العودة الى المُطلق
أُسس العقيدة الداهشيَّة
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثاني
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثالث
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع
يقول يسوعُ الناصريُّ: “لا تظنُّوا أنِّي أَتيتُ لأَنقضَ الناموس أو الأنبـياء، إنِّي لم آتِ لأَنقضَ لكن لأُتمِّم،” (متّى 5: 17) هو نفسه قال أيضًا لتلاميذه: “إنَّ عندي كثيرًا أقولُه لكم، لكنَّكم لا تُطيقون حَمْلَه الآن. ولكن متى جاءَ ذاك روحُ الحقّ، فهو يُرشدُكم إلى الحقِّ جميعًا، لأَنَّه لا يتكلَّم من عنده بل يتكلَّم بكلِّ ما يسمع ويُخبرُكم بما يأْتي.” (يوحنّا 16: 12-13)
عاشرًا السيّالات
قالت الشجرة تخاطب نفسها :
انّ أغصاني تظلّل هذا الكوتتج ، والهواء يتخلّل أفناني فيداعبها ، واذا هي تهتزّ ذات اليمين وذات اليسار ، فتسرّ ، اذ ذاك ، عيون الناظرين من نوافذ هذا الكوتتج اليها وهي تتمايل .
كما أن الطيور الصادحة تقف على أغصاني وتشنّف الآذان بشدوها المبدع . وفي فصل الربيع تكتسي الغابة بأعشاب سندسيّة تتخلّلها أزهار بريّة ذات ألوان عسجديّة تبهج النواظر . والنسيم العليل يعزف على الأغصان أنغاما عذبة ، فهي موسيقى الطبيعة المبدعة . وتروح السناجيب فترتقيني بسرعة مذهلة صاعدة هابطة بفرح ومرح كبيرين .
ومضت الأيّام ، فتلتها الشهور فالأعوام ، وأنا مسمّرة بمكاني لا استطاعة لي للانتقال لأشاهد أمكنة غير المكان الذي ثبّت فيه منذ ولادتي حتى يوم مماتي .
وكم كنت أتمنّى لو يفكّ أسري لساعة واحدة يسمح لي فيها بالانتقال الى داخل الغاب لأحيّي زملائي الأشجار الراسخين رسوخ الجبال بأمكنتهم . فمصيبتهم مصيبتي بعدم الانتقال . ولم يوصلهم الى هذه الحال الاّ ما أوصلني أنا بالذات . فمصيرنا واحد ، وكلّ منّا سيمكث بالنقطة المغروس فيها حتى يأتي يوم تقطع فيه أصوله بالفؤوس أو بالمنشار الكهربائي ليستعمل بنو البشر الخشب طعمة للنيران لتدفئة المنازل أو لادارة بعض المعامل .
هذه نهايتنا نحن معشر الأشجار . فنحن نبعث السرور في من يشاهدنا كجيش جرّار في هذا الغاب المترامي المسافات . لكنّ من يرانا لا يمكنه أن يشعر كم نحن تعساء لعدم استطاعتنا التنقّل من مكاننا الأبديّ الثبات ، حتى يأتي يوم تدهمنا فيه الشيخوخة ، فتيبس أغصاننا ، ويعود لا يسري فينا روح الحياة ، فنموت ونتوارى من عالم المادّة لننتقل الى عالم آخر نعود فنحيا فيه ، اذ هذه هي ارادة من أوجدنا ووضع لنا نظامنا ثابتا يسري علينا من دهر الى دهر .
اني أعترف – أنا الشجرة السامقة الموجودة بقرب كوتتج ( الهني وود)- بأنه كانت تساورني شتّى الأفكار المتنوعة ، فمنها الدنيء ، وكم كان العجب يتملّكني من هذا التناقض العجيب الغريب . فأحيانا ، كان يراودني فكر اجراميّ ، اذ كنت أحبّ أن أوقع الضرر بالطيور التي كانت تأنس بالوقوف على أغصاني ، واشاعة البهجة بتغريدها بأطرافي ، فبدلا من العطف عليها وشكرها على تغريدها العذب كنت أرغب في ايذائها .
وفي أحد أيّام الربيع بنى طير جميل عشّه في أحد زوايا أعضائي . وكانت أوراق كثيفة من أحد أفناني تحجبه عن العيون الفضوليّة . ووضعت أنثى الطير بيضها في هذا العشّ السامق المتواري بين الأغصان ، وكان الفصل فصل الربيع الأخّاد .
وفجأة شاهدت أفعى تنسلّ من بين الحشائش ، وهي تزحف منتظرة فريسة توقها بفيها ، واذا برغبة ملحّة تنتابني لأجعلها تتسلّق الشجرة وتلتهم البيض المحفوظ بعشّ الطير . ثم شعرت برغبة عكسيّة ، فقلت ، أليست خيانة مني أن أخون الطير الذي التجأ الى كنفي وأمّنني على منزله وبيض فراخه ؟
وتكلم صوت داخليّ بنفسي يقول : وما همّني ان التهمت هذه الأفعى بيض الطيرين . انّ هذا لا يضيرني بشيء .
واستعرت الحرب الخفيّة بين رغبتي بالحاق الضرر دونما سبب ورغبتي الأخرى بعدم الاتيان بهذا الأمر الشّرير .
انه صراع بين الحقّ والباطل ، بين العدالة والاجرام . انهما قوّتان تتنازعان : قوّتا الخير والشرّ .
واذا ظنّ البشر أنهم هم الوحيدون الذين يصطرع الشرّ والخير في صدورهم ، فما ظنّهم هذا الاّ وهم بوهم .
فنحن معشر الأشجار لدينا ما لديهم من حريّة ارتكاب الخير أو الخوض في أعماق الموبقات الزاخرة بالشّر الطافح ، فالخالق أعطانا حريّة التصرّف ، خيرا أو شرّا ، وقيّدنا بنظام . فاذا ارتكبنا ما يخالف العدالة ، فعقابنا رهيب ، كذلك مكافأتنا عظيمة في الحال الأخرى . والبعض منّا يرتكب نقائص سيدفع عنها الحساب عندما تأزف بسرعة الثواب والعقاب .
ولهذا زوّدنا الله بميزات نستطيع القيام بها دون أن يعرف البشر أننا نملكها . ولو عرفوا هذا السرّ العظيم لتملّكتهم دهشة عظمى ترافقهم حتى عالم الرموس . وهذه الميزة هي أنه باستطاعتنا أن نرسل سيّالا خفيّا على الأفعى أو سواها من الزحّافات أو الحيوانات الأخرى ، فندعها تتسلّق الشجرة وترتكب الاثم ، أو نمنع صعودها بارسالنا سيّالا معاكسا يدعها تفرّ من أمام الشجرة ولا تقرب اليها .
وتغلّب الشرّ على الخير ، فأرسل قسم من الشجرة – التي هي أنا – سيّاله على الأفعى . وبينما كانت تزحف مبتعدة عن الشجرة ، استدارت واقتربت منها ، ثم صعدت اليها واستمرّت في صعودها حتى وصلت الى عشّ الطير ، والتهمت البيض . وبينما كانت منهمكة بعملها ، وصلت الأمّ ، فهالتها رؤية الأفعى ، فانقضّت عليها تنقرها ثم تطير ، والأفعى تحاول لدغها . وأنا كنت مسرورة وغير مسرورة ممّا أشاهده ، أي نصفي الأيسر مسرور من رؤية الصراع بين الأفعى والطير ، ونصفي الأيمن مستاء ممّا حدث رغما عن ارادتي .
أخيرا ، استطاعت الأفعى أن تلدغ أنثى الطير ، فهوت من الأعالي مائتة . وهذه النكبة المحزنة سبّبها جزئي الأيسر الذي طرب لما حدث . وأسفت أنا لانتصار الشرّ على الخير .
وكثيرا ما لاقت السناجيب حتفها عندما كانت تتسلّقني ، اذ كان جزئي الأيسر يرسل سيّاله على هذه السناجيب ، فيحدث لهم ضرر بسبب الشرّ الكامن في فروع وأغصان جزئي الأيسر .
وكم وكم تصارعت أنا وهذا الجزء الشّرير ، وأنّبته ، دون جدوى ، اذ كان يعود الى شروره بعد أن يحنث بوعوده العرقوبية لي .
وحينما وجدت أنه لا فائدة ترجى من وعوده ، وأنّ الشرّ قد تأصّل فيه ، وأنّ جزاءه سيتمّ مهما طال الزمان ، ولا نجاة ممّا سأحاسب عليه اذا لم أنفصل عن جزئي الشّرير هذا – وكان ذلك في أحد أيّام عام 1950 – استجمعت قواي الممنوحة لي ، ورفعت ضراعتي الى خالقي وخالق البرايا المعروفة والمجهولة ، وأطلقتها صرخة مدوّية مزلزلة ، راغبة بالابتعاد عن جزئي الشّرير .
واذا الشجرة – التي هي أنا وجزئي الشّرير – تنشطر قسمين . وهكذا ابتعدت عن قسمي الفاسد المملوء بالغدر والخيانة . فمهما ارتكب ، بعد انفصالي عنه ، لا أكون مسؤولا عنه بدليل انشطاري وابتعادي عنه . فأنا أصبحت بالناحية اليمنى ، وهو باليسرى . فارتكابه للمخازي هو المسؤول عنها ولست أنا .
وأني أحمد الله – جلّت قدرته – على تخلّصي من نصفي الشّرير . وقد تذكّرت ، بهذه المناسبة ، قول السيّد المسيح منذ ألفي عام ، اذ قال :
“اذا شكّكتك عينك فاقلعها ، فخير لك أن تدخل ملكوت السماوات بعين واحدة من أن تدخل جهنّم المرعبة بعينين سليمتين “.
وبما أنني كنت أشعر برغبة في ارتكاب الشّر مرارا وتكرارا ، لهذا صمّمت على أن أفترق عن جزئي الذي سيوردني موارد التهلكة . لهذا ارتأيت أن أنفصل عنه ليكون هو المسؤول عن أعماله الشّريرة .
وهكذا استجمعت قواي الممنوحة لي ، وأطلقتها صرخة مدوّية ، فاذا أنا نصفان . وهكذا تخلّصت من نصفي الشّرير ، وما عدت مسؤولا عنه . فهو المسؤول عمّا سيرتكبه ان كان خيرا فسيكافأ عليه ، وان كان شرّا فسيجازى عليه .
هذا ما قصّته الشجرة . وقد دوّنته ليطّلع عليه من يرغب معرفة الأسرار المجهولة .
الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، بدأت كتابتها في الساعة 9،14 من ليل 16/7/1978 ، وأنجزتها في الساعة 10،30
وارتجفت ذرات الكونتينار(1) من شدة البرد و الصقيع، وكذلك الصناديق الفارغة التي أخرجت في شهر نيسان 1976 من داخله، وهي الصناديق التي كانت مملوءة بشتى أنواع السلع و البضائع الثمينة التي شحنتها فوت بخمسمئة صندوق وضعت في عشرين كونتينار ضخم، إذ إن كل كونتينار يستوعب 25 صندوقاً خشبياً مفعماً بالسلع النادرة.
قلت إن ذرات الكونتينار كانت ترتجف لشدة برد الولايات المتحدة الأميركية وثلوجها المنهمرة. وكان الكونتينار و كذلك الصناديق الخشبية الأخرى مأخوذة من أشجار جبال لبنان.
ولبنان مهما اشتد برده وهطلت ثلوجه فإن برده لا يصبح قارساً كبرد الولايات المتحدة الأميركية الذي يخترق حتى العظام. فأنت ترى نساءها و رجالها و أطفالها في فصل الشتاء يرتدون الثياب الصوفية السميكة، و يتدثرون بمعاطف من الفرو، و ينتعلون أحذية مستطيلة من الجلد الثخين اتقاء للبرد القاتل. كما ترى على أعناقهم شالات من الصوف يلفونها على رقابهم و آذانهم و نصف وجودهم اتقاء للذعات البرد المبيد الذي يعصف بالإنسان والجماد.
واصطكت ذرات الكونتينار وتأوه قائلاً:
-يا للبرد الهائل! لقد تخلل ذراتي ففكها تفكيكاً، فتلاشت عزيمتي وخارت قواي. واضمحلت إرادتي، و فنيت سيالاتي لهذا الصقيع الهائل الذي يتساوى مع برد أصقاع الروسية! فيا الله! ماذا ارتكبت حتى زماني زماني بهذه المدينة الأميركية المغمورة من قمة رأسها حتى أخمص قدميها بثلوج ناصعة أبدية الصقيع.
ولشدة برودة الموت التي تمكنت منه بكى. لكن قطرات دموعه تجمدت بمحاجر مسامه إذ أصبحت جليداً. فتململ صارخاً:
-النجدة منك يا خالقي الأكوان طراً.
وتمنى لو يستطيع السير، إاً لسابق الزمان بالفرار إلى كهف عميق يتغلغل في أغواره ليقيه غائلة هذا البرد الكافر.
وأشفقت عليه الشجرة التي ألقي تحتها، و كانت أغصانها مثقلة بالثلوج عوضاً عن أثمار الصيف. فحدثته قائلة:
-إنني أشكر الثلوج التي أنطقتك أيها الصندوق الخشبي الهائل الحجم. فأنت ملقى منذ أشهر تحت أغصاني، إذ إنك أفرغت من صناديقك ال25 منذ شهر نيسان 1976. وبعد أن اخرج ما بداخل كل صندوق منها ألقوكم في هذه الساحة، فأصبحتم كمية مهملة لا شأن لكم. بينما عندما احتاجوا إليكم دفعوا بك وبالصناديق التي كنت تحتوي عليها مبالغ محترمة ثمناً لأخشاكم، و أضافوا مبلغاً آخر لنجار الذي ثبت أضلاعكم وجمعها، فأصبحتم صناديق جاهزة لملئها بالكنوز و اللوحات النادرة. وبعدما أفرغوكم من تلك الكنوز المدهشة ألقوكم خارجاً، فإذا بكم تتساوون مع الليمونة التي تعصر ثم تلقى في تنكة النفايات. وقد مضت أشهر الصيف الطويلة وأنت أيها الصندوق الضخم و أبناؤك ال25 تنعمون بطقس رائع، تستظلون بظلي وبظل شقائي من الأشجار العديدة في هذه الحديقة العامرة بالأزهار في شهر أيار الربيعي الفاتن . و لو لم يدهمكم الشتاء الغزير فالثلج المبيد ببرودته لما تكلمت ولما سمعت صوتك.
والآن بحكم الجوار أصبحت من رعاياي. فأنت في أرضي التي ولدت فيها وعشت بين أحضانها، و تذوقت لذة شمسها الساطعة ولياليها المقمرة، كما لفحتني لذعات ثلوجها الباردة وصقيعها المبيد. و كل شيء وما تعود عليه. فقد تعودت على ثلوج المدينة الأميركية، و برد صقيعها لا يضيرني مثلك، فذراتي اكتسبت مناعة ضد الصقيع، فقد ألفته وألفني.
فماذا تريدني أن أساعدك وأساعد أبناء الصناديق ال25؟
وعلا صوت الصندوق الضخم وهو يستحلف الشجرة التي تثقل أغصانها الثلوج العامرة: قائلاً لها:
-رحماك رحماك. هل باستطاعتك أن تنقذيني أيتها الشجرة المتسامقة؟
-رويدك أيها الصندوق، و إيّاك أن تفقد صبرك، فإني سأبذل جهد استطاعتي لمساعدتك وإزالة كربك و إنقاذك من ضيقك. فصديقك يوم الضيق هو صديقك، وصديقك من صدقك لا من صدقك.
وأرسلت الشجرة الجبارة نداءها إلى الغابة التي فيها مجموعة هائلة من الأشجار الشامخة الذرى، واستحلفها بأثمارها التي ستزورها في فصل الصيف المقبل، و هي تنتظرها تكلل أغصانها في هذا الفصل البهيج، قائلة للأشجار:
-لقد استحلفتكم بأعز شيء تكنون له حباً عارماً. و بما أنكم تختزنون في جذوعكم وفروعكم و أغصانكم كمية لا بأس بها من حرارة شمس الصيف المتأججة لتقوا أنفسكم من صقيع فصل الشتاء، لهذا أطلب منكم أن يتنازل كل منكم عن جزء من هذه الحرارة المختزنة، و أنا أول من يبدأ بهذا، و نرسل هذا الإشعاع ونوزعه على الصندوق الضخم أي –الكونتينيار- والصناديق ال25.
ودبت الحماسة في أعصاب الأشجار المنتثرة والمنتشرة في الغاب الفسيح، ونفثت جزءاً مما تختزنه من الحرارة، فأحاطت الصناديق بها. وكان كل من هذه الصناديق يحمل هرماً من الثلوج على ظهره وجوانبه، فإذا بهذه الحرارة تذيب تلك الثلوج المتراكمة، فتسيل ماء يغسل الأرض.
ةدبت الحياة في الصناديق، فارتفعت أدعية الشكر و العرفان بالجميل من الصناديق جمعاء.
وطرب الكونتينيار، و كذلك الصناديق المنتشرة بجواره. وقال الصندوق الضخم للشجرة:
-إن أنت إلا شجرة مباركة و لا شك أن النبي صلعم قد عناك بالآية التي قال فيها:”شجرة مباركة…لا شرقية ولا غربية الخ”.
فماذا تريدينني أن أكافئك أيتها الصديقة العزيزة، يا من قطعنا الاف الأميال من شرقنا حتى التقينا بك في الغرب، فتآخينا.
-أود أن تعلمني أيها الصندوق ناذا استرعى انتباهك و انت محمول بالطائرة النفاثة التي قطعت بك المحيط الأطلنتيكي حتى وصلت أخيراً من بيروت إلى الولايات المتحدة الأميركية.
-سمعاً وطاعة. عندما كانت الطائرة تقطع بي المسافات الشاسعة،وهي على ارتفاع 309 ألف قدم، استرعى سمعي حديث قائد الطائرة وهو يحدث زميله المساعد عن تلهفه لأن يصبح يوماً ما ثرياً،إذ قال له: يقولون بأنه يوجد إله، وما هم إلا مجانين. فالله هو المال و المال فقط. و الدليل على ذلك أنه لو عاد سقراط أو أفلاطون او أرسطو، و كان هؤلاء الثلاثة العظماء مفلسين-لا تحوي جيوبهم الباردة الفرد-أكان مخلوق ما يأبه بهم و بفلسفتهم و بحديثهم عن الفضيلة وخلق مجتمع فاضل-مثلما فكّر أفلاطون بخلق مدينته الفاضلة-لا شك في أن الجميع، دونما جدال كانوا سيعلنون أن هؤلاء ليسوا ألا حمقى ومقرهم مستشفى المجانين.
وأكمل قائلاً لزميله:
-أنا و أنت نشاهد أشخاصاً تفضّل عليهم فجلة ولكنهم أثرياء، و إذا الجميع يحترمونهم و يبجلونهم، و يحنون جباههم أمامهم، و يسترضونهم. وما ذلك إلا لثرائهم. فلا تحدثني يا صديقي بالخالق وخلائقه، بل حدثني بالمال ومفعوله وما تستطيع أن تحصل عليه من اللذاذت بواسطته.
وهنا أخرج هذا القائد جنيهاً ذهبياً، و قبّله بطناً لظهر، ثم وضعه على جبينه علامة الاستسلام لسلطانه القاهر.
فوجمت أنا الصندوق الخشبي و تمنيت لو ينفصل عني لوح ما ويرتطم بفمه ليسقط له أسنانه، و ليقضم له لسانه الجاحد و الكافر بخالقه وخالقي. ولكن ما باليد حيلة. فعيني الخفية بصيرة، و يدي الخفية كذلك قصيرة. و أمري لله. فأنا بأعمالي في أدواري السابقة استحقيت تقمصي الحالي فكنت خشباً مقتطعاً من شجرة. فلأصمت، إذ إن حديثي لن يجدني نفعاً، و لا يستطيع أن يغير أمراً. ولو أحببت أن أغيّره فلن أكون إلا فاشلاً. وهذا ما عذبني و أحزنني الحزن كله.
وهنا قالت الشجرة:
-إذاً أنت تعرف عن التقمص و الأدوار السابقة و الاستحقاقات التي تجعل المرء أو الجماد يتقمص مراراً و تكراراً بالشكل الذي أوصل نفسه إليه، فيتقمص حيناً أسداً، و حيناً آخر فأراً، وآونة شجرة وأخرى إنساناً سوياً. ولذا سأعلمك أمراً تجهله، و ستسر من معرفتك إيّاه.
-بربك أعلميني ما هو أيتها الشجرة العزيزة،فقد شوقتني إلى سماعه. وهاءنذا بذراتي آذان صاغية لما ستنبئيني عنه.
وعندما حاولت الشجرة أن تتكلم شاهدت- وكذلك الصندوق الضخم و الصناديق ال25- سنجاباً بنياً، وهو يرتجف من هول البرد الصاعق.فارتقى الشجرة حتى وصل إلى منتصفها حيث كانت فجوة عميقة دخلها مسرعاً لتقيه برد الثلج المتساقط بغزارة. وكان هذا السنجاب الذكيّ قد احتفر هذه الفجوة بمخالبه، في فصل الصيف، لتقيه برد فصل الثلوج المهرئة للأجسام.
حينئذ بعثت الشجرة قبساً من دفء شمس الصيف الذي اختزنته في جذعها وفروعها، و إذا بالسنجاب يزول الارتجاف عنه فينام ملء جفنيه.
وقالت الشجرة:
-الآن سأقص عليك ما وعدتك به أيها الصندوق.
وكانت الصناديق ال25 مرهفة آذانها الخفية لتسمع أقوال الشجرة.
-إعلم أيها الصندوق الضخم وأنتم أيها الصناديق أبناؤه، أن مجيئكم إلى أميركا لم يتم بطريق الصدفة، على الإطلاق فأنتم أنا وأنا أنتم إذ إن سيالكم هو سيالي و سيالي هو سيالكم. قد أوصلتم أنفسكم لكي تأتوا إلى هنا، وتجتمعوا بي وإلا لما كنتم تستظلون أغصاني، و لما تم لقائي بكم. وهذا اللقاء أفرحني كما سيفرحكم، الآن، بعدما فضضت لكم مغاليق هذا السر المكنون.
ومثلما أن أبناء البشر قاطبة هم أبناء آدم وحواء الأساسيين، هكذا سيالنا نحن الأشجار و الأخشاب المشتقة من الأشجار. فمهما اختلفت أنواع الأشجار وأحجامها فنحن نرجع لسيال واحد مثلما يرجع سيال البشر لآدم و حواء.
ومثلما توجد متعددة وقبائل مختلفة متغايرة، و مثلما توجد أمم عديدة كالصينيين و الهنود و العرب و اليابانيين و الإنكليز و الأفرنسيين و الاميركيين و الأفريقيين، و مرجعهم آدم وحواء-هكذا نحن الأشجار سواء أكنا نحمل بلوطاً أم تفاحاً أم إجاصاً أن برتقالاً الخ…فسيالنا الأساسي واحد. وقد اتخذ كل منا نوعاً من انواع الشجر بالنسبة لأعماله في أدواره السابقة، سواء كنا بمدينة واحدة أو في عواصم وقارات تفصلنا بعضاً عن بعض الآف الأميال.
فلنمجد الله خالقنا وخالق كل ما هو معروف ومجهول. فأفهامنا وأفهام أعظم الفلاسفة والمفكرين الذين زاروا كوكب الأرض ثم تواروا عنها دون أن يعرفوا الغاية من فلسفة الحياة والموت- لأعجز من أن تدرك حكمة الله الأزلية.
وعندما رغبت الشجرة بإتمام حديثها برزن أولى خيوط الشمس،إذ إن فجر هذا اليوم كان خالياًمن الأمطار والثلوج، فمليكة النهار ابتدأت تبزغ مبشرة بيوم سماؤه صافية ودفؤه لذيذ.
فقالت الشجرة:
-أودعك يا أخي الصندوق، كما أودعكم أيها الأعزاء ال25 المشتقون من سيالي. إني لا أستطيع التحدث بعدما أرسلت الشمس أنوارها الساطعة،إذ إنها ابتدأت بنقل أعمال البشر وأحاديثهم، و كذلك الجماد، و هي تختزن ما تصوره من أعمال وما تسجله عن أقوال ليكون شاهداً على الجميع عندما يأتي اليوم الذي يقدم فيه كل مخلوق حساباً عن أعماله فيتقمص إذ ذاك حسب استحقاقه كإنسان أو حيوان أو شجرة أو حشرة وعند ذاك تستبد به حسرة وأية حسرة.
وفي أثناء ذهابي إلى تلك المدينة الأميركية مررت أمام الصناديق،فدهشت إذ كنت قد شاهدتها يوم الأمس، وكان خشبها على وشك التفكك، بينما أراها اليوم وقد تجددت أخشابها! فقلت إن هذا إلا خدع نظر!
الولايات المتحدة الأميركية
الساعة 11وربع من ليل 21/2/1977
وذهب الرسول برفقة تلميذتيه الى حديقة الخضار المسيّجة في قلب الغاب الظليل ، وتخلّل أثلام البصل الأخضر والنعناع والباقلاء ، ينتزع البصل الأخضر من الأثلام . ثم عاد أدراجه الى المنزل برفقة المؤمنتين برسالته السماويّة ، وطلب الزيتون الأخضر ، فأحضر له ، والجبنة البيضاء ، فقدّمت اليه بصحن توشّيه رسوم فنيّة .
وهوت سكّينه القاطعة على الطماطم الأحمر الشهيّ ، وتناول عشاء طيّبه البصل الأخضر غير الحرّيف .
وفي الدقيقة التي كان يتناول فيها عشاؤه ، كانت بصلتان خضراوان تتحدّثان . فقالت الأولى ، وهي مستطيلة الفروع المتعرّشة ، لزميلتها :
- كم كان سروري كبيرا عندما مرّ الرسول بقربي ! وما كان أشدّ رغبتي بتقبيل نعليه ؟ ولكنّه مرّ بعيدا مقدار بضعة سنتيمترات عني ، فكيف لي استطاعة الامتداد لتقبيل قدميه ؟ وليته اقتطفني وجعلني عشاؤه ، اذا لكنت فزت بالسعادة المثلى . وكنت أسمع مثلما كنت تسمعين أصوات الفرح من البصلات رفيقاتنا اللواتي أتاح لهنّ سيّالهنّ أن ينتزعهنّ من الأرض ويضمّهنّ معا ، وهو مسرور من وجوده في هذه الحديقة ذات الأرض المعطاء .
أجابتها البصلة الضامرة :
- هو ما تقولين . وأنا أيضا ، تمنّيت لو مرّ بجانبي ، اذا لكنت انحنيت نحو قدميه ، ولكنه كان بعيدا عني ، أيضا ، بضعة سنتيمترات ، وهي كافية لأن تمنعني من لثم قدميه .
وعادت البصلة المستطيلة للكلام فقالت :
- أولم تسمعي تهليل الباقلاء وهي تنشد الفرح عندما اقتلعت ، وكانت تردّد : اليوم ستنطلق سيّالاتنا فنذهب الى عالم بهيج ، أفراحه دائمة ، وأغاريده لا تملّ ، وسوف نأخذ أجساما بشريّة في العالم الذي سنذهب اليه ، اذ أزفت ساعة مكافأتنا بعد مكوثنا في عالم الأرض مئات من الأعوام لم نرتكب فيها آثاما تدعنا نمكث في هذا العالم الماديّ دهورا .
أجابت البصلة الضامرة :
- انّ العناية قد وضعت فينا شعورا يلهمنا متى سيزورنا ، ثانية ، فزيارته ستكون بعد ظهر 17/7/1978 .
- هو ما تقولين أيّتها الزميلة التي حان قطفها وأكلها . واليوم هو موعد زيارته ، فلنتأهّب لاستقباله علّنا ننال بغيتنا التي فشلنا في تحقيقها يوم زيارته ايّانا .
وبينما كانتا في حديثهما ، ذهب الرسول ، ثانية ، الى حديقة الخضار ، وسار الهوينا ، ترافقه تلميذته الذكيّة ، وتخلّلا أثلام البصل . وأخذ الرسول ينتزع ما يروقه منها . وفجأة داس بقدمه بصلة خضراء مستطيلة ، ثم تخطّاها ، وداس أخرى ضامرة . وقد نبّهته تلميذته قائلة له :
- لقد دست بقدمك بصلتين دون أن تنتبه .
فالتفت الى حيث أشارت التلميذة النابغة ، وشاهد البصلتين وقد مالتا نحو الأرض لأنّ قدمه داستهما في أثناء سيره .
ولو قيّض لأحد أبناء البشر سماع أصوات النباتات والخضار لسمع ، بدهشة عظمى ، تهليل الفرح والسرور والانشراح والحبور من هاتين البصلتين الخضراوين . وكانت صفوف البصل الأخضر تردّد معهما نشيد الفرح الطاغي .
وغادر الرسول حديقة الخضار وهو يحمل ضمّة من هذا البصل البديع . وقالت تلميذته :
- سأصنع لك منها أكلة شهيّة قبل مغادرتك لمنزلنا صباح الغد ، فما يدرينا متى نعود فنلتقي . فالحياة الدنيويّة لا أمان فيها ، وسبق للأدباء والكتّاب أن كتبوا عن السفر في البحر فقالوا :
” الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود “.
ترى ، هل ، مرّة ثانية ، الينا ستعود ؟
كتبت هذه القصّة بين الساعة السادسة الاّ 6 دقائق والساعة السادسة والربع من مساء 17/7/1978 في الولايات المتّحدة الأمريكيّة .
حلمتُ أنني أرتعُ في جنة دانية قطوفها
ورائعة أزهارُها،
وباسقة أشجارُها،
وصادحة أطيارُها،
وعذبة أنهارُها،
ومُذهِلٍ ليلُها ونهارُها!
وسرتُ بين الورود والرياحين،
والأضاليا والنسرين،
والبنفسج والياسمين!..
وكان الفراش يُحَوِّم حول هذه الأزهار
وهو مُوَشَى بألوانٍ عجيبة تُذهلُ من يراها.
وفجأةً شاهدتُ شجرةً عجيبة
غضّة الأغصان،
باسقةَ الأفنان.
وراعني منها آلافُ من الأثمار المتنوعة،
كلٌّ منها شهي.
فدنوتُ منها،
وكانت مثقلةً بما تحملُه من القواكه اللذيذة
وذهلتُ إذا شاهدتُ أن كل ثمرة
ينبثقُ منها خيطٌ نورانيّ
ممتدٌّ بصورة لا نهائية،
ووجهتُه كُرتُنا الأرضية.
وكانت آلافٌ من السيالات
تجوبُ هذه الحديقة العجيبة الغريبة،
وكل منها يتذوَّق ثمرةً منها.
تملكتني حيرةٌ شديدة!..
وفجأةً، دوّى صوتٌ رهيبٌ مُهيب،
قائلاً لي:
– إن كل سيال يتذوَّق من هذه الثمار
هو تابعٌ لمخلوقٍ بشري يعيش في (دنيا الأرض)
حيث أنتَ تعيش أيضًا.
فإذا تذوقَ السيال ثمرةً لذيذة
أثر مذاقُها في الشخص الموجود بدنياكم.
وبعكس هذا إذا تذوَّق السيالُ ثمرةً ما
لا تحتوي سيالاً علويًّا،
فإنه يُؤثر بالسيال الموجود في عالم الأرض
فيرتكب الشخصُ عملاً غير شريف يدعه يسقط؛
وما سقوطه إلا بسبب تذوّق السيّال لثمرة من الممنوعات
وهكذا الشخص الموجود في عالم الأرض
باستطاعته أن يدع السيال الموجود في هذا العالم
يرتقي أو يسقط بواسطة أعماله.
وصمتَ الصوت.
وكانت السيالات منهمكة بتناول شتى أنواع الثمار
من ممنوعة وغير ممنوعة…
وفجأة، اقترب مني سيالٌ قال لي:
– أنا سيّالٌ منك،
فلو تزوّجت لكنتُ ابنتكَ،
ولكنتُ ارتكبتُ آثام اللذَّات المحرَّمة،
فحسنًا فعلتَ بعدم زواجكَ،
إذْ منعتني من السقوط،
وهذا ما أشكرُك عليه.
ثم اقترب مني ثلاثة سيالات أخرى، وقالت لي:
– نحن أبناؤك أيضًا الغير المجسَّدين،
لأنَّك لم تتزوَّج.
1971
نأتي الى هذا العالم باكين معولين، ونغادره باكين معولين. فواها” لك يا عالم البكاء والعويل
الدكتور داهش








