو مازال في ريعان الشباب، حيثُ كان طيف الصبية يأسر العقول ويذهبُ بالألباب، فتكتوي القلوب من لوعة الفراق حسرةً على أمل اللقاء.

  ولا المال الذي أتاه صاغراً تملَّك منه، وهو ابن الحسَبِ والنسب، ومن عائلةٍ ميسورة، تكتنز المال، وتبيع العقارات، وتعيش في رغدٍ وبحبوحة، فكان له الوسيلة لعمل الخير مع أضعف خلقِ الله, وفيما بعد، باباً من أبواب الجهاد والتضحية في سبيل اعلاء كلمة الحقِّ والنور واليقين.

  ولاالعلم الرفيع الذي كبَّ على نهله أجحده عن معرفة الله والأديان، فكان عالماً بها، ينهل من معينها فلسفةً ، عمادها الأخوة الأنسانيَّة، وهدفها الخلاص من براثن الشرِّ المحيط بنا، المتمثِّلة بالعصبيَّات الطائفيَّة والمذهبيَّات الأثنيَّة، والتي تختلجُ به نفوسنا، وبتحريضٍ من آباءنا وأجدادنا، الى أن قيَّض الله له نوراً الهيّ يدعو الى وحدة الأديان، فكانت له منارةً يهتدي بها في بحور الظلمات، مُلتزماً الأخلاق الحميدة.

 ولا الطبُّ الذي أمتهنه أبعده عن مساعدة الفقراء والمحتاجين، فهم اخوةً لنا امّا في الدين أو الأنسانيَّة، جارت عليهم الأيَّام،  فكان يعمل على التخفيف من معاناتهم، راسماً بسمةً على شفاههم التعيسة، مُبرداً حرارة لوعتهم بكلماتٍ تواسيهم، وتزرع الأمل في نفوسهم.

ولا ذو القربى استطاعوا أن يلزموه تقاليدهم وعاداتهم التي تربُّوا عليها، وتهديدهم بحرمانه من ميراثٍ لا يُغنِ ولا يُشبع مهما كثر، ولا نبذٍ من طائفة ، لم يأبه بوالدين شبَّ في كنفهما، ليس ظلماً ولا قلَّةَ وفاء، انما نصرةً للهادي الحبيب الذي رأى فيه نور الله المُتجلِّي لأبناء الشرِّ الوضيع.

 ولا رجال الدين بسلطانهم الكهنوتيّ والقابضين على الدين استطاعوا أن يخضعوه لمآربهم ،وهو العارف، والعالم ، مُبيِّناً اختلاف الأصل عن تحريفهم للتعاليم السماويَّة والوصايا الألهيَّة، وما ذلك الاَّ لأبتزاز الناس وأموالهم ليكدِّسوها في قوة سلطانهم، فشهر سيف الحقِّ في وجه المتألِّهين من رجال فقهٍ وكهنوت، هزء بهم حين كان منفرداً،  هاجمهم حين قلَّت الرجولة واختبأ الرجال، وعمِلَ على كشف خزعبلاتهم وأضاليلهم، غير عابىءٍ بظلمٍ ولا بطردٍ من كنائسهم، لعلمه اليقين أنَّه على حقّ، وهم على خطأ.

          ولا وعودَ أو اغراءاتَ رجال السياسة بزيادة راتبه ومنحه المراكز الرفيعة في الدوائر الرسميَّة أغرَّته ليتنسَّم منها مراكزاً أعلى وأرفع، ولم يتمكنوا من استمالته اليهم، أو فرض سلطتهم عليه، وهو الأبيِّ الكريم، وهم المُسخِّرين للسلطة والدين لتنفيذ مآربهم والأنقضاض على الدستور بحجَّةِ الأمن والسلام ليحل على النفس الأنسانيَّة، والمُتَّخذين من قوانينهم الغير مرعية الأجراء قوَّةً للأنقضاض على الفقراء والضعفاء المساكين، ونهب المال العام.

 

رحل فريدُ مُبتسماً، ولم تُلِنْ من عزيمته الأعتداء عليه واهانته ثمَّ ضربه وسجنه، ، لم تثنه تهديداتهم وعويلهم، ولم يأبه بسلطتهم وسلطانهم، ولم تُغره اغراءاتهم، ولم يغيِّر ذلك في شيءٍ من ايمانه، وهو الصخرة التي ستُبنى عليها وحدة الأديان. لم يرحم قوتهم وهم الوصوليين، ، وقف في وجه دولةٍ ظالمة، بما تمثِّله من قياداتَ وأفراد، ورجال دينٍ ودولة، في حين لم يجروء الآخرين. ولم تنفع معه محاولاتهم لأسكاته عن قول كلمة حقِّ في رجل السماء البار، والوقوف معه في الضرَّاء قبل السرَّاء، فكان الرفيق الأمين، والمخلص الوفي، والمجاهد الصنديد، كان القوي الجبَّار، الحكيم وصاحب الحكمة، كان النور وسيف الحقِّ البتار الذي اشترى خلاصه من عالم الكذب والرياء، والحياة الفانية، بعوالمٍ من نور، وسعادةٍ أبديَّة.

 

رحل فريد مُبتسماً، بعد أن كسر قيود الجهالةِ، مُبشراً بنور الهدى، مصباح النجاة، يُنيرُ أمامنا طريق الهداية والسماء.

 

حسين يونس

كوانزو 20 نيسان 2017

أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!