قصصُ غازي
قصصٌ بأقلامٍ مُختلفة تُكتب بمداد الاختيار والمسؤوليَّة الذاتيَّة ، تُعبِّرُ عن فصولٍ مُتتالية في رحلة التطوُّر الرُّوحيّ. يجمع بينها الإيمان.
قصصٌ وحكايات
نجوم مُتلألئة تزرع قبة السماء بأعدادٍ لا سبيل لاحصائها لا الآن ولا في الآلي من الزمان. هي تخطر في العشايا سابحة في بحرٍ من الغبطة. غير أنه وفي أماكن أكثر سموًّا هناك نجوم ستة تفوق النجوم الأخرى بأبعادها وقدراتها، وهي مُتوجة على كل كوكبات النجوم، والعوالم تدعوها بالعمالقة.
الآلات حديثة ومتطورة جدًّا غير أنها لا تمكِّن علماء الفلك من مشاهدة النجوم الستة التي يدير شأن كل منها ملك ذو جلالة ووقار، يسوس مملكته بحكمة وخبرة اكتسبها على يدي الأجيال. هذه الممالك هائلة الاتساع وتستطيع أن تضم المليارات من العوالم. والملوك لا يحكمون في ديارهم فقط بل أيضاً في السماء بكاملها؛ فهي مقسّمة إلى أجزاء ستّة ومتساوية يضمُّ كل منها آلاف النجوم. يجسّد هؤلاء الملوك الكمال، وتتشكّل تيجانهم من الوف النجوم، ولحاهم الجليلة مجدولة بشعاعات من شموس مُطلقة نهائية.
يدير هؤلاء الملوك الأقسام المُخصصة لهم من السماء كل من عالمه الخاص ويقوم من وقت لآخر بزيارة النجوم التابعة له فهو يسافر بكوكبه كمركبة بسيطة عبر الفلك إلى النجمة التي يرغب بزيارتها.
كم هم جميلون ومتألقون هؤلاء الملوك! فعندما يتواجدون جنبًا إلى جنب، تستدعي السماء محفلها المكوّن من كوكبه النجوم التابعة للملوك الستة. وتنبعث أنور باهرة من شخصياتهم الجليلة تُضيء جميع العوالم.
يتعهَّد كل رئيس عددًا من الكواكب يساوي عدد شعر رأسه، ويتواصل مع عوالمه بواسطة شعاعات شعره. إذا أراد أحد النجوم حضور رئيسهن يقوم بعزف لحن رائع على الشعرة المُتالقة ويقوم الرئيس بلف الشعرة على بكرةٍ جاذبًا النجم نحوه وبغمضة عين.
تنعم السماوات بحالة من الغبطة المُطلقة بجوار الهتها الرائعين. وأحيانًا يرتفع الملوك الستة إلى أعالٍ غير منظورة جاذبين معهم على دويّ الرعودة جميع النجوم دون استثناء، ويتوجهون عندئذٍ نحو أبيهم السماوي، الاله الاسمي كيما يقدموا له تفصيلاً عما أنجزوه من الأعمال.
وفي غمرةٍ من الفرح والحب ومظاهر العيد والحبور يرفع الملوك الستة آيات التبجيل والتسبيح للخالد الأزليّ الأعظم متوجين هامته بالأنوار ساجدين ينشدون أناشيدهم عرفانًا بنعمة العليّ، يرافقهم الوف من الملائكة ورؤساء الملائكة بأصوات قيثاراتهم الساحرة وكناراتهم المقدسة.
تدفقي أيتها النيران السماوية، إن فيك النور الأبدي، وأنت أيتها النجوم المقدسة، أرقصي، أرقصي كرقص داود الملك! إنه نشيد الله. وأنت أيتها النجوم اسكبي أنوارك المتساوقة بانسجام!
إنها شمس الإله. اسكبيها في الكؤوس المقدسة فقد حان وقت تقديم النجوم والعوالم قرابينها وهداياها.
إنه نقاء الزنابق في بوح البخور والأزهار الذي يرتقي ويتعالى غيمات وغيمات نحو الاله.
واسمعوا أيها الأطفال! إذا رفعتهم ابصاركم ذات مساءٍ نحو السماء ولم تروا نجومًا متالقة، اعرفوا إذًا أنها في ارتحال بعيد، بعيد جدًّا تقيم العيد للملوك الستة المُحيطين بالله، فهم أبناؤه الأحباء.
وردة تهيم في سماء فردوسية مُستخدمة بتلاتها كأجنحة. فقد حملها نسيم بليل ووجه ارتحالها إلى هذا الفضاء اللامتناهي، ضامًا عنقها بين حناياه رغبة في تقبيلها، مُستحمًا بعطرها الذكي الذي تنثره على مسارها. كانت الوردة تصعّد نحو الأعلى يومًا بعد يوم وكانت تصبح أكبر وأكثر جمالاً، فهي كائن من نور.
وذات يوم وقد بلغت علوًّا معينًا، توقفت الوردة عن الارتفاع وجعل الله فيها كوكبة من نجوم. وراحت العوالم المُحيطة بها تدنو منها أكثر فأكثر مُتمتِّعة بجمالها دون أن تتعب أو أن تكتفي.
يا لله! كم هي جميلة! كانت العوالم تقول بعضها للبعض الآخر. يجب أن نختارها لتكون ملكة علينا.
كانت الوردة تفوق شقيقاتها جمالاً، وراحت الكواكب تقترب منها أكثر فأكثر لتنعم بلمس بتلاتها النوارنيّة الشفافة السحرية وتتنشق رحيقها العطر.
وتضرب الوردة بجناحيها مطلقة موسيقى ساحرة، تنتظم في سمفونيات ما تزال تسمع على مرّ ملايين السنين، مُضفية النشوة على الكواكب التي راحت توقع رقصات الفرح حول هذه الكوكبة الرائعة الفتنة، فسعادتها كبيرة لا وصف لها.
فضلاً عن جمالها الباهر، لم تكن الوردة موسيقية فحسب، بل كانت منبع الموسيقى والألحان والسمفونيات الخالدة. أليس أبولون، اله الشمس والموسيقى مُتحدّرًا من هذا العالم، من عالمها؟ هذه الوردة المقدَّسة هي ربّة الإلهام للموسيقيين، يتلاعب النسيم العليل ببتلاتها وتسمع من بعيد ألحان وإيقاعات الأناشيد التي تنبعث منها.
نجوم الفلك هي جماعة الموسيقيين، وعديدون هم العازفون المُبدعون الذين وقعوا وما يزالون يوقعون الألحان على بتلاتها الشفافة الحمراء. أشعّة هذه الكواكب، تمتد عوضاً عن أصابع الموسيقيين الرشيقة لتقوم بإبداع هذه المجموعات من المعزوفات الفردوسية. الصفاء والغبطة يسودان هذه الجنات التي لا بداية لها ولا انتهاء.
في الوقت عينه كانت أرضنا التاعسة خالية من الأصوات. لم يكن للموسيقى وجود عليها. لكن عندما أصدر الله ارادته، وليكن نور، فكان، واهدتنا الشمس صدى القداسة وهي تبرز للعيان في عربتها النيرانية. وإضافة إلى توهج الشمس وألقها، تنزَّلت علينا رسائل الهيّة حاملة في طيّاتها قبسات من عالم الوردة الموسيقى.
وهكذا، يا موسيقيي الكرة الأرضية العظام، شوبانن بيتهوفن، موزار وباخ، أنتم تنتمون إلى هذا العالم الرائع الذي ورثتم منه موهبة وعطيّة هذا الفن العظيم.
أنتِ أيتها الوردة، النجم، ستبقين دائمًا في ذاكرتنا وفكرنا.
1 – هناك قصة أخرى في هذا الكتاب تحمل نفس الإسم: الوردة.
قال الله لنوح:
لن يكون هناك طوفان يدمّر الأرض بعد. وها هي الدلالة على الوفاق الذي أقيمه بيني وبينك وجميع من معك من الكائنات إلى أجيال آتيه.
لقد وضعت قوس في الغمامة. سيكون علامة الوفاق بيني وبين الأرض. فعندما أجمع غيومًا فوق الأرض يظهر القوس بين الغيوم. وسأتذكر حينها وفاقي مع جميع الكائنات الحيّة ولن تعود المياه لتشكل طوفانًا يدمّر كل ذي حياة، سيكون القوس في الغيمة وسأنظر إليه كي أتذكره.
وهكذا عندما تكلّم الله، ظهر قوس رائع بألوان ساحرة وانتصب في السماء مُبدّدًا الغيوم الكثيفة، طاردًا إياها كما الرياح العاتية.
هذا القوس الرائع الجمال، الذي انبعث من قلبٍ عطوف ومن نسمة مقدّسة، يلف الأرض بوشّاحٍ من السلام الأبدي، يسكب ألقه شلالات مُتعددة الألوان على جَلدِنا. هذا القوس يأخذ منبعه من أصول مقدسة: الله.
القوس المُرسل إلينا هو عالم سحري رائع، فهو يتكوّن من سلسلة من العتبات تلامس الأولى منها عالمنا وعلياها كائنة عند الله، وكل واحدة من هذه العتبات تشكل عالمًا من الفرح والغبطة يحتفظ الله بهذه العوالم لنوح وإلى أولئك الذين أحبَّهم. هكذا قالت لي يمامة نوح ذات يوم في الحلم، ولكي تؤكد ذلك أكثر، كانت تحمل في منقادها غصن زيتونٍ رطبٍ ومخضّر إليكم ما أسرته إليَّ:
عندما لفظ نوح آخر أنفاسه تسابق الألوف من الملائكة لاستقباله. ولكي يضع الله حدًّا لهذا النزاع بين الملائكة قسّم ملائكته الشيروبيم ووزعهم على العتبات العديدة التي كل واحدة منها هي فردوس بذاتها.
ارتقى نوح عتباته تلك الواحدة تلو الأخرى مُوزعًا بركاته ومتلقياً التشريفات الواجبة لكل من نزلاء السماء. رافق نوحًا جميع حيوانات الفلك دون استثناء. وراحت الأشجار والأزهار تلقي عند قدميه ثمارها وبتلاتها العطرة، وكانت الأناشيد المقدّسة تملأ الأجواء العطرة.
وهكذا وصل نوح عند الله، فأخذ مكانه على العرش الذي كان مخصصًا له مالكًا على عالمه، قوس القزح.
عندها، ولكي يحتفل الملائكة بقدوم البطريرك، الأب نوح، راحوا يعزفون سمفونياتهم السماوية على أوتار قوس القزح، إذ اختار كل ملاكٍ شعاعًا من شمسٍ مختلفة وطفق يقسّم لحنًا سماويًا. كان القوس مليئًا بالشيروبيم الموسيقيين. كانت أصابعهم الرشيقة تعزف دون توقف على الأوتار الملوّنة. قالت لي اليمامة أيضاً:
نحن نضمّ أصواتنا إلى أصوات الطيور. فإن لنا ألحاننا الخاصة ومناقيدنا كانت تعزف على الألوان قوس القزح.
وطارت اليمامة البيضاء. وأفقت متاثرة وغير مصدقة أحداث هذا الحلم.
لكن، فجأة، رأيت شلح زيتون موضوعًا على وسادتي فإن اليمامة لا بد أن تكون تركته هناك، وهي تقصُّ عليَّ هذه القصة، كاثبات على صحة ما رأيت في الحلم وما أخبرتني به اليمامة.
ماذا تخبئين في حناياك أيتها المغارة المهيبة الفاتنة؟ لقد شكلتك حقبات الزمن على هواها. نحتك يدٌ ماهرة بفنٍّ مدهش رائع. من يكون هذا الإله الغامض الذي تحتضنين وتجلّين؟ إني أخاله متربعًا على عرش هذه الأماكن، وأتصوره وهو يجوب أرجاء مملكته وبيده الصولجان.
كانت المياه وما تزال مُخلصةً في فنها وإبداعها إياكِ لقد تركت كل قطرة من قطراتها نتفًا من نفوسها وتقمَّصت أشكالاً مُختلفة. ابدعت المياه تحفاً تحاكي بفنها هياكل الهندوس أو الصينيين بأعمدتها وتماثيلها وأقداسها ولا بد أن دموع الصخر أفنتِ السنوات الطوال حتى شكلت هوابط stalactites وصواعد Stalagmites هائلة الجمال.
أيا اعاجيب، ويا روعة! نعم فالمياه شيدت قصرًا لملكٍ لا يعرفه البشر، ملك يحكم مملكته لا نعلمُ كيف. انصتوا! فها هو همس المياه يروي قصّة القصر المائي الرائع.
نعم، إنه قصر إله خفيّ عن عيوننا نحن معشر الناس. اله تحفّ به جماعات من عرائس الماء وطوائف من أبناء الجن.
تُرى، أهذه القصة واقع أم ضرب من ضروب الأساطير؟ ومن يؤكد لنا أن الأسطورة ليست وجهًا من وجوه الحقيقة، المياه تتحدث، تتحدث دائمًا مُعبرة عن استيائها من تطفُّل بني الإنسان الذين يجتاحون ديارها، وتهيب بجلالة الملك أن يحتجب في قصره وبصحبته حبيباته المصطفيات اللواتي يختبئن في مساكنهنّ طي الصخور.
ويحلّ الليل ويبعد زائري هذا المكان الساحر، وتستمر المياه في إنشاد أغنيتها داعية الآن الملك وحاشيته إلى الخروج من مخابئهم السرّية. وتتهافت عرائس الماء اليها وجماعات الجن مُسرعة من كل ناحيةٍ فالليل موعدها للخروج إلى الحرية، وتروح ترقص وترقص على صفحة المياه التي تختلج وتخفق بانسجام. يا لها من رقصة لعوب على أنغام الفرح والحبور.
ويرمق الملك بعين عطوف فرحة رشاقة حبيباته ويرنو اليهن باعجابٍ منصتًا لوقع حركاتهن الساحرة. سيبقى هو على الدوام سيّدًا على مملكته التي تأخذ بالألباب والتي أنعمت بها الطبيعة عليه.
هيّا لنغفو وننام تاركين هذا العالم الخلاّب لأهله ينعمون بالسهر عندما ننام، وعندما نستيقظ مع الصباح يستغرقون هم في النوم.
الصخور المهيبة تتكلّم على الرغم من صمتها الأصم، فهي تنتمي إلى شعبٍ غير معروف في عالم المغاور التي تلفها الألغاز.
لغة المياه ليست بغريبة بالنسبة لي، فأنا أفهم لهجتها السرّية.
تكلّمي أيتها المياه، تكلّمي على الدوام. خبّري قصة ضيوفك منذ ولادة الزمان! إحصي أعمالكِ وأعمال العمالقة التي قمت بنشرها، فهي تحتضن نهرك وتجعل له ملجأً تحت جبل صار حصنًا يرد النظرات المتطفِّلة!
أيتها المغارة، كم أنت خلاّبة بهذا الطابع الذي تلفّه الألغاز.
وللآلهة أيضاً رغباتهم وميولهم، فهم يتوقون أحيانًا لمغادرة أخدارهم الإلهية للقيام برحلةٍ عابرة طلباً للمرح، لذا شيدت لهم مدينة خاصة اقيمت فيها المعابد المقدسة لاستقبالهم، وانخرط نحاتو السماء بالعمل عارضاً كل منهم عيّنةً من إبداعه.
قام المهندسون السماويون بعملهم فأبدعوا لأبولون وعشتروت نقوشًا وتماثيل أبرزتهما بخالص جمالهما وقدسيتهما. كما رفعوا الأعمدة غاية من الضخامة، مُزينة بمسنَّناتٍ في منتهى الدقة والنعومة، وراحت المياه تتدفق من أفواه الأسود والتنانين تروّي هذه الأرض الخصبة بالجمال.
صَدَفة البحار، سرير ربّة الجمال فينوس(2) تغطي هَامَ الآلهة. والأعمدة تتسامى رافعة رؤوسها المجيدة المُكلَّلة بهالاتٍ من رقة الفن وجلاله لافتة أنظار السماء إلى روعتها.
كم كانت الحاجة ماسّة إلى كوكبات من السواعد الهرقلية الجبارة لإنجاز مثل هذا العمل! أجل، فهراقلة السماء حملوا جناحًا من الخدر السماوي وجعلوا منه مدينة ساحرة اكرامًا لآلهتهم الذين ما من مكان على الأرض كان أهلاً لاستقبالهم، فالهياكل السماوية وحدها تصلح لتكون مسكنًا لهم. كان البخور والعطور تنشر أريجها في الأجواء، والعذارى يوقدن النار المقدَّسة والتعبّد القدسيّ يتمّ بإجلال ووقار.
وصار الإلهة أسيادًا على هذه الأمكنة، كيف لا وقد راقهم هذا الموقع! أما الأهلون فقد تملكتهم الخشية وسيطر عليهم الخوف من هؤلاء الألهة الهائلين، كيف لا وقد شهدوا.
أنتم يا بشر تلك الأونة، يا من تفهمتهم وأدركتم مقام الزائرين الذين جلسوا هنا على أرضكم، فقد ارتحلتم بصحبتهم إلى عوالم اللامرئيات. هؤلاء السادة ذوو المهابة والوقار لم يخلفوا سوى أثر وانموذج بسيطين من الأحجار الغابرة.
حدثينا أيتها الحجارة الأثرية، خبرينا عن الأزمنة الماضية فالذاكرة فيكم لم تُمحى، فقد كنتم موئل رسل السماوات ومسكنهم. لقد انتشر وسادَ مجدهم في كل مكان، وبكم الآن يمكننا التعرُّف على هذه الكائنات الخارقة ونشهد على مرورهم في هذه الأماكن. أيتها الحجارة، ما تزال معالمك تنشد ذكرياتها، والأعمدة في تساميها تهتف بمجدها بأعلى الصوت نحو السماوات.
1 – موقع تاريخي في سهل البقاع، لبنان.
2 – إلهة الحب والجمال في الميثولوجيا الرومانية وهي ذاتها الآلهة أفروديت عند الإغريق.
ذات ليلة قيام هذا العالم الهائل الخلاّب.
أيها الماضي، كم تخفي في طيّاتك من الأسرار! أيها البعيد الصعب المنال أتأخذ بك الغيرة فتحجب في طياتك الاسرار الغابرة.
أروِ لي قصة أيها الماضي، فأنا مُصغية لك بكل رصانة. أستجب لرغبتي، فكم أحبُّ أن أسمع صوتك وأنا مُغمضة العينين!
الماضي الذي لا حد له يخبئ اللانهاية في حناياه، ويحتال كالمارد. أما أنا فلست سوى جزيئة من حبّة غبار، وأخشى ألاّ أكون بادية للعيان. لكن لا، فهذا المارد لا عدّ ولا حصر لعيونه وهو بنظرةٍ من إحداها يستطيع النفاذ إلى أعماق فؤادي، وها صوته الجهوري يصدّع مسامعي.
“أجل، قال لي، أنا قرأت أفكارك وسأرضي رغبتك وحشريتك. أنا أحفظ في خزائني العديد من الألغاز والاسرار التي تعود إلى العالم الآخر. سأروي لك قصّة عصفور الفردوس أو العصفور ال: قوس قزح.
ذات يوم، كان في قبّة الفلك عصفور أسود صغير يهيمُ على غير هدى في الأوقيانوس السماوي. كان وحيدًا، دائم الحزن، فعليه الاستمرار ومُتابعة أسفاره الأبدية لأنه غجريّ الآفاق السحيقة التي لا نهاية لها، كان يرغب أحيانًا أن يريح جناحيه المُتعبين، وبسبب عدم وجود اشجار، أراد أن يريحهما على سطح احدى النجوم. لكن جميع الكواكب كانت تطرده، فلم تكن ترغب اطلاقاً برؤية هذا الطائر القبيح. كان تعبه يتزايد لكنه كان مجبرًا على متابعة سفره طالباً ملجأً في الغيوم التي هي أيضاً كانت ترفض تحقيق رغبته فتكون ملجأ له وملاذًا.
وتمر أعوامٌ وتنصرم أعوام، وقرون تلو قرون، وما على الطائر المسكين غير التحليق والطيران في هذه المتسعات السماوية الشاسعة. ممنوعة عليه الراحة، ودأبة تحمل الصعاب الهائلة، وأخطار النيازك وشهابها الناريّة. ولم تكن البروق والرعود لتراعي وضعه على الإطلاق فتحيد عنه، وكانت ريشاته غالباً طعمة لنيران عناصر السماء.
كان الطائر كعادته في كل يوم يهبّ إلى مسيرته المعتادة وقد بات قريباً من جسيم مُنير هائل. دفعت به الرغبة إلى الاقتراب منه أكثر فأكثر للتمتّع بجمالهن فهو حلية سماوية، وهذا ما فعل كان جناحاه الصغيران يخفقان بقوة من بعيد عندما أبصر كتلة من نارٍ هائلة الكبر تتقدم نحو النجم. إنها نار من نوع فريد فهي لا تشبه بشيء أبدًا سواها من لهب النار العاديّة، بل كانت لهيبًا غريباً يحصد ويلتهم كل شيء على مساره.
أدرك الطائر الصغير الخطر الذي يتهدّد الكوكب الذي أوشك هو أن يصل إليه فانتابه حزنٌ عامر فهذا الكوكب هو موطنه الأصلي. ما العمل والنيران السماوية تقترب أكثر فأكثر وهي تكاد تلتهم النجم؟ يبسط الطائر الصغير جناحيه الصغيرين ليكونا سدًّا يحول دون وصول النيران إلى موطنه.
“أيها الطائر الصغير، قال العصفور لنفسه، الست تدرك كم أنت ضعف وهزيل؟ ماذا تستطيع أن تفعل حيال قوّة وهول هذا اللهيب النّهم؟،
ويجيب الطائر نفسه باحساس هزيل، “لا أدري” وفجأة راح يكبرو يكبر متحولاً إلى درع هائلة الضخامة، حجبت خلفها وجه الكوكب ولم تستطع النيران المتأججة أن تخترق جسم هذا الطائر الذي أصبح سدًّا منيعًا لا يمكن النفاذ من خلاله. لقد أنقذ هذا الطائر كوكبه، موطنه الأصلي من الخطر المحدق به بشجاعته. وتعاظمت بطولته وشجاعته فغدا طائراً هائل الكبر حتى لم تعد تعرف أنه العصفور الصغير نفسه. وراحت جواهر السماء تبشر باصوات الأبواق بعيدٍ كبير. وضفرت السماوات المتعددة الألوان جميعها تاجًا كبيراً وجعلت شلالات الضوء الرائعة تتفجّر وتتدفّق، وحلَّ الطائرُ البطل ضيفًا في هذا العيد.
وأنشدت السماوات بجوقٍ متكامل أناشيد الحبور وقدمت كل منها هدية من بلادها الساحرة لهذا الطائرة شعاعًا بلون كل سماء.
وتلونت ريشات الطائر بتلك الألوان حتى باتت تحاكي قوس قزح منير وبات جناحاه لا حد لهما.
هكذا كانت ولادة طائر الفردوس، وطائرنا الأرضي ليس سوى صورة هزيلة لطائر العالم الآخر. وراحت النجوم تتنافس على استضافة هذا الطائر في جنّات عدنها دون غيرها.
غير أن العصفور البطل اختار الإقامة في موطنه الأصلي حيث ما يزال مُكرّمًا حتى يومنا هذا.
وبهذا وصل الماضي إلى نهاية قصته وعاد ليكمل تحليقه في الفضاء تاركًا إياي وحيدة في هذا الليل.
ذات يوم كان كوكبان رائعان يتنزّهان في أفق لازورديّ سماوي الزرقة، غير معروف في عوالمنا الأرضيّة. كان جمالهما الفائق يثير غيرة وحسد أصدقائهما، فواحدهما بلونه الأحمر القاني تنبعث منه السنة من اللهب هائلة، مخيفة، وتؤجّجه نار دائمة الاتقاد تنبعث اشعّته القاتلة من جميع جوانبه. كانت مقاليد هذا العالم واعنَّته بين يدي ولد شعره السنة لهب متوهج. كان ذلك الطفل الحبيب وليد احدى فراشات الصيف الطريات العود، وكان مليئًا بالبشاشة والحيوية.
وكان العالمُ الثاني متالق البياض كغيمة طاهرة، يقوده ويمسك باعنَّته طفل أشقر محبوب يجسّد في كيانه عذوبة الحملان واليمام.
هكذا كان هذان الشيروبيمان يجولان سائحين في الفضاء اللامتناهي إلى أن جاء يوم بات فيه لقاء الكوكبين محتومًا وكادا يصطدمان لولا أنهما توقفا عن السير في الوقت المناسب مُتجنبين بذلك كارثة لا مثيل لها.
وأطلّ من نافذتين وجهان طفوليان وسأل الواحد منهما الآخر مستفهمًا من يكون.
وكان جوابان تلقائيان ومختصران، “أنا الحرب” “وأنا السلم” كان الولدان ممسكين بمقاليد السلطة في عالمين مجهولين يكتنهان اسراراً بعيدة المنال. ان هذان السيدان بالغي السرور فهما في عمرٍ يرغب فيه المرءُ باقامة الصداقات.
صوت “السلام” العذب كان ذا رنينٍ موسيقيٍّ، فبعدَ أن ألقى هذا الحبيب الأشقر السلام على الآخر وعلى ثغره ابتسامة ملائكيّة، قال مُخاطبًا ايّاه: السلام، ليعمَّ السلام في بلادك أيها الصديق. فأجاب الحرب غاضبًا: أتتمنى لي السلم وأنا الحرب؟ أما علمت من أكون؟ ألست ترى اسلحتي الرهيفة البتارة التي تبيدُ الرجال؟ فبالرغم من صغر جسمي أنا مارد هائل.
أنا أيضاً صغير الجسم، قال السلمُ، لكنني عملاق عظيم ينير كوكبي العديدَ من الممالك وبقبلة واحدة استطيع أن أضرم الارض شموسًا من نار”.
عجبًا، أضاف الحرب، وهل أنت مثلي أيضاً لك سلطان على الأرض؟
أجل غير أن احلال السلم والمحافظة عليه عمل صعب مرهق!
أنا أتفهمك. أنت محق في ما تقول وأحلف لك بشرفي كملاك بأنني أضع نفسي في خدمتك، وبالقدرة الجهنمية التي أتمتع بها سأحقق مراميك. أنا أملك جميع الآلات الجهنمية التي أوجدت منذ ولادة الارض، ومثلها ما هو أكثر تطورًا، وهذا أمر يجهله أهل الأرض، وأنا سأعطيهم إياها مع مرور الأعوام، فأنا الموحي لهم بجميع آلاتهم، أرسل لهم الكوارث والنكبات. أنا أمسك بزمام الأمور على الارض منذ نشأتها ومسؤوليتي هي في مثل صعوبة مهمتك. أنا أراقب الأمور بنظري الخارق في اقطار الأرض الأربعة ولا يغيب عني ما يجري في اية قرية أو دسكرة مهما كانت صغيرة. أنا سبب جميع النزاعات والخصومات على الكوكب الأرضي، يضيف الحرب، وأنا سعيد بالمهمة التي أوكلت إليَّ، فهذا برأيي واجب وضرورة أن تكون ساهرًا على تكفير البشر عن ذنوبهم.
وفي معرض حديثه، ضغط “الحرب على زر مثبت في لوحة علميّة في مقرّه فانطلقت حزمة من النيران المتقدة وتفجرت في جهة من الأرض فابتهج الملاك الصغير في عالمه.
أنظر، هيا انظر! قال الحرب للسلم، باشارة بسيطة أطلقت عقال حربٍ كارثية في واحدة من قارات الأرض الخمسة، وباشارة من أصبعي الصغير استطيع أن أحلَّ الطقس الجميل أو الرديء! أنظر إلى الأسفل، ها هنا! أنظر كيف أن اسلحتي تصبح مشهورة وذات قيمة كبيرة. أنظر كيف هي وبرضىً مني راحت تنتقل من يد إلى يد حتى اجتاحت البلاد البلاد جميعًا. رؤوساء الدول يبنون نفوذهم وسيطرتهم على كميّات السلاح التي يمتلكونها وستكون أسلحتي سبب دمارهم هُم ذات يوم.
لقد اصبح الناس قساةً مُنحرفين وستلتهمهم نيران عالمي. أنا أرسل أوامري بواسطة الأزرار التي تطيعني، التي هي في خدمتي وتنفذ مشيئتي. لقد حباني الله بهذه القدرة، ومهما كنت صغيراً، فأنا بعضٌ من ويلات وكوارث الله.
أيها الصديق، أجاب “السلم” أنا أخشى قدرتك وسطوتك وليس من قبيل الصدفة أن نلتقي أنت وأنا! لكنك، وبالرغم من اختلافنا، تروق لي وافكارك تستحق الدراسة والتفكير. أنا السلم وقد حباني الله نعمة محبّة القريب غير أن رسالتي هي موضع سخرية، فغالباً ما تتلفظ الشفاه باسمي بشيء من الريبة وعليها ابتسامة ساخرة، وغالباً ما يطئني الناس باقدامهم فهم لم يتمكنوا بعد من فهم حقيقة ومعنى السلم. أنا مسرور جدًا للقائي بك.
أنا، أجاب الحرب، أنا أقدّر وأحترم مشاعرك النبيلة وطيبتك العظيمة، لكن أريد أن ألفت عنايتك إلى أنه إن لم يكن هناك حرب، لا يمكننا إدراك معنى محبَّة القريب، فالإنسان عامّة لا ينال الخير إن لم يتوسل القوة. يجب أن يخنق الإنسان جنبين الخبث والشر في داخله حتى يعود فيدرك ما خسره من هبات السماء منذ سقوطه الكبير المدوّي. لقد فسُدَ الإنسان وأنا مولج بتأديبه وتعليمه.
وما كاد الحرب ينهى جملته حتى دوّت صاعقة وتفجر صوت رعد ملأ السماء ومادت له الأرض. والتهب “الحرب” وتأجج شعره شفارًا من لهب راحت تسقط على الأرض فاعلة فعليها.
يا للبشر المساكين! قال “الحرب” أنا بطول ابهام اليد وأجعلهم يتصرفون تبعًا لمشيئتي وكأنهم أشخاص آليّون. أقول لأحدهم مُتْ فيموت وللآخر عد إلى الحياة فيحيا، ولهذا ليكن جرحك دائمًا فيصاب بجرح لا يندمل. أنا آمر ولا مناص من إطاعتي. ليتمحقَّ أيها الصلف الأرضي، فأنا من يسمح بالانتصار المبارك. الضباط تزدان صدورهم بالأوسمة لكنها زائلة، أنا قائد النصر الحقيقي العظيم!
أجل، أيها الحرب، أنت محقّ أجاب “السلم”.
أنا أسير في ركابك فأنت سيدي وأنت بذلك تحلَّني في مملكة جديدة، فلا أستطيع أن أكون مُستتبًّا دون اللجوء إلى القوة، فبدون الحرب لا وجود للسلم وأنا لا وجود لي بغير ذلك. فهيًّا أيها الحرب، أعِدّْ طريقي كما أعدَّ المعمدان طريق السيد المسيح. إمضِ وأنا اتبعك إلى كل مكان.
نحن كوكبان سابحان في فضاء الكون، اليد باليد، وعند إشارتك سأنشر غيمة بيضاء لتكون راية للسلم وهدية فجر جديد.
وسأتحول إلى يمامة نورانية، أحضن الأرض بجناحي وسأتخذ القوس قزح قوسًا لي أطلق به سهم المحبة في العالم. سأكون شجرة الاتحاد تمتدُّ أغصاني في كل مكان، وسأغرق ثماري على هذا النجم الجديد.
هكذا، وفي هذا اليوم، اتحدَّ الحرب والسلم وتعانقا في قبلة أبدية.
وتأتي العبقرية من لدن الله، ويولد من زمن إلى آخر كائنات خارقة على الأرض ممن خصتهم السماء بنعمٍ سماوية تبقى بعض الأحيان مُستترة. ويصبح بعض هذه الكائنات شهيراً بعد الممات، والى ذلك الحين تعيش مجهولة مهمَّشة وفي حالٍ من البؤس كبير، الا أنها تجد العزاء في رعايتها وتنميتها الفنون التي أخذت بها.
كانت شقراء، عيناها سوداوان شبيهتان بعيون المهى تضفيان عليها مسحة من اللطافة والنعومة، إلى فم صغير بنعومته العذبة ووجنتين أخذتا من الورود لونهما” وانتعشنا بعذوبتها ونضارتها، وغطى شعرها الطويل كتفيها وقامتها فغدت أشبه ما تكون بحورية تجسّدت من عالم ٍعلويٍّ سام.
بالرغم من كونها فتيةً وجميلةً، فقد كانت تعيش وحيدة فهي يتيمة فقيرة محبَّة للوحدة. غير أن لها عشقين الشمس والموسيقى اللتين كانتا تستأثران بكامل وقتها.
كانت ماهرة، ساحرة في فن الموسيقى، تحوّل بعبقريتها أي صوت من اصوات الطبيعة مهما كان ضئيلاً غلى نغمٍ جميل، إلى سمفونية، ولست أعلم ماذا غير ذلك. تداعب بأناملها أوتار أية آلة موسيقية، ومن يسمع موسيقاها يخال نفسه في الفردوس يحفّ به نسيم عذب. كان هذا سرَّ الغابة الذي يناديك أحيانًا آناء الليل، صدى مغارة خيالية يدندن بغموض، عدا عن الشلالات الجبلية التي تروي اسفارها، وأجمل من ذلك أحاديث الأشجار مع الطيور وزئير العاصفة وهدير الأعصار.
راحت الفتاة تفسر كل هذه الجمالات وتتحدَّث عنها بسحرٍ أخَّاذٍ لا أحد يجاريها في ذلك، حتى لا نكاد نميّز بينها وبين الطبيعة. هل هي ربّة وحيٍ من سلالة أورفيه؟ عشقها الثاني هو الشمس. الشمس التي تسكب ذهبها على الأرض شلالاً ما هو سوى أعجوبة تجترح كل يوم.
هل كان أبولون، إله الفنون واله الشمس، يزكي هذا العشق؟ أم أن حبَّ الفتاة لهذا النجم الساحر هو حبّ ولد عندها مع الحياة؟ إنهما حقاً سببان وجيهان، كلاهما صحيح، فالشمس هي مسقط راسها.
كانت الفتاة تستلقي على العشب الأخضر أو على تلال الرمل، يُداعب النسيم خصل شعرها المُتناثرة، وهي تمتّع نفسها بمنظر الشمس وهي ذاهبة إلى مغيبها عند الأفق أو بجلالها عند الشروق.
كم كانت ترغب برؤية أبولون وهو يجوب الآفاق بمركبته النورانية! غير أن هذا الإله كان خفيًّا عن الأنظار، غير أنه لم يكن خلال اسفاره ليشيح بأنظاره عنها بل كأله كان يقرأ أفكارها.
كانت تتخيل نفسها سابحة في الفضاء، إلى هذا العالم الساحر تعيش فيه بعيدًا عن شقاء الأرض، مُستبدلة ثوبها الرث القذر بلباسٍ نُسج من خيوط الشمس، وتتخيّل أنها بلغت ذلك الكوكب وتنظم انشودة ظفر تكريمًا له.
كان البؤس والفقر يتأكلان وجود هذه الموسيقية الجميلة، فقد انطفأت الأحلام على هذه الأرض. لكن لا! فذات يوم، اصبح الحلم حقيقة. فقد رثت الشمس لحالها ورقت لهذه الطفلة الجميلة ورأت أن تعود بها إلى موطنها الأصلي.
ألبستها ثوبًا كثوب أميرة، ولغتها بغيمة وردية ووهبتها جناحي ملاك ارتقت بهما شعاعًا من أشعة الشمس المقدسة.
وراحت خطواتها على هذا الشعاع النيّر توقع جملاً موسيقية تحاكي السحر بجمالها، وراح يتكون تحت قدميها الخفيفتين نشيد متوهج. هكذا كان دخولها إلى عالم هذا الكوكب بابتهالٍ احتفالي حار.
وتداعى جميع قاطني هذا العالم المقدَّس لتقديم واجب التكريم والاحترام لاختهم الصغيرة ولمشاركتها نشيدها.
دامت عبقرية هذه الصبية وأعمالها على الأرض زمنًا غير مديد وما برحت حتى أخذها النسيان في طياته. فقد ارتحلت من على الأرض نحو شمس أحلامها، فلا أحد على هذه الأرض كان يستأهل أن يتمتع بسماع ألحانها فقد كانت غاية في الجمال والإبداع ولا قدرة لأهل الأرض على استيعابها إذ أنها تنتمي إلى عالم روحي غيرهذه الأرض الحزينة.
وأضحت الفتاة تنعم في عالمها العلوي بغبطةٍ لا متناهية.
أنا حزينة هذا المساء ويأخذ بي الضيق. سأحدث صديقتي الطبيعة عن ضجري وتعبي. ها أنا أسير الهوينا أتمتّع بجمال لحظة المغيب، غير أنه يحتجب من أمام ناظري قبل أوانه. واقترب من الأشجار أسمع حفيف أوراقها فإذا بها صامتة. الشلالات والأنهار هدأت، توقفت عن المسيل لئلاّ تعكّر صفو هدوء الكون. وأتوغل أكثر بين أشجار الغابة. الغابة ساكنة تلفّها البرودة، لا تدبّ في أعطافها نسمة حياة. كل شيء صامت، الحيوان، النبات والمياه تتناغم في صمتها.
أين هي الغزلان، تقفز هنا وهناك على طريق عودتها إلى مبيتها؟ أين الماعز والخراف؟ ما لها لا تؤوب الى مُراحها عند المساء؟ أين عطر الصعتر والخلنج، ما به لا يضوّع كعادته يستقبل المساء؟
ورحت أسير، أدنو من المحيط فإذا مها بتة سكنت ولم يعد يأتي بأي حراك، ونسيم البحر المُنعش لا يهب لملاقاة نسيم الأرض المُحيي؟ فكلاهما لا وجود لهما! حتى الرياح العاصفة عزفت عن الهبوب من الأفق البعيد. الطبيعة بمجملها يلفها السكون فنفسُها مُحتجبة عن هذا العالم، إنه دون حياة.
تملّكني شعور بالشؤون أثار أحزاني. حتى صديقتي المُفضلة، الطبيعة، موضع اعجابي وحبّي، فقد تخلّت عني. ترى، أهذا عِقاب؟ فالله يحرمنا أحيانًا أجملَ واحبَّ الأشياء إلينا.
استلقيت على رمال الشاطئ يلفني حزنٌ مرير، لعلّي أستطيع التفكير قليلاً فأطبق جفوني نعاس ثقيل، ورحت كما في حلم، وتخيلت نفسي على متن عربة صيغت من الغيوم راحت ترتفع بي في الفضاء وكلما ارتفعت في الفضاء كانت الغيوم تصبح مُنيرة حتى تغدو متوهجة، وسمعت صوتًا أدخل الطمأنينة إلى قلبي وأزال القلق الذي اعتراني. سمعته يقول لي:
عالمك نائم اليوم كيما يشارك في عيدٍ للموسيقى. فكل نوعٍ من الأزهار والنبات، من الطيور والبهائم ملأ بالهدايا عربات لا عد لها، فكل شيء في الطبيعة في ارتحال: رياح الأرض الأربعة تعانقت وسارعت إلى الحفل، البحار والمُحيطات جعلت أمواجها تتراقص، نجوم الفلك تتوهج بكامل ضيائها، الصخور والأحجار والحصى تندفع فرحة مبتهجة فقد حان العيد وانفتحت بوابة الفردوس لنلجه جميعنا كل بدوره.
المحيطات والبحار والمياه تألقت بدخولها فأبهجت العالم بسمفونياتها، الشلالات جعلت مياهها تتساقط أغانٍ، الزهور ترقص معانقة النسمات وتنتشر زغردات عطرة النغمات. رفيف أجنحة الفراس يلامس أذنيّ، أجنحتها الفرحة ترتعش في زرقة السماء، وفي الأشجار تزغرد الطيور نغماتها الساحرة فتبلل حناجرها ومناقيدها رشّة من الأكسير العطر النَّدي.
اليوم تُوِّجت الموسيقى ملكة، فالطبيعة توّقع على بيانها كل نغماتها. إني أسمع أجمل السمفونيات التي وضعتها الطبيعة رمز العبقرية. السماء مبتهجة، ملائكتها ملأت سلالها من جمالات الموسيقى التي راحت تأخذ لنفسها شكل نجوم صغيرة لكي تبقى خالدة حتى الأبد. ألوف سلال موسيقى تتدلى من غصون الأشجار كأنها ثمار ثمينة.
وكما في حلمٍ، الجميع يصغون وأنوار الشموس تشع على وجوههم، وجاءت الأقمار والنجوم جاءت كذلك لتستمع لهذا الحفل الموسيقي الرائع والعيون تزرف دموع التأثر. ولكي يتوّج هذا العيد وقع أورفيوس نشيد النصر على قيثارة، وأطلق أبولون ملك هذا العالم معزوفة اهداها إلى الشمس، عربته. إنه جوق رائع لا ينساه كل من سمعه.
وبكثير من الأسى سلكت أنا والطبيعة درب الرجوع بعد أن تمتعنا بهذا العيد الفردوسي. أدرت عينيَّ مرة أخيرة نحو هذه الأماكن الساحرة. رأيت جمعًا من الملائكة تتقبل سلام النجوم، فموسيقاها وبخورها سيرتفعان نحو الإله المُبدع. وعدتُ فارتميت من جديد في عالمنا غير أني أصبحت شديدة اليقظة الآن.
حكايات زينة
حكاياتٌ فريدة في رؤية فكريَّة مُذهلة، ترى فيها أصلُ الأشياء الكامنة في ذاكرة الزَّمن السحيق، هي مُختبرلٌ سرديٌّ يربط مصير الأشياء بجذورها.
أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.
الدكتور داهش








