جريمة القرن العشرين
بعد مضيّ شهرٍ واحدٍ على نفي مُؤسّس الداهشية ، تمكّن رجل الروح من العودة سرّاً إلى لبنان. ومن عرينه ، ورغم أنوف الألوف ممّن يترصّدونه ، نجح في شَنِّ حملةٍ إعلامية رهيبة ، لم تعرف الأرض مثيلها ، ضدّ الطغاة وزبانيتهم ، فوَضَعَ ووَزّعَ ، على نطاقٍ واسع ، ٦٦ كتاباً أسود ، و ١٦٥ منشوراً تناولت رجال الحكم والدين ممن تآمروا عليه ، ففَضَحَتْ مخازيهم ، وهتكت أسرارهم ومؤامراتهم على الشعب .1
أمّا لماذا اضطُّر الدكتور داهش لكتابة هذه الكتب السوداء والمناشير وتوزيعها (كانت تُصدر بإمضاء السيدة ماري حدّاد)، فيوضحها في كتاب “الكتاب الأسود”، ص. ٣:
“لماذا أذعت هذا البيان
لم يبق في جميع أنحاء البلاد اللبنانية أو السورية شخصٌ واحدٌ لم يبلغْه حادث الظلم الهائل والجريمة النكراء التي أوقعها الشيخ بشاره الخوري وأعضاء حكومته بالدكتور داهش، حسبما سأبيّنه في كتابي هذا.
ويعلم الله أنّه لم يكن بودّي أن أذيع مثل هذه الفضائح المعيبة التي يندى لها الجبين، والتي تُشْعِرُ القارئ بمبلغ العار والذلّ والشّنار التي تحتاط بنفوس من أقدموا على هذا العمل الشائن ضد رجلٍ بريء، وبمبلغ الصغارة التي تكبّل أرواحهم الذليلة.
ويعلم الله أنني لم أدوّن بقلمي هذه المعلومات باللغة الفرنسية، أولاً، إلا بعد أن أفرغت جميع ما في جعبتي من الوسائل القانونيّة والمراجعات الحكوميّة. وقد فشلتُ بمسعاي السلميّ العادل، إذ كال لي من سأذكر أسماءهم الوعود جزافًا، دون أن يحقّقوا شيئًا منها.
وإذ ذاك اضطرِرْتُ اضطرارًا لأن أستنجد بضميري وقلمي، وأرفع شكواي إلى محكمة الرأي العام العادلة، ليظهر النور ويتوارى الظلام.
لقد راجعت وزير العدلية، حبيب أبي شهلا، وأفهمته أنه متحامل على الدكتور داهش، وأنه مدفوع بالقرار الذي اتَّخَذَه ضده؛ فوعدني بأنه سينظر في الأمر ويحلّه بطريقة سلمية عادلة. ولكنه لم يكن صادقا في وعده، فبرهن على أنه غير جدير بحمل لقب “وزير العدل”.
وفي تاريخ ١٢/٦ / ١٩٤٤ ، قابلتُ صبري حماده بصفته رئيس مجلس النواب. وبعد أن أفهمته أسباب ظلم الدكتور داهش ومسبّباته، طلبت إليه أن يُثير هذا الموضوع تحت قبّة البرلمان، فوعد، ولكنه لم يف بوعده أيضًا، الأمر الذي اضطّرني إلى أن أعود فأقابله للمرة الثانية. فوعدني، إذ ذاك، وعداً جازماً أنّه سينظر في هذا الأمر الظالم. وقال لي إنّه سبق أن طلبوا إليه أن يوقّع قرار تجريد الدكتور داهش من جنسيته، ولكنّه رفض. حينئذٍ ودّعته، وانتظرت أن تحصل المساعدة، ولكن شيئًا من هذا القبيل لم يُحقّق.
إذ ذاك وجدت أنه من العبث أن أضيّع وقتي وجهودي في محاولات سيكتب لها الفشل. وخوفاً من أن تموت الحقيقة وتُداس بنعال من بيدهم السلطة التنفيذية في عهد الاستقلال هذا، وبعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، بل جاوز الرّبى، أكببتُ على كتابي، وذكرتُ فيه حقائق راهنة بحيث لا يستطيع أيّ منهم نكران ما وصمْتُه به ممّا ارتكبه.
وها إنّي أرفع شكواي إلى محكمة الرأي العام لتطّلع على ما يجري من وراء الستار، وليعلم الناس جميعًا من هم هؤلاء الذين يسيطرون على مقدّرات الشعب المسكين، وأخيرًا ليعلم هؤلاء الظلاّم بأنّه لن يضيع حقٌّ صريحٌ وراءه مطالب. والسلام.
بیروت، ١ كانون الثاني ١٩٤٥
ماري حداد”
ويصف المحامي خليل زعتر هذه المناشير والكتب قائلاً:
“فالكتب والنشرات السوداء طالت جميع الذين اشتركوا في هذه الجريمة النكراء برهبوتٍ وقسوة وجبروت؛ طالت الجميع من دون استثناء: الكبير قبل الصغير، المخطِّط والمنفِّذ، الآمر والمأمور …. بلغة ثورية عنيفة، لغة لا لفّ فيها أو دوران. إنها كلمات كالسهم المارق تنطلق رأسًا إلى الهدف، أو كالسيل الجارف والأتّون المتقد الصاهر.
ومن يتسنّ له مطالعة هذه الكتب والنشرات ‘الوثائقية’ يتأكّد له بالبرهان القاطع والحجة التي لا تُرَدُّ فداحة التنكيل والاضطهاد والعذاب الذي تعرّض له الدكتور داهش، ويَرَ، من جهةٍ ثانية، جبروت انتقام داهش من أعدائه في إظهارهم على حقيقتهم، وبإبرازه فضائحهم وتجاوزاتهم.”2
1:كتاب “مدخل الى الداهشية “، الدكتور غازي براكس، 41-42.
2:”جريمة القرن العشرين “، المحامي خليل زعتر، ص. 245.
يشرح الدكتور داهش في قطعته الأدبية “سيف الحقيقة الرهيف سيبتر المجرم والمجرمين”، التي كتبها في عام ١٩٧٢ قضيّة استشهاد الآنسة ماجدة حداد في سبيل عقيدتها المقدسة قائلاً:
“منذ سبعةٍ وعشرين عاماً مضَت ، أطلقت ( ماجدا حدّاد الداهشية ) الرصاص على صدغها وضحّت بحياتها ، وذلك احتجاجاً على الظلم الرهيب الذي أوقعه أقرباؤها بي ، إذ جُرّدت من جنسيتي ، وأُبعدتُ ، وشُرّدتُ في مشارق الأرض ومغاربها .
ولور قرينة بشارة الخورى رئيس الجمهورية اللبنانية ، يومذاك ، هي خالة ماجدا حدّاد الداهشية
وفي أواخر عام ١٩٤٢ ، اعتنق الداهشية كلّ من ماري حداد وقرينها جورج حداد ، وكذلك كريماتها : ماجدا الشهيدة ، وآندره ، وزينة ، كما آمن بها صهرهما جوزف حجار قرين السيّدة آندره .
وقد حاول أقرباء آل الحدّاد أن يبعدوا السيدة ماري وقرينها وكريماتها عن مؤسّس الداهشية ، واستعملوا كافة الطرق ، ففشلوا وكان فشلهم ذريعاً .
وإذ ذاك صدر مرسوم النفي والإبعاد . فما كان من ماجدا صاحبة العقيدة الداهشيّة الراسخة إلا الاحتجاج الصارخ ، إذ أطلقت الرصاص على صدغها مضحّية بحياتها الغالية في سبيل إيصال صوتها للرأي العام ، استنكاراً لهذا النفي المجحف والتشريد الذي تجاوز حدود القانون والدستور .”1
وبعد تملّك اليأس في نفس ماجدا الحسّاسة اتّجاه ما تعرّض له الدكتور داهش من اضطهاد ٍ مرعب ٍ وعذاباتٍ لا تخطر في بال، بدأت تفكّر في الثأر من مرتكبي هذه الجريمة، فعقدت النيّة على الانتقام وتحديداً عبر اغتيال بشارة الخوري.
ولمّا بلغ الدكتور داهش عزمها أرسل إليها رسالةً ينهاها فيها عن هذا العمل، ولمّا تسلّمت ماجدا هذا التحرير في ٢٠ كانون الثاني ١٩٤٥، كان أسفها عظيماً لعدم استطاعتها اغتيال الطاغية، تنفيذاً لوصيّة مؤسّس عقيدتها، وأرادت أن تُسمع صوتها للرأي العام فانتحرت في ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٥.
وهذا هو نصّ الرسالة التي أرسلها لها الدكتور داهش:
“عزيزتي ماجدا ،
أيتها الصديقة النبيلة ، حيّاك الله وأبقاك رمزاً للشهامة والإخلاص .
وبعد ، فقد بلغني أنك تأثّرت لفداحة ما أصابني على يد زوج خالتك بشارة الخوري من سجن وتجريد ونفيٍ وتشريد، بايعاز من خالتك وخالك ميشال شيحا . ولم يكتفوا بذلك ، بل طاردوا شقيقتي واضطهدوها ، ثم زجّوها في أعماق السجون ، لأنها أرسلت الى الشيخ بشارة برقية تسأله فيها عن مقرّي كي تستطيع السفر حيث أقيم . وقد جُنّ جنونه عندما حكم القضاة عليها بالسجن مدة عشرة أيام ، فاستأنف عليها الحكم بأمل أن تُسجن سنوات ! فيا للظلم العظيم !
جميع هذه العوامل أثّرت بنفسيّتك وإحساسك المرهف ، فاذا بك تبعثين برسالة صاخبة مملوءة بالتهديد والوعيد للشيخ بشارة وزوجته . ثمّ صمّمت على اغتياله انتقاماً لما حل بي وبسمعتك شخصيا من تلك الأكاذيب الحقيرة التي نشرتها جريدتا “العمل” و “الديار” ، إذ لفّقوا التهم الدنيئة بايعاز من بشارة ولور وخالك ميشال شيحا وهنري فرعون .
والآن ، إنّني أبعث برسالتي هذه إليك كي أنبّهك وأنهاك عن الإقدام على أيّ عملٍ عدائي ضد الشيخ بشارة أو سواه. واعلمي ، يا عزيزتي ماجدا ،
أنّ الشيخ المرتكب للجريمة سينال جزاءه قريباً ، إذ ستُكسر يده كجزاءٍ روحيّ .
وسبق لي أن تنبّأت عن كسر يده عندما زارني اسكندر رياشي في منزلي وقال لي :
– إذا جرّدك بشارة الخوري من جنسيتك بطريقة الظلم ، فماذا سيكون موقفك ؟
فأجبته :
– إذ ذاك ستُكسر يده التي سيوقّع بها المرسوم من العنق .
وقد نشر اسكندر رياشي نبوءتي في جريدة “الصحافي التائه” ، وذلك في العدد الصادر بتاریخ ۲۰ شباط ١٩٤٤.
وبما أن بشارة الخوري جرّدني من جنسيّتي فستُكسر يده من العنق وستتحقّق نبوءتي بحذافيرها.
وسيجازى ؛ أيضاً ، روحياً ، فيُصاب بخبلٍ وجنون.
وفي النهاية سيطرده الشعب من كرسيّ حكمه ، فيُغادره مهاناً ذليلاً ، منكّس الرأس . وسيكون أول رئيس لبنانيّ يطرد باجماع رغبة الشعب.
إنّ في السماء عيناً مُراقبة تجازي المعتدي الذي أنزل بي محنةً هائلة دون ذنب جنيتُه أو جريرة ارتكبتُها .
أعود فأكرّر عليك الوصيّة بأن لا تقدمي على أيّ عمل إرهابي لا أنت ولا أيّ أخٍ أو أخت داهشية.
وقبل أن أودّعك وأودّع الإخوة والأخوات ، أخبرك بأنني سأسافر في خلال أيّام معدودة الى بغداد ، وربّما من هناك أقصد البصرة أو كربلاء.
اختم تحريري بتوديعكم بقلبٍ مملوء بالشوق لمشاهدتكم . واسلمي لمن لا ولن ينساك . والسلام.
حلب ، في ١٥ كانون الثاني ١٩٤٥
الدكتور داهش”2
1:كتاب ” الحمامة الذبيحة”، جمعته زينا حداد، ص. 24.
2: “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا “، ص.71-73.
مات الدكتور داهش و دفن … ثمّ بُعث حيّاً1
بقلم الدكتور فريد أبي سليمان
بتاريخ ٢٨ آب ١٩٤٤ اعتُدي على مؤسّس العقيدة الداهشية ، إذ أرسلَ له المسؤول الأول شرذمةً من الرعاع ليغتالوه بعقر داره. وتَبِعَ ذلك تجريده من جنسيته اللبنانية ، وتشريده ، وأنْف القانون معفّر بالرغام وممرّغ بالسُّخام.
وهكذا اعتُدي على البريء رغماً عن أحد بنود الدستور اللبناني القائل : “إن حرية المعتقد مصونة”.
لقد داس بشاره الخوري القانون ، وخرق موادّ الدستور اللبناني ، فاعتدى على بريء ذنبه الوحيد اعتناق الأديبة والفنانة ( ماري حداد ) شقيقة زوجته للداهشية مع قرينها وكريماتها الثلاث ( ماجدا ) و ( آندره ) و ( زينا ) . وإذ ذاك ثارت ثائرة بشاره الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا ، وهالهم الأمر ، وتآمروا على داهش، ففشلت خطّتهم، وأنقذه الله من غدرهم .
وتابعت المؤامرة فصولها بتجريده من جنسيته اللبنانية وتشريده في أرجاء الكرة الأرضية.
وفي ۲۸ حزيران ١٩٤٧ وصل الدكتور داهش إلى أذربيجان ، فأُلقي القبض عليه لأنه لم يستطع إثبات هويّته ، إذ لا أوراق رسميّة لديه بعد نَفْيه ، فظنّت السلطات أنه جاسوس، خصوصاً أنّ فتنة دامية كانت قد
قامت في أذربيجان وجرّت ذيولاً خطيرة ؛ فأُعدم رمياً بالرصاص بتاريخ أول تموز ١٩٤٧ ، وذكرت الصحافة العربية والعالمية أنباء إعدامه ودفنه .
ولكنّ الحقيقة أنَّ من أُعدم كان إحدى شخصيات الدكتور داهش ، فلمؤسّس الداهشية ستّ شخصيات مقرّها في عوالم أخرى من الكون . وقد تجسّدت هذه الشخصيات مراراً وتكراراً ، وشاهدها الكثيرون في مناسبات متنوّعة عديدة . وقد ذكرت الصحف أخبار ظهورها ، وعُقدت الفصول الطويلة حول تجسّداتها .
وهذا التجسّد يثبت بالبرهان المحسوس الملموس الآية الواردة في القرآن الكريم والقائلة : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم ) ( سورة النساء : آية ١٥٧ ) . أي إن أعداء السيد المسيح ظنّوا أنهم صلبوه ، لكنّه في الحقيقة لم يُصلب بل صُلب مكانه و شبهه ، أي شخصيته الثانية .
ومؤسّس الداهشية موهوب قوة روحية سماوية ، وقد اجترح المعجزات الباهرة أمام الألوف خارقاً بها النظام الطبيعي المعروف وقوانين الطبيعة التي لا تُخرق.
ذلك بأنّ قوّة الروح هي فوق القوانين ، وهذه القوانين تخضع للقوة الروحية.
وعندما أُعدم داهش رمياً بالرصاص ، أي عندما أُعدمت شخصيته بأذربيجان ، كان الدكتور داهش في منزل الرسالة ببيروت بين أتباعه الداهشيين المجاهدين الأمناء والأوفياء لمؤسس عقيدتهم الراسخة رسوخ شوامخ الجبال المشمخرة .
وها نحن نضع أمام أنظار القراء صورتين لإعدام الشخصية :
ولنزيد القارىء علماً حول هذه المعجزة نقول :
إنّ الشخصية هي من عالمٍ آخر غير عالم الأرض ، إذاً لو أُعيد فتح الحفرة التي دفنت فيها الجثّة لما وجد فيها أي شيء ، ذلك لأن الشخصيّة تعود إلى عالمها ثانيةً .
وعندما نشرت الصحف أنباء إعدام الدكتور داهش ، أرسل بشاره الخوري بطلب ( رهنما ) سفير إيران يومذاك في لبنان ، واستوضحه أمر إعدام مؤسّس الداهشية . وقد أرسل رهنما سائلاً وزارة الخارجية الايرانية عن حقيقة الحادث ، فأتاه الجواب مؤكّداً أنباء الإعدام بتقرير رسمي يصف فيه المصرع بتفاصيله . وقد بلّغ رهنما بشارة الخوري الخبر ، مُزوّداً إياه بهذا التقرير الرسمي.
حينئذٍ انفرجت أسارير بشاره الخوري ، وابتهج لخلاصه من عدوّه داهش الذي سبّب له آلاماً عظمى بسبب الكتب السوداء التي نشرتها شقيقة زوجته ماري حداد ، وفيها من الفضائح الهائلة ما يُزكم الأنوف .
وهكذا أقضّت مضجعه ، وحرمته من النوم لكثرة ما أوجعته…
وها هو الآن ، وقد تأكّد له موت داهش ، اطمأنّ إلى أنّه انتهى من أمره ، ولو عرف بأن داهش لا يزال حيّاً يُرزق وأنه يقيم في منزل شقيقة زوجته ، ومنزلها لا يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من ٤٠ متراً ، قلت لو عرف ذلك لصُعِق ولانطلقت روحه ذعراً ورعباً .
وبعدما نشرت الصحف اللبنانية نبأ إعدام الدكتور داهش ، بادر العديد من الصحفيين والأدباء والشعراء ورجال الدين والسياسيين ، فرثوه . وقد انتخبنا من مئات المراثي مجموعة ضممناها لكتابنا هذا ، محتفظين بخطوط من رثوه لنشرها بالصحف عندما تدعو الحاجة لذلك.
واليوم ، وبعد مرور ثلاثين عاماً على هذا الحادث التاريخيّ العجيب ، أحببنا أن نجمع ما انتخبناه من المراثي التي قيلت بمؤسّس الداهشية ، وننشرها بكتاب ليطّلع عليه الرأي العام . والسلام .
الدكتور فريد أبو سليمان
بيروت ، في ١٩٧٩/٣/٥
1: كتاب “مراثي الأدباء والشعراء والصَّحَفِيين والأطباء والمحامين ورجال الدين والحكّام والقضاة بمؤسس العقيدة الداهشية “، ص. 7-12.
يصف الدكتور داهش خنوع الصحافة أثناء فترة الإضطهاد الغاشم الذي تعرّض له في مقدّمة كتاب “مختارات من كتب الدكتور داهش ” قائلاً:
” إن البلاد العربية بأسرها تعرف ماذا أصابني في عهد بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية.
فقد ظُلمت ظلماً رهيباً ، واعتُدي عليّ اعتداء شائناً ، وجُرّدت من جنسيتي بطريقة اعتسافية لا مثيل لها ، وسلّط علي بشاره الخوري يومذاك وسائله الاعلامية من صحافة وإذاعة ، فراحت هذه الوسائل الاعلامية تنوشني نوش النسور الكاسرة لا لجريرة ارتكبتها ، أم جريمة أوقعتها ، ولكنه الظلم المرعب البطّاش . ومن شاء أن يعرف الأسباب والمسبّبات ، فليطالع كتبي السوداء التي اصدرتها يو مذاك فتنكشف له حقائق هائلة ويطّلع على أسرار مرعبة عن ذلك العهد البغيض .
وبأسفٍ عظيم أقول إنّه لم يبرز الى الميدان – في لبنان – رجلٌ واحد يدافع عن الحق الهضيم ، وينافح عن العدالة تدوسها سنابك الباطل.
حتى صحيفة واحدة لم تتطوّع لشجب تلك الجريمة النكراء ، بل العكس راحت الصحف ، ويمكنني أن أؤكّد فأقول (جميع الصحف) من يومية وأسبوعية وشهرية ، راحت تهاجمني مهاجمة شعواء وتحاول النيل مني بوسائلها المقيتة.
إن دريفوس الضابط اليهودي الذي اتُّهم بتسليم أسرار الجيش الافرنسي للسفارة الالمانية في باريس، والذي حوكم وحُكم عليه بالسجن المؤبّد في ( جزيرة الشيطان ) وجد من يدافع عنه مدافعة جبارة ، فقد أخذ (اميل زولا ) على عاتقه مهمّة الدفاع عن رجل فكّر انه (متهم بريء) إذ كتب مطالعة ، أسماها – إني أتهم – هاجم فيها السلطات القضائية مهاجمة ضارية دفاعاً عن عن دريفوس .
ممّا اضطرّه للهرب إذ غادر فرنسا خوفاً من اعتقاله وسجنه لأن الشعب الافرنسي كان بأكمله ضد دريفوس المتهم . وأخيراً بُرّىء دريفوس وخرج من سجنه مرفوع الرأس ، موفور الكرامة.
وهكذا انتصر الحق على الباطل ، وعاد اميل زولا الى بلاده المحبوبة – فرنسا – وضفر الشعب الافرنسي على رأسه أكاليل الغار لأنه دافع عن رجل كانت فرنسا بأكملها ضده ، ولم يناصره ويدافع عنه إلا الكاتب الألمعي – اميل زولا – .
أما في لبنان فلم يظهر أي رجل ، ولم يتطوّع أي مخلوق للدفاع عني ضد الظلم البطاش الذي انزله بي – بشاره الخوري – رئيس الجمهورية يومذاك .
فاضطُررت أن أنتضي قلمي ، وأحارب به الباغية الطاغية ، ومن ساعده بجريمته المنكرة المستنكرة . وأخيراً قيّض لي الانتصار وباءَ هو بالانكسار. فالحق يعلو ولا يُعلى عليه على الاطلاق .” 1
ما بين تقاعس الصحافة في لبنان عن مساندة العدالة ومجابهة الظلم الفادح الذي تعرّض له الدكتور داهش على يد السلطة الحاكمة من رئيس الجمهورية الى مجلسي النوّاب والوزراء ، وما بين تواطئ القضاء والمؤسسات الدينية في هذه الجريمة المرعبة، “تفرّد الصحافي المهجري النبيل جبران مسوح، صاحب جريدة “المختصر” الصادرة في بونس أيرس بالأرجنتين، بإدراك أهمية قضية الدكتور داهش وخطورتها ونتائجها وذيولها الوخيمة، ليس فقط على تاريخ لبنان، بل أيضا على مستقبل الحرية في الشرق كله. “2
جبران مسّوح هذا الصحفي النبيل الذي تطوّع فاحتضن القضية الداهشية ، ونشر بمجلته أنباء الجريمة المروعة التي ارتكبها الباغية بشارة الخوري في سلسلة مقالات ناريّة انقضّت على رأس بشارة وذويه انقضاض الصواعق المدمرة.
وقد أرسلت ماري حداد الى مسّوح مجموعة الكتب السوداء التي نشرها الداهشيون عن جريمة تجريد مؤسّس العقيدة الداهشية من جنسيته اللبنانية.3
ومن كلماته التاريخية في قضيّة إضطهاد الدكتور داهش:
“جميع أعداء داهش سوف ينكسرون. وأحطّ ما في انكسارهم هذا أنهم سوف يحملونه إلى قبورهم؛ لأن هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء، ولا تذوب عناصرها في الفضاء. فهي تُرافق مرتكبيها، ملتصقة بهم، مندمجة بخلاياهم. فتُذكر كلما ذُكروا ، ويُذكرون كلَّما ذُكرت . فهم وهي عِظَةٌ وذكرى لكل الأجيال القادمة”. 4
وقبل أن يبدأ حملته الصحافية بنشر أنباء القضية المروعة في “سلسلة مقالات نارية”، بعث برسالتين تاريخيتين: الأولى بتاريخ ٢ أيلول (سبتمبر) ١٩٤٦ إلى رئيس الجمهورية بشاره الخوري، والثانية بتاريخ ١٠ أيلول (سبتمبر) إلى رئيس مجلس الوزراء رياض الصلح.”2
وهذا نصّ الرسالة التي بعثها الى رئيس الجمهورية بشارة الخوري:
معالي الرئيس المكرّم،
وصلتني في هذا الأسبوع رزمةٌ فيها أوراق ومنشورات ووثائق كلّها تتعلّق بقضية الدكتور داهش. وكنت أنتظر مثل هذه المعلومات من مدة طويلة لأصل إلى أعماق هذه المسألة التي هي أهم حادث جرى في الشرق في هذا الجيل.
ومن رأيي أن تتناوله أقلام الكتّاب بشيء من الصراحة والغيرة على الحقِّ ليكون خطوة إلى الأمام في كل الأقطار العربية. أما إذا لم يقم المفكّرون بواجبهم نحوه، فهو بدون شك خطوة إلى الوراء. ومعلوم أن كل خطوة من هذا النوع – سواء كانت إلى الأمام أم إلى الوراء – تجرّ وراءها خطوات من جنسها.
مجموعة الأوراق والمنشورات التي وصلت إليّ تقع في ٧٩٢ صفحة. وأنا أطالعها للمرّة الثانية بكل ما يمكن من العناية والتدقيق
وهي تؤيّد ما تقوله ماري حداد من أن هناك جريمة منظّمة لاخراج داهش بلا محاكمة وتجريده من جنسيته. وهي جريمة بالشكل الذي اخذته صارت تستحقّ الدرس. لأن نوع التعصّب الذي تخلّلها يجعلنا نحن المتعصّبين لا المسلمين. وهي حقيقة يجب أن نجابهها بكل ما يعرفه البشر من الشجاعة واعتقد أن الشعب الذي لا يجابه الحقائق لا يستحقها.
تمرّ بالحادث شخصيات كثيرة ، ولكن الشخصية التي تطفو على الجميع هي ماري حداد. تلك الباسلة التي مثّلت دور امیل زولا في حادث دريفوس وفولتير في دفاعه عن الذين ظلمتهم محاكم التفتيش . بل هي بزّت الاثنين معاً في تقديس عقيدة والنضال لأجل حرية الفكر والكتابة والاجتماع. ومن عجائب الاقدار أن لا يوجد في لبنان من يدافع عن حرية الانسان غير إمرأة . على كثرة الذين يتبجّحون في الكتابة والخطابة والشعر.
يؤلمني شيء واحد. هو أن يحدث هذا الامر على دوركم ، وأريد منكم شيئاً واحداً. هو أن تسعوا في إطلاق سراح داهش وختم هذه المأساة- أو أن تكونوا من الرجال الذين لا يهمّهم ماذا يقال عنهم بعد موتهم.
إني سأؤلف كتاباً في هذا الموضوع . وأنا أكتبه لا لأجل داهش، ولا لأجل دعوته، ولا لأجل الذين نظّموا الجريمة. أنا اكتب لأجل ماري حدّاد التي وقفت وقفة أسد تألبّت حوله جميع انواع الحيوان. وهي تحارب وحدها لأجل حرية الفرد في الشرق كله. بينما جميع كتّابنا ومفكّرينا يتفرّجون عليها كأنهم شرذمة من القرود.
إن کتابي هذا لا نظير له في اللغة العربية وسیکون صاعقة على أعصاب جميعه حملة الأقلام في الشرق. يفيق شعبنا ويسأل :
هل عنده كتّاب وأدباء؟ أم عنده زمرة عبيد موجودين دائماً تحت الطلب في أسواق المزاد.
وجلّ ما اتمنّاه أن أكتب بيدي انّ تشريد داهش كان في أيامكم وإطلاق سراحه كان في أيامكم . وأظن إني أطلب أمراً عادلاً وغير مستحيل .
جبران مسّوح5
وهذا نصّ الرسالة التي بعثها الى رئيس الوزراء رياض الصلح:
سعادة رياض بك الصلح الأفخم،
وصلت إليّ في المدّة الأخيرة منشورات ووثائق تقع في ٧٩٢ صفحة تتعلّق بحادث نفي الدكتور داهش، والذي يطالع هذه الأوراق جميعها يشعر أن هناك جرمًا لا تستطيع قوّة أن تغطيه.
وطبيعيٌّ أن هذا الحادث كان صدمةً هائلة لما كنّا نقيمه من الآمال في مستقبل أوطاننا بعد أن نالت حريّتها واستقلالها. والأوساط الأدبية هنا اهتمّت بالأمر. وسوف نصدر كتاباً عن المسألة نشرح الحادث كما هو، ونبيّن الخطر الذي فيه على روح العدالة وحرية الكلام واحترام العقيدة، وأنه قد يكون خطوة إلى الوراء لكل الأقطار العربية، لأنَّ الفساد شديد العدوى إذا لم تُؤخذ ضدّه الاحتياطات، بينما يمكن أن يكون خطوة إلى الأمام إذا رُوعي الحقّ فيه، وأعيدت إلى داهش حريته، وأخذ الحقّ مجراه في الاقتصاص من المجرمين.
وبين هذه الوثائق موجود أن سعادتكم خاطبتم إحسان الشريف تلفونيّاً الى حلب تقولون له:
“أرجوك يا إحسان أن تصدر قراراً بإبعاد الدكتور داهش من كل الأراضي السوريّة”
فأجابكم إحسان: “كيف يمكنني أن أقوم بهذا العمل والرجل لم يجرم”، فأجبتموه سعادتكم : “أرجوك.. إنها خدمة شخصيّة لي وللرئيس.. لن ننساها لك”.
وإنّي أستغرب كل ذلك لأني طالما سمعت عنکم ما لا يلتئم مع مثل هذا التصرف، واذا كان صحيحاً ، فما هي الظروف التي حملتكم على مثل ذلك ؟ وإذا كان غير صحيح فما هي الوثائق التي تثبت عدم صحّته ؟
في اعتقادي أن هذه المسألة هي أعظم حادث جرى من هذا النوع في الشرق كله في هذا الجيل. ويجب أن نضع لها تاريخا صادقاً ليعرف الآتون بعدنا كيف يجب أن تكون الحكومات، وما هي نتيجة مثل هذه الجريمة على تاريخ البلاد كلها وعلى سمعتها بين بقية الشعوب.
إنّي أتمنى ان يكون لديكم ما يبرّركم من مثل هذه التهمة لتكون صفحتكم في تاريخ هذا الحادث ملائمة لما لكم من حسن السمعة . واقبلوا احترامي.6
جبران مسّوح
1: كتاب “مختارات من كتب الدكتور داهش”، ص.2-3.
2: كتاب “الدكتور داهش رجل الأسرار”، اسكندر شاهين، ص. 338
3:كتاب “آراء الأدباء والشعراء والصَّحَفِيين والأطباء والمحامين ورجال الدين والحكّام والقضاة بمؤسس العقيدة الداهشية” ص. 225.
4: مجلّة “المختصر” ، السنة الأولى ، العدد العاشر ( أيلول ١٩٤٦ ) ، ص ٥ .
5: كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا “. ص. 162-165.
6: كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا”. ص. 166-167.
يشرح المحامي خليل زعتر الظروف والمعطيات التي رافقت الاستقالة المُهينة للرئيس الأسبق بشارة الخوري:
“الثامن عشر من أيلول سنة ١٩٥٢ كان فجراً لكلّ اللبنانيين بعد تسع سنواتٍ سوداء فاحمة.
الثامن عشر من أيلول كان إيذاناً بفجرٍ جديد على الداهشية، فيه زال ليل الاضطهاد الطويل إلى غير رجعة، إذ، في هذا اليوم التاريخي، استقال رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ بشارة الخوري مُرْغَمًا، لا طائعاً مختاراً. فالشعب اللبناني بأسره ثار، وأغلقت المتاجر أبوابها في العاصمة وسائر المدن اللبنانية ابتداء من ١٥ أيلول سنة ١٩٥٢، وأعلن اللبنانيون عدم الرجوع عن الإضراب العام حتى تتم هذه الاستقالة.
وبعد ثلاثة أيام، وكانت حركة الغليان الشعبي في تصاعدٍ مستمر، وهياجٍ شامل كان ينذر بأخطر العواقب، اضطُر رئيس الجمهورية، أمام هذه الثورة العارمة الجارفة من النقمة والسخط، إلى إعلان استقالته فجر الثامن عشر من أيلول ١٩٥٢.
والمؤرّخون جميعهم يردُّون السبب الرئيسي في سقوط بشاره الخوري إلى تفشّي الفساد والفضائح والتزوير والرشوة والفوضى في كل شيء، في القضاء كما في الإدارة … بحيث أصبح لبنان مزرعة الرئيس الجمهورية وعائلته، والأنصار والمحاسيب إلخ….
وإذا كان المؤرّخون يذكرون أن الفوضى والفساد والظلم والرشوة كانت السبب الرئيسي في سقوط بشاره الخوري، فإنّ قضية الدكتور داهش، وإن كانت تدخل ضمن الظلم الذي مارسه بشاره الخوري وكانت من أسباب سقوطه، تبقى
قضيّة متميّزة فريدة في عهده بحيث لا يمكن ذكر داهش إلا ذكر الظلم الذي أوقعه به بشاره الخوري، تماما كما تذكر اليوم هيرودس عندما نتكلم على السيد المسيح.” 1
1: كتاب “جريمة القرن العشرين ” للمحامي خليل زعتر، ص. 289-290.
بتاریخ ۳۰ تشرين الأول عام ١٩٥٢ قدّم وفدٌ من الداهشيين هذه العريضة الى الرئيس كميل شمعون رئيس الجمهورية الذي اعتلى هذا المنصب بعدما حطّم الشعب كرسي بشارة الخوري، وطرده من سدّة رئاسته ذليلاً مهاناً . والوفد مؤلّف من السيدة ماري حداد وقرينها جورج حداد والدكتور جورج خبصا والشاعر حليم دموس والدكتور فريد أبو سليمان.
وقد قُدّمت هذه العريضة مع سلسلة الكتب السوداء التي طُبعت ونُشرت ووُزّعت ، وفيها شرح عن الجريمة المرعبة التي ارتكبها المجرم بشارة الخوري ضد مؤسس الداهشية . وهذه العريضة تطالب رئيس الجمهورية الجديد كميل شمعون باعادة جنسية داهش السليبة.
وقد قال الرئيس كميل شمعون للوفد الداهشيّ :
“إنّ هذه الكتب والمناشير السوداء وصلتني بأكملها إلى لندن ، عندما كنت سفيراً لبلادي فيها . وسأعيد جنسية داهش اليه .”1
وقد نشرت مجلّة “العالم العربي” في عددها السابع في أول يناير ١٩٥٣ المقال التالي:2
أول قضية..
ضد رئيس جمهورية لبنان السابق !
الداهشيّون ومفاسد العهد الماضي في لبنان !
“العالم العربي” تنفرد بنشر عريضة الدعوى المرفوعة صورتها لرئيس الجمهورية الحالي
العدد السابع ( ٦٧ و ٦٨ ) ، أول يناير ١٩٥٣
بيروت – لمراسل العالم العربي :
السيدة ماري حداد أديبة كبيرة ، وفنانة لبنانية شهيرة ، ومنذ عشر سنوات ( ١٩٤٢ – ١٩٥٢ ) اعتنقت تعاليم الرسالة الداهشية ، فاضطُهدت كثيراً لأجل عقيدتها الجديدة التي جعلتها هي وزوجها وكريماتها الثلاث يؤمنون إيماناً راسخاً بنبوّة محمد والإسلام الحنيف والقرآن الكريم المنزل !
وكان في طليعة مضطَهديها ومقاوميها رئيس الجمهورية اللبنانية السابق بشارة الخوري ، وزوجته ، لور ، وهي شقيقتها ، وشقيقها : ميشال شيحا، ونسيبهم هنري فرعون ، مع فريق من رجال الدين المتعصّبين !.
وبعد أن عُزل صهرها الشيخ بشارة عن رئاسة الجمهورية ، وانتهى العهد البائد على أثر ثورة الشعب والانقلاب الأخير في ١٨ أيلول ( سبتمبر ) ١٩٥٢ ، رفعت هذه السيدة المجاهدة شكوى خطيرة إلى رئيس لبنان الجديد الأستاذ كميل شمعون ضد سلفه الشيخ بشارة الخوري وهذا نصّها :
المعتدون على الحرية سيلاقون مصيرهم المُخْزِي
هذا جزاء كُلِّ طاغية ونهاية من يكبل الحرية باستبداده
نص العريضة كما نشرتها مجلة “العالم العربي” المصرية
هذا ما تكلّم به (جون وايلكزبوث) وهو يُطلق في نفس الوقت رصاص مسدسه على الرئيس الأميركي ( لنكولن ) وذلك في ١٤ نيسان عام ١٨٦٥ .
ومَعَ أَنَّ ( لنكولن ) لم يُعرف عنه الاستبداد وتكبيل الحرية فقد ذهبت كلمة القاتل مثلاً يُجمع الناس على أنه من أصدق الكلمات التي دوّنها التاريخ بين صفحاته.
وكل من قرأ ويقرأ وسيقرأ تاريخ الطغاة ، والمستبدّين البغاة ، ممّن حكموا بأمرهم ، ونكّلوا بالعباد ، دائسين القوانين ، متجاوزين روح الدستور ، منفّذين رغباتهم الدكتاتورية البغيضة ، منكّلين بالحق ، باطشين بالعدالة ، سالبين للحريات – كل من قرأ سيرة أولئك المسيطرين بالظلم والاعتداء الصارخين … يتأكّد بأن مصيرهم كان الموت القسريّ المحتّم بيد أحد الأفراد الذين أصابهم الاضطهاد الغير العادل.
فالتاريخ يعطينا ألوف الأدلّة والبراهين القاطعة على صحة الكلمات التي تفوّه بها قاتل (لنكولن). فالحكام الرومان ، الذين كانت مصائر شعوبهم ألعوبةً بأيديهم ، لم ينج شرّ طغاتهم من القتل رغماً عن شدّة الحذر وعظم الاحتياطات التي اتخذوها لأنفسهم كي لا يلاقوا هذا المصير الحتمي . وكذلك قياصرة روسيا وأباطرتها ، وسلاطين تركيا ودكتاتوريو عصرنا الحديث أمثال هتلر وموسوليني الخ .
نعم يا فخامة الرئيس .
إنّ عاقبة الظلم وخيمة ، وبشارة الخوري ظلمَنا ظُلماً رهيباً جداً. فسجنَنا ، ونكّل بنا ، لأنَّنا دَافَعْنَا عَن مؤسس عقيدتنا الدكتور داهش الذي اعتُدي عليه اعتداءً شائناً لا يُصدّق . وهذا أمر أصبح معروفاً لدى القاصي والداني . فلم نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الجريمة التي لم تشهد لها مثيلاً حتى أشدّ العصور المظلمة ، بل بعْنا كافّة أثاثنا ورياشينا وأراضينا ، وطبعنا بأثمانها ١٦٥ نشرةً و ٦٦ كتاباً أسود فضحنا بها أمر هذه الجريمة النكراء . وبهذا قمنا ببعض واجبنا المفروض علينا أداؤه.
إن الداهشيّين – يا فخامة الرئيس – هُمْ أوَّل من فضح جرائم بشارة الخوري بواسطة الكتب السوداء التي طبعوها ووزّعوها في عام ١٩٤٤ والأعوام التي تلت حتى يوم سقوط ( بشارة ) الذي خلعهُ الشَّعْبُ خَلْعاً أبدياً غير مأسوفٍ عليه .
وعندما نشر الداهشيون كتبهم السوداء الرهيبة عن بشارة الخوري ، وسلسلة سرقاته وارتكاباته، كانت أكبر الرؤوس – من زعماء ، ووجهاء ، ونواب ، وإقطاعيين ، ووزراء – يَحنُونَ أمامه رؤوسهم بخشوعٍ تام، ويحرقون أمامه البخور بخضوعٍ عام .
يومذاك كان الداهشيّون يحطّمون بمقنبلاتهم المخيفة معاقله فيردّمونها ترديماً ، وقد تحمّلوا منذ ذلك الحين سلسلةً من الاضطهادات الرهيبة ما تنوء تحتها الجبال الرواسي دون أن تلين لهم قناة ، ولم يأبهوا للتهديد والوعيد، بل استمرّوا في مهاجمتهم بشارة الخوري حتى يوم سقوطه …
وهذا ما يبعث في قلب كلّ داهشيّ الفخر التام لأنه لم يَحنِ رأسه للوصوليّ على الإطلاق ، لأن الداهشيين كانوا متأكدين أنهم إنَّما يُدافعون عن قضية حقّ كفلها الدستور ألا وهي ( الحرية المقدسة ) التي اعتدى عليها بشارة الخوري بشخص داهش .
وعندما اشتدّت الحملات الداهشية عليه وعلى آله ،
وعندما تأكد لبشارة الخوري أن الاضطهادات المتواصلة زادت من إيمان كل داهشي بوجوب مواصلة كفاحه حتى النهاية … لجأ بشارة الخوري الى طريقة ظنّها كفيلة بإيصاله الى ما يبتغيه ، فأرسل – بواسطة تحرير أرسله كبير الديوان ( جورج حيمري ) – يستدعي الاستاذ حليم دموس الداهشي ظاناً أنّ باستطاعته شراءه بالماديات ، إذ استعدّ أن يدفع له تعويضاً مادياً عن سجنه إياه دون ذنبٍ جناه أو وزرٍ أتاه.
فكان جواب الاستاذ دمّوس لبشارة أنه يقبل بالتعويض . ولكن من مال بشارة الخوري مرتكب جريمة سجنه ، وليس من مال الأمّة ( لأن بشارة الخوري أراد إرضاء الاستاذ دموس من صندوق الأمة) . وسيطبع بهذا المال كتباً سوداء جديدة ضد جريمة بشارة . وهكذا صفع دموس الداهشي البريء بشارة الخوري المعتدي وأظهر له أن العقيدة الراسخة تقهر أي طاغية مهما كان صاحب عنفوان ، وسيطرةٍ وسلطان…
***
والآن آمَلُ أن يُصغي فخامة الرئيس لهذه الحادثة التاريخية التي يعرفها ولا ريب. وها هي :
عندما أُدخلت السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب أمام ابن زياد ، وكان أمامه رأس أخيها ( الحسين ) الذي قتل في معركة كربلاء المشهورة ، بادرها قائلاً : “و الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأبطل أحدوثَتكم “.
فلم تُمْهل زينب ( ابن زياد ) بل ثارت صائحةً به قائلة :
“الحمدلله الذي أكرمنا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، انما يُفضح الفاسق الغادر ، ويُكذّب اللئيم الفاجر الذي هو أنت” ! ….
ولو أحبّ ( ابن زياد ) لبطش بها ، أو لأمر فسُجنت وهو صاحب الدولة والصولجان ، والقدرة والسلطان . ولكنّه رغماً عن سوء أخلاقه ، وانعدام أدبه ، أبت نفسه عليه أن يعتدي على امرأة ضعيفة – وهو صاحب الحول والطول – فأمر بإطلاق سراحها…
جئتُ بهذه الحادثة التاريخية ، لأقارن بين ما صنعه ( ابن زياد ) بمن يعتبرها عدوّةً له وهي غريبة عنه لا تربطها به أية رابطة ، وبين ما فعله معي بشارة الخوري الوصولي ، وهو زوج شقيقتي.
وسوف تدهشُ فخامتكم إذا أعلمتكم بأن ( بشارة ) المذكور أمر فأُوقفْتُ في النظارة شهراً كاملاً كُنتُ أنام في خلاله على طاولةٍ خشبية ، وبرفقتي عشرات من الحراس والموظفين ، فضلاً عن الرجال الموقوفين . وذلك تشفّياً وانتقاماً مني لأنّني فضحت “بكتبي السوداء” جريمتهم النكراء ضد الدكتور داهش البريء.
إنّني من صُلبهم ، وذات صلة رحمٍ بهم ، وعاملوني هذه المعاملة الدنيئة التي لا تشرّفهم ، والتي سيسجّلها التاريخ لعنةً مقوّضة مزلزلة يقرأها الجميع ، فيلعنون حتى ذكر أسمائهم البغيضة من الله ربّ العالمين ، والناس أجمعين .
فكيف إذاً كانت معاملتهم للشعب اللبناني الذي نُكِب بحكمهم الجائر وعهدهم البائد ؟ إن الجميع، يا فخامة الرئيس ، يعلمون بأنّ الأيام التي تولّى فيها بشارة الخوري الحكم كانت أياماً حالكة السواد ، فاحمة الجلباب…
وكانت النتيجة الحتميّة لارتكاباتهم المتواصلة تسع سنوات طويلة أن ثار الشعب عليهم تلك الثورة العادلة ، فكان مصير أعداء ( الحرية المقدسة ) الى الخلع الموجع الذي أوصلهم إليه اعتداؤهم المتواصل على القانون ، واحتضانهم للباطل الذي انقلب عليهم ، فأبطل حكمهم حتى يوم يُبعثون .
والآن أرفع لفخامتكم تظلّمي فأقول :
فخامة رئيس الجمهورية المعظّم
أتقدّم لفخامتكم بعريضتي هذه رافعةً شكواي وتظلّمي ضدّ أفراد عائلتي ، وهم : بشارة الخوري رئيس الجمهورية السابق الذي خلعه الشعب عن أريكة حكمه بعدما طغى وبغى واعتدى على حقوق الآمنين ، وسلَبَهم قوتهم ، وداس على حرياتهم ، فكان جزاؤه العادل طرده من كرسي الحكم. فخرج يُجرجر ذيل ذلّه وعاره المعيبين – وزوجته ( لور ) وشقيقها ( ميشال شيحا ) ونسيبهم ( هنري فرعون ) ، إذ تآمر هؤلاء الأربعة على اغتيال الدكتور داهش . فأرسل أحدهم (هنري فرعون ) شرذمةً مأجورةً من المجرمين بقصد اغتيال مؤسّس الداهشية . وكان ذلك بتاريخ ۲۸ آب ١٩٤٤ . ولكنها فشلت باغتياله . وعوضاً من اعتقال المجرمين اعتُقل الدكتور داهش، وزُجّ في السجن ، وأُطلق سراح المجرمين. وتبع هذا الاعتقال تجريد داهش من جنسيته اللبنانية إذ داس بشارة الخوري على قوانين البلاد، وامتهن موادّ الدستور ، وضرب بالعدالة عرض الحائط ، متجاوزاً بمرسومه الغير القانوني جميع القوانين التي اصطلح عليها علماء التشريع وجهابذة القانون ، فارضاً إرادته الدكتاتورية بالظلم البشع الشنيع.
وشفع بشارة جريمته بجريمةٍ مروعة ثانية لا تصدّق ، إذ زجّ شقيقة داهش في السجن ، لأنها أبرقت اليه تطالبه بمعرفة مقر شقيقها المعتدَى عليه بالظلم ، لكي تذهب اليه وتقاسمه مصيره. ويمكن فخامتكم سؤال الوزير سليم حيدر لتعرفوا كيف رغب بشارة يومذاك بسجنها لأعوام . ولكن القاضي سليم حيدر أبى أن يقبل بظلمٍ عظيم كهذا ..
أما أنا فانني لم أقف مكتوفة اليدين أمام هاتين الجريمتين المنكرتين المستنكرتين ، إذ طبعتُ ١٦٥ نشرة و ٦٦ كتاباً أسود شرحت فيها للملأ بأسره أنباء هذه الجريمة الهائلة التي ارتكبها بشارة الخوري ضد مؤسس الداهشية . وتمّ توزيع هذه النشرات في الشرق والغرب ، وتحمّلت أنا وقريني وعدد كبير من الداهشيين ألم السجون مراراً وتكراراً ، ومرارة الاضطهاد المتواصل طوال تسعة أعوام سوداء ، هائلة بمحنها ورهبوتها ، ولكننا لم ننحنِ أمام الظلم الذي امتزج بدم بشارة امتزاج الروح بالجسد . ولم تلِن لنا قناة ، ولم نأبه بالوعد أو الوعيد ، بل مكثنا طوال مدّة حكم الباغية بشارة نواصل حربنا ضده ، ونوجّه سهامنا المسنونة الى صدره ، لأن صاحب الحق قوي بحقه وجنَانه ، جبّار بإيمانه ووجدانه.
والتاريخ يبرهن أن أصحاب العقيدة لا يمكن أن تؤثّر فيهم سلسلة الاضطهادات مهما بلغ رهبوتها المزمجر .
وكان من نتائج تجريد داهش القسري من جنسيّته – التي هي حقٌّ طبيعيٌّ له – أن ابنتي الشهيدة ماجدا صمّمت على اغتيال بشارة الخوري الذي أقسم اليمين تحت قبّة البرلمان بأنه سيحافظ على الدستور محافظة تامة . وكان قسمه كاذباً ، بدليل ارتكابه جريمة تجريد داهش من جنسيته . أقول إن ابنتي عزمت على اغتيال بشارة الخوري . وعندما علم داهش بأمرها أرسل اليها تحريراً يمنعها فيه من اغتياله. فما كان منها إلا أن انتحرت كاحتجاج ، لكي تُبلّغ نبأ هذه الجريمة الى الرأي العام. وهكذا ذهبت ابنتي شهيدة على مذبح الجريمة التي ارتكبها بشارة الخوري ، ودمها المسفوح لا يزال يصرخ أمام عرش الديّان طالباً الاقتصاص العادل منه.
وأزيد فخامتكم اطّلاعاً فأقول : إنَّ هنري فرعون ، بعدما اعتقلوا داهش ، زارنا في منزلنا واعترف قائلاً لنا : ( إنهم لم يستطيعوا أن يضعوا يدهم على داهش بواسطة القانون ، لأنهم لم يجدوا عليه أي مأخذ قانوني ، فاضطرّوا لاعتقاله بهذه الطريقة القسرية ) ! فطردناه من منزلنا ، وأفهمناه أن الحرب بيننا وبينهم قد أصبحت أمراً واجباً لا مفرّ منه.
یا صاحب الفخامة ،
إن الحرية حقّ مقدّس يتمتّع به كلّ لبنانيّ تُظلّه سماء لبنان. ولكن شخصاً واحداً لا يزال مُبعداً عن وطنه بطريق الظلم العنيف . وما دام الله القدير قد أسقط الطاغية الذي ضجّت البلاد ممّا ارتكبه من أمورٍ تتنافى مع العدالة ، فإنني أطلب من فخامتكم أن تأمروا بإعادة قيد إسم داهش الذي شطبه بشارة من دفتر قيد النفوس ، وتُصدروا مرسوماً تلغون به مرسوم بشارة المزيف الذي لم يرتكز بإصداره إيّاه على أي قانون يخوّله حق الاعتداء على الحريات ، ويُمكّنه من انتزاع الجنسيّات .
إن التقرير الذي وضعته هيئة الأمم المتحدة عن حقوق الانسان الأساسية لكل رجل وامرأة في العالم يمنع تجريد أي إنسان من جنسيته منعاً باتاً . ونحن في لبنان نفاخر العالم برقيّنا ، كما إنّ لبنان قد وقّع على هذا الميثاق الإنساني العظيم. فمن العار علينا أن نُبقي هذه الوصمة التي لطخ بشارة بها لبنان ، بارتكابه وزراً رهيباً كهذا ، فسبّب ارتكابه إياه استشهاد ابنتي ، وموت والدة داهش غمّاً وبؤساً ، بعدما قاست لبعد إبنها ما قاساه أيّوب الصدّيق وإنّي أتخيّلها واقفة أمام الديان تشكو من سبب مأساة ابنها ومأساتها .
یا صاحب الفخامة ،
توجد هنالك أسرارٌ رهيبة سنكشفها للبنانيين بأسرهم في قاعات المحاكم ، في عدليّة بيروت ، وهي بأكملها تدين بشارة الخوري . وعندما تذيعها صفحات الجرائد سيهلع بشارة الخوري من هولها ورهبوتها . كما إنني سأقاضيه على اضطهادنا وسجننا ، ونحن أبرياء . ولن أترك نشاطي ، وسأواصل جهادي حتى أدفع بهذا الأقنوم الرباعي أمام محاكم الجنايات ، ليُحَاسبوا على ما ارتكبوه من جرائم ضجّت من هولها أبالسة الجحيم في عوالمها السحيقة…
وهنا أودّ أن أوجّه انتباهكم إلى أن المجرم بشارة الخوري والسيدة زوجته وشقيقها ميشال شيحا وهنري فرعون أرادوا أن يخفّفوا من وقع جريمتهم أمام الرأي العام ، فزعموا أنهم ارتكبوا هذه الجريمة لأن ( داهش ) جعل
الكثيرين يعتنقون مبادئه ويُحبّذون عقيدته !
ونسي هؤلاء أن أقوالهم لا يُعتدّ بها على الاطلاق . لا بل تظهرهم جاهلين بأصول المحافظة على حرية المعتقدات التي يكفلها الدستور اللبناني .
وها إنّي أزيد في عريضتي قطعة من كتاب “الحرية” ، تأليف ( جون ستيوارت ميل ) وترجمة ( طه السباعي ) ، إذ يقول :
“لقد مضى بحمد الله ذلك الزمان الذي كنّا فيه بحاجة الى الدفاع عن حرية النشر وإقامة الدليل على أنها ضمان لازم لحماية الأفراد من الظلم ، فغنيّ عن البرهان أنه لا يسوغ لسلطة تنفيذية أو تشريعية غير متّفقة المصالح مع الأمّة أن تفرض على الناس ما تراه من الآراء ، وأن تعيّن لهم ما يجوز سماعه من المعتقدات والأقوال.
وهذا مبحث قد وفّاه الكتّاب السابقون حقّه من الشرح والاستقصاء ، فلا حاجة بنا الى زيادته إيضاحاً وتوطيداً .
نعم ، ليس يُخشى اليوم في بلدٍ من البلاد محاولة كمّ الأفواه وغـلّ الأقلام .
فإن المضرّة الناشئة عن إخماد الرأي لا تقتصر على صاحبه . بل تتعدّاه الى جميع الناس حاضرهم وقادمهم . وما هي في الحقيقة إلا سلب النوع البشري برمّته ، وحرمان الانسانية بأسرها من شيء فائدته لعائبيه ورافضيه أوفر منها لمؤيّديه وقابليه . فلو أنّ الناس قاطبةً أجمعوا على رأيٍ واحد وخالفهم في ذلك فردٌ لما كان لهم الحق باسكاته. ذلك أنّ الرأي إن كان صواباً فقد حرم الناس فرصةً نفيسة يستبدلون فيها الحق بالباطل ويبيعون الضلالة بالهدى . وإن كان خطأ فقد حُرموا كذلك فرصةً لا تقلّ عن السابقة نفاسةً وفائدة ، وهي فرصة الازدياد من التمكّن في الحق والرسوخ في العلم على اثر مصادمة الحق بالباطل ومقارنة الخطأ بالصواب”.
وهكذا يفهم الغربيّون معنى الحرية ويصونونها ويفتدونها بالمهج والأرواح مهما غلا ثمنها وعزّ . فالحرية أجمل هديّة منحها الخالق لعباده من أبناء البشر.
ولكن ( ميشال شيحا ) يفهم الحريّة بطريقة عكسيّة مؤسفة إن دلّت على شيء فإنها تدلّ على ضيق تفكير وعنجهية فخرية وارستقراطية مزيّفة مخجلة.
وأثبت قولي بدليل ذهاب ( ميشال شيحا ) مراراً وتكراراً الى منزل الأستاذ ( الفرد نقّاش ) عام ١٩٤٣ عندما كان رئيساً للجمهورية . وكانت زياراته للنقّاش في الليالي المظلمة الحالكة ، وذلك ليرجو منه بصفته صديقاً له أن يُخرج داهش من البلاد، ولكن النقّاش أفهمه بأنه لا يمكنه أن يرتكب وزراً عظيماً كهذا ، وأنه لا يستطيع أن يسلب جنسيّة رجلٍ بريء إذ توجد محاكم باستطاعتها محاكمته وإدانته إذا كان مذنباً ، فكيف به وهو بريء . وهكذا
صفع النقّاش ( ميشال شيحا ) برفضه تنفيذ مثل هذه الجريمة التي لا يُقرّها عدل ولا يُجيزها قانون ، ولو كان لدى ( ميشال ) أية جرأةٍ أدبية ، ولو كان محقّاً بطلبه لَذهب الى صديقه ( النقّاش ) في رابعة النهار ! وأيّة أوزار تتفوّق على انتزاع جنسيات الأفراد التي يكفلها الدستور أبو القوانين .
وأختم عريضتي بكلمة فخامتكم الخالدة التي ألقيتموها بمناسبة عيد الاستقلال إذ اختتمتموها بهذه الكلمات النبيلة وهي :
“ولبنان أخيراً – كما يحلم أبناؤه – يُريد أن يكون الأرض المضيافة حيث يستطيع المضطهدون في أي بلد كان أن يستنشقوا آمنين نسيم الحرية”.
وعليه آمل من فخامتكم أن تتوّجوا عهدكم السعيد بإزالة هذه المظلمة المُظلمة التي أوقعها المجرم بشارة الخوري الباغية بالدكتور داهش ، فيعود الى وطنه الذي أُبعد عنه بالظلم والاعتداء . وهكذا يحقّ العدل ويزهقُ الباطل ، إنّ الباطل كان زهوقا .
ملاحظة :
أرفقتُ مع عريضتي هذه جميع المنشورات والكتب السوداء لكي تطالعوها وتطّلعوا على مراحل تلك الجريمة النكراء التي فضحتُها وأذعت خفاياها . وهذه بعض أسماء الكتب التي أرفقتُها بعريضتي :
۱ – الكتاب الأسود ۲ – فضيحة العهد القديم ٣ – فضيحة الفضائح ٤ -شكوى الى مجلس النواب اللبناني ٥ – الهارب من القضاء ٦ – فضائح وقبائح “شربل ” ۷ – كشف الستار عن أسرار يوسف شربل ۸ – الى الثورة أيها المواطنون ! ٩ – عريضتي الافرنسية التي أرسلتُها الى هيئة الأمم المتحدة المنعقدة في باريس عام ١٩٤٨ .
وستجدون فخامتكم في الكتاب الأسود وثائق هويّة الدكتور داهش ووالدته وشقيقته منشورةً بالزنكغراف.
وأخيراً ، آمل أن تُطالعوا تحرير الدكتور داهش المُرسل منه الى المحامي الأستاذ ادوار نون ، وقد قدّمته كعريضة شكوى الى مجلس النواب اللبناني ، إذ فصّل الدكتور داهش بتحريره ما أصابه من جلدٍ وتعذيب تقشعرّ منهما النفوس.
بيروت ، في ٣٠ تشرين الأول ١٩٥٢
ماري حداد الداهشية2
“بعد سقوط عهد بشاره الخوري، عُرضت قضية الدكتور داهش على رئيس الجمهورية المنتخب، كميل شمعون، وعلى مجلس الوزراء، وبناءً على دراسة قانونية أعدّها القاضي الدكتور أنطوان بارود ممثّلاً دائرة القضايا والتشريع في وزارة العدل، بتاريخ ٣٠ كانون الأول ١٩٥٢ ، بيّن فيها لامشروعية الإجراءات المتّخذة بحق الدكتور داهش، أصدر مجلس الوزراء اللبناني، في ٦ شباط ١٩٥٣ ، قراراً ألغى بموجبه قرار رئيس مصلحة الإحصاء والأحوال الشخصية الذي قضى بشطب قيد الدكتور داهش من سجلّ المصيطبة ونقله إلى سجلّ الأجانب، بموجب المعاملة المؤرخة في ٢٢ أيلول ١٩٤٤، رقم ١٥٤٣، وأمر مجلس الوزراء بقراره “إعادة قيد الدكتور داهش وعائلته إلى ما كان عليه واعتبارهم من الجنسية اللبنانية مثلما جاء حرفياً في قرار مجلس الوزراء.
وبعد إلغاء قرار الشطب وإعادة الجنسية أصدر رئيس الجمهورية، الأستاذ كميل شمعون، بتاريخ ١٩٥٣/٣/٢٤، مرسوماً يحمل الرقم ١٤٥٣ ألغى بموجبه مرسوم الإبعاد رقم ١٨٤٢ الذي أصدره بشارة الخوري بتاريخ ٨ أيلول ١٩٤٤؛ وقد نشر هذا المرسوم في ملحق العدد ١٣ من الجريدة الرسمية، أول نيسان ١٩٥٣.” 3
وبعد إعتراف الدولة اللبنانية بظلمها وإجحافها وإلغاء قرار الشطب الظالم وإعادة جنسية الدكتور داهش، بعث برسالةٍ الى أتباعه لأصدار هويّةً لبنانية جديدة وقد نُشرت في جريدة الأسواق، وهذا نصّها4:
داهش يعود قريباً الى لبنان
أول رسالة يخطها بعد رد جنسيته
جريدة الأسواق ١٩٥٣/٢/١٤
هذه أوّل رسالة كتبها داهش الى أصدقائه في لبنان بعد إعادة الجنسية اللبنانية اليه وقد أعلن فيها عزمه على المجيء :
بغداد (۱) في 7 شباط ١٩٥٣
[(۱) حقيقة الأمر أن الدكتور داهش كان في بيروت ، وفي منزل آل الحدّاد الذي كان لا يبعد أكثر من ٤٠ متراً عن القصر الجمهوري ، حيث كان يقيم الطاغية الباغية بشارة الخوري ، ولكن قصداً للتعمية ونظراً لظرف الدكتور داهش الخاص ورد في الرسائل أنها صادرة عن حلب أو بغداد الخ..]
تحية وسلام
وبعد ، فقد وصلتني برقيّتكم المؤرّخة في ٦ شباط والتي تعلمونني فيها أن جنسيّتي التي هي حقٌّ صريحٌ لي ولكل لبناني قد أعادتها إليّ حكومة الأمير خالد شهاب .
وعليه آمل أن تبلّغوا شكري للصديق النبيل الأمير خالد شهاب لإعادته العدل الى نصابه ، والحقّ السليب الى أربابه.
إنّ الدستور اللبناني يكفل حقّ الحرية التامّة لكلّ لبنانيّ – ضمن القوانين التي تسري على الجميع سواسية – وأنا قد اغتصب الوصولي بشارة الخوري حقوقي التي يكفلها الدستور ، هذا الدستور الذى أقسم أن يحافظ عليه بصفته رئيساً للجمهورية – ولكنّه حنث بيمينه الباطلة ، وحطّم بنود الدستور، وداس على اشلائه الممزّقة.
إنّ الحريّة منحة سماوية يهبها الله لمخلوقاته ولا توجد أية قوّة أرضية تستطيع حجبها عن أيّ مخلوق : وإنْ أعجب لأمر فعجبي هائل لوقوف الصحافة موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث حول أمر نزع جنسيتي ، مع أن واجب الصحفيين – والصحفيون أصحاب رسالة سامية ـ أن يدافعوا عن الحريات دفاعاً جباراً ويزلزلوا بأقلامهم النارية ارتكابات أي وصولي يبغي على الحرية ، ويكبّلها بقيوده الاجرامية . وإن صمتوا ولم ينافحوا عن العدالة الصريعة بأقدام الباطل ، والحرية المدوسة بسنابك البغي والعتيّ ، إذن فإن سيف ديموقليس الذي يحمله الباغية المعتدي يكون أبداً مرهف الحدّين ومعلّقاً فوق رؤوسهم لكي يهوي بأيّة لحظة يراها ذلك الجاني مهشّم القوانين ، والعابث بالحريات ، والمستهتر بالدساتير .
وثق بأنّه لو حدث في أوروبا لأيّ فرد – كائناً من كان ـ ما حدث معي ، وهذا مستحيل حدوثه في البلاد الأوروبية ، قلتُ إذا وقع المستحيل واعتدى أيّ حاكم على جنسية أي فرد ، مهما صغر شأنه وضؤلت مكانته ، إذن لثار الشعب ثورة كاسحة ماحقة ساحقة ، ولسقطت الحكومة، ولَدُكّ عرش المعتدي ولثُلّ بغيه ، ولتحطّمت أريكته ، ولزُجّ في أغوار السجن بعد محاكمة علنية وتشهير سافر تتناقل أنباءهما صحافة الدنيا بأسرها .
وها هو التاريخ يضمّ بين دفّتيه أنباء الثورة الافرنسية التي دكّ فيها الشعب سجن ( الباستيل ) وحطّم الملكية المعتدية على حقوق الشعب فاضمحلّت تلك الملكية ودُكّت أركانها دكّاً عاصفاً حتى يوم يبعثون …
والآن ، آمل من أخي الاستاذ حليم ، بصفته وكيلاً عني ، أن يبادر فيخرج لي تذكرة هوية لكي أستطيع العودة الى وطني الذي سلخني عنه الباغية المعتدي ، هذا المعتدي الذي شُهّرت أنباء جريمته المروعة في الخافقين ، وتحدثت عنها ألسنة الخلق فسلقته بألسنة حداد وفضحت جريمته وهتكت ستره و مزّقت سريرته ، فعرف الجميع ش ض من هو المجرم المرتكب ومن هو البريء .
وأكبر برهان ، وأثبت دليل على نعتي إياه ( بالمجرم الوصولي … ) هو تلك الثورة الشعبية اللبنانية الكاسحة التي انصبّت على رأس ( بشارة الخوري ) وذلك لعظم ما ارتكبه من الشرور والمعاصي ضد الشعب اللبناني ، واغتصابه لثروة البلاد ، وامتصاصه لدماء الشعب ، واعتدائه على الأحرار الأنفار من أبنائه الأخيار الذين لا ولن يرضخوا لجرائمه المعروفة ، فنكّل بهم تنكيلاً شائناً .
نعم ، ، لقد ثار الشعب عليه ثورته الكاسحة ، فإذا به بين غمضة عين وانتباهتها وقد دُكّ عرشه وفقد الى الأبد أريكة حكمه … وهكذا تمّ سقوطه بعدما خلعه الشعب وطرده شرّ طردة ، فأصبح الوصولي أسطورة يتندّر الخلق بأخبار مساوئها التي لا يحصيها عدّ…
وإذ أودّعك وأترقّب تذكرة هويّتي اللبنانية ، أقول حقاً لقد صدق الشاعر
العربي القائل :
وما من يدٍ إلا يد الله فوقها وما ظالمٌ إلاّ ويُبلى بأظلم.
المخلص داهش4
1: كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا “، ص.109
2: كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا “، ص.111-121
3: كتاب ” الدكتور داهش رجل الأسرار “، اسكندر شاهين، ص. 323
4: كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا “، ص.200-202
إضطهاد الدكتور داهش
لكن أن يكونَ الخصمُ نبيَّاً، يُشعلُ بنوره الفطرة والحقّ، يُبددُ ظلام الجهل في ليلِ الشَّك، يُطلُّ كالفجر المُتجسِّد من صميم العتمة، يُشرقُ من ذاته نوراً يُضيءُ الحقيقة المتألقة دوماً في جوهر الوجود، يهزُّ البُنى العميقة للإدراك ويَمْلىء النُّفوس قدرةً على المعرفة الكونيَّة.
منذ فجر الخليقة حتى اليوم و الفضيلة ما تزال تائهة في منعطفات هذا العالم، دون ان تجد المكان الذي تحط فيه رحالها، و عبثاً سيكون جولانها، لأن الفضيلة لا تستطيع أن تحيا في هذه الأرض الرجسة.
الدكتور داهش








