قصصُ غازي

قصصٌ بأقلامٍ مُختلفة تُكتب بمداد الاختيار والمسؤوليَّة الذاتيَّة ، تُعبِّرُ عن فصولٍ مُتتالية في رحلة التطوُّر الرُّوحيّ. يجمع بينها الإيمان.

بوَّابة المعرفة
  •  1 –عاشقُ الحقّ والمعرفة
  • 2 – دروب النَّار والنُّور
  • قصَّة تقمُّص
  • رحلة النجاة العجيبة

قصصٌ وحكايات

دروب النَّار والنُّور

حازت الجائزة الدولية الإسبانية العربية للرواية عام 1985، وهي تنشر للمرة الأولى

                                                                                      د. غازي براكس

الينابيع تتفجر أنهارًا، والأنهار تتلاقى في البحار، وإذا السَّحابُ ينعقد، والأمطار تنهمر، والينابيع تتجدَّد… إنها دورةُ الطبيعة، بل دورةُ الحياة نفسها؛ فغيرُ عجيبٍ أن يُعيد التاريخ نفسه.

أحداثُ العالم المعاصر مرَّت أشباهُها في العصور الآفلة: الحرية مُنحةٌ إلهيَّة؛ لكنها بقدر ما تكتسبُ أبعادًا جديدةً وبالتالي انتصارات، بقدر ما يُساءُ استعمالها، فتصاب بنكسات. والدين نعمةٌ سماوية؛ يطلقه الأنبياءُ والهُداةُ ليحرّر نفوس البشر من عبودياتها الداخلية؛ لكن متى يسخَّر للأغراض الدنيوية والمصالح الشخصية أو الطائفية، يصبح نير عبودية جديدة تنوء به رقابُ “المؤمنين”. والعقل هبة روحيَّة؛ فهو يشقّ دروب الهداية المنطقية والتقدّم العلميّ أمام البشر؛ لكن متى داخلهُ الغرور والتجبُّر أو التحيُّز والتعصُّب تعكّر صفاء رؤيته، فوهنت سلطته، وضعفت أحكامه، واختلطت في عيون الناس سُبل الخير والنجاة بسُبُل الشرِّ والخطر.

هذه الحقائق التي امتحنها التاريخ تنطوي هذه الرواية على أقباس منها. إنها صورةُ الحاضر الحائر المأساوي في العالم عبر مرآة الماضي. ولا ريب بأن هذا العصر، ككثير من العصور السالفة، ظهر فيه مُفكرون مُستنيرون واعون قضايا مجتماتهم، تتوهّج في ضمائرهم إرادة الإصلاح، ولكن هل بوسع المفكّر ان يُصلح غيره إذا لم يكن هو صالحًا؟

وهل بإمكان العلم والفلسفة وحدهما، بمعزلٍ عن الدين، أن يصلحا نفوس البشر؟

والدين هل بإمكانه أن يبقى خميرةً روحيةً للإصلاح والصلاح، إذا التزم نظرةً ضيقة معادية لسائر الأديان؟ ثم هذا الحبّ الذي تتَّسع اندياحات فنونه وجنونه… ما هو؟ وما قدرته ومصيره، إذ تحوَّل إلى مجرّد شهوة؟ والموتُ، هذا الشبح المجهول المروّع المعشّش في هواجس الإنسان، تُرى، ما حقيقته؟ وما وراءه؟ والإنسان، هل يكون حقًا سيّد الأرضِ والكائنات؟

هذه الأسئلة وسواها عمدتْ هذه الرواية إلى طرح أجوبة عنها ارتدَت الثوب القصصيّ. وقد جعلتُ بطلها ابن طفيل، الفيلسوف العربي الأندلسي الذي عاش في القرن الثاني عشر للميلاد، وشئت حبكتها أقرب إلى قماشة الحياة يتناوب الواقع والخيال على نسجها، كما المأساوية والفكاهة. أما السلك الفنّي الذي انتظم أحداث هذه القصة من بدايتها حتى نهايتها فهو خيط روحيّ مدَّته يد العدالة الإلهيَّة.

فأملي أن يكون فيها متعةٌ وفائدةٌ لقرائها.

                                                                                                بيروت 20/10/1985

 

دروب النار والنور

نسر يهوي

نهرُ التاريخ كان يهدُرُ، عهد ذاك، فوق بقعتين من أرض العرب وأرض الإفرنج. كانت أمواجه تحفر عميقًا في قلب الحياة، تطمسُ أجيالاً ووجوهًا وأسماء، وتُبرزُ أخرى.

          كجناحي طائرٍ هِيضا مرارًا، كان المغرب العربي والأندلُس. الطائرُ في آلامٍ مُستمرةٍ كأنَّها آلامُ النزاع؛ لكن شعلة الحياة فيه لن تنطفئ. هو كالفينيق، يموتُ ليُبعثَ مجددًا من رماده.

          مراكش، تلمسان، وهران وسائرُ القرى والمدنِ والبوادي كانت أرضها تغلي تحت أقدام جيوش الموحِّدين. مُسلمون مُؤمنون بربٍّ واحدٍ للعالمين يقتتلون على الجنَّة باسم الدين، يتصارعون على وراثةِ الأرض، وهم والأرضُ من ماء وطين.

          ألمرية، إشبيلية، غرناطة، قُرطبة، قرمونة وسواها من مدن الأندلس وقراها كان جوُّها يَمور، وترابُها كالبركان يفورُ تحت أقدام المسلمين المتنازعين وأمراء المسيحيين الإفرنج الطامعين. السلطةُ المركزية رأوا صرحها يتصدَّع، فأخذوا يغيرون على أطراف الإمارات، يقرضون منها ما تقوى عليه أنيابهم. ومتى وهنَ الجسمُ أغارت عليه الجراثيم.

          سنةٌ كاملةٌ وتلمسان محاصرة. في داخلها جيشُ المرابطين بقيادة تاشفين بن علي يردُّ عنها زحف الموت بالموت، وحول أسوارها جيشُ الموحدين بقيادة مؤمن بن علي، يكرِّر عليها هجماته العنيدة الضارية دونما هوادة، وسكانُ المدينة بين الجيشين المُتصادمين كالقمح يُطحن بين حجري رحى. وبين ليلةٍ وضحاها سينقلبون كقطعان الماشية من يدِ جزَّارٍ إلى يدِ جزَّار، لا حول لهم ولا طول.

          اثنا عشر شهرًا مضت… وإذا الأسوارُ تنهارُ أمام ضربات الموحِّدين ومجانيقهم. فاندفعت سيولُ الفاتحين تهدُرُ كالأنهار في الشوارع، وتعرج على البيوت، تقتلُ وتحرقُ، والنساءُ المفجوعاتُ الهارباتُ يمزِّقُ صراخهن الفضاء، وأكفهن مرفوعة تسترحم ربّ السماء، والسيوف تطيح بالرقاب، والرماح تخرق الظهور بعد أن تبقر البطون، وكأن القيامة قامت، وساعة البعث حانت! الصبح استحال من دخان الحرائق ليلاً، والوجوه كأنَّها وجوه الأموات وقد بُعثِت من القبور في يوم النشور!

          وإذا بفارسٍ مُلثَّم يخرج من بين الركام، كشبحٍ من الأموات تهبُّ فيه الحياة في دياميس القبر، فينفض عنه طبقات التراب بسرعةٍ وقوة، ويثب إلى صهوة جواده، ويغذ العدو، يتبعه ثلاثةُ فرسان.

          من المجزرة الرهيبة نجا، وأخذ يعدو في ممرات ضيقةٍ تتعرّج صعودًا وهبوطًا في الجبال الرقشاء التي كانت تتراءى سفوحها البعيدة، وقد بدأت طلائع الأشعة تجلي عنها فلول الظلام، كأنها قطعان من الفهود الراقضة، تسمح للجواد السريع بالعدو بينها دون أن تُبدي حراكًا.

          كان الجواد يعدو والأرض تدور حتى حلَّ المساء. اجتاز الفارس الملثَّم ورفاقه جانبًا من الهضاب العليا، وبدأ ينحدر إلى التلال. وما إن وصل إلى ربوةٍ تشرف على البحر، حتى وقف والتفت وراءه، فإذا الهضاب الشامخة التي خلَّقها تتبدَّى في بداية الغَلَسِ كأنها وجوه عمالقةٍ مجدرةٍ  متجهِّمة.

          ثم نظر إلى البعيد، شطر البحر، قائلاً لرفاقه:

          “هي ذي وهران في البعيد، وبعدها في أقصى الشفق، وراء الأزرق الموَّاج… ألمَرية. من هناك سيطلّ الأمل، من هناك سيأتي الأسطول الذي استدعيته إلى وهران. ومع الأسطول سننتقل إلى الأندلس. سقطت تلمسان؛ لكن دولة المرابطين لم تسقط. بإرادتنا سنُعيد بناءها. وألمَرية ستكون قلعتنا، ومنطلقنا الجديد إلى النصر الجديد. هيا نسرع قبل أن يدهمنا الظَّلام”.

          وأغذَّ السير في منعرجات التلال المُنتصبة على جوانب وادٍ عميق انتصاب جبابرة تحرس هوَّة الجحيم.

          أخذ الظلام تتدافع كتائبه، وتشتدّ وطأته، والليلُ تتناسلُ أشباحه ومخاوفه. وإذا بالجواد الحامل الفارس الملثَّم العنيد يكبو، وتزلّ قوائمه، فيسقط في البحر من شاهق، كأنه نسر أسطوري قنصته يد إلهيَّة خفية، فتهاوى بعد أن خذلته قوَّته.

          راح يهوي ومعه تهوي آمالُ فارسه تاشفين بن علي، أمير المرابطين، وقد تشبثت رجلاه بخاصرتي جواده، وتشبثت يداه بناصيته تشبث الغريق بخشبة الخلاص… لكن الأقدار لفظت حُكمها. راح يهوي… ويهوي… دائرًا على نفسه في الفضاء، حتى ارتطم مع جواده. بمياه البحر ارتطامًا مدويًا؛ فابتلعتهُ اللجّة، وقدَّمته طعامًا جديدًا في وليمتها الأبدية التي تقيمها، منذ البدء، للأسماك والحيتان.

          نزل الفرسانُ الثلاثة عن صهواتِ جيادهم ذاهلين، وإلى حيث هوى أميرهم أخذوا يحدِّقون مرعوبين مشدوهين، كأنما يريدون بنظراتهم استرجاع الأمل المتواري!… ثم انتصبوا، وقد لفَّتهم عباءة المساء، كأعمدةٍ من الضباب جمَّدها الرعب والصقيع فجأةً! صامتين مرهقين كانوا يحدجون الشمس الغاربة في الأفق القصي، وقد ضرجتها الحمرة وطوَّقتها فلذ متجهّمة من الغمام الرصاصي، فبدت كصريعٍ نازفٍ يتمرّغ متخبَّطًا بدمائه.

          السكينة الرهيبة قطعها كبير الفرسان قائلاً:

  • دولةُ المرابطين تهوي من حالقِ بهويِّكَ، يا ابن علي. الله أكبر.

فردَّ الآخران:

  • الله أكبر، الله أكبر. رحمة الله عليك.

وتابع كبيرُ الفرسان.

  • البشرُ يطمحون… فيخطِّطون، ويريدون… ويريدُ الله… فينهار كل ما بنوا وما أرادوا. (وما تشاؤون إلا أن يشاءً الله رب العالمين).
  • صدق الله العظيم.

كان ذلك في ليلةٍ من ليالي الخريف الباردة سنة 1145م/ 539هـ.

 

 

العقل والقلب

بعد سقوط تلمسان، توالت الضربات عاصفةً قاصفةً على المدن والقرى التي كانت ما تزال تحت سيطرة المرابطين؛ فانهارت واحدة إثر أخرى، في طول المغرب وعرضه، على شاطئ البحر الأبيض وفي الداخل. تحت المجانيق وعصف النار، تهاوت أبراجها وحصونها تهاوي بيوت الرمل في مهبِّ الإعصار!

ما مضى عامان على سقوط نسر المرابطين حتى وقف أمير الموحِّدين، عبد المؤمن بن علي، على ساحل وهران، وجهه إلى الأندلس، ووراءه جيشٌ عرمرمٌ تلتمع أسلحته تحت أشعة الشمس، فتتماوج كتائبه على الشاطئ كأنها بحر يتأهّب لأن يصبَّ في بحر! قال الأمير لابنه يوسف وقد وقف بجانبه:

– يا أبا يعقوب، أنت صورتي، ومرآةُ عزتي. محبَّا للفكر والأدب أعرفك؛ كن محبًا أيضًا للمجد والبطولة، حتى يعزَّ الدينُ بك، وتنتصر فكرة التوحيد. سنتّجه بهذا الأسطول إلى الأندلس، لنعيد توحيدها تحت راية الدين الحنيف؛ وقريبًا، إن شاء الله، سأتبعكَ بجيشٍ ثان فثالث. سِرْ على بركةِ الله.

          عانق أبو يعقوب والده، ثم أمر كتائبه بالنزول إلى الأسطول الذي كانت قطعة جاثمة قبالة الشاطئ. فانبرت تتدفَّق إلى البحر تدفّق بحيرةٍ عُظمى انفجر سدُّها فجأةً. كان ذلك في صبيحة يومٍ من أيام محرم سنة 541هـ/1147م.

          كان أبو يعقوب في العقد الرابع من عمره، رَبْعَ القامة، أحور العينين، أنجلَ، يخطو برزانةٍ، ويأمرُ بنبرةٍ مُفعمةٍ بالقوة، خالية من العنجهية التي تلازمُ أكثر القادة. مُقلتاه تلتمع فيهما بروق عميقة كأنها صور لمطامحه البعيدة. والابتسامة تُومِضُ على شفتيه، من حين إلى آخر، وميض برقٍ لا تدري أهو بشير لغيث هطّال مبارك أم نذير لرعد قاصفٍ عاصف.

          مضى الأسطول ماخرًا في اليمّ… ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأ حصارةُ لجزيرة طريف، ثم للجميرة الخضراء. وإذا بغرب الأندلس كلّه يتساقط، قريةٌ بعد أخرى، في أيدي الموحِّدين. وبين المدن الهاوية كانت إشبيليه.

          تناهتْ أنباء الفتح إلى مراكش، ومنها وردت رسالةٌ من أمير المؤمنين، مؤمن بن علي، تُعلن تنصيب ابنه يعقوب أميرًا على إشبيلية.

                                                          ***

          كان الأمير أبو يعقوب بعيد الهمّة، شغوفًا بالسيطرة، يحبّ الدنيا وعزَّتها كما يحبّ العلم ومجده. فتوزع همّه على ترسيخ سلطته، وإشاعة الاستقرار في إمارته، ودفع أذى الطامعين عنها، كما على إحاطة نفسه بأهل الفكر والأدب ليروي ظمأهُ إلى المعرفة.

          وأبرز رجال العلم والأدب في بلاطه، محمد أبو بكر ابنُ طفيل. كهل في العقد الخامس من عمره، وسيم الوجه، ترتاح العيون إليه كما إلى مرجةٍ منوّرة؛ عميقُ النظرة، تخالهُ يستنبشُ نفسك؛ رزينُ الخطى والإشارات، كأن حركاته محمّلة بالمعاني السرية، فلا يبوح بها إلا حييا حذرًا. إن تحدّث، غذّى النفس والعقل، وأطرب السمع؛ فكأن سامعيه انبسطت أمامهم جنّة فيحاء، فيها من كل غرّيد، ومن كل ما يتفتح زهرًا ويعقد ثمرًا.

          هذه الصفات المستحبَّة في ابن طفيل، فضلاً عن شهرته في الطبابة والفلك والفلسفة، دفعت أبا يعقوب إلى استخلاصه لنفسه صديقًا وجليسًا ونصيحًا.

          مع كرور الأيام، كانت تزدادُ هموم الحكم، فيزدادُ الأمير اعتمادًا على صديقه، وارتياحًا إلى آرائه؛ لا سيَّما أنه اتّخذه نديمه الخاص، يفضي إليه بأسراره، وجعله طبيب أسرته، يعالج أفرادها ويرعى صحتهم.

          ما إن مضت بضع سنوات، حتى دانت معظم مدن الأندلس للموحِّدين، فسلّم المرابطون غرناطة إليهم صلحًا. وفتحت ألمَرية. وأجبر ابن مردنيس وألفونسو السابع، ملك قشتالة، على التراجع عن غرناطة. ثم بُنيت قاعدةٌ حربية على جبل طارق كانت محطة لجيوش الموحِّدين، ينطلقون منها إلى تأديب العُصاة والمارقين، وإتمام بسط سيطرتهم على الأندلس.

          في هذا الجو الحربي غير المستقر، كان ابن طفيل يتردَّد من وادي آش قرب غرناطة، حيث ولد، إلى بلاط إشبيلية، ويطيل جلساته، ويكثر اختلاطه مع أفراد أسرة أبي يعقوب، وبينهم شقيقةُ الأمير (فتنة) التي اجتذبتها طبيعة الأندلس، فآثرت العيش فيها إلى جانب أخيها.

          كانت فتنة في أواخر العقد الثاني من عمرها، مشيقة القوام، خضراء العينين، أسيلة الخدين، ترخي شعرها الأصهب المغدودِنُ متماوجًا على كتفيها، فيخالُ الناظر إليها أنه يسمعُ من حواليها نداءاتٍ خافتةً مثقَّلة بأشذاء الأنوثة والإغراء. من شفتيها تتحلَّب الشهوة حلاوة خفية، ومن عينيها تتقطَّر خمرة معتقة تسكر من غير أن تذاق، حتى كأنما الحياة كأسٌ تودّ فتنة أن تذوب فيه إكسيرًا ترشفه كل شفة.

          حرية الفكر… شعارٌ رفعه الموحِّدون في حملتهم على المرابطين المتزمتين في تفسير الدين، وطالما ردَّدوهُ وحاربوا من أجله، حتى انطلق، في عهدهم، مارد الفكر الحرّ من قمقمه. هذا الشعار كانت فتنة تستقوي به، وتستمدّ منه معنى الحرية في السلوك، فتكثر من السفور أمام رواد البلاط.

          على أن رغبة الحبّ التي كانت تستعر في نفسها وجدت في ابن طفيل هدفًا مباشرًا لها، فكأنها جدول حنين وجد في فيلسوف الأندلس مصبًا رئيسيًا. فكانت تلجأ إلى مختلف الحيل حتى تراه، إذ كانت تجتذبها فيه وسامته، ورقّة حديثه، وريحٌ رجولية تهبّ من حركاته، بقدر ما تجتذبها سعةُ معرفته، واحترام أخيها الأمير لشخصه.

          فطلبت إلى أخيها أن يأذن لها بأن تشارك أولاده في حضور الجلسات التي كان ابن طفيل يمدّهم فيها بالمبادئ الضرورية في الدين والآداب؛ فلم يمانع.

          في ساعات الثقافة تلك، ما إن يمضي بضعُ دقائق على إصغاء فتنة إلى صوت معلّمها الساحر، والرنو إلى وجهه الصبيح، حتى تلفّها ضبابة من الذهول والنشوة، فتروح تسبح في عينيه وقسمات وجهه، ولا يردّها من سكرة أحلامها العسلية الشاردة إلا نداءُ ابن طفيل لها.

          كان الأمير يعقد، من حين إلى آخر، محافل أدبية خاصة، يُدعى إليها ابن طفيل، فتحضرها شقيقته، متذرّعة بشغفها الشديد المزعوم بالفكر والأدب.

          ولم يكن فيلسوفُ الأندلس ليضن عليها، أحيانًا، بنظرات طويلة كانت هي تستخلص منها المعاني التي تريدها، بينما لا يحملها هو إلا رغبة تملّي الجمال في وجهها، فيحدّق إليه مليًا، كأنما يتيهُ في سكرةٍ روحية! ولم يكن رنوهُ إلى محاسن وجهها يختلف عن رنوه إلى جميلة فتانةٍ إلا بأنه يدرك أن وجهها موصول بقلب حساس ستزداد خفاقته، فيزداد سرور الفيلسوف لقدرته على التأثير في نبضاته.

          مرت بضعة أشهر على تعرف فتنة إلى ابن طفيل، وهي ترتقب منه أن يصارحها باهتمامه بها، على الأقل، كما هي تهتمّ به. كانت تنتظر أن يقول لها: “سأبوح لك بسرٍّ دفين”، كما هي تبوح عيناها بسرّها كلما التقتا عينيه. لكن انتظارها كان انتظار الأرض العطشى للبرق الخلَّب.

مع ذلك ظلّت تعتقد أن العواطف المشبوبة فيها لا بدّ من أن يكون لها توائم ولدت في نفسه أيضًا. وإلا ما معنى رنواته تلك؟ وما معنى نبراته الرقيقة الحنون إذ يخاطبها؟ لا، لا تريد أن تعتقد أنها، في ذروة أوامها، إنما تنظر إلى سراب! إنه، لا شكَّ، يحبّها، وينتظر الفرصة المؤاتية لإعلانها شعوره.

          كانت عواطف فتنة قد سلختها عن محيطها الهائج هيجان بحرٍ ثائر الأثباج، وصاغت من أحلامها وأمانيها الذهبية جزيرة سحرية تعيش فيها تناغي الأطيار، وتحاكي الأزهار، كأنَّها في جنَّةِ عدْن! هي حواء الجنّة ومليكتُها، وآدمُها ابن طفيل.

          وكثيرًا ما كانت تُرى، في الليالي القمراء، تتنزه في حديقة البلاط، ترنو إلى البدر السابح في محيط اللانهاية، فترى وجه ابن طفيل قد توحّد بوجهه، فتناجيه وتسامره، ولا توقظها من سكرتها إلا يد جاريتها، حبابة، تنبهها إلى أن الهزيع الثاني من الليل يوشكُ أن يولي.

          كان كثيرون من زوار البلاط والمقيمون فيه من الرجال قد استرعت انتباههم النظرات المُتبادلة بين فتنة وأمير قلبها، فحسدوا ابن طفيل في سرّهم، وتمنّوا أن يكونوا محلّه؛ لكنهم لم يكونوا يجرؤون على التصريح بخوالجهم ولواعجهم رهبةً من الأمير، وظنّا أنه راضٍ بما يجري.

          كان أحسَّن يكبرُ شقيقة الأمير ببضع سنوات مكتنز الجسم، صارخ الرجولة، صارم الوجه، بحزم شديدٍ وعنجهيةٍ يصدر أوامره. وكان كلما لاحظ أن فتنة تراقبه، زاد من تحركاته وإصدار أوامره ليجتذب انتباهها أكثر.

          إن حبَّ فتنة لابن طفيل كان ما يزال محصورًا في الدرجات الأولى من معراج الحبّ، درجات الشهوة الحسيّة التي لا تفرق بين رجل وآخر إلا بقدر الجاذبية التي في وجهه، ونداء الرجولة في جسده، وهالة الشهرة التي تحيط به. وابن طفيل حظّة منها جميعًا كبير. يزاد إليها عنصر رابع لم تشعر به فتنة عند الآخرين، وهو عطفه عليها عندما يعالجها من مرض، أو يحاول إفهامها أمرًا من الأمور التي يعرضها أمامها. هذا العطف الأبوي كانت فتنة تفتقر إليه، وتحسّ بحاجةٍ إلى مثيلة، وتظنّ أن ابن طفيل خصَّها به. كان الفيلسوفُ الطبيب يمثل لها مثلها الأعلى الذي تجسّد في والدها، إذ كانت صغيرة، ثم انبرت تبحث عنه خارجه، عندما تجاوزت سنّ الرشد وأخذت الحياةُ تناديها مُطلةً عليها من عيون الرجال وزنودهم.

***

الفصل الثالث

النَّارُ والنُّور

          في مطلع محرم سنة 558هـ 163 م، غادر أبو يعقوب يوسف إمارته إلى مراكش عاصمة الدولة الموحِّدية، تاركًا حكم إشبيلية وأعمالها إلى أخيه أبي سعيد عثمان. لقد شعر عبد المؤمن، بعد معاناةٍ طويلةٍ لمرض عضال، أن الموت قد يستدعيه، فبادر إلى استدعاء ابنه، وعينهُ وليًا للعهد.

          في 10 جمادي الآخرة/ 15 مايو من السنة نفسها، توفي عبد المؤمن، فخلفه ابنه أبو يعقوب على الإمارة. لكنه لم يناد به خليفة، لأن خلافًا حادًا نشب بينه وبين إخوته ولا سيّما عبد الله وعلي.

          بيد أن المطامع الدنيوية المتنامية لم تصرف الأمير عن ولعةِ بالعلم والأدب، وعشقه لحرية الفكر. ولذا استدعى صديقه ابن طفيل إلى مراكش، ونصّبه وزيرًا له.

          كذلك انتقل إلى عاصمة الدولة حرس الأمير الخاص، وعلى رأسهم قائدهم (أحسن)، إذ كان الأمير يمحضه ثقته.

          ونزولاً عند رغبة أبي يعقوب، أقام ابنُ طفيل في البلاط، حتى يبقى قريبًا من سيّده، لا سيّما أن مهام الحكم تضاعفت، كما تكاثرت الاستشاراتُ الطبية من قبل أسرة الأمير، فكادت تكون يومية.

          أولُ عملٍ جليلٍ اضطلع به ابن طفيل كان إنشاءه في البلاط، بمساعدةِ الأمير، مكتبةً واسعة تضمن كنوز العلم والمعرفة في عصره، لا سيّما أن الأحوال السياسية والعسكرية في البلاد بدأت تستتب، وأمراء الإفرنج أخذوا يعقدون معاهدات الصلح والسلام مع أبي يعقوب، بعد أن تأكّد لهم بأسُ الموحِّدين، وعزمهم على صدِّ كلّ معتدٍ ودحره.

          ثلاث سنواتٍ تمضي على تسنّم أبي يعقوب عرش الإمارة، فتتسعُ دائرةُ سلطته، ويزدادُ حكمه رسوخًا. إلا أن خلافه مع أخويه عبد الله وعلي المُقيمين في الأندلس كان شوكةً في جانبه. ثلاث سنوات كان ابن طفيل، في أثنائها، قد رسم لنفسه ثلاثةَ أهدافٍ متكاملة: أولاً، أن يجعل من الأمير فيلسوفًا وحاكمًا فاضلاً؛ أفلم يكن الخلفاء الراشدون حكامًا فاضلين، يسوسون رعاياهم بالعدل كما يسوسون نفوسهم؟ فماذا لو اقترن الوحي بعملِ العقل معًا، فجمع أبو يعقوب في نفسه عمر وأفلاطون؟ ثانيًا، أن يجعل فتنة، شقيقة الأمير، تدرك أن الحرية سياجها القيم الروحية وأن الحبَّ الذي تشعله في نفسها نارًا آكلة، إنما هو شهواتٌ  حسيَّة طاغية، يجب أن تصعد بها حتى تنقلب النار نورًا. ثالثاً، أن يمضي في تهذيب نفسه حتى لا يبقى عالقًا فيها أيةُ أدران، وحتى يتجرَّد حبّه لفتنة من كلِّ أثرٍ للدخان.

          وذات يوم من سنة 561 هـ/ 1166م، أطلَّت فتنة من شرفةِ جناحها على حديقة القصر، فإذا الشمسُ تسحب آخر ذلاذلها من على وجه البحر، والعصافير تهبّ أسرابًا أسرابًا ثم تأوي إلى أعشاشها، حيث يرتاح كل ألفٍ إلى أليفته. وكانت أشذاءُ الأزاهير، في حديقة القصر الفيحاء، كأنما في مهرجان، تتراقص عرائسها حولها، ثم تغزو أنفها بلا استئذان. فهاجت نفسها، وراحت تحدّق إلى جناح ابن طفيل الذي يقابل جناحها في الطرف الآخر من الحديقة علها تلمح وجهه من إحدى النوافذ. فقد مرَّ يومان من غير أن تراه. وبعد أن أعياها طولُ النظر والانتظار، نزلت إلى الحديقة، ومشت في ممرٍ رصف بالبلاط الملوّن، وقام على حفافيه صفّان من الأشجار المنوّرة بالأزهار الحمراء، والمتعانقة أغصانها فوق الممرّ تعانق العشاق.

          دخلت إلى جناح أخيها، وكان في استراحة، وبين يديه أبو خَبل، مهرّج القصر، يضحكه. وكان هذا قصير القامة، نحيل الجسم، وسيم الوجه، أنجل العينين، خفيف الروح، ظريف الفكاهة، ذا دالّةٍ على الأمير وصحبه. وكأنما رأى أبو خبل، بحسٍّ فطري فيه، أشواق فتنة مصورةً في عينيها، فأخذ يجولُ في أرجاء الغرفة مستروحًا جهاتها الأربع، ثم سأل الأمير، بخبثٍ ودهاء، عن وزيره؛ فأجابَ الأميرُ أنهُ لم يرهُ منذُ الصباح. فاستحثّهُ أبو خَبَل على تفقده لعلّه مريض. فأظهرت فتنة رغبتها في أن تزور معلمها.

          سار الأميرُ، وبجانبه شقيقته، باتجاهِ جناح ابن طفيل. وأول ما عرجا عليه كان المكتبة. وإذا ابنُ طفيل واقفٌ بين كتبها المكدَّسة على المناضد، وعلى الرفوف، ينتقلُ من كتابٍ إلى آخر. ففاجأهُ الأمير بولوجه المكتبة وطرحه السلام عليه. فردَّ الفيلسوفُ السلام، ثم قال:

  • أهلاً ومرحبًا بمولاي أبي يعقوب، نصير الأدب والحكمة.

فقالت فتنة مُعاتبة:

  • ما للوزير يرحبُ بالأمير، ويغفل أُخته؟ ألا يرى فيها نصيرة الأدب؟
  • أعزَّ الله سيدتي فتنة. فهي الظرف عينه والأدب.

في هذه الأثناء كان أبو خَيل يمدُّ رأسهُ من البابِ مُتلصصًا، مُستروحًا.

قالت فتنة:

  • الله درّك يا أبا بكر! تصرفُ شؤون الوزارة، وترعى الفلسفة في ديارنا، وتشرف على الطبابة في بلاطنا. فلأنتَ ثلاثةُ رجالٍ في واحد!

وإذا أبو خبل يقفز بسرعةٍ إلى وسط الغرفة قائلاً:

  • أصبته على اليأفوخ، يا سيدتي. ألا ترينه شاخ وما تزوج؟ أيةُ امرأةٍ تطيقُ الزواج بثلاثة رجالٍ معًا؟ فأنا نصفُ رجلٍ، ولا تستطيع امرأتي حَمْلي!

فيضحكُ الأميرُ وأُختُه، بينما يعبسُ ابنُ طُفَيل. ثم يسأل الأميرُ المُهرجَ:

  • لكن، كيف دخلت بلا استئذان، يا أبا خَبل؟
  • وكيف يصحّ أن ألقبَ بأبي خَبل، إذا تصرّفتُ تصرّفَ أبي عقل؟
  • يقولُ هذا مشيرًا إلى ابن طفيل. فيضحك الأمير ضحكةً خفيفةً، ثم يترصَّن قائلاً:
  • كفاك مزاح. نحن في حرم الجدّ والحكمة.

فيجيبه أبو خَبَل:

  • أو يُفْصَل الهزلُ عن الجدَّ في الحياة، والحكمةُ عن الجنون؟ أثمّةَ نهارٌ بلا لَيل، يا مولاي؟

فيقولُ الأميرُ مُخاطبًا ابنَ طُفَيل:

  • هذا المُهرِّجُ يبدو لي أحيانًا وكأنَّ له رأسًا!

فيضحكُ ابنُ طُفَيل، ويُقَطِّبُ المُهَرِّجُ ما بين حاجبَيه مُتظاهِرًا بالبرطمة، ثم يتنحّى في زاويةٍ من المكتبة. أما الأميرُ فيقعدُ على إحدى الأَرائك، وإلى جانبه أختُه، ثم يشيرُ إلى ابنِ طُفَيل أن يُجالسَهُ، قائلاً له:

  • هاتِ ما عندَكَ من كُنوزِ علمك الجديدة.
  • العلمُ، أيها الأميرُ، من فيضِ الله – عزَّ وجلّ – وفضله. وما نحن إلا مسارج سريعةُ العطب يملأها من زيتِ حكمته، كما يشاء. فما يضيءُ السراجُ لحظاتٍ حتى ينفدَ الزيتُ وينطفئ اللهيب.

فتقولُ فتنة وقد تجمّعت أشواقها في عينيها:

  • لله ما ألطف عشرتك، يا أبا بكرّ! حكمةٌ في العقل، وحلاوةٌ في اللسان!

وإذا بتنهيدةٍ عميقةٍ تُسمَعُ آتيةً من أبي خبَل.

ويسأل الأمير وزيره:

  • أنبئني، وأنتَ طبيبُ الجسم، والخبيرُ بالنفس، ما علّةُ الاضطراب الذي يعتريني؟ كأن الصراع ليس بيني وبين الإفرنج، بل بين نفسي وبيني!
  • هو نزاعُ رغبات البدن مع رغبات الروح، صِراعُ الوَحشِ في الإنسان مع الإنسان.
  • ما تَعني؟
  • ألا يشعر الأمير بتناقض النزعات في نفسه؟
  • تناقض النزعات؟… أشعرُ كأن لي نفوسًا ثلاثاً: واحدة مشوقة إلى النساء والبنين، وثانية متعلِّقة بالمجد والمال، وثالثة تتوقُ إلى المعرفة والسكينة والزهد.
  • آدامَ الله الأمير حافظًا للدين، فهو يدري أن في كتاب الله العزيز: (المالُ والبنون زينةُ الحياة الدنيا، والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ ربكَ ثوابًا وخيرٌ أملاً).

فينهضُ الأمير مُنفعلاً قائلاً:

  • أتقصد أن أتخلّى عن المال والبنين لتطمئن نفسي؟

فينهض ابن طفيل بدوره، ويوضّح أنه قصد ألا يشغل المال والبنونُ الأمير أكثر من الله عز وجل.

فيعترض الأمير قائلاً:

  • أيمكنُ أن يبقى ذكرُهُ – سبحانه – على لسان السلطان، ليل نهار؟ وكيف يتسنى له، إذ ذاك، تصريف شؤون شعبه، وتدبير أمور العمران؟

وتنهض فتنة مُستدركة:

  • عدا تدبير أموره الخاصة.

تسمعُ نحنحة خبيثة آتية من ناحية أبي خَبَل. ثم يقول ابن طفيل:

  • أُوتِيَ الأميرُ من الحكمة ما يجعله يدرك أن المطلوب لي أن يلازم ذكر الله فمه، لكن أن يبقى الله حاضرًا في أعماله وأفكاره.

– وكيف ذلك؟

– في أن يشيعَ العدلَ في الرعية. أليس الله هو العدل؟\

– بلى.

– وفي أن يسعى وراء الحقّ وينشره في الناس. أليس سبحانه هو الحق؟

– صدقتَ، والله.

– وفي أن يجعل الخير سلطانًا على نفسه وعلى شعبه. أفليس تعالى هو الخير؟

– هو الصواب بعينه. لكن كيف نطمئن، والأعداء في الداخل والخارج يقضُّون مضاجعنا؟

– إذا كانت عدواتهم عداوةً للعدل والحقّ والخير، فمقاومتهم واجبة.

– يا أبا بكر، أنت أمير الحكمة في هذه الإمارة، وأنا أمير المسلمين. أنت تمثّل العقل، وأنا أمثل الدين. كلانا يكمل الآخر.

ترمق فتنة ابن طفيل بنظرةٍ طويلةٍ وهي تقول:

  • أحسنت، يا أخي، لأنت روضةُ الإمارة، وهو لها المطر.

وإذا أبو خَبل يتقدّم نحوهم مُسرعًا، قائلاً:

  • وسيدتي في الروضة فتنة الزهر والثمر.
  • فتجيبه بابتسامةٍ عريضةٍ قائلة:
  • إنك لشيطان ذكي.

وإذ يتمنّى الأمير أن يتحقّق حلمه، فينتقل علم ابن طفيل وحكمته إليه، يقول له ابن طفيل مشيرًا إلى رفوفِ الكتب:

  • ما عليكَ، يا سيدي، إلا أن تعاشر من أعاشر. وإذا أبو خَبل يتدخّل صائحًا:
  • وأمصيبتاه! ليس بينهم امرأة واحدة!

فيسكته الأمير؛ بينما يتناول ابن طفيل مجلداتٍ أربعة من على المنضدة تباعًا، قائلاً:

  • مَن لم يعاشر أساتذة الفكر البشريّ هؤلاء، لا يعرف معنى نور العقل: أفلاطون، أرسطو، الفارابي، ابن سينا.

فيجيبه الأمير:

  • لكني وجدتُ عباراتهم مغلقة، وأفكارهم كأنها المتاهات. لذا أريد منك أولاً، أن تسكب لي، بأسلوبٍ سهل مُشوّق، خلاصة الحكمة المشرقية، فأسرارها طالما استهوتني.
  • لكن يتعذّر تبسيط الفلسفة، أيها الأمير، فهي وقف على الخاصة دون العامة.
  • أريد أن أخالف المألوفَ، فأجعل من العلم والفلسفة خبزًا يوميًا يأكله شعبي. أريد أن أحقِّق حُلم الأجيال، فأنشئ مُجتمعًا عالميًا فاضلاً يؤمن أبناؤهُ بالدين والعقل معًا. يكتب الوحي وكتب العلم.
  • حقق الله حلم الأمير العظيم، وأعاننا على خدمته.
  • والآن استودعكُ الله.
  • في رعاية الله.

 

الفصل الرابع

الرهان الغريب

يخرجُ الأمير، تتبعه فتنة ملوِّحةً بيدها؛ فيشيعها ابن طفيل، ثم يعود إلى المكتبة. وإذا أبو خَبل جالسٌ القرفصاء يتأوَّهُ طويلاً… فيسأله ابنُ طفيل:

– ما بك، يا أحمق، تتأوهُ كأنك حُبلى في المخاض؟

فيجيبه وهو يضحك: “بي مصيبتان: امرأتي ستصبحُ فيلسوفة على يدِ الأمير، وأنا ابتليتُ بغرامٍ جديد”.

– كفّ عن الثرثرة.

– ثمارُ الروضة الشهية لا تُطيقُ البقاء على الأغصان، تودّ القفز إلى الأفواه لتتلمَّظ بحلاوتها.

– أأنت مجنون؟ ما تعني؟

فيجيبه أبو خَبل همسًا وهو مُحملقُ العينين:

  • فتنة، يا سيدي، فتنة أختُ الأمير!
  • وما بها؟
  • أما رأيتَ الشهوةَ تقطرُ من عينيها… ومن فمها… ومن…
  • إخرس، ويحك! لو لم تكن مهرّج البلاط لقطعت لسانك.
  • ما أسعدني لأنّي مهرّج! وعما قليل أصبحُ مُهرجًا فيلسوفًا.

ويسترسلُ أبو خَبل في ضحكٍ طويل… فيحدِّجُهُ ابنُ طفيل قائلاً له:

  • حقًا أنتَ مخبول.
  • أنا أبو خَبل وأنتَ أبو عقل. وإني أُراهنكَ على أن تلك الفتنة في جلدها قطة وحشية ستبعثُ الفتنة، وأنها تحبُّني بقدر ما تحبُّك.
  • اسمع، يا هذا: في كلامكَ خطرٌ على حياتك. كفَّ عن المزاح.

فيترصنُ أبو خَبل، بينما يحدُجه الوزير بنظرةٍ طويلة، ثم يسأله هل يقرأ، يا تُرى، وما يقرأه. فيجيبه أبو خَبل أنه يقرأ قصص المغامرات والحيل والحرب، ولا سيَّما قصص الحبّ، إذ إن فيها متعة وجاذبية. ويروح يتلمَّظ وهو يردِّد: “قصص الحبّ”… “قصص الحبّ”…

فيطرق ابن طفيل لحظات، ثم يقولُ بصوتٍ عال:

  • وجدتها.
  • مَن؟ عروس أحلامك؟
  • لا، يا فارغ الرأس، بل طريقة تبسيطي الفلسفة.

سأكتبها بأسلوبٍ قصصي جذاب، فيشغف الناسُ بقراءتها مثلما يشغفون بقصص الحبّ والبطولة. وسأجعل من الأمير فيلسوفًا فاضلاً يحكمُ شعبًا من الحكماء الفضلاء.

  • أجادٌّ أنتَ في قولك، يا سيدي الوزير؟
  • أجل.

فيقولُ أبو خَبل هامسًا لنفسه:

  • ويلاه! فقد عقله! لا أستطيع أن أتصور إمارةً كل سكانها مجانين!
  • ماذا تقول؟
  • أقول: متى يصبح الأمير حاكمًا صالحًا وفيلسوفًا فاضلاً؟
  • بعد سنتين.
  • في رأسي الفارغ، يا سيدي، موضوع رهان.
  • على ماذا؟
  • على ألا تستطيع بالعلم والفلسفة أن تجعل من الأمير حاكمًا فاضلاً.
  • سأجعله رغم أنفك.
  • أترضى بالرهان؟
  • وما هو؟
  • تدفع لي، بعد انقضاء العامين، مئة دينار ذهبًا، إن فشلت مساعيك.
  • وأنتَ؟
  • بما أنك فيلسوفٌ فاضل، فأنت لا ترغب بالذَّهَبْ. لذا إن ربحت أنتَ، ادفع لك مؤخرتي فتسدِّد لها رفسةً قوية. فيعبسُ ابن طفيل لحظات، ثم يضحك قائلاً:
  • قبلتُ، قبلتُ.
  • ومن الشهود؟

فيشير ابن طفيل إلى الكتب المكدَّسة على الرفوف والمناضد، قائلاً:

  • هؤلاء الأدباء والفلاسفة.
  • أتُشهد عصابة مجانين على مجنونين؟

فيضحك الاثنان، ثم يخرج أبو خَيل ليدخل ثانيةً بسرعة قائلاً:

  • ماذا إن ربحت أنت وما وفيتُ أنا بوعدي؟
  • لن تنكُثَ بوعدك. صحيح أنك أحمق، ولكنك على شيء من الشرف؛ لذلك تفضُل كثيرين من سكان هذا القصر.
  • فلسفتك غلبتني هذه المرَّة.

وينصرف أبو خَبل وهو يقول في نفسه: “ليتني كنت مكانك، يا أبا بكر… ترى، من يشعر من كل الذين أضحكهم أن في قفص صدري النحيل عصفورًا يغرّد ويحبّ أيضًا… ويتألم! لكن، أين الأميرة منّي! فهي على رأس الجبل، وأنا في قاع الوادي!”.

أما ابن طفيل فيستغرق في تأمله محدثًا نفسه: “هذا المهرِّج يتكلَّم تارةً كالمعتوه، وطورًا كأفضل الحكماء. لا، لن أدعهُ يكسبُ الرهان… لسانه طويل سليط ينشر الخبر أينما كان. ولكن… ليس هكذا يفكر الفلاسفة. الرهان يجب أن يكون بيني وبين نفسي. إن لم أستطع أنا الوزير الفيلسوف أن أُصلح الأمير، عن طريق العقل، فمن يصلحه؟ آه! لو أستطيع أن أتحوَّل سريعًا إلى حبرٍ يُضيءُ على صفحات القراطيس! لو أستطيع أن أصير إشعاعًا فكريًا يتغلغلُ في رأس الأمير، فتحدث المُعجزة، ويطمئن بالي! حاول أفلاطون أن يبني جمهورية فاضلة، فأخفق، وحاول الفارابي أن ينشئ مدينة فاضلة، ففشل. لكن، أريد فقط أن أجعل إنسانين فاضلين عن طريق العلم والفلسفة: الأمير وأخته. ويجب أن أوفق، وإلا… أخفقت الفلسفة والعلوم كلها”.

          ثم يأخذ بتناول الكتب واحدًا إثر واحد، مقلِّبًا صفحاتها حتى يقع، أخيرًا، على كتاب لابن سينا، فيقرأ فيه: “أما اسمي ونسبي فحَيّ بن يقظان”؛ فتلتمع الفكرة في رأسه، ويطفحُ الحبورُ على وجهه، فيعتزمُ أن يسمي قصته الفلسفية: “حَيّ بن يقظان” مُستعيرًا الاسم من ابن سينا. فيوقد سراجًا يبدِّد العتمة الهابطة، ويجلس إلى مكتبه، ويبدأ الكتابة.

          لا تمضي بضعُ دقائق حتى يقرع الباب. وإذا حبّابة، جاريةُ فتنة، تبلغه أن سيدتها مريضة، وهي تستعجله لمعالجتها. فيُدهش ابن طفيل لمرضها المفاجئ، ويتساءل هل هي حقًا مريضة أم متمارضة؟ وإذا بأشواقه الحسيَّة تهتاج؛ فيحاول أن يكبحها بإدراكه الروحيّ وإرادته السامية، وتصميمه على التصعيد برغباتها حتى تصبح أكثر شفافية ونقاءً. لكن النزاع في ذاته يقوى، فلا يرى نفسه إلا مُخترقًا الحديقة، مُندفعًا نحو جناح أخت الأمير.

 

الفصل الخامس

الشرك

كانت العصافير قد أوت إلى أعشاشها، وذواتُ الخضراء قد بدأت تنفثُ ما يثقل الصدر، والليل أخذ يطلق الأشباح من أجحارها، كما يطلق الأفكار السوداء من أوكارها. فتحت أجنحة الظلمة الغدافيَّة كم من نفسٍ تحبلُ بمطمع! وكم من مطمع يلد مكيدةً جحيميَّة!

كانت حبابة تنتظر ابن طفيل على المدخل. فما إن أطلَّ حتى ازداد خفقان قلبها، إذ تصوَّرت أنها مكان مولاتها. فهي تعرف عواطف الأميرة وأسرار أعماقها؛ وكانت تشبع رغباتها عبر أحلام رخيَّةٍ طويلة، تسترسل فيها متوحِّدة بفتنة.

كان الخيالُ عالمها، تكتفي بمسارحه من حظِّها في الحياة، ومن خيوطه الوهمية تنسجُ وقائع يومها وقماشة أشواقها. وكان ابن طفيل يستهويها باستقامته ووسامته ولطفِ حديثه، كما بهالةٍ من الحزن غريبة تحيط وجهه، فتجتذب نفسها الكئيبة إليه؛ ولطالما حدثتها فتنة عن سحره، وعن صبابتها نحوه.

دخل ابن طفيل إلى مقصورة الأميرة، فإذا هي مضطجعة على سرير وثير، تهدلت قطيفة خضراء على أحد جانبيه، وحسرت عن جانبه الآخر. وكان بقرب السرير شمعدان مُضاء، تتراقص لهباته، فتترجح معها أشباح الأشياء في الغرفة، كأنها نزوات امرأةٍ تتواثب، ولا تعرف أن تستقر على هدف.

ما إن دخل طبيبُ البلاط إليها حتى سمعها تئنُ، فوقف جامدًا بجانبها وهي تسترسل في أنينها:

  • بِمَ تشعرُ سيدتي؟
  • لستُ أدري.
  • أيؤلمكِ رأسُكِ؟
  • رأسي؟… ربما.

يضعُ يدهُ على جبهتها يتحسسُ حرارتها، فتصدرُ آهًا ناعمةً طويلة.

  • ماذا؟
  • ليس هنا.
  • لعلها معدتُكِ.
  • معدتي؟… ربما.

يتحسَّس معدتها ضاغطًا جوانبها، فتطلق آهاتٍ كأنها النسمات تهبّ في الخمائل!

  • ماذا؟
  • ليس هنا.
  • أين إذًا؟
  • بين بين. في منزلةٍ بين المنزلتين.
  • هذا منطقُ الفلاسفة!
  • تلميذة لمعلمي.
  • أهو صدرُك؟
  • فتمسكُ يده متشبثة بها، وتضعها على صدرها ضاغطة، قائلة:
  • عميقًا عميقًا.
  • قلبك؟
  • أجل.

قالتها باسترخاء، ثم جذبت ذراعه بيدها اليُسرى حتى اضطرَّ إلى الانحناء فوق صدرها؛ فأحاطته بكلتا يديها، وشَدَّته بعزمٍ نحوها. وإذا هو بين قوةٍ تشدُّ به إلى فوق، بعيدًا عنها، إلى حيث تحلّقُ أحلامه الروحية فوق الجسد وأشواقه، وقوةٍ تدفعه إلى أسفل، إلى نارٍ يحسُّها متوهِّجة تحت صدره، حيث تفورُ الشهواتُ الأنثوية ممتزجةً بشهواته الترابية.

في هذه الأثناء، سمعت حبَّابة حركة غير عادية في الحديقة، فأطلَّت من إحدى نوافذ الرواق تحاول استطلاع الأمر، قرأت ثلاثة أشباح سوداء تنسلُّ في الحديقة، كأنها ثلاث قطع دهماء انفصلت من فحمة الليل! كانت تتنقل بحذر وراء جذوع الأشجار الضخمة، ولا وجوه مرئية لها، ولا أعضاء منظورة؛ فهي أشبه بكتلٍ عمودية منتقلةٍ من الضباب اللزج الأسود!

أوجست حبَّابة خيفةً، ثم أجفلت رعباً، فأطلقت صوتًا خافتًا يبدو أن الأشباح سمعته؛ فإذا بها تُصدرُ هسهسة، ثم عزيفًا مُخيفًا غريبًا. فترتعب حبَّابة، وتهرع إلى الداخل، وقد جالَ في خاطرها أن تبلغ الوزير أن الجنَّ افلتت من جحيمها، وأخذت تجول في حديقة القصر!… لكنها ترتدع عن ذلك، بحجّة أنه ما يزالُ عند مولاتها، فتنتظر ريثما يخرج لتبلغه الأمر.

بيد أن ابن طفيل خرج إلى الحديقة من باب آخر، وبعضه يحدّث بعضه بصوتٍ مكتوم: “لعن الله التجربة… كأن الجحيم في جسدي!… أأستطيع إصلاح الناس، ونفسي ما أصلحتها بعد؟ لكن الذنب ذنبها… لا، لن أدعها تسترسل في غيِّها… لن أكون فيلسوفًا. حكيمًا إذا فشلت في انتزاع ناب الأفعى منها…”.

كان يسير متمهلِّاً بين أشجار الحديقة الَّغناء، يتلمس طريقة في الظلام الدجوجي، مُستغرقًا في تأمل التجربة الكاوية التي عاناها، ثم يرفع نظره من خلال فُرجةٍ صغيرةٍ بين الأغصان المتشابكة، فيلمحُ القمر وقد بدا جانبٌ منه، بعد أن انزاحت غيمةٌ سوداء عنه، فيقف رانيًا إليه، قائلاً في نفسه: “كهذا السراج السماوي سأكونُ في ظلمة نفسها… ولكن، هل تُبدَّدُ الظُّلمة في نفسي أولاً؟”.

وإذا الأشباحُ الثلاثة تنقضُّ عليه من وراء الأشجار، كأنما رَحِمُ الظلمة قذفتها عليه فجأةً، فيطعُنه أحدُها بمديةٍ تُصيبه في ذراعه، بينما ينهالُ الآخران على رأسه ووجهه لكمًا ولطمًا.

وفي اليوم التالي، عرفَ الأميرُ بالحادثة، وحقَّق مع حرس القصر، بحضور وزيره؛ لكنهم أنكروا أن يكونوا قد رأوا أحدًا يدخلُ الحديقة، فهم يحيطون بها إحاطة الدرع بالصدر، وأوامرُ قائدهم (أحسن) تقضي بألا يدعوا أحدًا يمرُّ من دون إذنه.

وأدلت حبَّابة بإفادتها. إنها مقتنعة بأن ثلاثةً من الجنِّ انشقَّت الأرضُ عنهم، فخرجوا سودًا فاحمين، لا رؤوس لهم، ولا أيدي، ولا أرجُل، وانطلقوا يجولون حول القصر مُصدرين عزيفًا مروعًا، مُنذرين بالشؤم.

وسرت في القصر شائعاتٌ – سرعان ما تجاوزته إلى المدينة – بأنَّ الجنَّ قد اعترضوا الوزير في الحديقة، وكادوا يقضون عليه، وبأنه من الخطر المحقّق أن يسريَ أحد فيها، تحت جناح الظلام، لأن الأشباح والعفاريت تكون، إذ ذاك، خارجةً من أوكارها. وكلّ من سمع هذه الشائعة صدَّقها إلا ابن طفيل.

 

الفصل السادس

صديقان يختلفان

كان ابن طفيل صديقًا للجميع، يحاول أن يغمر بنور عقله كل من في البلاط؛  فصعب عليه أن يهتدي إلى خصمه. لذلك كان يقول لنفسه: “إن خصمي في داخلي، ولو لم يكن في داخلي، لما سمح الله بأن يتجسَّد في خارجي. فإذا كان لا يصيبنا إلا ما كسبت أيدينا، فعليَّ أن أبحث عن سبب مصيبتي في نفسي. “هذا الإدراك جعله يتعالى على جرحه، ويزداد تصميمًا على تنقية تفسه، وينصرف إلى شؤونه الفكرية ومهامه الوزارية.

ومع كرور الأسابيع والشهور، كان يشعر أن حبُّه لفتنة بدأ يتجرَّد من شوائبه الماديَّة، وأن عطفه عليها تعمّق وصفا، فصار أشبه بعطف الأب على ابنته. وكان يقلقه أن تبقى عاطفتها نحوه مشبوبة، ونظراتها إليه طويلة حمراء. وإن ارتاح ابن طفيل إلى هذه النزعة، فقد كان يزعجه سعي الأمير إلى بسطِ سلطانه وتوحيد دولته، باستخدام المكايد أحيانًا. فمطامع الأمير المتنامية كان أشبه بالنيران التي تشبُّ ضعيفة، ثم تحوِّلها الرياح إلى حرائق.

وذات يومٍ من أوائل سنة 563 هـ/ 1168م، طلب أبو يعقوب إلى وزيره الفيلسوف أن يقرأ عليه القصة الفلسفية التي طالما تشوَّق إلى سماعها؛ فأوضح له ابن طفيل أنه لم ينجزها بعد؛ لكن الأمير رضي بسماع ما أنجز منها، على أن يستمع إلى أقسامها الباقية في مجالسٍ لاحقة. فجمع الأعيان، وأهل الفكر في إمارته، وتصدَّر المجلس. وكانت فتنة إلى يمينه، وأبو خَبل عند قدميه.

وفيما كان لحنٌ أندلسي يترامى من بعيد، والحفل مجتمعٌ، سأل الأمير وزيره:

  • ألا ترى، أيها الوزير الحكيم، أن الجهل يبعد عن الله تعالى، والعلم يقرب إليه؟

فيجيبه ابن طفيل:

  • العلم يقرِّب إليه – سبحانه – إذا كان نورًا للبصيرة، لا للبصر فقط، فساعد على توجيه العقول والقلوب في سعيها نحو الحقّ والخير. هذا العلم الهادي هو الذي أراده الله تعالى في قوله العزيز:

(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).

  • ليتنا نستطيع أن نزرع حبّ الحكمة والعلم الصحيح في نفوس رعايانا، فيعينهم نفاذُ البصيرة المُستتيرة على تفهّم جوهر الدين وباطنه الحقّ، فلا يستمسكون بالمظاهر والقشور فيضلِّون حيث يظنُّون الهداية.
  • حقَّق الله رغبة الأمير السامية، وجعل حبُّه للعلم والفلسفة يشيع في رعاياه.

وتهيمن على الحضور أجنحة الصمت الثقيل، وإذا أبو خَبل ينتفض قائلاً:

يا مولاي، امرأتي لا تصغي إليَّ وهي جاهلة، افتصغي إليَّ بعد أن تتفلسف؟

  • فيضحك الجميع، ثم يأمر الأمير بوقف الغناء حتى يسهل الإصغاء.

يفتح ابن طفيل ملفًا بين يديه، ويبدأ قراءة قصَّته: “ذكروا أن إحدى الجزر كان فيها رجلان من أهل الفضل والرغبة في الخير، أحدهما يسمى سلامان، وهو ملك الجزيرة، والآخر يدعى آسال، وهو موضع سرِّه، وأعزّ أصدقائه. وكانا يدينان، كما يدين شعب الجزيرة، بأحد الأديان المنزلة. وكثيرًا ما كانا يتناقشان في تأويل آيات الكتاب المُوحى، ولا سيَّما تلك التي كأنما تُنسب إلى الله – عزَّ – وجلَّ – صفاتٍ وأعضاء حسية، فيفسرها الملك بنصِّها الظاهر، بينما يعمد آسال إلى تأويلها. وذات يوم احتدَّ النقاش بين الصديقين، فقال آسالُ لسلامان:

– إعلَم، يا مولاي، أن منَّا من استخدم عقله جاهلاً فضلَّ، ومنَّا من استخدم عقله عالمًا فاهتدى إلى تمييز المعاني وتأويلها. أو ليس في الآي الحكيم: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)؟

فيقف الملك مُنفعلاً ويقول:

  • يبدو أننا لن نتَّفق أبدًا. عشرات الآيات أفسّرها أنا بطريقة، وتفسّرها أنت بطريقةٍ أخرى.
  • أعتذر للملك لما يسبِّبه حواري له من التأثر والسخط، فإنما يدفعني إلى مجادلته شعوري بأنه ليس فقط مليكي، بل هو أيضًا صديقي.
  • علينا أن نكفَّ عن الجدال في تأويل الكتب المُنزلة، يا آسال.

يطرق آسالُ لحظاتٍ، ويتجهَّم وجهه، ثم يقول:

  • كسحابه عظيمةٍ تتفجر فوق البحار، هكذا يتفجر الحزن في نفسي!
  • ليس من داعٍ للاكتئاب.
  • صديقان حميمان مُتلازمان منذ عشرات السنين ما استطاعا أن يتَّفقا على فهم الكتاب الكريم، فكيف بي وسائر الناس؟
  • هون عليك، أيها الصديق.
  • لا بأس، فلن نجني أيّ نفعٍ من هذه المجادلات، إن كنت سأخسر نفسي أو ستخسر نفسك. فليس فهمنا الأسرار هو الذي ينقذنا، بل الايمان الحقّ والأعمال الصالحة.
  • أصبتَ، يا آسال.
  • في أي حال، أرى الساعة أزفَّت لأن نفترق.
  • ما تعني؟
  • يجب أن أرحل عن هذه الجزيرة، لأعيش في الوحدة.
  • وامرأتك، يا آسال، وأولادُك؟
  • ليسوا أعزَّ عليَّ من ربِّي. أسمعُ صوته هاتفًا في ضميري: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجرٌ عظيم).
  • أغبطكَ، يا آسال، وإن كنت لا أقرُّ رأيك في العزلة.
  • لكلٍّ منَّا طبعه، يا مولاي، فأنت تحبّ السعي والعمل، وهما أمران حلالان ما داما في سبيل الخير، وأنا أحبّ الوحدة والتأمل.
  • لا أخفي عليك أن تفضيلي ملازمة الناس مردُّهُ إلى ضعفٍ فيَّ. ففي الوحدة تشتدُّ الوساوس عليَّ، وتقوى همزات الشياطين؛ وفي اختلاطي بالناس ما يُلهيني عن ذلك. لكن فراقك يصعب عليَّ جدًا. أفلا تغير رأيك؟
  • حزمتُ أمري، وعاهدتُ ربي على ذلك.
  • ومتى سترحل؟
  • غدًا.
  • إلى أين؟
  • إلى جزيرةٍ مهجورةٍ سمعتُ أن مناخها عدل، وأرضها خصبة.

يتقدم سلامان من آسال ويعانقه مُتأثرًا. فيسأله آسال:

  • أيمكن أن أعهدَ إليك بوصية؟
  • بكل رضا، أيها الصديق.
  • تتعهَّد زوجتي وأولادي. أما أموالي فتقطع منها ما يكفي إعالتهم، وتوزع الباقي على فقراء الجزيرة.

 

الفصل السابع

نِداءُ البحر

غرفةٌ فيحاء، متواضعةُ الأثاث، توزعت عند جدرانها متكآت وطيئة، وقامت في زاويتين منها منضدتان رُصِفتَ فوقهما أكداسٌ من الكتب باهظة، فأخذت أوصالهما تسمعُ، من حين إلى آخر، صريرًا متهدجًا كأنه أنَّاتٌ حبيسةٌ تفلتُ من صدر مقعدٍ وجيع، فما يلبث عملاق الليل أن يكبتها. كان آسال قاعدًا على حشيَّة، في صدر الغرفة، يحيط به أبناهُ الصغيران، وعند قدميه امرأته سنية، وفي حضنها طفلتها. إنه يمضي آخر أمسياته معهم، أمسية الوداع المؤلم المحطِّم، قبل رحيله للاعتزال في إحدى الجزر المهجورة.

          كانت نفسه أشبه ببحرٍ هائجٍ، تارةً ينبسط فيه مدٌّ عنيفٌ من العواطف التي تجذبُه إلى أطفاله وامرأته، وطورًا يرتدُّ المدُّ جزرًا تنحلُّ أصداؤهُ نداءً خفيًا في نفسه، يسمعه آتيًا مهيبًا عميقًا من وراء المجرَّات، فيمتثل له خاشعًا مُستسلمًا.

          كانت سنية في العقد الثالث من عمرها، هيفاء، هدباء، نجلاء العينين، ذات سمرةٍ آسرة. عايشت زوجها عيشةً رضية عشر سنوات، رزقا، في أثنائها، ثلاثة أطفال، ومحضته الحبّ صادقًا، وبادلها الحبّ مُخلصًا. وفجأة أتاها بخبرِ عزمه على الاعتزال، فأحسَّت كأنما جلدها ينسلخ عن جسدها. جعل آسال يُفهمها أن قوَّة عظيمة غير منظورة باتت تتوهج في نفسه، وتكاد تحرقه إن لم يعتزل؛ فالوحدة طريقها، ونجوى الله مصرفها، وإلا فالألم النفسيّ الصاهر سيكون طعامه وشرابه.

          لكن سنية التي أخلصت الحبّ له، وعاشت في دفء عطفه سنواتٍ طوالاً، لم تستطع فهمه. كانت لهبهُ السراج، في الزاوية القريبة، تتراقص على وجهها الهادئ الساحر المتألم، فتلتمع دموعها المتساتلة على خدَّيها كأنها اللآلئ وقد انفرطت من عقدها.

لم يناموا، بل أمضى الجميع الليل مسهدين. كان آسال، تارةً، يقبّل أطفاله بشوقٍ عارم مرارًا وتكرارًا، ويمرغ أجفانه بوجوههم الندية، ويتشمَّمهم ثم يضمُّهم إلى صدره ضمَّ الكنوز التي يشعر صاحبها أنه سيفقدها، وطورًا يهدأ ساكنًا، يتملَّى وجهه امرأته، بنظراتٍ تكسرها الدموع المترقرقة في عينيه. وعندما كانت تهيج عواطفه الأبويَّة والزوجيةَّ، وقد أشعلتها توسّلات سنية وعبراتها، كان يتسمّر في مكانه مصلبًا جسمه، مجمدًا ناظريه في الظُّلمة، كأنما يقرأ في قلبها الدجوجي أسرارًا خفية، أو يشاهدُ أشباحًا غير مرئية، تأسرُه بقواها الخارقة.

          طلع الصباح كما على مأتم… توجَّه آسال إلى شاطئ البحر، حيث الموعد المضروب، تحيط به زوجته وأطفاله الثلاثة. كان يلبسُ جبَّةً سوداء من وبر الإبل. وعلى الشاطئ، حيث الموج يسمع هديره، التقى صديقه الملك سلامان وجمهورًا من أصحابه، وقد بدا التأثرُ على وجوه الجميع.

يلتفتُ آسال نحو البحر قائلاً:

– هي ذي السفينة تنتظرني، والبحر يناديني.

فتجيبه سنية بتأثرٍ بالغ:

  • أتسمع نداء البحر، يا آسال، ونداءُ أطفالك وزوجتكَ لا تسمعه؟
  • أسمع نداءَ ربي، فلا تقاومي نداء الله في نفسي، يا سنية.
  • أنظر إلى أطفالك، إلى فراخك؛ أفتهجرهم وهم زغب الرياش؟ أتتركهم أيتامًا وأنت حيّ؟
  • عهدت بهم إلى راعي الكون، وإلى من هو أفضل مني. يقولها مُشيرًا إلى سلامان. فتنظر سنيَّة إلى البحر والدموع رقراقة في مقلتيها، وتقول:
  • أيها الزبد الأبيض، لكأنك الكفن الأبيض يحمل من أحببت إلى الأبدية!
  • فيسند آسالُ رأس زوجته إلى كتفه قائلاً لها:
  • اعتصمي بالله، يا سنيَّة.

لكنها تنفجر دموعًا كديمةٍ هتَّانة، وتقول له بصوتٍ حنون متهدِّج:

– غير رأيك، يا آسال، غير رأيك. بإمكانك أن تتعبَّد لربَّك وأنت معنا. فإمكانك أن تكون صالحًا وأنت في وسطنا.

لكن آسال يتصبّر، ويلبس العزمَ، ويقبل أطفاله قبلات الوداع، ثم يلتفت نحو الجميع قائلًا:

  • الوداع، يا أحبائي. لن أقبلكم فردًا فردًا حتى لا يهيج بحر حنيني إليكم فيغرقني. لا يغب عن بالكم أن جداولَ نفوسكم ستصبُّ جميعها، ذات يوم، في البحر الذي لا شواطئ له؛ فحافظوا على نقاوةِ قلوبكم حتى يزدهي البحرُ السرمديُّ اللانهائي بكم.

يتقدم آسال نحو البحر بخطىً ثابتة، بينما تُفيضُ سنيَّة من الدموع مدرارًا، وقد لاذ بها أطفالها النائحون كما تلوذ فراخ الطير بأمّها. ويلوِّح المشيِّعون لآسال بأيديهم وهم يدعون له بالسلامة.

وشبه إلهٍ من آلهةِ الأساطير يصعد آسال إلى السفينة، من غير أن يلتفت إلى الوراء، وهو يقولُ في نفسه:

(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخواتكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموالٌ اقترفتموها، وتجارةٌ تخشون كسادها، ومساكنُ ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، فتربَّصوا حتى يأتي الله بأمره.).

 

 

الفصل الثامن

الحلم العجيب

وقفَ ابن طفيل، في قصَّته الفلسفيَّة عند هذا الحدّ، ونظرَ إلى وجوه المُستعمين، يستنبشُ في ملامحها مدى تأثيره فيها، فإذا هي أشبهُ بفلذات الغمام المتجهِّمة. فاستأذن وانصرف. وفي الحال، أشار الأمير إلى الراقصات أن يرقُصْنَ، وإلى المغنِّيات أن يصدحنَ، لينفخَ في الجوِّ روحًا مرحًا. وإذا البلاطُ كأنما أفلتت فيه أسرابٌ من الجنِّ!

حزينًا كان الفيلسوف يجرُّ رجليه في الممرّ الذي يؤدي إلى غرفته، وأصواتُ الغناء والموسيقى، يقطعها الضحكُ المدوِّي، تتناهى إلى أذنيه فتضاعف آلامه وأحزانه. تُرى، أيستطيع أن يصلحَ نفس الأمير، أن ينتقل به من عَرَض الحياة إلى جوهرها، ومن التحدُّث بالدين إلى ممارسته عدلاً وقيمًا روحيَّة؟ أيستطيع إصلاح نفس الأميرة فتنة التي عطف عليها وأحبُّها حتى بات يشعر كأنما يصيبه ما يصيبها؟… لكن الأمير ما زال يحسب المجد تسلّطًا وبطشًا، وما برح يحوك المكايد ليتخلّص من أخويه في الأندلس. وفتنة… أما رأى قائد الحرس أحسن كالثعبان ينسل من خدرها، في منتصف الليلة البارحة، بينما كان جميعُ من في القصر نيام، إلا عينه الساهرة مع المعرفة!

دخل ابن طفيل مخدعه، وألقى بنفسه على أريكةٍ شاعرًا كأنما على كتفيه جبالٌ يرزحُ تحتها! وإذا به يطبق أجفانه مُرهق النفس، ويحلم…

يحلم بأنه هو نفسه آسال راكبًا في السفينة وهي تمخرُ في اللجَّة اللازوردية الساكنة. ظهره إلى الملاحين، ووجهه إلى البحر، يتأمل المرآة المائية تتكسرُ عليها سهام الشمس.

          كان آسال يُناجي هذه السهوبَ المائية اللانهائية… يُسائلها… تُرى، قبل أن يوجد الإنسان على الأرض، لِمَن كان ماؤها يتصاعد في الهواء، ثم ينعقد غمامًا فينهلُّ مطرًا، فيستحيلُ ينابيع وأنهارًا؟ تُرى لِمَن كانت الأزاهيرُ تتفتحُ وتتضوع، والثمارُ تنعقد وتحلولي، على امتداد الأرض، إذا لم تكن فيها عينان تتملَّيان الجمال، وفمٌ يأكلُ ويتذوَّق، وأنفٌ يتنعم العطر، تُرى، لمن كانت الشمس ترسِلُ أنوارها البهيَّة؟ أحقًا من أجل الإنسان، ومن أجله فقط، وجد كل شيء، إذا كان الكون بما فيه قد وجد قبله؟

          غلَّفَ الضباب عيني آسال… فإذا به يرى اللجّة قد انشقَّت، وانبثقت منها حورية ساحرة متَّشحة بثوبٍ أبيض هفهاف كأفواف الآس والياسمين. قالت تخاطبه:

  • حبّي لك، يا آسال.
  • مَن أنتِ؟
  • سيَّال من ذاتك النورانية قضت المشيئةُ الإلهيَّة أن يتجسَّد في أغوارِ البحار.
  • لست أفهم. وكيف تحيين في الماء!
  • ليتك أدركت كل أبعاد القول الكريم: “وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي”.
  • وهل عرائسُ البحر يؤمن بالله؟
  • نؤمن به على غير ما تؤمنون. نحن أقرب إليه منكم.
  • يا للعجب! كنتُ أظن أن الإنسانَ وحده يعرف الله ويسبّحه.
  • مرّة أخرى تبرهن أنك، مع حرصك على فقهِ باطن الكلام الحكيم، ما نفذت إلا إلى يسيره. كيف تنسى الآية الحكيمة: “تسبح له السماوات السبع والأرضُ ومن فيهنَّ، وإن من شيءٍ إلا يُسبِّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم”؟
  • كنت أظنَّني فضضتُ كلّ سرّ من الكلام المُنزل.
  • ما زلت طفلاً يتهجًا الحروف، يا آسال.

وإذا بالحورية ترسم نجمةً خماسية الزوايا على جبهته؛ فيرى نفسه وقد انقلب جسدًا شفافًا يماثلُ جسدها: نصفهُ الأعلى شبه بشر، ونصفه الأسفل شبه سمكة.

راحت الحورية تغوص إل الأعماق وهو يتبعها كظلِّها. كان مشدوهًا من أنواع الأسماك الغريبة التي يشاهدها، ومن أصناف النباتات البحرية العجيبة التي لم يخطر لها خيالٌ في بال.

وبعد رحلةٍ طويلةٍ في أغوار البحار المجهولة، طالعة قصر هرمي عجيب من المرجان والمحار أقرب إلى المعابد البوذية أو القصور الأسطورية في هيئته منهُ إلى الصروح المألوفة. أبوابُه من الأصداف الملوَّنة الرائعة المرصَّعة باللآلئ الباهرة الماتعة، ونوافذُهُ تغطيها ألواحٌ من شبه الزجاج اللدن اللزج. وكانت جميعها تشفُّ عن أضواءٍ رقاصةٍ غريبة الألوان، دون أن تكشف عمَّا وراءها.

قالت الحورية لآسال: “نظامُ عالمنا يقضي بأن يُقاد كل غريبٍ إلى مليكتنا، أولاً، لينال بركتها؛ ومقرُّها في هذا القصر”.

عندَ البابِ الرئيسي، رأى صفَّين من عرائسِ البحر، في أيديهنَّ ما يشبه الأسلحة المضيئة، وحول أعناقهن عقودٌ من اللآلئ الساحرة! خاطبتهنَّ الحورية بلغةٍ كأنَّها نغماتُ الناي؛ فلم يفهم آسال منها شيئًا. فتقدَّمت إحداهن إليه، وطوَّقت جيده بعقدٍ من اللآلئ الرائعة؛ فشكرها بابتسامةٍ وإحناءة رأس وقلبُه يكادُ يطفرُ من عينيه المشدوهتين!

 

ثم قادته الحورية إلى داخل القصر، فإذا بباحاته تغصُّ بالحوريَّات الفاتنات. كانت عقود اللآلئ الأخَّاذة تلتف أدوارًا حول أعناقهن التلعاء متهدّلة على صدورهن الناهدة الناصعة البياض، كما كانت شعورهن الغدافيَّة الطويلة مُسترخية مُتموِّجة فوق مناكبهن وقدودهن الميساء، وقد زانتها مشابكُ مما يشبه الزهور النضرة النديَّة. أما أرضُ القصر فكانت مفروشة بأعشابٍ بحرية بدت كالزرابي المخمليَّة الملوَّنة البارعة الجمال، وجدرانه كانت، على رحابتها، تغطيها صفائح شفافة من اللدائن، ووراءها تسبح أصناف من أعجب الأسماك الملونة. أما سقوفه فكانت تلتمع فيها أضواءٌ غريبة كأنها أقواسٌ قزحية تتراقص في مهرجان مُبدع! وكان الماءُ يملأ كل فراغٍ شأن الهواء في عالم البشر.

راحت الحورية الدليلة تطوف، وهو يصحبها، من ردهةٍ جميلة إلى أخرى أجمل منها حتى بلغت بهو العرش، فوقفت به عند الباب. فأصدرت الحورية المولجة بالمدخل عزيفًا إيقاعيًا مُتناغمًا؛ فانبعثت داخل البهو أضواءٌ أخذت تلتمع وتنطفئ كأنَّما هي لغة التخاطب والتفاهم. وبعد لحظاتٍ، سُمح لآسال ورفيقته بالتقدّم إلى صدر القاعة العظمى حيث يقوم عرشٌ بالغُ الروعة، صيغ من الأصداف البديعة، واللآلئ الفاتنة، والحجارة الكريمة الهفهافة الملوَّنة التي لا يعرف لها مثيل في أرضِ الأناسي. وعلى العرش استوت ملكةُ الحوريات متوَّجة بإكليلٍ من الدرر، لألأؤُه يخطف البصر؛ فيما انتظمت على جانبيها، وعلى مدى دائر القاعة المستديرة، صفوفٌ من عرائس البحر، كل منهن مُستلقية على صدفةٍ كبيرة أشبه بالجوهرة العملاقة؛ فبَدَونَ كعقدٍ من الأصداف واللآلئ العظيمة تتوسَّطه المليكةُ جوهرةً يتيمة!

قالت الملكةُ المُذهلة الجمال لآسال: “مرحبًا بك في مملكتنا، يا آسال. لو لم يكن يربطك سيالٌ روحي بفانال، لِما سُمح لك بالدخول إلى عالم الحوريات. لا حاجة لك إلى الكلام، فنحن نقرأ أفكارَ البشر، ونعرفُ رغباتهم بطريقة التواصل الفكريّ الذي يعجز الناس عنهُ. فانال كانت زوجتك، قبل أن تولد أنت بين الأناسي، فتشابكت سيَّالاتها بسيَّالاتك؛ ولذا سمح لك بأن تلتقيها ليوم واحد، تعودُ بعده إلى عالمك، حتى يقضي النظامُ الإلهيّ باجتماعكما ثانية”.

ثم أشارت له بأن يتقدّم نحوها؛ فتقدّم. فمدَّت يدها الغضَّة ورسمت على جبهته نجمةً خماسيةً ثلاث مرات وقالت له: “رسمتُ رمزنا المقدس على جبهتك، لتستطيع أن تجول في رحاب عالمنا مع فانال دون أن تؤذى”؛ ودعته إلى أن يستلقي بقربها على صدفةٍ أرجوانية. ثم أشارت بيدها، فإذا بإيقاعاتٍ موسيقيةٍ متناهية السحر والعذوبة تنداحُ موجاتُ أنغامها في رحابِ القصر. وسرعانَ ما تقدّمت أسرابٌ من الحوريات إلى وسط البهو المستدير، وأخذنَ يتمايلنَ بأجسادهنَّ الأماليد العجيبة، ويرقُصنَ على إيقاعِ الأنغامِ رقصًا يأسرُ القلوبَ ويفتنُ العقول.

قُدِّم إلى آسال إكسيرٌ فيروزيُّ اللون في صدفةٍ ورديةٍ كبيرة؛ فاحتساه بلذةٍ فائقة. وبعد أن مضى وقتٌ غير قليل وهو يتتبَّع حركاتِ الراقصات بعينين مشدوهتين ولبٍّ ذاهل، توقف الرقص؛ فأذنت له الملكةُ بالانصراف مع فانال.

ما إن خرجا من القصر حتى طبعت الحورية قبلةً على ثغره ترنّح لها قلبه بين أضلاعه. ثم سارت به في مسارب المياه المتلألئة بأنوارٍ خفية المصادر، وأخذت تُريه رحاب المملكة اللازودية؛ فإذا هي شاسعةُ الأبعاد، آهلةٌ بالمنازل المرجانية، وعرائسُ البحر يطفنَ ما بينها داخلاتٍ خارجات من المغاني الساحرة.

وبينما هما يجولان في الأعماقِ السحيقة، استرعت نظر آسال أبنية مميزة في اشكالها المتناسقة البديعة كانت تطالعهما بين الفينة والأخرى، وكانت نجومٌ خماسية الزوايا مضيئة فوق هامات أبراجها. فسأل فانال عنها؛ فأجابته: “إنها معابدُ الحوريات، فيها يسبِّحنَ القدرةَ المُوجدة”.

وما لبثَ أن فهم أن الخير والشر والقيم العليا عندهن غير ما هي عند الناس، وأن فرائض الصلاة، وطقوس العبادة، وأركان الدين لديهن غير ما هي لدى البشر. فقال لها:

  • للناس أنبياءٌ وهُداة يرسلهم الله، فيضعون قواعد الأديان، فمن وضع مبادئ الدين وطقوسه لكن؟
  • مليكتنا، فهي هاديتنا. ففي عالمنا تتَّحد الهداية الروحية بالسلطة، فلا تحكمُ شعب الحوريات إلا من اختارها الله هادية، وزوَّدها بقوة الوحيّ. فملكتنا أفضلُنا معرفةً وأرقانا نفسًا.
  • ولكن ألا يقوم بينكن من يخاصمُ الهادية. أو ينازعها الرأي والسلطة؟
  • لا، فاضطهادُ الأنبياء والهُداة لا نعرفه. إنه إثمٌ عظيم لا وجود له إلا في عالم البشر وسائر دركات الجحيم.
  • قلت “سائر دركات الجحيم”، فهل تعنين أنكن تحسبن الأرض في عداد الدركات الجهنميَّة؟
  • أنتم تظنُّون أن الأرض شبه جنَّة، في حين أنها في الواقع عتبة الدركات الجحيمية. فلو لم يكن الناس أقرب إلى أهل الجحيم لما كانوا يضطهدون أنبياءهم ونوابغهم ومُصلحيهم.
  • ولكن ماذا يحدث لو توفيت الملكة؟
  • لا وجود للموت مثلما تتوهَّمون. الموت ليس فناءً، بل هو مجرَّد انتقال من حالٍ إلى حال. وأعمارُ الحوريات أطولُ جدًا من أعمار الناس. فإذا حدث لملكتنا هذا الانتقال الذي تسمُّونه “الموت”، حلَّ الوحي على الحورية الأرقى بيننا. لكن هذا لن يحدث إلا عند انقضاء الدور التكويني الحالي، وقيام الدور التكويني اللاحق.
  • لم أفهم ما تعنين.
  • لقد سبق هاديتنا الحالية مئاتُ الهاديات، كلٌّ منهن عاشت حياةً امتدَّت على دورس تكويني حضاري كامل، أي مرَّ على عالمنا، قبل الدور الحالي، مئات الأدوار التكوينيَّة الحضارية التي استغرقت عشرات الملايين من السنين.
  • كيف ذلك؟ فمعظمُ البشر يعتقدون أنهم وجدوا منذ بضعة آلافٍ من السنين فقط، أي منذ خلق الله أبويهما الأولين آدم وحواء.
  • البشر يضلُّون في معرفة أصلهم مثلما يضلُّون في أمورٍ كثيرة. فآدم وحواء حقيقةٌ واقعيةٌ في عالمكم، لكن سبقهما مئات من الأوادم والحواءات. فقد مرَّ على البشر أيضًا مئاتُ الأدوار، ودوركم السابق خُتم بطوفان نوح؛ أما دوركم الأسبق فانتهى بتدمير عالمكم، بعد استيلاء الجنِّ على أعظمِ مدُنكم.
  • الجنّْ!…
  • أجل. إتبعني فترى.

كان يتبعها كمن يتبع قلبه الخافق أمامه، بل كمن شُلَّت إرادته، فاندفع متقدِّمًا ذاهلاً نشوان مُنجذبًا بقوةٍ مغنطيسية قاهرة! راحت فانال توغل في الأغوار مسرعةً وهو يجدُّ وراءها، حتى قطعًا مسافاتٍ هائلة. وفي طريقهما كانت الأعماق تشفّ عن كثير من الغرائب والمُدهشات!…

أخيرًا، وصلا إلى مُنحَسَفٍ في قاعِ الخضم بدأت سخونةُ المياه فيه ترتفعُ؛ فشعر آسال بحرارتها المتصاعدة، وخاف على جسمه من الاحتراق. فطمأنتهُ فانال قائلةً له: “لا تخف، يا آسال، فالنجمة المقدَّسة التي رسمتها هاديتنا على جبهتك ثلاث مراتٍ ستحميك من كل أذى”.

فاطمأن باله، لكنَّه دُهِشَ إذْ رأى أسماكًا غريبة الأشكال تسبحُ في فوارٍ يغلي الماء فيه غليان البركان، فقال لفانال مشدوهًا: “الكائنات جميعها تموتُ في مثل هذه الحرارة المُبيدة، فكيف لا تموتُ الأسماك فيها؟ بل إنني أراها تلازمُ هذا الفوار المائي الجهنميّ السخونة، ولا تفارقه إلى المواضع الأفتر!”.

فأجابته فانال: “ما هو مستحيل، يا آسال، على البشر، ليس صعبًا على القوَّة المُوجدة؛ فإنها جعلت لكلِّ بيئةٍ أجسامًا تناسبها، وعمَّا قليل سترى أعجب مما رأيت”.

وإذا بها تتغلغلُ  في ما يشبه فوهة البركان الخامد؛ فألسنة النار لم تكن تندلع منها، ولا أثر حولها للحمَّم أو الدخان.

وما إن غلاَّ فيها مسافةً غير قصيرة حتى رأى آسال نفسه في مجرى مائي يدورُ كالدوامة الهائلة السرعة حول هاويةٍ عظيمةِ الاتساع، سحيقة الأغوار، كأنها خضَمٌ في قلبِ خضَّمٍ! لكنها بحرٌ ليس من ماء، بل من النيران المتوهِّجة المتنوِّعة الأشكال والأحجام! ففيها الدوائر والقبب والمربعات والمستطيلات والمثلثات… وجميعها من مادة نارية ذات ألوان غريبة لم تبصرها عيناه من قبلُ في أرض البشر.

سأل آسال رفيقته، في دهشةٍ بالغة:

  • تُرى، ما تكون هذه الأشكال الناريةُ العجيبةُ الألوان التي لا أثر فيها للدخان؟ تارةً يقبضُ عليها نظري، وطورًا تتفلتُ منه كالزئبق الرجراج!
  • إنها عالم الجنّْ.
  • عالم الجنّْ؟
  • لم العجب؟ فأنت تدَّعي أنك فهمت كل آيةٍ في كتابكم المقدَّس. ألم تقرأ فيه أن الله “خلق الجان من مارجٍ من نار؟”.
  • بلى!
  • أفترى هذه الأشكال النارية السريعة الحركة والتنقل؟
  • أجل
  • إنها الجنّ. نيرانٌ بلا دخان. لكنها كائنات نارية عاقلة، وذكاؤها خارق. وما كنتَ لتستطيع أن تراها لو لم ترسم ملكتنا وهاديتنا النجمة الخماسية المقدَّسة على جبهتك ثلاث مرات. فاهتزازُ هذه النار يفوقُ قدرة العين البشرية على الإبصار، ولذا قد يمرُّ الجنُّ بين الناس، فلا يستطيعون رؤيتهم إلا إذا اتَّخذوا من الأشكال الأرضية أجسادًا لهم.
  • سبحان الله! كأنني أحلم!
  • إن حضارة الجنّ، يا آسال، تفوق حضارتنا بمقدارِ ما تفوق حضارتنا حضارتكم. فهم يتفوَّقون علينا بإداركهم وقدرتهم، مثلما نتفوَّق عليكم بإدراكنا وقدرتنا.
  • كنتُ أظنُّ أن الإنسان هو ملكُ الكون وسيّد الكائنات
  • ظنٌّ خاطئ واهم جعل الإنسان مُتعجرفًا مغرورًا. فنحن نعرفُ من كتابنا الهادي أن الكون فيه بلايين الكواكب التي تفوق حضاراتها ومعارفها حضارتنا ومعارفنا، وبالأحرى حضارتكم ومعارفكم، فأنتم ما زلتم من كتاب المعرفة الكوني كالأطفال في مرحلة تهجئة الحروف.

ثم تقدمت فانال به إلى ناحية أخرى من الهاوية النارية العظيمة قائلة له: “علينا أن نلازم هذا المجرى المائي الساخن، وإلا هلكنا. فحدود عالم الحوريات تنتهي هنا، ونظامنا الإلهيّ لا يسمح لنا بتجاوز عالم الماء”.

ثم أشارت إلى بقعةٍ عظيمة الاتساع تبدو من بعيدٍ في قاع الهاوية، فكأنها مدينة من مدن الناس تتراءى من وراء الضباب. فدُهِشَ آسال إذ رآها، وقال:

  • كأنني أرى مدينة عظيمة من مدن البشر تتسترُ بنقابٍ من الضباب المُشتعل!
  • أجل. وما تراه كان في الواقع أعظم مدنهم.

أما سمعتَ بالأطلنتيد؟

  • الأطلنتيد؟… إن لم تخنِّي ذاكرتي، فقد قرأتُ شيئًا عنها في ترجمةٍ لبعضِ ما كتبه الفيلسوف اليوناني أفلاطون. ولكن ما علاقة الأطلنتيد بما أرى؟
  • تلك هي الأطلنتيد.
  • ماذا؟
  • كانت أعظم حواضر البشر. وقد بلغوا فيها شأوًا بعيدًا في التقدُّم المدنيّ والاختراعات. لكن رقيهم العلميّ لم يقابله ارتقاءٌ في النفس، في السلوك الخلقي، في التَّوجه نحو الحقّ والخير، بل على العكس، تمادوا في عصيان أوامر الله وفي ارتكاب النكرات؛ ولذا أذنت القوَّة المُوجدة لشعب الجنّ بأن يستولي على الأطلنتيد، وينزلها إلى الأعماق السحيقة، ثم بأن تدمَّر مدن البشر الأخرى. وساعة استولى الجنّ عليها وخسفوا الأرض بها، ظنَّ الناس أن زلزالاً عظيمًا دمَّرها.
  • لكن ألم يحدث زلزالٌ خسفَ الأرض بها في الواقع؟
  • بلى، لكن للزلزال سببًا روحيًا لا تقوى أفهام البشر على إدراكه. إنه نتيجة لعلةٍ روحية. وهذه العلَّة الروحيَّة، وإن تنوَّعت وجوهها، موجودةٌ وراء كل الأحداث التي تحصل للبشر، من أمراضٍ وعاهاتٍ وخسائر مادية, وآلامٍ وشفاءٍ وموت… كما من نجاح وربح وصحّة وهناء… فاعلم، يا آسال، أن أحوالَ الناس وأحداثهم إنما هي ثوابٌ أو عقابٌ لأعمالهم ورغباتهم، أي نتائجُ حتمية لها.
  • لكن الناس بمعظمهم يعتقدون أن الثواب والعقاب سيحدثان لهم بعد الموت.
  • إن الثواب والعقاب، يا آسال، قد يحدثان في الحياة نفسها، كما قد يحدثان بعد الموت. لكن ما تسمونه “ما يعد الموت” إنما هو حياةٌ أخرى تحيونها بأجسادٍ وأشكالٍ مختلفة بحسب استحقاقاتكم. فالحياة أشبه بنهر مستمرّ الجريان، لا يرى الناس منه إلا أشكال موجاتٍ مُتقطعة، فيظنُّون أن لا صلة ما بين تلك الموجات. والآن عليك، يا آسال، أن تعود لوداع الملكة؛ فالمدَّة التي سُمِحَ لك فيها بأن تكون في عالمنا شارفت على نهايتها.
  • أمحتوم عليَّ أن أعود إلى أرض البشر، أرض الفساد والشقاء؟
  • ذلك محتوم، يا آسال. فعليك أن تمضي في تجسُّدك البشريّ المدَّة التي استحققتها. لكن، لا تحزن، فالحياةُ تمرُّ بسرعةٍ، ولا بدَّ من أن نعود فنلتقي.

وتعود الحوريَّة بصحبة آسال في الطريق نفسها التي اجتازها، ويشاهدان من عجائب البحار أكثر مما شاهداه، أولاً. أخيرًا، يمثلان بين يدي الملكة؛ فتقول له؛”ها أنتَ عرفت الآن أسرارًا لم يعرفها غيرك من البشر؛ فلتكن زادًا لك في ما تبقى من سنيك على الأرض. لا تغتمّ، يا آسال، لفراقك فانال، فنهرُ الحياة سريعُ الجريان. تقدَّم إليَّ”.

فتقدَّم آسال نحوها؛ فقالت له: “أغمضْ عينيك”؛ فاطبقهما. فرسمت عليهما النجمة الخماسية المقدَّسة، ثم سألته: “ماذا ترى، يا آسال؟”.

فأجاب بانفعال بارز:

  • أرى مدينة عظيمةً آهلةً بالصروح الجبَّارة الجميلة، والناسُ بعشرات الألوف يروحون ويجيئون في طرقها الفيحاء، ومركبات تسير على عجلاتٍ بلا خيولٍ تندفع مُسرعةً في دروبها الممهَّدة! يا لله! كان الدنيا تغيرت وازيَّنت! فالأضواء تشعُّ من المصابيح الغريبة في كل مكان، ولا وجود للزيت في المصابيح!
  • إنها طاقة عظيمة سيكتشفها علماء البشر، يا آسال، وسيسمونها “الكهرباء”. والآن قل لي ماذا ترى؟
  • أرى جيوشًا جرارةً، ولهم أسلحةٌ ضخمة غريبة تدبُّ على الأرض مُسرعة، فترتجُّ الأرضُ منها! ها إنهم يطلقون من فوهاتها المستطيلة نيرانًا عجيبةً تحدث دويًّا هائلاً! ربَّاه!…
  • والآن ماذا ترى؟
  • أرى ما يشبه الطيور الجبَّارة تحملُ في بطونها بشرًا! يا لله! يا لله!… إنها تلقي بأحمالٍ غريبة فوق المدن، فتنفجرُ بدويٍّ هائل!… إنها تدمِّرُ الأبنية!… تقتلُ الناس!… تحدث الحرائق!… ربَّاه!…
  • والآن ماذا ترى؟
  • أرى ما يشبه التفاحة العظيمة تهوي فوق مدينة حافلةٍ بالعمران، مكتظة بالسكان! يا لله! إنها تنفجر انفجاراً مروِّعًا ينشقُّ له الفضاء ويطوى!…

النيران ترتفع في الفضاء، تمتدُّ كأنها وردةٌ جهنميةٌ حمراء تملأ السماء!… لقد تهدَّمت ألوفٌ من المباني، وألوفٌ بل عشراتُ الألوف من الناس احترقت أجسادُهم وانصهرت انصهارًا!…

كان التأثر البالغ باديًا في صوت آسال وتصاعده التدريجي، كما في تسارع كلامه واندفاعه العصبي. ففتح عينيه والدهشةُ الكبرى مرسومةٌ على وجهه!فقالت له ملكةُ الحوريات: “ما رأيته الآن، يا آسال، هو نماذج من مدن الأرض في القرن العشرين بعد ولادة المسيح. فإنها قد ازدانت بكلِّ مبنى فخم جميل، وازيَّنت بالشوارع الفيحاء المُضاءة  بمصابيح الإنارة الكهربائية، وعمَّها العمران ومنجزاتُ التقدُّم المدنيّ، حتى ظنّ الناس أنهم بعلومهم واختراعاتهم أصبحوا يسيطرون على الطبيعة وقواها؛ لكن أطماعهم ستدفعهم إلى حروب رهيبةٍ فيما بينهم. وما رأيته يرتفع بشكل وردةٍ ناريةٍ حمراء تتسع حتى تملأ السماء، وتزلزل منها الأرضُ وينشقُ الفضاء، إنَّما هو سلاحٌ جبارٌ هائل اخترعه عملاء البشر، ودَّمروا به مدينتين من مدن اليابان. بهذا السلاح سيشق البشر لأنفسهم طريق فنائهم وإنهاء دورهم التكويني الحالي. وما حلَّ بالأطلنتيد سيحلّ بهم أضعافًا؛ لأنهم لا يبذلون جهدًا كافيًا ليجعلوا  الخير فيهم يتغلَّب على الشرّ”.

  • ألا يمكن تغيير وجهة الطريق التي فيها يسيرون؟
  • يمكن ذلك إذا هم غيَّروا أنفسهم. لكن كتب البشر المقدَّسة كلّها أنبأت بمصيرهم المُفجع. ألا تذكر ما جاء في كتابكم المُوحى إذ قال: “حتى إذا أخذت الأرضُ زخرفها وازيَّنت، وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهارًا فجعلناها حصيدًا، وكذلك إذ قال: “فإذا انشقَّت السماء فكانت وردة كالدهان، فبأي آلاء ربِّكما تكذِّبان”.
  • سأوقظ البشر من غفلتهم، سأعلمهم الحقيقة، سأهديهم إلى طريق الخير والنجاة قبل وقوع الكارثة.
  • لن تستطيع، يا آسال، فالقوَّة المُوجدةُ أرسلت أنبياء كثيرين إلى الأرض ليهدوا أبناءها، فلم يتَّعظوا، ولم يرتدعوا عن المُنكرات، بل كانوا، كلّ مرَّة، يضطهدون رسولهم، ويتمادون في معاصيهم. واعلم، يا آسال، أن هاديًا عظيمًا سيظهر في الأرض، قبل أن يطبق الفناءُ الشاملُ على الناس؛ وسيولدُ في مدينة القدس تذكرةً لهم بعودة السيد المسيح، وستتمُّ معظم عجائبه في بلدٍ سيُسمى “بلد الأرز” إتمامًا لأقوال الأنبياء، ولكن… تقدم، يا آسال، وأطبق عينيك لترى.
  • تقدَّم آسال، فرسمت على عينه المُغمضتين نجمة خُماسية الزوايا، وسألته:
  • ماذا ترى؟
  • أرى إنسانًا ربع القامة، بشوش الوجه، مُتواضعًا، تتفصَّدُ جبهته عرقًا… إنه يتكلَّم العربية! ها إنه يصنعُ العجائب المُذهلة أمام حشدٍ من الناس! ها هي امرأة برصاءُ متهرئة اللحم يمدُّ يده إليها، فتشفى بلمسةٍ منه! وهي ذي مجنونة تصيح، تتقدّم نحوه… لقد هدأت وبرئت بكلمةٍ من شفتيه! أراه على المائدة يحوِّل الماء في جميع الكؤوس إلى خمر! ها إنه يستحضر صخرةً من مكانٍ بعيدٍ آلاف الأميال! إنها تخترق جدران المنزل بقوةٍ عجائبية، وتهبط داخله، بين الحضور، على مهل، دون أن تحدث أي خدشٍ في البناء! أرى عصافير ميتة رؤوسها مفصولةٌ عن أجسادها! ها هو يمرُّ يده فوق جثتها، فتحيا!… ها هو يضع بذورًا في الأرض… ربَّاه! لقد نبتت منها فجأةً فروعٌ وامتدت وتعالت!… إنها تثمر!… وتزهر!… تختصر الزمان! لقد أصبحت أشجارًا! أرى رسمًا يمثل عصفورًا. ها إنه يشير إلى العصفور، فيتجسَّد ويفرُّ من اللوحة، ويفرغ مكانه في الرسم!

ويرتعشُ آسال، ويفتح عينيه ذاهلاً مشدوهًا. فتقول الملكة الهادية له:

  • إنها عجائب وخوارق، يا آسال، يصنعها هذا الهادي العظيم بقوةٍ روحيةٍ يزوده الله بها، ليثبت صحَّة رسالته للناس، وليبرهن لهم على وجودِ عالمٍ روحيٍّ خالد. لكنهم في أكثريتهم الساحقة لن يصدقوه، بل سيضطهده حكامُ بلاده الطُّغاة ورجالُ الدين فيها. أما الشعب فسيقف من جريمة الحكَّام موقف الخزي والعار؛ فبعضه سيكون متآمرًا عليه مع الحكام الظَّالمين، وبعضه الآخر سيتَّخذ موقفًا لا مباليًا؛ ولذلك سيعاقبهم الله بتدمير بلادهم وتشريد شعبها، وجعله سُبَّة في أفواه الناس.
  • -نفسي حزينة حتى الموت!
  • لا تحزن، يا آسال، فأنت ستكونُ واحدًا من تلاميذه، وفانال ستتقمَّصُ، آنئذٍ، بشرية، وتكون إحدى تلميذاته، وستتَّخذها زوجةً لك.
  • لكن بالله عليكِ، كيف عرفتِ كل ذلك؟
  • علمنا غير علمكم، وأوقاتنا غير أوقاتكم.
  • أفتنسى ما جاء في كتابكم المنزل: “تعرجُ الملائكة والروح إليه في يومٍ كان مقداره ألف سنة!”
  • أتُخاطبني الرُّوح؟…
  • ……………………

يستيقظ ابن طفيل فاركًا عينيه، مُتعجبًا من الحلم الذي رآه، متأملاً مليًا في مغزاه، قائلاً في نفسه: أيكون الحلم يقظة، واليقظة حلمًا؟ لِمَ لا أدون ما حلمته؟ فقد يكون حقيقةً، لا أضغاث أحلام. لكن إن أنا كتبته ونشرته بين الناس، فسيضطهدونني، ويقولون: هو كافرٌ مارقٌ عن الدين الصحيح. ولن أستطيع أن أتابع مهمَّتي في إصلاح الأمير وشعبه. خَطِرٌ أن تعطي الناس أكثر مما يستطيعون استيعابه. فحسبي الآن أن أنجز قصَّتي الفلسفية التي بدأتها، فإذا نجحت في مسعاي الإصلاحي، عمدت إلى كتابة قصَّة حلمي.

وجلس أمام مكتبه، وراح يتابع كتابة قصَّته الفلسفيَّة…

 

قدرة الخالق: قال الحجاج لامرأة من الخوارج: “والله لأعدنَّكم عدًا، ولأحصدنَّكم حصدًا”. قالت: “أنت تحصد، والله يزرع، فانظر قدرة المخلوق من قدرة الخالق!” 

                                                   الجاحظ “البيان والتبيين”

 

 

الفصل التاسع

الجزيرة والمفاجأة

بعد مسيرة سبعة أيام كان فيها النسيم والعاصفة يتناوبان، بلغت السفينة شاطئ جزيرةٍ ذات غابات غبياء عذراء تبعث الرهبة في النفوس, و صخور شمَّاء نقشت سنابك العناصر وجحافل الدهور تهاويل على وجوهها الصمَّاء  فنزلَ آسال فيها, بعد ان ودَّع الربَّان  والملاَّحين.

وسرعان ما اختار البقعة التي اعتزم العيش فيها, والكهف الذي سيتَّخذه مأواه. ومرَّت الاسابيع تترى فتنامى شعره, واستطالت لحيته, وجعل يعتاد الوحدة والتأمل الصامت. وكان في الاصابيح كما في الاماسي يسير الهوينا نشوان بين الازاهير, يهدهد الافنان مُغتبطا, يقطف ما احلولى من ثمار و ياكُلها , يصغي الى زقزقات العصافير الشجيَّة, والى صوت الايائل  والمها وسواها من الحيوانات غير الضارية يناغي بعضها بعضا وهيِ ترد ينابيع المياه.

 

 وذات يوم, فيما هو يتمهّل بين الجّنات الغيضاء, يتراءى على فوهة كهف شبه رجل كأنما لفظته رحم المغارة: كان مكتنز العضل, مُسترسل الشعر واللحية, طويل الاظافر, نافذ النظرات, وعليه جلدٌ حيوانيّ اشبه بجلد غزال. يقف الاثنان يتأملان أحدهما الأخر.  فجأة, يغزو الاضطراب وجه آسال, فتسارع خفقات قلبه, ويولى هارباً حتّى يتوارى عن الأنظار. فيتبعه الآخر باحثاً عنه بتعجبٍ وحذر. واذا به يدركه وهو قابع وراء صخرة يُصلّي باضطرابٍ وعجلٍ مستعيذاً بالله.

ويشرف الكائن الغريب على آسال من فوق الصخرة, وينبري يتأمّل وجهه وجسمه, عضواً فعضواً, مُستغرباً. لقد اكتشف التشابه بينهما, فاطمأنّ اليه. ثمّ أخذ يُصغي الى كلماته, فراقه نغمها, فابتسم فرحاً, ووثب من على الصخرة أمامه: فارتعد آسال لحظات, ثمّ تشدّد وولّى الأدبار. فاقتفى الغريب أثاره عادياً وراءه, حتّى أدركه, فقبض عليه, وأمسكه بكلتا يديه من غير أن يؤذيه.

وإذا آسال يختلج بين يديّ هذا الكائن الغريب كعصفورٍ وقع تحت مخالب عقاب, ويقول بصوتٍ متهدّج:

– أجنّي… أم إنسيّ… أنت؟.. ويلاه!… أمن الجحيم… خرجت أم… بالله عليك, لا تؤذني.

ويروح الغريب الوحشيّ يحملق إلى آسال مُبتسماً له, مُصدراً أصواتاً رخيمةً أقرب إلي أصواتٍ ذوات الأجنحة والدواجن, ثم يسحب يده على رأسه, ويمسح أعطافه, ويلاطفه مُتملِّقاً إليه, مُظهراً فرحة أمامه: فيطمئن آسال, وتهدأ نفسه.

-من أنت؟… ما اسمك؟… كيف أتيت إلى هذه الجزيرة النائية؟

ويكون الجواب بسماتٍ عريضة تسيل على شفتيه الغليظتين, وأصواتاً لطيفة تنبعثُ من قفصِ صدره القويّ العريض.

– ألا تعرف العربيّة؟… أأخرس أنت؟… فتومض البسمات في عينيّ الغريب, ويتابع ملاطفته لآسال ماسحاً وجهه وذراعيه بلطفِ أمٍّ حيال وحيدها.

– يبدو لي أنّك حيوان ذكي طيّب, أفضل من ناسٍ كثيرين. تعال اتبعني.

يمسك آسال هذا الوحشيّ اللطيف بيده, ويقوده: فيتبعه ذاك طيّعاً سلساً, حتّى يصلا إلى فيء شجرة: فيحلُّ آسال صرّةً فيها تمر قديم, وتين مُجفّف وزبيب, ويقدّمها إلى صاحبه مُبتسماً مُتردّداً.

كُلْ, يا أخي, كُلْ.. نحن بشر مُتمدّنون, وهذا طعام سائغٌ طيّب.

فيهز الآخر رأسه رافضاً.

بالله عليك أن تأكل. ألا تؤاخيني؟ يقال عندنا إنّ من يشارك غيره في طعامه يؤاخيه.

ثمّ يقول آسال في نفسه مُستدركاً وهو يحدّق إلى الغريب: يؤاخيه؟ لا, ليس دائماً, فكثيرون مّمن يسمّون أنفسهم مُتحضرّين يؤاكلون غيرهم ثم يأكلونهم: وإنّي لأشعر أنّ هذا الإنسان الوحشيّ أشرف منهم.

ومثل سماء صافية تغزوها جحافل الغمام, هكذا يتجهّم وجه آسال حزناً على عجزه عن التفاهم مع هذا الغريب. وكأنّما يدرك صاحبه سبب حزنه, بعد تفرّسه في وجهه, فيمدّ يده برفقٍ إلى الزاد, ويتناول منه نزاراً فيأكله.

تنفرج أساريرُ آسال، وتعاوده نوبة الصحو؛ لكنه يبقى خائفًا حائرًا إزاء سلوك شبه الإنسان، مُتمنيًا لو يستطيع أن يعطى قدرةً خارقة للحظةٍ فيفهمه. وفجأةً تخطر في باله فكرةُ تعليمه الكلام، ومن بعد، تلقينه القرآن، وإفهامه جوهر الدين وباطنه، فيصبح أخًا له كنفسه، ويكون له عند الله أجرٌ عظيم. ودعا آسال صاحبه: “حَيّ بن يقظان”.

أمسك حَيّ بيد آسال مُبتسمًا له، وقاده. فتبعه آسال في دروبٍ مُتفعيِّة المنعرجات، وبين صخور دهرية، حتى وصلا إلى كهفٍ صغيرٍ سدَّه شبه باب من القصب المقوّى بالأغصان، ففتح حَيّ الباب، ودخل وآسال وراءه كظلِّه. وإذا في أرضِ الكهف حجارةٌ مُسنَّنة مختلفة، وعيدان بشكلِ حراب، وجلودُ حيواناتٍ مفروشة؛ وفي زاويته سلٌّ من القصب فيه تفاح وموز وتمر، وفي الزاوية الأخرى فجوة صغيرة تؤدي إلى خمِّ دجاج.

يستعرض آسال ما في الكوخ مدهوشًا، مسائلاً نفسه: ترى، أهكذا بدا الإنسان الأول؟ أتكون هذه بداية معراج المعرفة؟ من يستطيع أن يكشف داخل هذا الكائن الوحشي؟ أسعيدٌ هو أم شقي؟ تراه اهتدى إلى وجود الله أم لم يهتد؟ لكن لِمَ إضاعة الوقت؟ فليبدا تعليمه اللغة، فهي الكفيلة بكشفِ أمره، وفض سره.

أخذ آسال يتناول الأشياء واحدًا واحدًا، من فاكهةٍ وأدوات، ثم يسميها لحَيّ، مكررًا أسماءها مرَّات، وحَيّ يردِّد وراءه ألفاظه والحبور طافحٌ على وجهه.

ومضت بضعةُ أشهر، وآسال يّعلمه… الالفاظ المحسوسة أولاً، ثم الجمل البسيطة، فالألفاظ المجرّدة المعاني، فالتراكيب المعقدة، فالمجاز، فالقرآن الكريم.

بعد مرور عامٍ كامل، كانت في أثنائه أواصِرُ الأخوة قد استوثقت بينهما، قال آسال لصاحبه:

– هي ذي الفصول كلّها تعاقبت، وأنا أعلمُلك؛ وها أنت الآن فصيح اللسان.

– أيشكر الطائر جناحهُ على الطيران، والمرءُ لسانه على البيان؟ وأنت كنتَ لي جناحًا ولسانًا.

– ألا تروي عطشي وتقصّ عليَّ حكايتكَ في هذه الجزيرة؟

– سلني فأجيب.

– من أبوك وأمك؟

– أبي وأميّ لا اعرف لي أبًا وأمًا سوى ظبية ربتني.

– ظبيةٌ ربتك!

– نعم، فليس في ذاكرتي سواها تعطف عليَّ في طفولتي.

– عجبًا والله! أيتصرّف الحيوان تصرّف الإنسان!

– أنسيتَ، يا أخي، ما علمتنيه من القرآن الكريم: (وما من دابةٍ في الأرض، ولا طائرٍ يطيرُ بجناحيه إلا أمم أمثالكم).

– صدق الله العظيم. وكيف تمَّ ذلك؟

فيمضي حَيّ في تذكر وقائع حياته:

– كأشباح منعكسة صورها على صفحة بحيرةٍ هادئة، تتراءى لي طفولتي. كنت أدرح وراء الظبية طفلاً صغيرًا… إن تعبتُ فوقفت حملتني، وإن جُعتُ حنَّتْ عليَّ، ومن ثديها أرضعتني، وإن ظمئتُ إلى الماء أوردتني.

كانت تحملني إلى مواضع الشجر المثمر، فتلتقظ ما تساقط من ثمارها الحلوة الناضجة، وتطعمني إياه؛ وما كان صلب القشرة تكسرُه لي بأضراسها.

في الصيف، كانت تنقلني إلى ضفاف الينابيع فأبترد، وفي الشتاء، كانت تدفئني بجسمها وبريش الطيور.

واستمرّت الحال هكذا حتى أصبحت يافعًا أتكلتُ على نفسي، وأدقق في ملاحظة محيطي، وأقارن بين الأشياء.

ولما بلغتُ أواسط العقد الثاني من عمري، لاحظتُ أن السوءات في الطيور يغطيها الريش، وفي حيوانات الأرض، تخفيها أذنابها وكونها تدب على أربع، فعمدت، أولاً، إلى قصف أوراقٍ عريضة، كسعفَ النخيل، سترتُ عورتي بها، ثم إلى الاستعانة بجلدِ حيوان. بعدئذٍ، فطنتُ إلى أن الأشجار تصلح أغصانها أدواتٍ لدفع الأذى عني أو إرهاب بعض الضواري، فاستعنتُ بها، أولاً، كما هي، ثم ثقفتها وأرهفتُ أطرافها؛ فكانت أفعل في صيدي لبعض الحيوان.

هنا، قاطعة آسال مُستفسرًا:

– والظبية، ما حلَّ بها؟

فتزاحمت سحائب الحزن على وجهه، ثم قال:

– بعد مرور بضعة أعوام، بدأ الوهن يغزو أمي ويغتالها عضوًا فعضوا؛ فاشفقت عليها، وأحسست بمعنى العطف الذي كانت تغمرني به، فازددت حبًا لها، ورحت أجتني الثمار الحلوة، وأطعمها إيَّاها، بعد أن كانت تطعمني.

وذات يومن رأيتها ممدَّدة لا حراك بها، فناديتها، ثم كرَّرت ندائي. وإذ وجدتها لا تلبيني، رحت أتحسَّسها وأحرِّكها، وهي جامدة باردة، حتى استبدَّ الاضطرابُ بي وشعرتُ أن حدثًا خطيرًا قد حدث لها، حدثًا شبيهًا بذاك الذي يحصل للحيوان عندما أطعنه بالرمح الرهيف فتسيلُ دماؤه. لكن أمّي لم يخرج منها أي شيءٍ منظور، فلماذا همدت، إذًا، وبرد جسدها؟ لقد استنتجتُ أن أمّي الحقيقية، تلك التي كانت تفهمني وتعطف عليَّ وترضعني، لم تكن تلك الجثة، بل شيءٌ لا منظور فارقها.

– وماذا فعلت بجثتها؟

– بعد أن نتنت، نفرتُ منها وطرحتها. وذات يوم رأيتُ غرابين يقتتلان، فصرع أحدهما الآخر؛ لكن الحيّ حفر حفرةً في الأرض ووارى فيها الغراب الميتَ بالتراب. فقلتُ إذا كان العدو قد فعل ذلك بعدوه، أفلستُ أحقّ بأن أفعل ذلك بجثة أمي! واقتديتُ به.

فقال آسال مُتأثرًا حزينًا:

– أين المدَّعون بالحضارة من ذلك؟ يقتلون أبناء جلدهم، ويطرحون جثثهم في العراء، فتنهشُها جوارحُ الطير وسِباعُ الأرض، بعد أن تنهشها أحقادُهم وتُمثّلَ بها مخالبُ ضراوتهم.

– تُحزنني، يا أخي، بأخبار الناس.

يطرِق آسالُ لحظات ثم يسألُ صديقه:

– هل حدث لك، بعد موت الظبية، حادث كبير آخر؟

فيروي حَيّ له قصة اكتشافه النار. فذات يوم، والحرُّ كان شديدًا، والشمسُ مُتوهجة، وريحٌ مُحرقة تهبُّ على الجزيرة فيحتكُ قصبها بعضُه ببعض، رأى حَيّ ألسنة حمراء تندلعُ في القصب، ثم تمتدُّ إلى الأشجار حثيثًا، فتلتهم كل ما تصادفه في طريقها؛ فوقف مشدوهًا إزاءها، ثم أخذ يقتربُ منها رويدًا رويدًا محاولاً أن يقبض على بعضها، فأحرق أصابعه، وارتد خائفًا… ثم التقط عُودًا اشتعلت النار في طرفه، وذهب به فرحًا إلى كهفه. ومع كرور الزمان، اكتشف منافع النار العظيمة، لشواء اللحوم، وللتدفئة أيام البرد، ولطرد الضواري…

ويقولُ حَيّ لآسال:

– ولا شك بأن اكتشافي النار كان أهم حدثٍ في حياتي، بعد اكتشافي الموت. لكن الحدث الأجلّ كان اكتشافي وجود النفس ثم وجود الخالق

فيقول آسال مُستغربًا:

– ما تقول: اكتشفتَ وجودَ الخالق ووجودَ النفس من غير كتابٍ مُقدس!

– ولِمَ الاستغراب؟ فنورُ العقل الذي أضاءه سبحانه في الإنسان لجديرٌ بأن يهديه إلى بارئه إذا لم يحجب النور بغمامِ الشهوات والمفاسد.

– فهمت. هكذا اهتدى سقراط وأفلاطون، من قبل، إلى وجود الله.

– ولذا آمنتُ سريعًا بما علمتنيه من وحيّ الله للأنبياء، لأنني وجدتُه يتَّفق وما اهتدى إليه عقلي.

– نعم، عقلكَ الصافي الذي لم تفسد رؤيته حُجب المدنية العمياء وغشاوةُ الغرور والكبرياء.

ويسأله آسال كيف اهتدى إلى ذلك. فيمضي حَيّ يشرح له كيف استطاع أن يرتقي من المعرفة الحسية الى المعرفة العقلية، فإلى استنتاج وجود الجوهر المشترك وراء المحسوسات والأعراض المُتغيِّرة، وضرورة وجود علةٍ أولى للعلل كلّها، علةٍ أولى لا تكون خاضعة لأي تبدل وفساد وتكونُ فاعلةً في كل شيء.

ثم يقولُ حَيّ:

– هكذا فهمتُ أن غاية الغايات لا يمكن أن تكون من مادةٍ عُرضةٍ للفساد، بل يجب أن تكونُ روحًا محضًا، وأن الطريق المؤدي إليها، أي إلى الكمال، يجب أن يتخطَّى التعلُّق بأيّ شيءٍ ماديّ أو أيَّةٍ قيمةٍ زائلة.

فيقول آسال وقد هاجت نفسه:

– أفرحتني، يا أخي، وأحزنتني.

– لماذا؟

– أفرحتني، لأنني آنستُ فيك إنسانًا فاضلاً استطاع أن يبلغَ بتأمله العقليّ الصافي ما بلغته أنا في تأملي كتب الدين. وأحزنتني لأنني تذكرت سبب هجرتي جزيرة مولدي.

– ولِمَ هجرتها؟

– حماسةٌ عظيمةٌ كانت تلهبني لهداية الناس إلى فهمٍ صحيحٍ للدين الحقّ والسلوك القويم؛ لكني، بعد سنواتٍ طويلة، ما استطعتُ أن أهدي حتى شخصًا واحدًا كان أعز أصدقائي.

– أحزنتني، والله. ما كنتُ أظنّ البشر هكذا!

– البشر؟ مُنحوا عقولاً لا يُشغلونها بمعظمهم، وإن أشغلوها ففي أعمال الشرّ والرذيلة.

– لكنكَ قلتَ لي إن رحمة الله تفتقدهم من زمنٍ إلى آخر، لضعف نفوسهم، فتُرسلُ إليهم هاديًا أو نبيًا أو رسولاً يُرشدهم إلى طريق الحقّ، ويبلغهم رسالةَ ربّه مؤيَّدةً بالمُعجزات.

– أجل، ومع ذلك، فهم لا يؤمنون ولا يتعقلون. وإن آمنوا فسرعان ما يضلُّون، إذ يجتذبهم جمع المال، وإغراء الشهوات الدنيوية، وحبّ الأمجاد الأرضية.

– سعيدًا مع الحيوان كنتُ في هذه الجزيرة، وأخباركَ غلغلت الحزن في نفسي، وأثارت شفقتي على الإنسان. فما أحلك الظلمة في نفوس البشر إن كانوا يعمون عن نور عقولهم مُضاعفًا بنور رسلهم وهداتهم!

– لنِسرِ نحو الشاطئ مُتأملين عظمة الله، ناسيين ضعف الإنسان.

ونظير كائنين هابطين من عالمٍ آخر إلى تلك الجزيرة الموحشة، كانا يسيران نحو الشاطئ صامتين، يرنوان إلى الشفق البعيد، حيث ألوانُ الغروب تضرج الافق فترسم عليه لوحاتٍ بيدٍ غير منظورة، وينصتان إلى ضجيج البحر كأنما يستكشفان مخبآته، فتتواصل سيَّالات نفسيهما وسيَّالاته. وإذا آسال يقول وهو يتأمل في البحر حزينًا:

– ليتني أملكُ عزمَ البحار… إذًا لهاجت أمواجي، وغمرت نفوس الناس، وغسلت أدرانها…

وبعد لحظاتِ صمت، يستدركُ قائلاً:

– لكن، أتكفي مياهُ البحار لغسلها؟

– حزينةٌ نفسكَ، يا آسال، كهذا الغروب!

– وكالشمس الغاربة يغربُ الأملُ في ذاتي.

– لا، يا أخي. ألا ترى الشمسَ تغيبُ في هجعة الليل، لتستيقظ مجددًا قوية الإشعاع؟ أفليست هي أمل الحياة ورمز التجدّد؟ هكذا يجبُ أن يبعثَ الأملُ فينا.

– ما تعني؟

– النورُ الغاربُ في الشفق أشعر أنه سيستفيق في نفسي مع انبثاق الفجر.

– ما فهمتُ

– دور الهداية  الذي كنتَ تقومُ به في جزيرتك، سأعتزمُ القيامَ به أنا.

– ما تقول؟ سنواتٌ طوال صرفتها أحاولُ هدايتهم، وسلاحي كتابُ الله مشفوعًا بالعقل والتأويل، وما اهتدوا. حتى صفوتهم، حتى أعزّ أصدقائي ما استطاعوا الارتفاع فوق المحسوسات، ولا تغلّب على شهواتِ الدنيا.

– لن أحدثهم بالدين، لن أستعين بأقوال الأنبياء وأساليبهم في الرموز والأمثال… سأكلمهم بالعقل الصرف، وأكاشفهم بما تجلّى لي في تجاربي الروحيّة.

– ما اختبرت الناس، بعد يا حَيّ ، وأخافُ أن تفشل، ويكون فشلكَ سببَ إفساد سعادتك.

– أما حاولتَ أنتَ ردَّهم إلى الطريق القويم؟ فلماذا تفوتُ عليَّ هذه الفرصة؟ سأخاطبُ عقولهم، فقط.

– الخطأ، يا أخي، في أنكَ تُشبهُ إدراكهم وإدراكك، ومُستواهم الروحي بمستواك. فمعظمُ الناس لا يفهمون الحياة إلا أكلاً وشُربًا وتناسُلاً…

يتأمل حَيّ في الأفق النائي حالِمًا، ثم يقول:

– سأحرك أذهانهم، سأوقظُ الخير الهاجع في نفوسهم، سأنمّي العطش في ذواتهم إلى المعرفة الروّحية… ويخالجني شعورًا بأنني سأنجح.

– ليكن الله بعونك.

– قلتَ لي إن عليهم مَلِكًا اسمُهُ سلامان، وهو صديقك.

– أجل.

– سننزلُ عندَه، وفي قصره أكلمُ صفوةَ الناس…

لكن كيف السبيلُ إلى جزيرتِك؟

– علينا مُلازمةُ الشاطئ، فعسى تمرُّ سفينةٌ تُقِلُّنا إلى هنالك.

 

الفصل العاشر

الامتحان

ما إن يصلُ ابن طفيل إلى هذه النتيجة من قصته حتى يعاوده العزمُ على مواصلة مساعيه لإصلاح الأمير وشقيقته. إنه يشعرُ أن كل يومٍ يمرّ عليه يأتيه بشعاعٍ جديدٍ ينضمُّ إلى جذوة النور المتوهّجة في نفسه. فهو أشبه بسراجٍ كلّما تقادم الزمنُ عليه، تعاظمت لهبته، وازدادت سطوعًا. لكن، لماذا لا يحدثُ الأمرُ نفسه مع الأمير والأميرة؟ أليست نفوسُ الناس جميعًا ذات طبيعةٍ واحدة؟ أم أن النفوس كالأطيار، تشتركُ في الأجنحة، لكنها تختلف في الأصوات والطبائع، إذ منها الوديعُ كالحمائم، ومنها الجارح كالعقبان، وبعضها يسمعك تغريد الكناري، وبعضها يسمعك نعيب الغربان؟

وحضر  رسولٌ من لدن أبي يعقوب، يُعلِم الفيلسوف برغبة الأمير في سماع القسم الثاني من القصة. فسُرَّ ابن طفيل، وتهلَّل وجهه، وازداد حبورًا وأملاً عندما رأى مجلس الأمير، والأميرة فتنة إلى يمين شقيقها. فقد اتَخذ ذلك إشارةً إلى أنه في طريق النجاح سائر، وأن إرادة الصلاح تُجاري إرادة الإصلاح في نفوسِ أهل البلاط.

تتبع جميع الحاضرين باهتمام ما كان يرويه ابن طفيل. وما إن فرغَ من قراءته حتى قال الأمير:

– لكننا سنبقى بشوقٍ لمعرفة كيف سيتحوّل شعبُ جزيرة سلامان، بفضل تعاليم حَيّ بن يقظان، إلى شعبٍ عاقلٍ فاضل.

فيُسارعُ أبو خَبل إلى القول:

– وكيف سيغدو أميرُ الجزيرة فيلسوفًا وحاكمًا تقيًّا صالحًا.

فيوضّحُ ابن طفيل أنه يتهيأ لإتمام القصة، ولا سيما إيجاد بداية معقولة لها تبرّر كيفية وصول حَيّ بن يقظان إلى الجزيرة، وأنه يميلُ إلى جعلِه يتولد تولدًا ذاتيًا من طينةٍ تخمرت في الجزيرة.

فيقولُ أبو خَبَل مخاطبًا الأمير:

– إذا صحَّ هذا الزعم، يا مولاي، فعلينا أن نفتش عن تلك الجزيرة، لعلَّ طينها يَلدُ لنا رجالاً يكونون خيرًا ممن تلدُهم نساءُ بلادنا.

فيضحكُ الجميع. وسرعان ما يقولُ أبو خَبل:

– ولكن، إذا كان طينُ الجزيرة يلدُ الرجال، فما يلدُ النساء؟

فيقولُ ابنُ طُفيل ضاحكًا:

– أشجارها تثمرُ نساءً.

وفي غمرة الضحك، يتعالى صوتُ أبي خَبل وهو يقفزُ فرحًا أمام الأمير ابن طُفَيل:

– إشهد، يا مولاي، أني اشتريتُ جميعَ أشجار تلك الجزيرة.

ينفضُّ مجلسُ الأمير؛ فيقصد ابنُ طفيل مكتبة القصر، ونفسُه يغمرها الأمل بنجاحِ مسعاه: أمير حكيم فاضل، وأميرةٌ حكيمةٌ فاضلة.

وما إن يستقر على إحدى الأرائك، مهنئًا نفسه، حتى تطلّ فتنة من الباب؛ فيبادر إلى الترحيب بها:

– أهلاً ومرحبًا بالأميرة.

فتغلقُ الباب وراءها، وتُحكمُ إقفاله، وهي تقولُ له:

– أهلاً بك، يا دماغَ الإمارة.

– يسرني أن أرى الكتاب الكريم في يد سيدتي؛ فهذا يزيدُني أملاً في نجاح مهمتي وجعل الحكمة والتقوى سلطانتين في هذا القصر.

تقعدُ فتنة، وبيدها المصحفُ الشريف، رامقةً الفيلسوفَ بنظرةٍ طويلةٍ، ثم تقولُ له:

– أقعُد، يا أبا بكر، ما بِكَ واقفًا؟

فيجلسُ ابنُ طفيل بعيدًا عنها بعض الشيء. فتغيرُ فتنة مقعدها متَّخذةً أريكةً أقرب إليه، وهي تقولُ له:

– إقترب، يا أبا بكر، اقترب؛ ففي رأسي سؤالٌ أطرحه عليك.

– ما هو؟

فتفتحُ القرآن الكريم، وتقرأ على مهل:

(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلَّقت الأبواب وقالت: هيتَ لك). ثم تنظر إليه نظرةً طويلة تتنزى الشهواتُ منها تنزي الأفاعي المسعورة. فيقول ابنُ طفيل مُرتبكًا:

– هذه في قصة يوسف مع المرأة التي حاولت إغواءه. فتقترب فتنة منه حتى تكاد تلاصقه، وتقول له بغنجٍ ودلال:

– أحسنتَ، يا دماغ الأميرة وقلبها. لكن، أتعرف ما كان اسمُ تلك المرأة؟

– يُقال إن اسمها زُليّخا.

فتميلُ عليه مُلتصقةً به، وتقولُ هَمسًا:

– ولِمَ لا يكون اسمُها فتنة؟

فينتفضُ ابن طفيل واقفًا، مُضطربًا، قائلاً:

– هلا قرأت سيدتي بقية الآية.

فتسأله فتنة وهي تحاولُ تطويقه بذراعيها:

– وما هي؟

فيقولُ ابنُ طفيل بحزمٍ محاولاً التخلُّص منها: (قال: معاذ الله، إنه ربِّي أحسنَ مَثواي. إنه لا يُفلِحُ الظالمون).

فتحاول فتنة مُعانقته بقوّة؛ لكنه يمانعُ مُتملصًا من ذراعيها.

– أتمانع؟

– قال الرسولُ الكريم: “لا يخلون رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان”.

– وما المانع إن كان شيطان الفلسفة؟

– هلا تسمح السيدة لأحدنا بالانصراف.

فتقول فتنة بغيظٍ وغضب:

– أتصرفني من قصري؟

– بل أصرفُ نفسي.

ويهمّ بالخروج من المكتبة؛ لكن فتنة تحدجُهُ بنظرةٍ غضبٍ، وتخرجُ وهي تقولُ له:

– ليس في عروقِكَ دَم، بل ماء… ماءٌ آسِن…

وإذْ يتسمَّر ابن طفيل في وسط المكتبة مُضطربًا، يدخلُ أبو خَبل إليه، مُحملقَ العينين، مُبتسمًا ابتسامةً عريضة، ويقول له:

– أوجدت بداية قصتك؟

فيجيبه الفيلسوفُ حانقًا:

– أسكُت يا…

– أحمق… أنا وجدتها. إسمع: كان إزاء الجزيرة التي وجد فيها حَيّ بن يقظان جزيرةٌ أخرى، وعليها ملكٌ أنوفٌ غيور. وكانت له أختٌ هي فتنة في الجمال. فمنعها الزواج حتى عنستْ. وكان له وزير يسمى ابنو طفيل… فيقطب ابن طفيل حاجبيه مستاءً؛ لكن أبا خَبل يتابع:

– عفوًا… كان له صديقٌ يُسمى يقظان… فأغوته حتى تزوَّجها سرًا. ثم حملت منهُ. ولما خافت أن يفتضح أمرُها، وضعت طفلها في صندوق مُحكم، وأودعته ساحل البحر؛ فقذفهُ الموجُ إلى جزيرةٍ أخرى. وهناكَ علا صياحُ الطفل؛ فأتتهُ ظبيةٌ فقدت ولدها، فعالجت أخشابُ الصندوق المتقلقلة حتى ظهر الطفل لها، فحنتْ عليه وتعهدته.

فتنفرجُ أساريرُ ابنُ طفيل بعد عبوسه، ويقول لأبي خَبل:

– إنكَ لخبيثٌ ذكي، لكن ما ربحت الرهان بعد.

– صرت منه في نصف الطريق.

ويضحك أبو خَبل ضحكةً مدوِّيةً ويخرج.

فيُطرق ابنُ طفيل قائلاً لنفسه: أتكونُ هذه ثمرة جهودي الفلسفية الإصلاحية، في هذا القصر، بعد سنواتٍ طوال! لكن أملي ما تلاشى بعد، فما يزال معقودًا على الأمير.*

يتبع في العدد المقبل                                                                                       

 

 

VOL 4 N.1 

من ص     64 إلى ص 75

 

دروب النار والنور (5)                                                                

 الفصل الحادي  عشر                                                        بقلم الدكتور غازي براكش

العدو الأقوى

بعد أسبوع، أقام الأمير أبو يعقوب مجلس غناءٍ وطرب، تبارت فيه الراقصاتُ برقصهنَّ العربي، والمغنياتُ بألحانهن الأندلسية. كانت وجوهُ الحاضرين، وهم كثيرون، طافحةً بالحبور والبهجة، وعيونُهم تتبعُ حركاتِ الراقصات واهتزازَ أعطافهنَّ؛ فتترجرجُ المقلُ بترجرجِ القدودِ الأماليد، وتنجذبُ إليها مُحمْلقة، حتى كأنَّها تحاول القفز من المحاجر للالتصاق بها.

وجهٌ واحدٌ بينها كان يبدو حزينًا، غريبًا عن محيطه، كنغمة الآه الجريح يصعدها نايٌ في حفل صاخبٍ يسودُهُ هرجٌ ومرج، وجهُ ابن طفيل ناظرًا أمامه في اللاشيء، بينما تحدّقُ عيناه إلى العالم الخفيّ الذي بناهُ في داخله، الآمال التي بدأت تنهارُ شيئًا فشيئًا انهيار بنيان شامخٍ أفنى الفيلسوفُ عُمرَه في تشييده. كان يشعرُ، وهو الرجلُ الثاني في الإمارة، أنهُ كانَ كأضعفِ الضعفاء، وأفقر الفقراء، لأنَّ سلطته على الناس لم تستطع، حتى الآن، أن تفتح البصيرة في اي نفسٍ منه. ومع ذلك، فإن عزيمته الجبَّارة جعلتهُ يُصارعُ يأسه، فلا يفقد أمله المعقود على الأمير وأُخته نهائيًا.

وفيما كانت آلاتُ الطرب تعزف، والقُدودُ تميسُ وتهتز، وحنجرةٌ ذهبيةٌ تصدحُ بلحنٍ شجيّ، تقدّم الحاجبُ إلى الأمير وهمسَ في أُذنه. وما لبثَ الحاجبُ أن خرج ودخل جنديٌّ بيده رسالة. فضَّها الأمير؛ وإذا بسمةٍ عريضةٍ تنفرشُ على شفتيه، فيزهر وجهه، ويلتفتُ إلى وزيره ابن طفيل ثم إلى الأعيان مُردِّدًا:

  • مات أخواي، ماتَ أخواي عبد الله وعلي! فيريُن الوجومُ على الوجوه؛ لكن الغناء يبقى مُستمرًا، والرقص قائمًا. ويطغى فرحٌ وحشيٌّ على وجه الأمير، فيقول لأبي بكر:
  • الآن يطمئنُّ عرشي، الآن يطمئنُ فراشي، الآن أستطيعُ إعلان نفسي خليفةً وأميرًا على المؤمنين.

وإذا بأبي خَبَل يقفزُ من آخر القاعة حتى يصِلَ إلى جوار ابن طفيل، فيهتف:

  • ليعشْ أميرُ المؤمنين الفيلسوف، لِيَعشْ أميرُ المؤمنين الفيلسوف. ثم يقول بصوتٍ خافتٍ ولكن مسموع:
  • ولتعش امرأتي الفيلسوفة.

فيضحك الأمير، ثم يقول مُبتهجًا:

  • يا أبا خَبَل، أعدائي جميعًا زالوا في المغرب والأندلُس، أعدائي جميعًا زالوا.

فيقولُ ابن طفيل له بحزن بالغ:

  • بقي لك عدو واحد، يا مولاي، ما استطعت التغلّب عليه، عدو واحد هو الأقوى.

فينتفض الأميرُ بغضبٍ قائلاً:

  • مَن هو؟ من هو لأمحقه؟

فيجيبه ابن طُفيل:

  • نفسُكَ، نفسُكَ، أيها الأمير.
  • شيخوختُك تنطقُكَ بهذا الكلام، يا ابنَ طفيل.
  • حقًا، يا مولاي. كبرتْ سني، وأرهقتني الفلسفة في دياركم. فهلا تُعفيني مما أوكلتَ إليَّ من شرح أرسطو وسائر الأمور الفلسفية.
  • أعفيناكَ، شرط أن يقوم مقامك آخر.

ثمَّة رجلٍ قد يكون له حظٌ في الفلسفة عندكم أكثر منّي

  • مَن هو؟
  • ابنُ رُشد.
  • حسنًا. إعمل سريعًا على تقديمه إليَّ. واعمل أيضًا على أن تُقام احتفالاتٌ كبرى لمبايعتي بالخلافة، بعد أسبوعين.
  • أمرُ سيدي. هلا يأذنُ لي مولايَ بالانصراف الآن، فرأسي أصابَه صداعٌ شديد.

ينسحبُ ابنُ طُفيل من المجلس وعيناهُ زائغتان، والأرض تميدُ به فيكاد يهوي.

ويشتدُ الصداعُ عليه، ثم يجتاحُهُ انهيارٌ عصبي، فيلازمُ فراشه في جناحه الخاص بالقصر.

ويمضي يومان لا يزورُهُ فيهما أحد من رجال القصر ولا من الأعيان؛ ولولا الخدمُ القائمون على خدمته. لكان منقطعًا عن العالم. لقد بدأ يشعرُ بوحدةٍ قائلة، وبمسافة هائلة تفصلُهُ عن أهل البلاط، مع أنه يعيشُ بينهم. بدأ يحسُّ أنه من عالم آخر، وإن انتمى بجسده إلى هذا العالم. حتى فتنة، تلك الغادة التي أمضى الساعات الكثيرة في تعليمها وإرشادها، وأفنى الليالي الطويلة في مُناجاةِ طيفها، وأحرق أعصابَه في مصارعه شهواته حتى يصعد بحبّه لها، فتنة التي حاولت اقتحام سدوده الجسديَّة، منذ بضعة أيام، محمولةً بطوفان انفعالاتها ونزواتها، أين هي؟ لماذا لم تزره، وكثيراً ما زارها في ساعات مرضها أو بالأحرى تمارضُها؟ أيكونُ حبُّها له مجرد شهوة متأجِّجة جامحة، ليس لها أي وجهٍ إنساني عاطفي صادق؟

بينما هو سابحٌ في بحرٍ من الآلام النفسية تلاطمهُ أمواجُ الهواجس والوساوس، والليلُ قد بدأ يمحو معالم الكائنات، دخلَ عليه الحاجبُ يستأذنُ لدخول (حبَّابة) جارية الأميرة فتنة.

ما إن تقدَّمت إلى سريره، حتى بادرها بالقول مُضطربًا، وقد تحرَّكت عواطفه:

  • أألمَّ بمولاتك مرض؟

فأجابت وهي مُرتبكة خائفة:

  • لا، يا سيدي.
  • هل أصابها مكروه؟

فأخذَت تبكي… فازداد اضطراب ابن طفيل، ونهض من سريره قائلاً وهو يشرقُ بريقه:

  • لِمَ تبكينَ إذًا؟
  • أبكي على نفسي.
  • أفصِحي.

فتركَعُ عند قدميه ودموعها تتساتلُ على خدّيها. فينهضها ابنُ طفيل، ويربتُ على كتفها تحببًّا. فتهدأ وتقول له:

  • بينما كنتُ واقفةً في الممر المؤدي إلى مقصورةِ مولاتي فتنة، وقائدُ الحرس عندها، سمعتُه يقول لها إن الأميرَ وافقَ على زفافها إليه، وحفلُ الزفاف سيُقامُ بعدَ أسبوع.

فيقولُ ابنُ طُفيل مضطربًا مُتعجِّبًا:

  • فتنة ستتزوج قائدَ الحرس (أحسن)!
  • نعم، يا سيدي. لكن لستُ لذلك جئتُ إليك.
  • لماذا إذًا؟
  • سمعتُ فتنة تقولُ لأحسن، بعد أن سألها عن عواطفها نحوك: “لم يختلج قلبي بأيَّه عاطفة نحوه، منذ أن عرفته. لقد كان ابن طفيل لي موضوع لهوٍ وتسلية، لا أكثر”. فضحك أحسنُ وقال لها: “إذن اعرفي أنني أنا الذي اعتديتُ عليه، عندما كان مارًا في الحديقة ليلاً”. فأخذت الأميرةُ تضحك، بينما يروي لها كيفَ طعنكَ بالمدية، وانهالَ رفيقاه بالضرب عليك. ثم قالت له: “ليتَ الطعنةَ كانت أعمق فأصابت قلبه الذي لا يفهم من الحبّ شيئًا”. وأخذ الاثنان يضحكان.
  • روت حباَّبة الخير بصوتٍ متهدِّج، ثم عادت تبكي. فسألها ابنُ طفيل وهو يُربتُ على كتفها:
  • لماذا تبكين ولماذا أتيتِ إليَّ تخبرينني بالأمر، وهي مولاتكِ؟

    – لأنني…

  • لأنكِ ماذا؟
  • لأنني أحبُّكَ.

وجمَ ابنُ طفيل مُستغربًا، محدِّقًا إليها. فاستقوت، بعد لحظاتِ صمتٍ مؤثرة، وتابعت قائلة:

  • أجل، أحببتكَ مُذ رأيتُكَ وسمعتُ أهلَ البلاط يتحدَّثون عنك، عن أفكارك وتعاليمك وروحانيتك. كنتُ إذا نظرتُ إلى وجهك، رأيتُ فيه نورًا خفيًا. أجل، أحببتُكَ مثلما أحِبُّ العطر والفجر، مثلما أحبُّ ذكر الله.

جالت دمعتان في عيني ابن طفيل، وقال لها:

  • أنتِ الأميرةُ الحقيقية في هذا القصر، يا حبَّابة. عودي إلى جناحِ مولاتكِ، واكتمي خبر زيارتكِ لي، وانسي ما سمعت، لئلا تصيبك فتنة بأذى؛ فالمرأة التي تخدمين خلعت عنها ثوب التنكر، فبَدَت على حقيقتها: أفعى فتاكة السم.
  • ما إن تنصرف حبَّابة، حتى يستأذن الحاجب لدخول أبي خَبل. فيدخل مُسلمًا، ثم يقولُ مضطربًا:
  • – سيدي الوزير، سيدي أبا بكر…
  • ما تريد؟
  • حزينة نفسي كنفسك. جئتُ أشاطرك الأسى.
  • شكرًا لك. طيب القلب أنتَ، يا أبا خَبل، بل لأنتَ أطيبُ قلبٍ في هذا القصر، ولعلكَ صديقي الوحيد.
  • أمر فظيع، يا مولاي، أن يقتلَ إنسانٌ أخويه بالسُّم، ليخلوَ له العرش!
  • حذارِ أن تتلفَّظ بهذا ثانية، يا أبا خبل؛ فالجدران لها آذان، وأميرُ المؤمنين لن يقبلَ أن يُسمّى قاتلاً.
  • هل لي بطلبٍ، يا أبا بكر؟

فيقولُ ابنُ طفيل مُبتسمًا:

  • أن أدفعَ لك مبلغ الرهان.
  • لا، فالمالُ هان عندي، كما هانت الدنيا كلها.

فيعانقُ ابنُ طفيل أبا خَبَل بتأثرٍ بالغ، ثم يسأله:

  • ما تريد، أيها الصديق؟
  • أن تتوسط لي لدى الأمير، فيقبل استعفائي من مهمَّة تسليته، فقد قامت في نفسي مناحة، فكيف أقوى على إضحاكه!
  • سأكلمُهُ بالأمر، شرط أن تتمارض وتلازم بيتك لا أقل من شهر.
  • هل لي أن أسألك طلبًا آخر؟
  • تكلَّم.
  • أن تكملَ لي قصةَ حَيّ بن يقظان.
  • نِعمَ الطلب. أتذكر أين وصلنا من القصَّة؟
  • نعم. إعتزمَ حَيّ أن يهدي الملكَ سلامان وشعبه إلى الصلاح والحقائق الروحية عن طريق العقل فقط.
  • أحسنتَ.

يطرق ابن طفيل، ثم ينهض ويجعل يتمشى.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني عشر

الإصلاح المستحيل

يروي ابن طفيل لأبي خَبل تتمة القصّة التي لم يكتبها، فيقول:

لزِمَ آسال و حَيّ بن يقظان الشاطئ، حتى أقلّتهما سفينةٌ إلى جزيرة الملك سلامان. وهناك نزلا ضيفين عليه. وبعد أن روى حَيّ لسيد القصر ورجاله قصة حياته في الجزيرة، ولقائه مع آسال، شرعَ تنفيذ خطته التي قدم إلى جزيرة سلامان من أجلها.

فذاتَ يوم، ومجلس الملك منعقد، والقاعة تغصُّ بالأعيان ممن سمعوا بالقصّة الغريبة، وقف حَيّ بن يقظان. وعليه جلد حيوان، إلى يسار الملك، فيما وقف إلى يمينه آسال بجبته السوداء، ثم خاطب حَيّ المجتمعين قائلاً:

  • أيها الإخوان، إني رسولُ العقل إليكم. ومع أني آمنتُ بما تؤمنون، فسأكلمكم بما اهتديتُ إليه من المعرفة العقليَّة والروحيَّة بمعزلٍ عن مدنيتكم وأديانكم. أنتم تبحثون عن السعادة ومن اجل بلوغها، شيدتُم المباني الفخمة، ورصفتم الطرق، وأقمتم الخدم والحشم، ولبستم أفخر الحلل، واستعنتم بالمُخترعات، وتفنَّنتم بالأطعمة والملاهي، وانتهبتم اللذائذ الحسيَّة انتهابًا، وحرصتم على تكنيز المال وتحصيل المجد… ومع ذلك، فإني على يقين بأن السعادة ما تزال بعيدةً عنكم بعد السماء عن الأرض.

فيعلو صوتٌ من الحاضرين بنبرةٍ عصبية:

  • هل أنتَ سعيد؟

فيجيبُ حَيّ:

  • أنا نشأتُ في جزيرةٍ مهجورة، وعاشرتُ الحيوان دونَ الإنسان، وكانَ بيتي كهفًا، وطعامي ثمارَ الأرض؛ ولولا هذا الرجلُ الطيب (مُشيرًا إلى آسال)، لبقيتُ في جزيرتي وحيدًا، بعيدًا عن مدنيتكم؛ ومع ذلك كنتُ سعيدًا.
  • فتتعالى أصواتٌ من الجمهور مُختلطة:
  • هذا تحقيرٌ لنا… هذا تحقيرٌ لنا…
  • وإذا بأحدِ الحاضرين يسأل:
  • ما سِرٌّ سعادتِك؟

فيجيبُ حَيّ:

  • سرُّها أني اكتشفتُ أن الوجود الحقيقي في هذا الكون هو لواجبِ الوجود وحده، أي للكائن الأول الذي كوَّن الكون، وأن وجودنا خارجه لا حقيقة له، ولا معنى له إلا بنسبة ما نقترب إليه. وبما أنه روح محض لا يقيده زمان ولا مكان، فكلّ ما يبعدنا عن الروح المحض، ويكبلنا بقيود الزمان والمكان فهو يشقينا. فهمت هذه الحقيقة، ونفّذتها، فنلتُ السلام النفسيّ أي السعادة.

فتتعالى الأصواتُ مُختلطة:

  • هوذا يحدثنا بالألغاز… ما فهمنا شيئًا.

ينفضُّ المجلسُ، والحضور بين مُنكِرٍ وساخرٍ جاهل. فيصطحب آسال صديقه حَيّ بن يقظان إلى شاطئ البحر؛ وهناك عند أقدام البساط الموَّاج اللامتناهي، المفعم بالأسرار، يسألُ آسال صديقه:

  • أما زال في نفسكَ أملٌ لهدايتهم إلى الروحانية الحقَّة عن طريق العقل، بعد اجتماعك الطويل معهم ونفورهم منك؟
  • ما يزال في نفسي أمل كخيط عنكبوت.
  • الروح العليّ الذي أوحى إلى الأنبياء، يا أخي، هو أحكم من الفلاسفة وأبصرُ بطبائع البشر؛ والمعرفة الروحيَّة المُنزلة وحدها يجب أن تصلَ إلى عامَّة الناس؛ إنَّ الأنبياء خاطبوا البشر وفق عقولهم، وشرَّعوا لهم وفقَ مداركهم وظروفهم.
  • سأحاول، بعد رمية أخيرة. يصعبُ عليَّ أن أتصور أني فشلتُ مع صفوة الناس.
  • لكنك قد تعرِّض حياتك للخطر. فأنت تحدِّثهم عن المعرفة العقليَّة والحقائق الروحيَّة، وهم حولك كقطيعٍ من الحيوانات الهائجة.

تناهت أخبارُ حَيّ إلى عامة الشعب، وعرفوا أنه سيخاطب مجلس الأعيان، يوم الجمعة، بعد الصلاة؛ فاحتشدت جماهيرُ غفيرةٌ في باحة القصر، وأخذت تصيحُ مطالبةٌ بسماع حَيّ بن يقظان؛ فخرج الملكُ و حَيّ وآسال والأعيانُ إلى الرواق المُشرف على الباحة، وطلب الملكُ إلى حَيّ أن يحدث الجماهير المُحتشدة.

فروى حَيّ لهم كيف نشأ في الجزيرة، وكيف اهتدى إلى وجود الله. ثم سألهم:

  • أيها الإخوان، هل تعبدونَ الله؟

فأجابتهُ أصواتٌ من الجمهور عالية مُختلطة:

  • نعم، نعبدُه.

وإذا بصوتٍ جهوريّ يتعالى من الحشود قائلاً باستنكار وغضب:

_ أيكفرُنا هذا الغريب!

تابع حَيّ قائلاً:

  • أتعبدون الله أحدًا لا شريك له؟

وإذا أصواتٌ مختلطةٌ تقول بحدِّة:

  • نعم، نعبدهُ أحدًا لا شريكَ له.

وعلا صوتٌ من الجموع قائلاً بنبرةٍ غاضبة:

  • إن كنتَ جاهلاً، فاعلم أن الشرَّاك قضينا عليه، والأصنام حطَّمناها، والجاهلية طويناها.

فقال حَيّ:

  • ولكنكم تُشر كون مع الله المال، والمرأة، وتعبدون أصنام الأمجاد والشهوات، وأوثان السلطات والرئاسات… فكيف تزعمون أنكم تعبدون الله أحدًا لا شريك له؟ وتدَّعون أنكم طويتم الجاهلية، ووحش الجاهلية ما يزالُ قابعًا في نفوسكم، وأنيابه تطلُّ من عيونكم!
  • فثارت الجماهير، وارتفعت أصواتها الهادرة قائلة، وقد اختلط الحابلُ بالنابل:
  • – إنه يكفرنا… أخرجوه.
  • أقذفوه في البحر.
  • لنصلبنَّه مقلوبًا.
  • لِنرجمْهُ في الساحة… لِنرجُمْه في الساحة.

وتهيجُ الجماهيرُ هيجانُ نمرٍ عملاقٍ جريح، ويهجمون على حي وآسال؛ فينال الرجلان منهم بعضَ اللكمات والخدوش. وسرعانَ ما يأمرُ الملكُ الحرَسَ بحمايتهما وإبعادِ الجمهور المسعور عنهما.

وبعد أن يخلو الملكُ سلامان بهما، داخل القصر، يخاطبهما قائلاً:

  • أسف لما حدث لكما. ما كنتُ أتوقع أن يهيج الشعب هكذا. كلّ ما أستطيعه الآن هو أن أحميكما لتصِلا إلى الشاطئ فتبحرا…

جماهير الشعب!… هذا الوحشُ الأسطوري الذي يدبُّ على ألوفٍ من القوائم، وعند هيجانه، تقودُهُ غريزةٌ واحدة: أن يدمّر كلّ ما في طريقه، وأن يَلِغَ ويَلِغَ في الدماء ولا يرتوي!…

إنتظر المُضطهدان حتى حان المساء، وهمد غضب الشعب مع همود فورة الحياة في الطبيعة. إذ ذاك اتَّجه حَيّ وآسال إلى البحر ومعهما بعضُ الحرس، فأبصرا، عند الشاطئ جمهورًا غفيرًا يصيحُ مهدِّدًا… فشقَّ الحرس لهما بصعوبة إلى الشفق البعيد: (أم تحسبُ أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون. إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلا).

أما آسال فقد رأى امرأته وأطفاله عند مرسى السفينة، فعانقهم بشوقٍ وحنين، وقد اختلطت دموعه بدموعهم، ثم تقدَّم بسرعةٍ إلى السفينة. وما إن اعتلاها، حتى نفض الجماهير الغاضبة بنظرةٍ فيها من الشفقة بقدر ما فيها من السخط، وهو يقول في نفسه: إن طوفان البحار لن يكفي لغسل نفوسهم من الأقذار. إنهم بحاجةٍ إلى طوفان جمرٍ ونار، فإلامَ، إلامَ، يا ربُّ الانتظار؟ فعسى يولدُ من رمادِ الحريق أجيالٌ من الأنقياء والمُبصرين الأحرار.

 

الفصل الثالث عشر

الربيعُ والخريف

بعد أسبوع، يقامُ حفل الزفاف. فيغتنمهما الأميرُ فرصةً ليجعل المناسبة مقدِّمة للاحتفالات الكبرى التي ستقام بعد أسبوع آخر، عندما سيعلن تنصيب نفسه خليفةً على المسلمين. فيلبس القصر أبهى حلله، ويزيَّن بالرياحين، وتفرش قاعاته بالزرابي.

منذ الصباح، شرعت الأبوابُ على مصاريعها، فتدفّق المهنِّئون الفضوليون أمواجًا أمواجًا. وفي الساعة المحدَّدة، قُرعَت الطبولُ والدفوف، وضربت الصنوج، ونفخت الأبواق؛ فدخل أبو يعقوب يحفُّ به صحبُه، وتكتنفُهُ هالةٌ من الأبهة والتكريم، فجلس على كرسي الإمارة، وإلى جانبه وزيرُهُ ابنُ طفيل وأحسنُ، قائد الحرس، ثم سائرُ الأعيان.

وما هي إلا هنيهات حتى أخذ يعزفُ لحن اندلسي حنون؛ وإذا بأسرابٍ من الراقصات الفاتنات تنتشر انتشار الشرار الملوَّن في حلبة الردهة؛ فتلتهبُ الأكُفُّ والعيون.

ثم تبزغُ من المدخل صفوفٌ من الوجوه الساحرة، والقدود الميَّاسة الناضرة، تتقدمها العازفات، ثم أرتال من الحسناوات الرافلات بكل هفهفاتٍ مُصبغ، ووراءهُنَّ تميسُ الأميرةُ فتنة بمعرضها الفضفاض الفتَّان، وزرافاتٌ من الكواعب الغيد يحملن ذلاذلها؛ فاجتذبت العيون إليها، فتسمَّرت الأحداقُ عليها.

جلست فتنة على منصَّةٍ خاصة، تحيط بها الوصيفاتُ، وحواليها نُسِّقت باقاتٌ من الرياحين الرائعة، فبدت عروسًا من الجنّ في قصرٍ عجيبٍ مسحور.

كان الأمير يطفحُ وجهُهُ عزمًا وحُبورًا، وعلى يمينه وزيرُهُ ابن طفيل يحاولُ جهدَه إخفاء حرقةِ قلبه، ولواعج نفسه الكاوية، فيفلحُ تارةً، ويفشل طورًا، فيبدو كالخريف المصوحة أزهارُه وأشجارُه، والملبّدة بالمكفهر من الغيوم سماؤه. أما أحسنُ الجالسُ عن يسار الأمير فكان أشبهَ بالربيع المتنَّزي دفئًا وحيوية، الطافر على التلال والمروج ضحكًا ومرحًا. فأي تناقض جمع قلبين على امرأةٍ واحدة: قلبٍ أحبّها لنفسها حبًّا عميقًا صافيًا فامتنع عن الزواج بها، واكتوى بالألم، ليبقى حبّه لها شفافًا نورانيًا، فقابلته بالمكر ثم بالجفاء والكراهية؛ وقلبٍ أحبّها لمكانتها، طمعًا بالحُظوة والمجد الدنيوي، فلبته شهوة تضاجع شهوة، وترابًا يعانق ترابًا.

أما الأمير فكان ينقل نظرهُ بين أخته العروس وحسناء باهرة الجمال جالسةٍ عن يسارها. إنسيةٌ تؤكدُ عينه أنها حورية هبطت من بعض الفراديس. وضعت على رأسها خمارًا أبيضَ شفافًا، فلاحَ وجهُها الصبيحُ من خلاله كالقمر الوضاء يلوحُ من خلال غيمةٍ لجينيةٍ شفافة.

   سأل الأميرُ عنها، فعرف أنها ماجدة شقيقة أحسن، وقد اختارتها فتنة لتكون وصيفتها الأولى في يوم زفافها.

   حاول الأميرُ أبو يعقوب أن يتناساها هُنيهات؛ لكن جاذبيتها سرعانَ ما أسرت عينيه، فكانت نظراته إليها كنقراتِ عصفور لحبَّةٍ مُفلَجةٍ شقراء من التين المعسول، كلما عاود النظر إليها، ازداد تلذذًا ورغبة في التكرار. وكأنما وصل قلبه بعينيه سِلكٌ حساسٌ خفيّ، فصارت خفقات قلبه تسارعُ أكثر، وتهيجُ أشواقُه هياجًا أكبر، كلما طالت رنواتُه إليها.

إنقضَت ليلةُ العُرس. صباحَ اليوم التالي، أظهرَ الأميرُ رغبته لقائد الحرسِ في اتخاذ شقيقته زوجة ثانية له. فكان فرحُ أحسن بالبُشرى أعظم من فرحِ الخاطب، لأن أواصرَه بالأمير ستزدادُ توثقًا وقوة، ونجمه سيزدادُ تألقًا.

ورتَّب الأمر حتى يكون زواجُ أبي يعقوب بماجدة في يوم تنصبية خليفة، فتزدوجُ الفرحةُ وتكبر.

وتواصلت الأفراحُ في القصر، وتوالت الاحتفالاتُ، وعمَّت الزين حتى انتقلت عدواها إلى الشعب، فدخلت المنازل، وشاعت في الأحياء، وصارت البلادُ كلّها في مهرجان كبير.

وفي اليوم المحدَّد ازدحمت الساحاتُ بالخيول والعربات، واكتظت حدائقُ القصر وباحاتُه بالجماهير التي رنَّحها الطرب، وغصَّ القصر بوفود الأعيان والولاة يبايعون أبا يعقوب بالخلافة، ويهنئونه بالزواج الميمون.

أما ابن طفيل فكان يصرّف أمور الوزارة مأسورًا، ويشارك بالأفراح مقهورًا. وما إن همد ضجيجُ الاحتفالات حتى أخذ ينطوي على نفسه أكثر فأكثر متأملاً في عالمه الباطني، متألما مما يجري حوله من أحداث، كاظمًا سخطه على قائد الحرس، بعد أن اكتشف أنه عدوه الألد الذي كاد يودي بحياته. فليس من السهل شهر العداوة على صهر الخليفة وزوج شقيقته. فليتصرّف، إذًا، تصرّف الفيلسوف الحكيم، مؤمنًا بأن كل سببٍ لا بدَّ من أن يولد عاقبته الخاصة، وبأن الليالي يَلِدْنَ كل عجيب.

بعد أسبوعين على زواج فتنة، قدمت جاريتُها حبَّابة تستأذنُ في الدخول إلى ابن طُفيل. وما إن حضرتْ بين يديه حتى مثلتْ خاشعةً خشوعَ طفلةٍ بريئةٍ حييةٍ اقترفت خطأً جسيمًا، فوقفت تؤدي الحساب أمام والدِها؛ فانعطفَ عنقُها الريَّانُ على صدرها الناهض انعطافَ زنبقةٍ صوَّحها الهجير، وتهدَّلَت ذراعاها كعُسلوجَين قصفتهما يدٌ عتيَّة. سألها الفيلسوفُ مُتأثرًا أن تتكلم، فتورَّدت وجنتاها الرخصتان، ونطقت عيناها البنفسجتان بالدموع.

دنا ابن طفيل منها، ووضع يده على رأسها، ثم انزلها مسح شعرها الغدودَن المستريح على منكبيها، وقال لها:

  • ما بكِ، يا عزيزتي، هدئي من روعِكِ وتكلّمي.
  • فأخبرته بصوتٍ رقيق متهدج أن فتنة فصلتها من الخدمة، لأنها رأتها غريرةً بسيطة القلب، وهي تريدُ جاريةً داهيةً حنَّكتها تجاربُ الحياة.

فهمَ ابنُ طفيل فورًا أن ما زعمتهُ فتنة إنما هو تبريرٌ إيهاميٌّ لصرف خادمتها، وأن السبب الحقيقي يكمنُ في إطلاع حبَّابة على حياة الأميرة الخاصة وعلاقاتها مع كثيرين من رجال القصر؛ وقد تكونُ فتنة اكتشفت عاطفة حبَّابة نحو ابن طُفَيل، وهو أمرٌ يحملُ المجازفة للأميرة، لأنها ناصبتهُ العداء، وزوجها كان وراءَ محاولة اغتياله.

عطفَ ابنُ طفيل على حبَّابة؛ ونُزولاً عند رغبتها الملحاح، اتَّخذها خادمته الخاصة.

وتوالت الأيام… فكان كلما خلا بها، اغتنمها فرصةً للتصعيد بأيةِ شهوةٍ حسيةٍ تنتابُهُ إزاءها؛ فراحَ يحدِّثها عن الحبِّ الإلهيذ، والانتصار على النفس، وجمال الزُّهد… وإذا بنهر عواطفِه وأشواقِه الذي كان متّجهًا نحو فتنة، يعذُبُ ماؤُه، ويصفو رُواؤُه، ويتحوّلُ إلى حبَّابة.

لقد ندمَ على الساعات الكثيرة التي سفحها من أجلِ تعليمِ فتنة، وإيقاظ روحِ الزُّهدِ فيها، وأدرك تمامًا معنى الآية الكريمة: (إنكَ لا تهدي مَن أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء). لقد أحبَّ أن يهدي الأميرة، فأخطأ الرمية، واهتدت جاريتُها.

لقد أفضت مُجاهدةُ ابنِ طُفيل لنفسه إلى أن يجعل حبّة لحبّابة كحب والدٍ لابنته، كما جعلها في حبذها له تشعرُ بالسلام النفسي والطمأنينة؛ فكانت تنظرُ إليه نظرتها إلى كوةِ النور التي منها ترى وجهَ الشمس. وبين قلوب النساء الكثيرات اللواتي أحطنهُ إحاطة عقد الياسمين بالجيد، كان قلبُ تلك الجارية البريئة البسيطة الوحيد الذي أحبّهُ حبًّا صادقًا.

أما أبو خَبل فكان يزورُهُ، من حين إلى آخر، ويذكرُهُ بسهامه اللاذعة التي كان يرشقها في مجالس الأمير؛ فيعترف ابن طفيل بأنها كانت الأكثر إصابة. فهي أشبه بمبضع الجراح البارع يستهدفُ الدمل فيبزله بضربةٍ واحدة.

   ومثلُ شقيقة الأمير وجاريتها رآهُ ابن طفيل ينطبقُ على الخليفة ومهرجه. فمن غرائب الأقدار أن يكون المهرّج أقربَ إلى قلبِ الحياة، وأدرى بجوهرها وحقيقتها من السلطان نفسه. فكأن ضعَةَ المكانة الاجتماعية تقرّب الإنسان إلى الحقائق أكثر من رفعتها، لأن غشاوة الغرور والكبرياء رآها الفيلسوفُ تزدادُ كثافةً على بصيرة الإنسان، بقدرِ ما يرتقي في العراج الاجتماعي، إلا إذا تمتّع المرءُ بنعمة التواضُع فزانَ بها مجدّه الدُّنيوي؛ وهي حالةٌ نادرة.

هذا الواقعُ أحزنَ ابنَ طُفَيل، إذ جعله يقطع كل أملٍ بإصلاح المجتمع بدءًا برأسه السياسي. وتأكد له أن أي مجتمعٍ لا يتمَّ إصلاحُه إلا بدءًا بأفراده نفسًا نفسًا. فأفرادُ الشعب كالحجارة في مداميك الهرم السفلى، إذا كانت سليمة صلبة، فلا خشية على انهياره. ذلك فضلاً عن أن النفوس البسيطة تكونُ أشبه بالبحيرات الصافية تشفُّ للعين عن أعماقها. ففي حين كانت علاقة أبي خَبل وحبَّابة به صريحة مُستقيمة، كانت علاقاتُ الأعيان به مبطَّنة بالمجاملة الكاذبة والنفاق. فحيثُ تكثرُ الأطماعُ تكثرُ المفاسد.

الفصلُ الرابع عشر

السيف الناري

قُبيل زواجِ فتنة، قرَّ الرأيُ في البلاط على توسيع مقرّ سكناها. فضم إلى جناحها القديم عدّة غُرَفٍ وأبهاء كانت ملاصقةً لجناح الخليفة. وعهدت الأميرةُ إلى قهرمان القصر (أبي خميس) في تأثيثها بالرياش الفاخر.

كان القهرمان رجلاً سمهري القامة، حسن الهندام، ريانَ الوجه، داهيةً في تصريفِ الأمور، يستبيحُ كل المحرَّمات في سبيل الوصول إلى مُبتغاه. فلم يمضِ بضعةُ أسابيع على زواج فتنة حتى توطدتِ العلاقةُ بينها وبينه، فكان يُكثِرُ من التردّد إلى جناحها بحجّةِ مراجعتها في شؤون الأثاث.

ولاحظت فتنة أن زوجها بدأ يشكُّ في علاقتها بالقهرمان؛ فكان يترصّدها، ويبثُّ عيونًا عليها، الأمر الذي أثار حفيظتها. لكنها كتمت غيظها حتى لا يفتضح أمرها، وأخذت تفكر في وسائل تحصِّنُ بها نفسها ضد زوجها.

ومضت قرابةُ ثلاثة أشهر على زواج الخليفة؛ فإذا بامرأته ماجدة حُبلى؛ فكان فرحُهُ أعظم من فرحِها، وأخذَ يحيطها بفائق العناية؛ وتزداد هي غُنجًا ودلالاً.

وبعد تسعةِ أشهرُ، وُلِدَ للخليفة صبيان توأمان؛ فكان الابتهاجُ في القصر عظيمًا؛ فأقيمت معالم الأفراح، وأُدِبت المآدب.

لكن أحسنَ، قائد الحرس، بدأ يُساورُه الحزنُ إلى جانب الشكّ؛ لأن امرأته لم تحبل. وهذا زاد الأمورَ تعقيدًا بينه وبينها.

وبعد مُضي حوالى عشرين شهرًا، حبلت فتنة. لكن بدل أن تتنامى عاطفتُها نحو زوجها، كانت تزدادُ نُفورًا منه، وتتظاهرُ بالمودّة نحوه. وقد شعر زوجها بريائها، فحارَ في تفسيرِ الأمر، خصوصًا أن القهرمان امتنعَ عن الحضور إلى جناحها منذ أشهر، بعد أن أنجزَ تأثيت الغرفِ كلّها.

وكانت مهمة أحسن تقضي عليه بأن يُمضي ليلتين، في كل أسبوع، ساهرًا مع الحرس.

وذات ليلة، بينما كان واجبه يلزمه بأن يساهر حرّاس القصر في مواقعهم، اضطر للعودة إلى جناحه لإحضار لائحةٍ بأسماء المناوبين؛ فإذا به يسمعُ صوتَ هرولةٍ في ممرات جناحه، فتتبع مصدر الصوت؛ فإذا بالسائر المجهول يُسرعُ حتى يتلاشى وقع خطاهُ في نفقٍ سري في القصر لا يعرفه إلا قليلون جدًا. فتوقف أحسن عن اللحاق بالمهرول، وساورته شتّى الظنون السوداء، فهرع إلى مقصورة زوجته، فوجدها  مستيقظة، على غير عادتها، وقد فوجئت بحضوره في هذه  الساعة المتأخرة من الليل! فكتم ظنونه، وأخذَ لائحة الحرس، وعاد إلى موقعه.

خافت فتنة أن يعيد أحسن عليها الكرّة، على حين غرّة، فيكون بينها وبينه صدعٌ لا يراب؛ فعمدت إلى تدبير خطةٍ جهنمية، باطنها السُّم وظاهرها العسل، لتتخلَّص منه، وتُخلي الساحة لها. فأخذت تزيدُ مجاملتها لماجدة، وتحبِّبها إليها حتى أيقنت أنها تمكَّنت من قلبها، واستأثرت بثقتها. فأخذت، إذ ذاكَ، تمدحُ أحسن أمامها، وتثني على بطولته ومزاياه العسكرية، وتُرسّخُ في نفس ماجدة أنه مهضوم الحقّ، وعلى الخليفة أن يُنصفهُ بتعيينه قائدًا على أحد الجيوش في الأندلس، حتى تبرزَ بطولته وبراعتُه العسكرية في الدفاع عن حمى الدولة ضد الفرنجة المُعتدين. وكل همّها أن تُقصيه عنها، وتجعله في موقعٍ شديدِ الخطر.

إقتنعت ماجدة برأي فتنة؛ وصمَّمت الاثنتان على مفاتحة الخليفة بالأمر وإقناعه، من أجل ترقية أحسن، تمهيدًا لتقليده منصب إحدى الولايات في الأندلس؛ فصهرُ أمير المؤمنين لا يليقُ به أن يبقى قائدًا لحرس القصر؛ واتفقا على أن تبقيا الأمر سرًا حتى يكون مفاجأة سارة لأحسن.

فوتِحَ الخليفة بالأمر، فاقتنع بصوابِ الرأي، وعيَّنَ أحسن قائدًا لأحد الجيوش التي تخوضُ الحرب في الأندلس ضد الفرنجة، وأوعز إليه في الإسراع بتقلّد منصبه الجديد.

حينما تبلغ أحسنُ الأمر، فوجئ به، وغمرته موجةٌ من السرور، للوهلة الأولى؛ لكن الظنون ما لبثت أن بدأت تُساورهُ، عندما جعل يفكرُ بفتنة وأنها في شهرها الثاني. فكيف يمكنهُ اصطحابها دونما خطر على حياة الجنين؟

وسرعان ما صدقَ ظنّه. فما إن فاتحَ زوجته بأمر السفر حتى أخذت تُخوِّفُهُ من خطرِ إسقاطها. وألحَّت عليه أن يسبقها إلى الأندلس، ويُعدّ لها المغنى اللائق هناك، ريثما تكون قد وضعت ولدَها بعد سبعة أشهر.

قرَّر أحسنُ أن يرتحل في منتصف الليل حتى يبلغ السفينة التي ستقلّه إلى الإندلس، عندَ الفجر، وأبلغ ذلك إلى امرأته؛ فودَّعَ من يجبُ توديعهم من أهل القصر، ثم بقي ساهرًا مع زوجته حتى الموعد المحدّد؛ فأظهر لها من العطف أصنافًا، ومن فنون الغرام والهيام ألوانًا. وراحت تُقسِمُ الأيمان المغلّظة على أنها لم تحبّ ولن تحبّ سواه، وأن طيفهُ سيكونُ سميرها في ليلها، وجليسها في نهارها، وأنها ترتقبُ، على أحَرِّ من الجمر، الساعة التي تضعُ فيها مولودَها وتتعافى حتى تلحقَ به إلى الأندلس وتُحيطه برعايتها وحنانها، وتُغدِقَ عليه هواها وصباها. ثم أفاضت عليه من قُبَلِها طوفانًا.

عندَ منتصف الليل، خرج أحسنُ من الممر الرئيس، وودّع جنوده القُدامى واحدًا واحدًا، ثم امتطى صهوةَ جواده، وأغذَّ السير.

وبعدَ أن سارَ قرابةَ ساعة، وأصبحَ في ظاهر المدينة، أخذت تُساورُهُ الهواجسُ مُساورةَ الأفاعي، وتُهاجمُهُ الوساوسُ مُهاجمةَ الضواري، وهو يكادُ يترنَّحُ على صهوةِ جوادِه من جيوش الشكوك والظنون التي تُنازِلُهُ وتُصادِمُه.

وتحت وطأة الضغط النفسي، إذا به يُقررُ فجأةً أن يعودَ إلى القصر. فعطف جوادَه، وأخذ يعدو به. وحوالى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وصلَ إلى باحة القصر الخارجية، لكنه لم يدخُل من الباب الرئيس، بل نزلَ عن جوادِه خِلسةً، وتسلَّل إلى داخل القصر من النفقِ السريّ الذي يعرفُهُ مع ندرةٍ من أهل البلاط. وبتؤدة متناهية توجَّه فورًا إلى مقصورة امرأته، وبدلَ أن يدخلَ من بابها الخارجي الذي كان مقفلاً، دخل من الباب الداخليّ الذي يفصلُ بين غرفته وغرفتها، وقِفْلُه من جهته. وإذا به يُذهل ويتسمَّر لحظات!… فقد رأى زوجته مع القهرمان في حالةٍ مُربية جدًا، والخيانةُ لا لبْس فيها. غلا الدم في عروقه، والتهبت أعصابُه كأنَّما اجتاحتها عاصفةٌ نارية فانتضى سيفه، وهوى به على القهرمان فقتله، ثم انقض على فتنة، وقد أذهلتها المفاجأ’، فطعنها في صدرها. وكأنما النارُ المُستعرة في نفسِه أبت إلا أن تمدَّ ألسنها الفتاكة إلى خارجه، لشدّة ما ضاق صدرُهُ وتحرق بها، فبادر إلى إشعار النار في بعض الثياب والستائر والأثاث الخشبي مُستخدمًا لهب الأسرجة وزيتها، وأغلق الباب، وخرج مُهرولاً من النفق السريّ؛ فلم يلحظهُ أحدٌ في دخوله أو خروجه، لا من أهل البلاط ولا من الحرس.

وثب إلى صهوةِ جوادِه، وأغذَّ السير مجددًا. وما إن ابتعد حوالى ميل حتى وقف ينظرُ وراءه. فإذا السماءُ المظلمة قد شقها، من بعيد، ما يشبه الشفق الأحمر. لقد كانت ألسنة النار تتطاول في الأفق، وتلسعُ وجه الفضاء كسياطٍ جحيميَّة، بعدَ أن التهمت مقصورة الأميرة، وأتت على جناحها كله.

إستيقظ سُكانُ القصر على الحريق المروّع، فدبَّ الذعر فيهم، وعلا الصراخ، واشتدَّ الهرجُ والمرج… وتراكض الحرسُ بدلاء الماء يحاولون إطفاء الحريق؛ لكن ألسنة النيران كانت عنيدةً عتيَّة، كالضواري يحاول المروِّضون تطويعها، فتأبى الانقيادَ إلا لغرائزها الوحشيَّة، فامتدَّت من جناح الأميرة إلى جناح الخليفة حتى أصابت ابنيه الطفلين التوأمين، وهما في مهديهما، فالتهمتهما، إذ إن الذعر أفقد الجواريَ ونساءَ الحريم صوابَهُنَّ، فأخذت كل منهن تعدو ناجيةً بنفسها.

وفي الجناح المقابل، وقف ابن طفيل أمام النافذة، وإلى جانبه حبَّابة، يحدِّقان إلى المشهد المُفجع المُخيف. كان جناحُ الأميرة وجناحُ حريم الخليفة يشتعلان… وكانت ذكرياته تشتعل: ذكرياتُه مع فتنة، وذكرياتُه مع أبي يعقوب.

مع طلوع الصباح، أخذت الألسنُ تلهجُ بأن الأميرة فتنة والقهرمان وُجدا جثتين محروقتين في مخدعها، وأن أبني الخليفة قد التهمتهما النيران.

بقي ابنُ طفيل مُسمَّرًا عند النافذة حتى أشرقت الشمس. كان يحدِّق إلى السماء والدموعُ السخينة تتدهدهُ واحدةً تلو أخرى على خدَّيه، وهو يردِّد في نفسه: إن نيران الشهوة الجحيمية ابتلعت الكبيرين، وإن نيران الطمع في نفس الخليفة ابتلعت الصغيرين… يا لعدالة السماء!… أفلا يكون بين مصرعِ شقيقي الخليفة ومصرع طفليه علاقةٌ سببيَّة؟

في اليوم التالي أجرى الخليفة تحقيقًا دقيقًا لمعرفة أسباب الحريق، لكنه لم يتوصل إلى أيةِّ نتيجة؛ لأن جثَّة فتنة وجثَّة القهرمان كانتا مُحترقتين تمامًا، وفي مسرح الفجيعة ليس سوى الفحم والرماء. فأُشيع أن الجنَّ فعلوا ذلك. ألم يعتد الجنُّ، في الماضي، على الوزير ابن طُفيل ويُحاولوا قتلَه؟

بعدَ عشرين يومًا على الحريق المُروِّع، قدمَ إلى القصرِ رسولٌ من الأندلُس يحملُ رسالةً إلى أمير المؤمنين تنعي القائد (أحسن)، إذ قُتِلَ في إحدى المعارك مع الفرنجة.

 

      فُرِغَ منها بيروت،

  في 18 تشرين لأول، عام 1985

 

حكايات زينة

حكاياتٌ فريدة في رؤية فكريَّة مُذهلة، ترى فيها أصلُ الأشياء الكامنة في ذاكرة الزَّمن السحيق، هي مُختبرلٌ سرديٌّ يربط مصير الأشياء بجذورها.

رؤى الحقيقة
  •  1 – ولادة الثمار.
  • 2 – الميلاد
  • 3 – عالم أورفيه
  • 4 – نبات القصب
  • 5 – المكتبة
  • 6 – ذكريات شعرة بيضاء
  • 7 – ذكرى أبو الهول
  • 8 – في المحيط الهادئ
  • 9 – شجرة الخواتم
  • 10 – الأوراق الميتة
  • 11 – العصفور قوس قزح
  • 12 – الوردة
  • 13 – الدعوة إلى العيد
  • 14 – قوس قزح
  • 15 – الصخرة
  • 16-  شجرة المعرفة
  • 17 – مغارة جعيتا
  • 18 – الذهب
  • 19 – بعلبك/ مدينة الآلهة
  • 20 – الندى
  • 21 – ملائكة الحب يلهون ويمرحون
  • 22 – الفيروز
  • 23 – الوردة
  • 24 – نهاية العالم/ كيف انتصرت الحرب على الحرب
  • 25 – ولادة فينوس
  • 26 – المجاعة
  • 27 – السنة الداهشية ال 37
  • 28 – انشودة للشمس
  • 29 – الحرب والسلم
  • 30 – التحوّل
  • 41 – الموسيقى اللعين
  • 42 – في بلد الأحلام
  • 43 – عين المارد (العملاق)
  • 44 – العطور
  • 45 – مجد الملوك الستة
  • 46 – طريق العودة
  • 47 – المجوس
  • 48 – بلدي الجميل
  • 49 – الغيوم
  • 50 – عالم الثلج
  • 51 – الندى
  • 52 – النار
  • 53 – الشعر الأبيض
  • 54 – حزمة من سنابل القمح
  • 55 – الشجرة الطائرة
  • 56 – متحف
  • 57 – عالم فوت
  • 58 – مغارة الدموع
  • 59 – المطرِّزات
  • 60 – مارغربي (زهرة الربيع)
  • 61 – أرض العام 2000
  • 62 – السقوط
  • قصَّة تقمُّص

أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!