قصصُ غازي

قصصٌ بأقلامٍ مُختلفة تُكتب بمداد الاختيار والمسؤوليَّة الذاتيَّة ، تُعبِّرُ عن فصولٍ مُتتالية في رحلة التطوُّر الرُّوحيّ. يجمع بينها الإيمان.

بوَّابة المعرفة

قصصٌ وحكايات

موطني الجميل

قرأت في أحد الأحلام: “موطني الجميل”

هل يا ترى يُمكنني أن أجد موطنًا. جميلاً؟ وكيف السبيل إلى ذلك؟ فأنا أجوب العالم بأكمله ولم أعثر على موطن جميل، فما أعثر عليه ليس سوى الكذب والجريمة والمراءاة والسرقة وكل ما يدعو إلى النفور والابتعاد إلى البعيد البعيد.

أزور المدن والدساكر والقرى، وأزور الجبال والهضاب والمروج فاغادرها مُسرعة، وبعد كل رحلة أقبع ساهمة حزينة أفكّر وأصرخ:

يا إلهيّ! أليس هناك كهفٌ على الأقل أعيش فيه وحدتي بعيدًا عن البشر؟

للأسف لا، فحتى هناك في تلك المغاور تطالعك العقارب والأفاعي بلسعاتها المُميتة.

الحياة ليست سوى معركة ضارية، شرسة، وعليك أن تصارع بقوة حتى تتخلَّص من سمومها القاتلة.

ذات يوم وأنا على دربي الطويل، جلست في فيء سنديانة جليلة أنشد بعض الراحة. كان  الزمن ربيعًا: الحقول مزهرة والسواقي تنساب في مجراها. رأيت خنفساء ذهبية يلوّن الأخضر الزمرُّدي بعضًا من حلّتها الغنية. كانت تتألق وترفرف جزلة تحت أشعة الشمس. إنشادها جميل، جميل جدًا. كنت مُتشوقة لإلتقاطها وتقبيلها، لكنها جدّ صغيرة وجدّ كبيرة في الوقت عينيه، وأخشى أن اتسبّبَ بأيذائها. هي تحلَّق بدوائر ثم تحطّ على وردة حمراء كبيرة تكاد تتفتح وبعضُ بثلاثها بادية للأنظار.

وتتفتّح الوردة رويدًا رويدًا مُبديةً طلعها الأصفر الذي تناولت منه الخنفساء ما أشبع شهيتها، لكنها ما زالت تأكل حتى أتت على الوردة كاملة وتناثر فناتها على الأرض. وتعود الخنفساء إلى التحليق والغناء.

حزنت كثيرًا لأجل الزهرة التي غابت عن الوجود قبل أوانها وقلت في سري: يا لخبث هذه الطبيعة. أليس مُحزنًا أن نحيا على هذه الأرض؟

وتدرك الخنفساء ما أفكر به وتقترب مني وهي تطير وأسمع في غنائها كلماتٍ وجملاً وأقوالاً؛ أسمع كلامًا كاملاً يقول لي: لا تغضبي أيتها النفس الأرضية، فالوردة التي تبكين هي الآن في موطني الجميل.

          أيها اللحم البشري المائت، تتابع الخنفساء، لقد أُرسلت خصيصًا إلى هنا لكي أعيد الوردة إلى موطنها الأصلي! هناك ستكون على الدوام. لقد تقمَّصت هذه الوردة نجمًا مُتوهجًا يضيء فردوسه العدني!.

أنا من ذلك العالم وأعرفه معرفة حقةً، فهناك يخيم الصفاء والغبطة على الدوام. الطبيعة تتألق بألف لون ولون. والأشجار هناك تسير؛ ليس لها جذور تقيدها، ثمارها كالكؤوس مليئة بالأسير نقطفها تمامًا عند أعناقها.

الطيور الفردوسية تفردُ أرياشها الملونة وهي تطلق أصواتها بانسجام. ملائكة صغار يرددون الأنغام السماوية ويلهون بتقطيع الغيوم ويحتون منها طيورًا وفراشاتٍ بلون الذهب أو اللازورد أو الفضة، وينطلق هؤلاء يطيرون في فراديسٍ سحرية.

وتنفرج السماء ذات الفضاء الأحمر عن نافذة مُستديرة تتيح للناظر رؤية سماء ثانية بلونٍ أحمر فاتح أكثر. هناك تسبح الأسماك من جلدٍ إلى جلد في حين أن انبعاثاتٍ من الأضواء الرائعة تنساب موسيقى فرحةً فوق المطارح الفارغة من الحدائق وتكسوها على الفور بالأزهار، وتتقمص النفوس في نجوم تزداد روعةً وجمالاً.

وإذا ما أردت أن أخبرك عن فردوسي، عادت الخنفساء لتقول، فحديثي لن تكون له نهاية، وربما ذات يوم سأعود فالتقيك في موطني الجميل.

وتختفي الخنفساء عند الأفق تاركة إياي مُسترسلة في أفكاري وفي استحالة اللحاق بها بنظراتي. ربما هي تختبئ خلف العمام أو تتابع دربها نحو المجهول. هنا كل شيءٍ خبيث وحزين.

ومأخوذة بافكاري، خلدْت إلى السكينة والهدوء في ظل سنديانة، ورأيت عندها مشهدًا غاية. في الفخامة؛ فقد تحولت الوردة الحمراء إلى نجم لامعٍ أشبه ما يكون بزهرة تبدو لك بتلاتها كالنجوم.

وينتظم النجم ورفيقاته النجمات على أوراق الوردة مُشكلين باقةٍ من النيرات تنصهر جميعًا مُلتحمةً مُشكلةً كوكبًا عظيمًا، وتتبوء هذه الزهرة السحرية عرشًا في ذلك المدى الساحر الفاتن.

ويروح ملاك أكثر عظمة يوقّع لحنًا سماويًا بينما كانت الوردة تسكب السنةٍ من النار هي عبارة عن كلمات تروي على ما يبدو قصّة حياة الأرض الحزينة الزائلة، الأرض عالم الدموع.

كل شيء هنا تلفّه التعاسة، حتى الأزهار التي تنمو في الحقول والبراري والتي تبدو لنا شديدة الجمال، هي تعيسة تبكى من الأسى.

كل لسان من السنة اللهب الذي تطلقه الوردة هو كلمة. وتتتابع الكلمات إثر الكلمات وتنسكب في كتاب يروي حياة الزهرة على الأرض، حياة مليئة بأحداث لا تصدّق.

وتدخل الخنفساء السماء وقد تحوّلت إلى ملاك غاية في الضخامة، أخاذٍ الجمال يحتضن الوردة المُتزايدة روعة وجمالاً ويتحدّ وإيّاها إلى الأبد.

أرغوس أو الشجرة

أيها الفانون، يا بني البشر! ما أشدَّ حاجة الإنسان إلى العينين، فبدونهما ما العالم سوى ظلمات.

          هل يمكن للنفس ألاّ تكون بصيرةً؟ بالطبع لا! فكيف نُبصر إذا زارتنا الأحلام في منامنا؟ إنها عين النفس التي تبصر وترى ما يريد عالمٌ آخر أن يُريها.

نفسنا هي أيضًا تنعم بحاسة البصر، حاسة روحيّة أشد قدرة من الحاسة المادّية ولا مجال للمقارنة بينهما.

ذات يوم، وبينما كان أحد الأولاد ينعم بنومٍ هانئٍ ولذيذ، اغتنمت نفسه هذه الفسحة من زمن نومه فتحولت إلى طائرٍ راح يطوي رحلة في الفضاء السماويّ الرحب في تلك الزرقة المزروعة بالشموس والأقمار والنجوم.

راح الطائر يتنقل من عالمٍ إلى آخر وكانت النجوم له بمثابةٍ أشجار حيث كان يحّط من حين إلى آخر يأخذ قسطًا من الراحة لبضع ثوان. كان ينقر بقدميه وبمنقاره نقرًا خفيفًا على أبواب تلك العوالم لكن لم يكن هناك من مُجيب. أخيرًا وقد استبدّ به التعب والحزن، توقف أمام كوكبٍ أحمر وراح ينقر وينقر  على بابه فبرزت له ملكة جانٍ رائعة الجمال لتعرف ما يريد هذا الطائر الحشري.

قالت له بشيءٍ من الأسى، يا صديقي الصغير، لا يمكنني أن أستقبلك لأنك لا تملك عينين مثل عيون أهل هذا الكوكب. عد إلى حيث أتيت وأحضرهما! عندئذٍ نُسعد باستقبالك ونكشف لك أسرار كوكبنا! “أيتها الآلهة المكرَّمة، أجاب طائرنا، أرشديني فحسب إلى حيث يمكنني ايجادهما فأخضرهما.

وفي الحقيقة هذا أمر مُختلف، أجابت الجنية، هناك عالم من الأشجار الخضراء الزمرّديّة، ثمارها عيون شبيهة بجواهرٍ مُنيرة تتالَّق على الأغصان كأنها نجوم.

فمن يتمكن أن يقطفَ من هذه الثمار يتحوَّل إلى جنّيٍ سماويٍ، وكل عين يستطيع أن يقطفها تمكنه من رؤية العالم الذي تنتمي إليه ومن فهم أسرار ذلك العالم. لكن بلوغ هذا العالم عمل شاق بحد ذاته إذ إنه يتطلَّب منك صبرًا كصبر الملائكة، وأنا لا أستطيع أن أرشدك إليه فهذا أمر محظورٌ عليَّ. عليك أنت أن تكتسبه فأنا سأتعرَّض للعقوبة إذا فعلت ذلك وسيجردونني من العين الحمراء التي بسببها صرت أنتمي إلى هذا العالم الأحمر وستنخسر أنت الفضل في أنك وجدته بنفسك. سأفعل جلَّ ما في استطاعتي حتى أمدَّ لك يدُ العون أيُها الطائر الصغير. سوف أزودك بجناحين غير جناحيك.

غابت الجنية لثانية من الوقت لتعود حاملة جناحين أحمرين رائعين وثبتّتهما على جسم الطائر.

والآن، هلاّ تقول لي ما اسمك أيها الطائر؟

أنا ارغوس، خادمك المُخلص. أجل أيها الطائر الصغير، فذات يوم ستكون مُفيدًا جدًّا بالنسبة إليَّ. هيّا انطلق في سعيك فلا فائدة من إضاعة الوقت. أقطف من هذه الثمار السحرية قدر ما تستطيع ولا تنسَ أن تقطف لنفسك عينًا حمراء حتى تتمكن في يوم من الأيام من زيارتي حيث أقيم. والآن، سوف أجعل منقارك صلبًا وشبيهًا بالمنشار فذلك سيكون جليل الفائدة وستتأكد من ذلك عما قريب.

أما وقد تزود بكل هذه الامتيازات حلّق في الفلك وهو يجزل الشكر والثناء، فجناحاه خفيفًا الوزن، رائعان وعلى الرغم من المسافات الشاسعة التي كان يجتازها لم يكن يشعر بالتعب ولا بالحاجة للراحة على أبواب العوالم التي كان يبلغها، فقد كان ينعم بصبًا دائم أبدي. راح أرغوس يطوي الفضاء ضاربًا بجناحيه، باسطًا ريشه للريح وكان يتوقف لهنيهات عند كل كوكب ويحاول بمنقاره القوي أن يحدث فتحة ينظرمن خلالها إلى داخل الكوكب ولكن عبثًا فقد كوّن الله تلك الكواكب من مادة غير قابلة للاختراق.

وينطلق أرغوس من جديد وكان أثناء طيرانه يلتقي بنفس جميلة أكثر بهاءً من الشفق السماوي آتية من كوكبٍ قريب وقد زينت شعرها الجميل بعينين أحداهما زرقاء والثانية حمراء. ويسألها الطائرُ إلى أين أنت ذاهبة يا حلوتي؟ آه! ألست ترى؟ تجيب عروسة السماوات، لقد اقتطفت للحال ثمرتين رائعتين، وهاتان العينان ستساعدنني لأزور عالمين رائعين، الأحمر والأزرق. وبفضلهما سأتمكن من تأملهما وازداد بذلك معرفة. آه، كم أنا سعيدة!”

أنا أغبطك أيتها الصديقة، وأتمنى أن ألتقيك مُجدّدًا في عوالمك إذا سمحت الظروف بذلك، فكوني حاضرة لذلك عندما أمرّ بك وتذكري دائمًا أرغوس، فهذا هو اسمي. حظًا موفقاً ياذا الجناحين الأحمرين أجابت أورورا أو الفجر. وعلى هذا افترقا في ذلك المدى الأزرق.

وبنعمةٍ من الأقدار، وبخفقةٍ من جناحيه الرائعين بلغ الطائر الصغير كوكب العيون والمعرفة، وفي غمرة فرحة الكبير طرق الباب بقوة.

من هناك؟ سأل صوتٌ موسيقى. هذا أنا، أنا عصفور أنا نفس، جئت أَنشُدُ المعرفة المقدَّسة. أنا أعلم أن هذا عالم العيون وأرغب أن أقطف لنفسي بعضًا من ثماره السحرية فأزداد معرفة في ما يتعلق بالعوالم العلوية.

على الرحب والسعة. تفضلْ بالدخول، أجاب الصوت الموسيقي، فقد اهتديت إلى عالمنا، أنا الملاك الحارس لهذا العالم الفردوسي الثمين.

ويدخل أرغوس فيأخذه العجب مما يعاينه في هذا الكوكب ويقع في حيرة، لا يعرف من أين يبدأ بحثه، فهذا فعلاً هو عالم العيون الهائل، فهناك منها الملايين والملايين. هل هناك من عدٍ وحصر لنجوم السماء. إن هذا ليس في متناول أليد. “ما من أحد يستطيع أن يحصي العيون على هذا الكوكب.

أنت أيتها العيون، يا مفاتيح البصر، أنت ثمينة للغاية، أنت أثمن من كل ثروات العالم.

أيتها العيون، يا مفاتيح عوالمٍ لاعدّ لها، بك تغتني الأرواح بالمعارف القدسية التي ما من أحد تمكن بعد من تبيان معانيها.

أيتها العيون، أنتِ نعمة سماوية. الأزهار في السماء هي عيون ملؤها العطر، أسماك البحيرات هي عيون، الأشجار الباسقة بأوراقها الزمرد تحمل على أفنانها العيون ذات الألوان المُتألقة الشبيهة بالشموس، وكلّ عينٍ تُمثلُ بسحرها عالمًا مُصغرًا وبفضلها نُدرك ونُعجب باسرار هذا العالم والغازه.

راح ارغوس، وهو في غاية السعادة، يطير من شجرة إلى شجرة تأخذه النشوة والإعجاب لكل ما يشاهده.

كم هذا جميل! كم هذا رائع! كان يردِّد بلا انقطاع وكان مأخوذًا جدًّا بما يشاهد حتى أنه لم يعد يفكر بالعودة، ولاحظ الملاك الحارس ذلك فأسرع إليه يلفت انتباهه قائلاً: لا تنسى أن ليس لديك سوى بضع دقائق حتى تغادر هذا العالم، فهو ليس مكانًا للاقامة فيه، بل هو محطة عبور فقط، هيا، أسرعْ وأقطف ما جئت من أجله.

ليس سهلاً أن نقطف هذه الثمار، أنها مثبتة على أغصانها بشكل قوي، وينبغي القيام بذلك بانتباه ودقة فالعيون حسّاسة جدًا وسريعة العطب، قد تُخدش وتتمزق فتخسر قدراتها وفضائلها.

عندئذٍ، وبكثير من اليقظة والحضور النفسي أعمل أرغوس منقاره كالمنشار وقطع غصناً مُثقلاً بالثمار. لم يكن هذا الغصن حملاً ثقيلاً، بل كان خفيف الوزن وأوراقه من الريش.

ألقى ارغوس التحيّة على حارس هذا العالم وشكره على طيبته وانطلق قاصدًا عوالم أخرى.

كان على الغصن الذي انتقاه مئة من العيون وذلك يتيح له زيارة مئةٍ من العوالم. أحسّ ارغوس نفسه كبيراً جدًّا، كبيرًا وعملاًقاً فلديه مئة من العيون وهذا أمر نادر الحصول فأقدامه حقَّق له هذه المأثرة. وراحت النجوم تهنئه على ذلك وكمكافئة له تحوَّل الغصن الجميل ذيلاً لهذا الطائر، الأمر الذي سوف يخلّده ويبقيه جميلاً على مدى الأزمنة.

وراح أرغوس يزور عوالمه الواحد تلو الآخر. وكان ختام زياراته في العالم الأحمر لأنه قطف العين الحمراء التي تمكّنه من زيارة هذا العالم. وعاد أرغوس يعبّر عن امتنانه للجنيّة التي منّت عليه بهذه النعمة ومكنته من التنعُّم بكلِّ هذه المسرّات. لقد كانت الإلهة جونون(1).

لقد تحوّل أرغوس إلى معينٍ للمعرفة، فلا شيء يفوته، ما حدا بالإلهة جونون، زوجة الإله جوبيتير(2) أن تجعله تابعًا لها فصار بذلك خادمًا أمينًا لها.

هيا، استيقظ الآن أيها الطفل. كان نومه نزهةً جميلة جدًا. لقد خلدتك نفسك المُرصعة بمئة من العيون خلدتك في الطاووس وفي مئة من النجوم.

1 – جونون: إلهة رومانية، إبنة زحل وزوجة جوبتير. هي شفيعة وحامية النساء المتزوجات. هي الالهة حيرا في الميثولوجيا اليونانية.

2 – جوبيتير: اله روماني. هو زوس لدى اليونان. سيّد الباراثينون، معبد الالهة اثينا. هو ابن زحل وريا وزوج جونون شقيقة ريا. إنه معبود سماوي، إله البروق والرعود وضوء النهار.

عالم الثلج

ووجدت نفسي في زورقٍ مُجنّح مُبحرٍ في الأجواء. ولاعتقادي بأنني كنت سأزور بلدًا شديد البرودة، ارتديت معطفًا سميكًا ووضعت حول عنقي وشاحًا عريضًا وقبعة شتوية تغطي رأسي ولا تسمح إلا لبضع خصلاتٍ من شعري بالظهور من تحتها.

وكان شابٌ جميل الوجه يُبحر بالزورق. ومع كونه شديد الشبه بالجنس البشري، فقد كان كائنًا لا أرضيًّا. جلست إلى جانبه في الزورق الطائر الذي أقلع من أرضنا بانطلاقه قوية. وبسرعة البرق بلغنا عالمًا ناصع البياض يغمره الضباب.

قال لي الملاّح:

–        هذا هو عالم الثلج، عالم شديد التألق واللمعان، لكن لا وجود  للبرد عليه، وهو يتكون من كِفارٍ تضمّ بيوتًا ريفية أنيقة شيّدت من الثلج ولا شيء غير الثلج.

          كانت قبّة السماء المحفورة في الماسة هائلة الحجم ولا بداية لها ولا نهاية، مزروعة بالجواهر المتعدّدة الألوان والمنزلة في سماء بديعة، شديدة التألق، وكانت أنوارها تتداخل وتتشابك بشكل رائع مُبدعة العديد من أقواس القزح.

          كان سقف الزورق مفتوحًا، ما سمح لنا بالتنعم والاعجاب بالمشاهد التي كانت تتغيّر وتتجدّد كلّما تقدمنا أكثر. كنا نتأملها مسحورين ببياض الجبال الجليلة الناصع والتي كان كلٌ منها متوجًا بالشموس. كانت هذه الكواكب مُتمايزة بألوانها وكانت تمرّى على صفحة بحيرة قريبة.

          كان الزورق مُنطلقًا بكامل طاقته يجتاز الفضاء وكان إذا اصطدم بأحد الجبال، انفتح الجبل عن نفق جميل كنا نجتازه تحت الأضواء المُشرقة التي تنيره وبين الأشجار المكسوّة بالأزهار على جانبيه.

          رحلتنا في هذه الأجواء كانت رائعة، وكم كانت رغباتي كثيرة وعلى ذلك كانت تتحقق على الفور، وفي نفس اللحظة. كنت مُنذهلةً إزاء هذه الخوارق ولتحقق إرادتي على الفور.

          تنبّه الملاّح لدهشتي فقال لي:

          لا تأخذنّك الدهشة أبدًا، فعالمنا عالمٌ راقٍ! ألست تلاحظينَ بياضه الناصع؟ حتى إن منازلنا مشيّدة في الثلج. كل واحد منا هو مهندس بيته الخاص، هو يضع له التصميم ثم ما يلبث أن يراه مُشيدًا وجاهزًا لا ستقباله.

          وفجأة تحط بنا المركبة المُجنّحة في الفضاء تمامًا كسائر المركبات الفضائية. طبيعة هذا البلد الرائع تسهلّ لملاّحنا وللمقيمين فيه أن يحققوا رغباتهم وعبثًا تدثرت لاخفي شخصيتي، ودخلت أحد البيوت. كان مشرقًا وبالغ النظافة، فقد صُنعَ من مادة لمَّاعة مُتوهجة قُدّت من الماسة عملاقة من طبيعة النجوم، وتضيئه شمس بلا انقطاع. كان البيت مُبهجًا فقد صُنع من مادة لا نعرفها نحن البشر، جدرانه مزينة بلوحات جميلة: شعرت أنني في نشوة إزاء هذه الروعة وهذه العظمة.

          ويقول لي الملاح ثانية:

          إن من يقصدون هذا البلد الذي تعاينين ويقيمون فيه هم كائنات مُختارة ذوات كرامة واحترام، فنحن قَدْ مَنَّ الله علينا بالحرية والقدرة والرضى بأن نأتي بالروائع في هذه السماء الجميلة. فأنا غالباً ما أجمع غيومًا كنفناف الثلج وأكوّن منها الجنائن وأصعدُ الى الشموس الملوّنة أستعين بشعاعاتها لأورّي تلك الحدائق التي تتحول عندها إلى فراديس عدنية صغيرة تزداد روعة واشراقاً بفعل الألوان المُنسكبة عليها من النجوم. هذه الألوان ترسل بأنوارها اشارات امتنان وشكر. وتلك الأشجار التي تشاهدين هناك هي عمالقة مُجنّحة. إنها بيضاء لكنها تتحوّل بحسب اختيارها مُختزنة رونق الألوان وألقها.

ويتابع الملاّح فيقول:

لدينا بحيرات ضفافها من الزهر وليس من الرمل. فإذا نظرت من النافذة ترين الحوريات يسبحن في المياه التي تشبه الفسيفساء وبالرغم من بقائه سائلاً فكل جزيئ من هذه المياه لا يمتزج بغيره من الجزيئات، أمّا الحوريات الجميلات فيكتسين بأزهار عملاقة.

          وفجأة شاهدت من بعيد سيّدة نحيلة، أنيقة ممشوقة القامة، نحيلة الخصر. كانت كالسايكلوب مزودة بعين واحدة كبيرة وسط جبينها الناصع البياض. شعرها الأشقر الطويل يشبه شعاعات النجوم، تحمله لها طيور الترغل وترفعه برفق ويحط بها جمع من الطواويس الملوّنة والبيضاء بأذيالها الخيالية البديعة. وجماعة من الحيوانات التي يمكن وصفها بالمتوحشة، غير أنها مسالمة في هذا المكان، تحيط بسيّدتها التي تحبّها إلى درجة الشغف، فهي ملكة الكوكب. كانت مرتدية الجواهر الملكية التي لا مثيلات لها في غير هذا المكان. الملكة حكيمة وبحكمتها تسيّر شؤون مملكتها وتسوسها.

          ويخبرني مرشدي مزيدًا من المعلومات:

          نحن على هذا الكوكب مولجون بأمور كوكبكم، الأرض. فمن هنا نحن نتحكّم بالطقس الجميل والطقس الرديء عندكم، ونقطف الغيوم ونرسلها إليكم. بفضلنا تحصلون على الثلج والمطر والبرد. نحن نختار المناخ المناسب لكل ناحية. غير أن بعض الأوامر تصلنا من رؤسائنا لكي نعاقب بعض الشعوب الذين يحيدون عن توجيهات الإله ووصاياه، فنطيع الأوامر ونمنع النعمَ الإلهية عنهم، نمنع الوفرة ونمنع الخصب.

كوكبنا هذا، يتابع دليلي، مزود بينبوعٍ ينساب من الذرى الخالدة وينثر علينا نورًا كنديف الثلج، مادّة بريقها كالألماس. غير أن الثلوج والمياه التي ننزّلها على الأرض بانتظام هي من مادة مُختلفة معدّة خصيصًا لذلك العالم المتدنِّي، الأرض.

          ولنا يعود الفضل في وجود الخصب لديكم. عندما تتبخر مياهكم، تعود فترتفع إلينا مجدّدًا وتتخذ أشكالاً متعدّدة من اللوحات والرسوم التي تمثل سلوك الكائنات الحيّة على الأرض ونحن نحكم عليهم وفاقًا لتصرفاتهم وننزل بهم العقوبات التي يستحقون. وبناءً على ذلك يحصل الجفاف على الأرض والفيضانات والعواصف التي تفتك بالمناطق بكاملها. لدينا القدرة، يتابع دليلي، على احلال الجفاف على الأرض وعندها تحلّ المجاعة لديكم وتفتك فتكها.

          ويبتسم لي الملاح ويتابع قائلاً.

موطننا جميل، طاهر، شفّاف، بلّوري. نحن كائنات نشيطة كالنحل. واعلمي أننا نتمّم حرفيًا ما يمليه علينا من هم أرفع منّا منزلةً.

          وفجأة رأيتني جالسة بالقرب من الملاّح في مركبتنا ورحت أتأمل عالم الثلج الجميل. يبدو هذا من الخارج كحلية عملاقة تسبح في الفلك الفسيح، حلية بيضاوية الشكل تشبه شجرة اسطوانية الشكل تتزين أوراقها بالعديد العديد من الأحجار الكريمة البرّاقة كحبيبات من البلّور. وكانت أوراقها وهي تتصادم فيما بينها تعزف موسيقى ساحرة مقدَّسة.

  • يا ليتني استطيع أن أسمع هذه الألحان إلى ما لا نهاية.
  • ثم ومن البعيد شاهدت مُفتاحًا لموسيقى ما تزال غير معروفة يحيط بوجهٍ عرفتُ أنه وجه الدكتور داهش، نبينا الحبيب يتبعه إنسان عرفته، أنها أمي. ثم فجأة وجدتني على الأرض من جديد. وتلاشت جميع الجمالات التي تمتعتُ بمشاهدتها واختفت، واختفى معها دليلي.
  • ليتنا نستطيع أن نمضي حياتنا في هذا الموطن الجميل الذي يسمّى ببلدِ الثلج، البلد الذي سيلازمني الحنين إليه ما حييتُ.
الغيوم

ذات يوم وبينما كنت أتمتَّع بصفاء السماء المُشرقة، لفت انتباهي نسرٌ أبيضٌ رائع يحلّق في ذلك الجو البديع. لم يكن ذلك النسر سوى غيمة. ثم وبحركة ملؤها الحيوية يختفي في المدى البعيد.

          أيُعقل أن تكون الغيمة نسرًا، أو النسرُ غيمةً؟ واستدرك عندها أن مُخيلتي تحلّق، أنها مُسافرة وعلى شيء من الخطورة. إنها أفكار ينبغي ألاّ يجاهر بها المرء في مُحيطه، وتنطلق عندها ضحكات هزءٍ وسخرية؛ ترى من كان يسمعني؟ وأنا غارقة في أفكاري، يعود النسر فيظهر من جديد في الأجواء ويحدّق فيّ وهو يدنو مني على مهلٍ الى أن يستقرّ على كتفي في نهاية المطاف.

          أنا لست أحلم، لا، إنها الحقيقة، النسر الأبيض هو فعلاً غيمة وغاية في الخفة والبقاء، أشبه ما تكون بغشاءٍ شفاف. ويضمّني النسر بجناحيه واضعًا إياي على ظهره، ويفرد نفسه في تحليق مُهيب، أما أنا وقد أخذت بهذه المفاجأة لم يكن بوسعي سوى الأذعان لمصيري.

          أنا لا أخفي سرًّا إنه في لحظة من اللحظات اعتراني الخوف بأنني وقعت فريسة له وبأنني سأكون قريبًا طعامًا لهذا الطائر النهم. لكن ونظرًا لبياضه المُشرق النقي لم يكن النسر خبيثًا أو شريراً.

          وابتسم على الفور، أجل إنه لغريب جدًّا أن نتخيّل طائراً يبتسم. لكن ما همَّ، هو يبتسم لخوفي الخفي، ثم أسمعه يقول، لا تكوني جبانة”، فأنا لست من أكلة اللحوم، فما أنا سوى غيمة، وأعرف أنّك تحبين الأسفار لذا أردتك أن تزوري موطني. قبل أن ألتقيك، لاحظت وأنا أطير أنك تنظرين إليَّ باهتمام، فقلت في نفسي، لِمَ لا نتعارف؟ فهذا ليس بالأمر السيئٍّ، لذا عدت أدراجي لآخذك إلى موطني الذي ستسعدين بزيارته.

          أدهشني كلامه ولفّ روحي المُنذهلة غمام أسود حال دون فهمي كنه الكلمات التي أسمع.

          كان مسارُ سفرنا جميلاً. نحن الآن بعيدان عن الأرض والنسيم يتبعنا مُثقلاً بالعطور العذبة. إنه يسرِّع من طيراننا ويحتضننا بلطافة.

– أيتها الغيمة، ما هي وجهتك، أيتها الغيمةت؟

– الفلك لي، إنه موطني وأنا متجهة نحو موطني السماوي. أنا أسافر حسب أرادتي، فأنا طائر من غير أن أكون طائراً إذ أنني وفقًا لرغبتي أتقمصّ كما أتمنّى، وزورقي يبحر دائمًا في هذا الأوقيانوس السماوي.

          ولاح من بعيد بلد وكأنه خارج من القصص الساحرة، فقال لي الطائر:

          أترين هذا المكان الساحر؟ إنه عالم الغمام. نحن جوهر الزهور العطر والجنائن. نحن البخور النقي الذي يدوّم ويحوّم في نفثات ناعمة. نحن دخان الأضاحي غير المحسوسة.

          انظروا إلى هذا السور الضبابي الذي يحيط بهذا العالم، لا بدّ أنه سهل الاختراق، قلت في نفسي فهو أشبه ما يكون بقصرٍ من الورق.

لكنني اكتشفت أنني مخطئة ما إن اقتربت منه، فالمظاهر خدّاعة. هذا السور هو ألف مرّة أشدُّ صلابة من معادن الأرض، وعبثًا رحت أطرقه فما من مُجيب، في حين أن نقرة بسيطة من منقار طائري أحدثت فتحة واسعة أتاحت لنا العبور إلى الداخل.

          اجتزنا الفتحة فعاد السور وانغلق من تلقاء ذاته.

  • أترين؟ قال لي النسر، الغيوم لا تستجيب سوى للغيوم.

هكذا بلغت هذا المكان الحلم ورحت أجول فيه على مهل.

هذا فردوس تضيئه نجوم مُتعدّدة الألوان، فكل نجمة تسكب شلالات ضوءها على ناحيةٍ من هذا العالم ملوّنة الغيوم بالأحمر، بالأخضر، بالأزرق، بالبرتقالي وبالنفسجي ناهيك عن الألوان التي لا نعرفها والموجودة في هذه الأعالي.

          الغيوم لا تتشابه فمنها الكروي، وأخرى كالطيور وغيرها كحيوانات أو زهور، فهي تسرّ في أن تغير شكلها على هواها، وبرمشة عين يتكون فردوس عدني صغير تكثر فيه الأزهار والطيور والفراشات والحيوانات الصغيرة الجميلة وغير العدائية.

          على قمّة احدى التلال هناك قصر مبني ومحمول على غيمة هائلة الاتساع وكأنه في قصة من قصص ألف ليلة وليلة. هذا المسكن المُجنح مُحاط بأشجار أوراقها كالقطن وهو يتنقل حسبما  يشاء فوق هذا البلد الساحر وهو مُحاط ببحيرة مياهها بلون النار تحت شعاعات شمس حمراء.

          وهناك ملائكة صغار كالغمام يتلهُّون برماية خطرة. وأسمع ضحكات أشبه بترانيم ملائكة الله. إنها حوريات يتلهين بلعبة الاختباء والتفتيش. والفتيات الصبايا يتسلين بالتقمُّص والتحوُّل حتى تصعب على الناظرين التعرف اليهنّ. وتبرز من كل مكان أشياء لم تكن موجودة من قبل: زنبقة بيضاء، طائر من الفردوس أو شجرة مُثقلة بالثمار العذبة الشهية. ما من شيء ينقص جمال هذا المشهد الذي أبدعته الحوريات الصغيرات.

          وفجأة تتحوّل هذه الشخصيات السعيدة لتصبح عنقودًا من البالونات أو إلى إلاهات مثيرات يؤدين الأناشيد.

يا نجمة السماوات المُجنحة الرائعة، أنا أعيش حلمًا يهدينيه عالمك وتغمر لي المسرّات المقدسة بعذوبتها.

وها أنا أُقتلَعُ فجأة من هذا المشهد الجميل. ليعيدني طائري الكبير إلى مسكني الذي وبالرغم من ضخامته، بات بالنسبة إليَّ مأوىً بائسًات يمضي فيه الإنسان تلك البضعة الأيام التي تستغرقها حياتنا الزائلة.

          كنت غالباً أنظر باعجاب إلى السماء الضبابية الغائمة وأحاول تشبيه كل غيمة بكائن خرافي غريب.

          وبينما كنت ذات يوم أتصفح كتابًا مُصورًا رحت أسمع صوت نسري يصرخ لي:

          حاولي مقارنة السماء والكتاب…

وكنت كلما قلبت صفحة من الكتاب كنت أشاهد السماء والغيوم تتحول إلى لوحة هي نفسها المُرتسمة في كتابي، وراحت جميع تصاوير الكتاب تتوالى وكأنها أحد الأفلام.

          وأنا الآن عندما أشاهد الأمطار تنهمر، تذهب بي أفكاري إلى احدى الغيوم التي تسكب دموعها، وتضحّي بنفسها إذ تغادر موطنها البهيج لكي تروي عطش ترابنا الظمآن. وأقول لنفسي إنها إحدى صديقاتي اللواتي عرفتهن في ذلك الملأ الماورائي البعيد.

          أجل، أجل، يجيبني المطر الذي يصطدم بزجاج نوافذي، أنا هي الحورية، الملاك الصغير أو زهرة الثلج التي أحببتها كثيرًا.

          وافتح نافذتي وتروح شفتاتي الجافتان ترشفان بعضًا من نقاط الماء المقدَّسة.

          هذه قصتي الحقيقية الخيالية.

مولد اللُّغات

مملكة الرب كائنة منذ كان الزمن، وعبثًا نجهد في وصف روائع السماوات، فما من كلمات تفي بغرض التعبير عن هذه المملكة الخالدة. ومفرداتنا ليست على قدرٍ كافٍ من الغني لنتمكن من وصف رائعات الخالق.

          غير أنني أؤكد شيئًا واحدًا، الله كلمات لا حصر لها لغته المقدَّسة تنبجس من ينبوع الوحي والإلهام. الله هو الكلمُ والكلم هو الله، وكلامه نورٌ. الغبطة تقيم في هذا البنور، النور الذي ينساب بألوان قوس قزح تنعكس في كل مكان. هذا النور هو كلام القديسين.

          ويفهم المغبوطون بعضهم البعض الآخر بلغة الصمت لغة تفرض نفسها على الجميع ويصير الفهم في حالة تأمّل عميق. القصيدة هي انعكاس وحي دبَّجة أحد الشعراء. أوليس الوحي لغة لا صوت لها تكون محفورة في فؤاد الشاعر؟

          في عوالم أكثر رقيًّا من عالمنا يتواصل بعض الكائنات بالأفكار، وفي عوالم أخرى اللغة حروفها الأعداد والأرقام، وفي بعض آخر تتواصل الكائنات بواسطة الموسيقى!

          يا للجمال السامي! تنساب السمفونيات رائعة! الموسيقى هي مرآة يرتسم عليها وجه الغبطة الأبدية! وتتطاير نوطات ملائكية في هذه الأفلاك المقدّسة تتكون منها صلوات قدسيّة

          وفي أحد الأقطار السماوية تلعب العيون دور الكلام، فيها الكثير من المفردات التي توقّع ما يدور بين مواطني هذا البلد. هنا تتحادث الكائنات بالعيون، فالنظرات العميقة هي بالنسبة لهم وسيلة استيعاب وفهم. هذه هي لغة العيون، هذه الجواهر التي لا تقدّر بثمن. الدموع تعبر عن الأفراح والأحزان. أنها كلمات غامضة تتحدَّث عن الحياة.

          لكل نجم لغته الخاصة، ولغته هذه تكتسب الجمال، تصبح أكثر جمالاً، تصبح بلوريّة أكثر فأكثر وهي تعلو وتعلو.

          الزهور في عالمنا الأرضي تتحاكى فيما بينها وتحمل الريح رسائلها المُتبادلة إلى أمكنة قد تكون قد تكون بعيدة، وكل جنسٍ من الحيوان، الهوام، الأسماك والأجناس الأخرى له لهجته ولسانه، والكل يتفاهمون فيما بينهم. كل كائن حيِّ له لغته والمفردات.

 

          خلق الله الأرض بعد أن خلق النجوم والسماوات. الخلود له، فهو مملكته. لقد أرسى الله روابط بين قاطني كل نجم والرابط هو لغة واللغات لا تتشابه.

          هناك عالمٌ في مملكة الله مُكلَّفٌ بتوزيع اللغات. إنه فردوس هائل الاتساع. الحدائق فيه ملأى بالزهور التي خُصّت كل واحدة منها بلغة. لقد فوض الله المسؤولية في هذا المكان إلى أحد ملائكته ومنحه القدرة على توزيع عطاياه في جميع فراديسه.

          وعلى ضوء الشموس في الأزمنة الغابرة قطف ملاك الأبدي الله ، عددًا لا يحصى من هذه الأزهار السحرية ووزّع جناهُ على النيّرات المُرتحلة في السماوات. وكان لكل سماء زهرتها التي تتمتّع بقدرة التحوّل إلى لغةٍ كيما يُتاح للمصطفين التواصل فيما بينهم. وهكذا، وكما سبق أن أوضحت يتمّ التفاهم بلغة النور، أو بلغة الموسيقى، أو بلغة الأرقام، وتتمُّ القراءة بلغة الأفكار  وبالعديد غيرها من اللغات. عندما خلق الله الأرض جاء الملاك واسبغ على عالمنا لغة واحدة فريدةٌ وهي سبيل التفاهم بين البشر. وكان تكبّر الإنسان كبيرًا وادعاؤه وتشاوفه كان اكبر.

          قرأنا في سفر التكوين أن البشر صمّموا على بناء برج يطاول السماء أسموه برج بابل. وفي غمرة غضبه: أرسل الله عاصفة سماوية دمّرت برج التكبّر والصلف هذا وشتّت بنائي ذلك الصرح الملعون في اربعة أطراف، الدنيا. وفي غمرة هذه البلبلة الرهيبة، سيطر الهلع على أولئك  البشر فظلّوا صامتين رهبة ورعبًا.

          عندئذٍ نزل الملاك من سماءه وراح يحلّق وهو خفي غير منظور فوق الأرض، وقدم عطية لكل شعبٍ عبارة عن لغة قطفها من حديقته، غير أن تلك اللغات ظلَّت تنتمي إلى المستوى الروحي للأرض.

          هكذا ولدت اللغات على كوكبنا. وفي الليل ونحن ننظر إلى قبة السماء المُوشاة بالنجوم التي تجعل أنوارها المُتألقة تومض وتتوهج، يمكننا الزعم بأنها تلقي التحية علينا ويمكننا أن نرد تحيتها بقلوبنا وهي تفهم ما نقول.

السَّاعة

انّي أنظر إلى ساعتي، أفكّر، دقيقة واحدة ما زالت  مُتبقية قبل أن ندخل سنةً جديدة، وأننى أقرع الأجراس من أجل السنة التي تنقضي. وها أنا أتهيّأ لاجعلها تقرع الحان البهجة والفرح لقدوم العام الجديد.

          ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا انقضت منذ الذكرى السنوية الأخيرة. اليوم في هذا العالم يتكون من أربع وعشرين ساعة، والساعة من ستين دقيقة، والدقيقة من ستين ثانية. هكذا هو التوقيت على الأرض.

          وإذ تنساب أفكاري مجاريةً مسار الوقت، أسمع ضحكة جزلى وهازئة. وحوالي منتصف الليل وأنا وحدي في غرفتي أكاد أنهار من الخوف. إلاّ أنني أعود فأتمالك نفسي، فقد رأيت فجأة نورًا مُتالقًا على شكل كرة وبداخلها لاحت لي إلهة رائعة الجمال، حُلتها شموس مُلونة لا تعداد لها، وتوجهت بالحديث قائلة:

          أنا أدعوك لزيارة مملكتي. إنها هائلة الاتساع، شاسعة، وستشعرين بالأسف الشديد إنْ أنت لم تريها سأعرّفك بنفسي: اسمي الساعة. أنا أسيّر الوقت في جميع العوالم. أنا أحكم شموسهم وأنوارهم.

          لن أفوّت بالتأكيد فرصة ومناسبة كهذه فهي قد لا تتاح لي ثانية.

          أما وقد استطعت أن أضبط مشاعري فها أنا أدخل هذا العالم الجديد الذي أضحى صغيرًا حتى يتسنّى لحجرتي أن تحتويه. وتنطلق الكرة المُنيرة التي أزورها وتروح في تحليقها المهيب مُنطلقة من النافذة. وما أن أصبح هذا العالم في الخارج حتى راح يكبر ويكبر كلّما ابتعد عن الأرض إنه عالم لا حدود له، إنه لامتناه في حين أن أرضنا التاعسة ليس لها سوى شمس واحدة وقمر واحد، في حين أن هذا العالم يتألق عبر آلاف النجوم المُتعددة الألوان.

لقد بهرتُ. وابتسمت هذه الربة لإعجابي وشديد فرحي وأخذت بيدي قائلة: أنا، كما ترين، أحسّد عالم الشموس، وعندما شاهدتك تنتظرين اللحظة الصحيحة المُناسبة لتحتفلي بالسنة الجديدة، أخذتني شفقة حقيقية بك لأدراكي جهلك للحقيقة. عالمك على الرغم من صغره يُحصى الثواني والدقائق والأيام والشهور لكي يستطيع أن يكوّن سنة. لديك آلة صغيرة تسمينها ساعة. هي تعلمكِ بهذا الوقت الثمين بفضل شمس واحدة أرسلها أنا لكم. والإنسان عندكم يبلغ على الأكثر مئة سنة من العمر وهذه المدّة تعادل في بعض العوالم جزءًا صغيرًا من الثانية.

          أخذتني دهشة كبيرة لما سمعته فيها، لكنني أعجبت كثيرًا بثوب هذه الأميرة. تخيلوا ثوبًا نُسِجَ من شموس؛ ثوب يطاول مداه حدًّا لا يمكن إدراكه. فكل طيّة من طيّاته تنطوي على شعاع نورٍ يوازي العديد من الشموس ذات الألوان الكثيرة، المُنيرة.

          وجه هذه الحورية كائن في وسط هذه العوالم، يبتسم للنجوم التي تكسوها وتتوِّجها، وهي، الحورية، تدور بحركة تسبّب الدوار، تجذب في دورانها ثوب العوالم الفريد من نوعه. ومع ذلك لا يبدو إطلاقاً أن هذه الحورية تدور فهي تبدو ثابتة هنا، أمامي، فأدرك بأن سرعة دورانها تجعلني اعتقد أنها ثابتة لا تدور.

          وتتابع حديثها فتقول:

          “الآن سنزور مملكتي. أنا مسؤولة عن ست مئة من العوالم؛ أنيرها بالشموس وأقسِّم أوقاتها وأنظمها، فلا تتعجبي من ذلك ولا تنسي أن الشموس لها علاقة وثيقة بالأوقات.

          الأرض مثلاً، هذا العالم الكائن على مسافة وسطى بين السماء والجحيم، هي عالمكم المسكين البائس الذي ليس له سوى شمس واحدة وآلة الوقت عندكم لا تعمل إلاّ بالساعات.

ثمَّ، ومن خلال فتحة في ثوبها حيث يتسرّب ضوء الشمس التي تنير عالمنا، سمحت لي أن أشاهد كوكبنا، الأرض، وقالت لي:

          دعينا لا نضيِّع المزيد من الوقت هنا. وفتحت طيّة أخر في ثوبها السحري.

          هذا هو العالم الرقم واحد، أسرّت إلي. أنظري. له ست شموس. وكل نجم من نجومه هو أكبر بست مرّات مما هو لديكم. في هذا العالم تكرّ السنون بسرعة دون أن تؤثر بشئ على ساكنه، إذ أن الوقت بسبب مروره السريع نصبح مُجرّدًا لا تأثير له، ويبقى الشباب هنا نضرًا خالدًا.

          سكان هذا العالم سعداء يستسلمون لمباهج ومسرّات فردوسهم؛ يتذوقون ثمرات أشجاره، يتنعمون بلذاذاتها وفضائلها السحرية. كل هذا في عالم ليس سوى العالم الرقم واحد.

          وبكل هدوء، راحت تكشف طيّات ثوبها الساحرة متيحةً لي فرصة النظر إلى عوالم متنوعة سابحة في أنوار شموسها. كلّما تقدمنا من عالم إلى آخر، يصبح عدد النجوم مُضاعفًا وعدد شموس العالم الثاني، الرقم اثنين هو إثنا عشر، أي ضعف ما هو في العالم الأول، وهكذا دواليك.

          وتنسكب دفقات من الأنوار المتعددة الألوان شلاّلات تروّي هذه العوالم المباركة، المجهولة والبعيدة.

          ليس للوقت القيمة التي ننسبها اليه، فالقرون والآلاف والملايين بل والمليارات من السنين لا تكتسب أيّة أهمية في هذه العوالم الراقية.

          وكلما تقدمت أكثر في زيارتي كان يتزايد عدد الشموس عالمًا بعد عالم، ويطول النهار بالتوافق مع النجوم حتى يبلغ مداه الآلاف، الملايين، بل المليارات من السنين.

          ونصل إلى العالم الست مئة.

          يا للروعة! إنه مملكة الضوء…! وبالإمكان إحصاء الشموس الموجودة على هذا الكوكب. وبما يختص بي، فليس لي الشجاعة لفعل ذلك وفضلت فقط الاستمتاع برؤيتها تتوالى في مرورها وهي تنير بألقِها القمم والذرى السماوية. كم أنا عاجزة عن وصف هذا القدر من الجمال، فأنا ابنة الأرض ولغتي ومفرداتي هي من مستوى الأرض.

          لكي تتمكن من التعبير عن هذه الروائع السامية المُهيبة ينبغي أن تكون من أبناء هذا الكوكب، الست مئة. الفرق شاسع، فأرضنا تحيا بفضل شمس واحدة.

          لكن هناك، هناك تعيش وتحيا تلك النجمة البعيدة إلى الأبد مُحاطة بما لا حصر له من الجواهر العملاقة المُثيرة. كل شمسٍ هي أشبه بعقرب ساعة يشير وهو يدور إلى القرون عوضًا عن الثواني، وإلى المليارات من السنيين عوضًا عن الدقائق.

          هناك لا يقيسون الوقت، فالصبا والشباب خالدان. الفرح والغبطة دائمان. هكذا يعيش مُختارو هذا العالم السامي.

          وتستمرُّ الملكة في حديثها معي.

          أترين؟ أنا أوجّه وأحكم العوالم ألست مئة جميعها. أنا مرشدتها ومصدر ضوئها. أنا بدوري أستمدُّ ينبوع ضوئي من مكانٍ أكثر سموّا، فالله هو نبع الينابيع، هو نور الأنوار، الله الذي لا بدء له ولا انتها. الله هو الماضي والحاضر والآتي والآن، ارجعي إلى عالمك الصغير، فلم تأتي ساعتك بعد، فلكل ما أردته هو أن أجعلك تعاينين مجد الله.

          لم يتسّنّ لي الوقت لأشكر الآلهة ورأيت نفسي مُلقاة في غرفتي من جديد.

          وتحين الدقيقة وتدق. انظري! هل هذا حلم؟ ماذا يمكن فعله في غضون دقيقة؟

          على أي حال، أنا هنا من جديد حتى أحتفل وأعيّدَ بالسنة الجديدة، أجل، سنة سعيدة!

جغرافية عالَمٍ

هناك في سماءٍ سحيقة كوكب معلقٌ، هو ملكٌ لأحد الديبة الخفية، وهو كالحرباء يبدل لونه حسب ما يريد، آخذًا ألق النجوم المُحيطة به بكل تفاصيله، متلوّنًا بألوان قوس قزح عاكسًا على صفحاته أنوار النجوم المُتعددة الألوان التي كانت تدنو منه باحترام مُقيمة كل اعتبار لكرامته ومُنحنيةً بإجلالٍ أمام الفردوس المُعظم.

          يستأثر هذا العالم الفاتن بإعجاب المجرّات التي تحيط به، فلديه القدرة على اختيار الشكل الذي يرغب أن يكون عليه وهكذا يستطيع أن يتحول إلى وردة أو إلى أيّة زهرة أخرى إو إلى طائر….

          هذه الزهرات النجوم، المشاعل السماوية تنشر غيمات من العبير ينتشى بها جميع من يجاورها.

          هذه القبّة المُقدّسة ما تزال مجهولة من عوالمنا. يا اللهّ! كم وكم من الألغاز ما تزال مستورة في كنفك! لكنّ بعض الأسرار التي تكشفت لنا تتحول إلى أقاصيص لا قدرة لمُخيلةٍ أن تحلم بمثيلات لها.

          وألفيتني فجأة في كنف هذا العالم الخيالي حيث المحبّة الإلهيّة ومحبّة القريب والصلاة مكرّسة لقدَّوس القديسين. وفي غمرة هذه الغبطة يروح ملائكة صغار يحلقون فوق جنان هذا العالم وتروح اجنحتها ذات الأجراس توقّع الحان سمفونيات علويّة.

          وتمتد الجمالات على مساحة الأنظار في سحر هذا المكان الرائع. رياض مُتعددة الألوان، مُتألقة، يسود التناسق الفني ما بين زهورها. وشلالات بألوان الأحجار الكريمة، ألوان الياقوت الأحمر والألماس والمعشوق واللؤلؤ والزمرّد، وتنسكب على جبال عملاقة. هذه هي بانوراما الجمال، جمال مملكة طوباوية لا قدرة للأرضيين أن يطأوا ثراها.

الجبال هناك صخور جليلة ذات فخامة، وكل واحد منها له وجه سيدٍ من الأسياد ويملك خياره في أن يطير ويحلّق حسب ما يرغب مُعتمدًا على قدراته الخيالية، والكواكب ذات الأنوار الباهرة تتوّج شعر هؤلاء الأسياد الذهبي.

          أود أن ألفت انتباهكم إلى أن هذه الصخور الجلاميد أخفُّ وزنًا من ريشة الطائر.

          هذا العالمُ تعلوه قبّة مخروطيّة الشكل، مختلفة عمّا عداها، وألوف الدوائر والأملاك العملاقة الشبيهة بالخرائط الفلكيّة وهي بارتصافها جنبًا إلى جنب تشكل سماءً لهذا العالم. كل دائرة أو فلك من هذه الأفلاك يمثلُ بلدًا من بلدان هذا العالم، وهو يتجاوز أرضنا من حيث الاتساع بمليارات المرّات وكأنه لامتناهٍ في خضمٍّ لا متناه.

          ألوان هذه الأفلاك التي تتمايز بعضها عن البعض الآخر تشكل سماءً من الفسيفساء الساخرةن وكلّها ترسل انعكاساتها المُبهرة في السماوات الشفافة الزرقاء.

          ترسم هذه الأفلاك خارطة جغرافية مُلفتة تجذب أنظار الكواكب المجاورة دون أيّة مقاومة.

          حري بنا إن لا ننسى أن الأحبار القديسين هم الذين يقيمون في هذه الصخور الجميلة ويحيونها في زيارة احد هذه البلدان التي تخصّهم.

          وفي الحال ينفصل فلك عن القبّة الساحرة ويمثلُ أمام هذا السيد السعيد الحظ ويتمُّ الارتحال نحو البلد الذي وقع عليه اختياره. ويحط أمام هذا البلد ويدخل ربوعه زائرًا مختلف الجمالات الرائعة، ويروح يتأمل ويعاين حضارة هي أسمى بآلاف المرات من حضارات العوالم التي هي أدنى من عوالمهم وأسمى من حضارة أرضنا الشريرة البائسة.

          يتمتع كل من هذه البلدان الجميلة بقدرة سماوية ويَنعمُ باكتشافات باهرة في الميادين الفنية والعلمية والموسيقية. ويتمتع بعض هؤلاء الأسياد بنعمة الهيّة ويجودون بما تغرقه عليهم مواقعهم السامية من فوائد على قاطني ذلك الكوكب الرائع، وهؤلاء بدورهم يشكرون نِعَم الله القدير عليهم وجزيل عطاياه وينمّون مداركهم إلى أعلى المستويات المُتاحة لهم في هذا العالم إذ أن كل كائن يحصّل المعارف وفقًا لمنزلة فردوسه الروحية.

          وتتنزل أحيانًا على هذه الممالك الشاسعة مجرّاتٌ متألقة بالشموس. هذه هي عطيّة هذا العالم، إننا مؤونة غذائية سماوية تنمي الذكاء والمعرفة وترفع مستوى النفوس.

          يقابل ملوك هذا الفردوس النعم الإلهية المقدَّسة بصلوات يرفعونها إلى الخالق المُبدع. وكل مقطع من هذه الصلوات يتحوّل إلى زهرة كريمة، نفيسة، سامية الرحيق والعبير، وتأتلف عشرون من هذه الزهور باقةً تقدّم نفسها أضحيةً وتتصعّد غيومًا من عطورٍ نحو الإله!

النَّدى (2)

وبسط الله يده فوق الأرض وهو في لحظة غضب، فإذا الأرض قد جفَّت ولم يعد عليها سوى الكائنات السيئة والأعشاب الفاسدة. تقدم جميع القديسين والملائكة ورؤساء الملائكة، السيرافيم والشيروبيم تقدّموا بالتماسٍ وضراعة إلى الله القدير ليأخذ هؤلاء البائسين برحمته. لم تلق تضرعاتهم أذنًا صاغية، فالله الكلّي السموّ أصم أذنيه عن توسلاتهم.

          وتبكي السماء خطأ الأرض،. يسوع، الابن الحبيب، يسكب الدموع الحرى فيجمعها أحد الملائكة في غيمة مُزهرة. وينظر يسوع نظرة رجاء أخير نحو أبيه السماوي أن يعفو على الأقل عن بعض الكائنات وينقذها من الجحيم الأبدي الذي سيلتهمها.

          واستجاب أبونا السماوي لهذه التوسُّلات واشفع ذلك بابتسامة رضىً.

          وعاد الملاك حاملاً غيمته وانضم إلى أخوته. وترك يسوع دمعته الأخيرة تنسكب لؤلؤة رائعة تجتاز الفضاء لتسقط على تراب الأرض القاحلة.

          إنها جوهوة هائلة الكبر فائقة الجمال لم يسبق أن وجدت مثيلة لها، حولتها شعاعات الشمس إلى قوس قزحٍ باهر التألق لا قدرة لنا على إحاطته بانظارنا.

          غير أني سأكشف لكم سرًّا.

          يرى البعض داخل هذه الجوهرة صبيّة صغيرة لطيفة وحلوة، ذات عينين سوداوين تشعان بالجمال. تموضعت هذه الجميلة في حقل زرعته الورود الذابلة، فما أن لمستها حتى انتعشت بالحياة ومن هنا أخذت الفتاة اسمها “ندى”.

          وانسكبت ندى على الأرض وراحت تتكاثر وتنتشر على الزهور والنباتات، ومن يقطف لنفسه زهرة، يسمع صوت ندى الموسيقى يقول:

          إرجعوا، ارجعوا إلى الله! توبوا واستغفروا الله عن خطاياكم! لكن، قليلون هم من يسمعون ويفقهون  هذه الدعوة الإنذار. وتبقى ندى حزينة تبكي في معظم الأحيان وتتساقط جموعها على الأرض فتجعلها أكثر خصبًا مرّة بعد مرة، وتزداد غلال القمح وتكثر الزهور وتصبح النباتات وارفة. غير أن ندى لم تكن راضية عن الجنس البشري بل كانت تمجّه، لذا عادت إلى حبيبها يسوع.

          وما إن استقرت ندى في السماء حتى عادت الأرض إلى سابق عهدها مُتصحّرة قاحلة، ويدرك الجنس البشري اخطاءهم وآثامهم فيضرعون إلى الله أن يعيد ندى اليهم. أخذت الرأفة بمجامع قلبها فعادت ندى إلى عالم البشر من جديد تلقنهم الوصايا والتعاليم الإلهيّة، لكنّ رؤوس هؤلاء كانت أكثر صلابة من أن تميّز وتفصل بين الخير والشر.

          اصيبت ندى باليأس من امكانية اصلاحهم فتعود وتحلّق راجعة إلى السماء. في رحلتها هذه قررت ندى عدم الرجوع إلى الأرض إلا عند نهاية العالم وراحت وهي على درب عودتها إلى السماء، راحت تسكب غدقًا من الدموع تروّي بها تراب الأرض.

الرجوع

كانت ليلة هانئة لا يعكّر صفوها شيء. مجرّة الله تتالق وتلمع ونجوم لا عدّ لها تعكس أنوارها ذات الألوان السمفونية على صفحة أوقيانوس مقدّس.

          أجل، إننا نتمتع ونعجب بكواكب لا حصر لها، بفراديس سماوية في هذا الكون الرائع البديع. هناك تقيم أرواح مقدّسة فاضلة ضحّت فيما مضى بكل شيء حتى تجد في الزمن الحاضر الغبطة والهناء.

          إن هؤلاء المُختارين موزعون في مستويات مختلفة في السماوات غير أنه ما تزال تربط بينهم عرى صداقة قديمة وأخوّة. انفصالهم هذا ناتج عن استحقاقاتهم المُتفاوتة، فالأعمال توصل كلَّ واحد إلى العالم الموافق لكرامته وقدره.

          هكذا فالعديد من الأصدقاء مفصولون بعضهم عن البعض الآخر بفعل العدالة وهم ينشدون غالباً امكانيّة التلاقي والعناق مُستنذكرين الواحد أو الآخر ما أمضوه سويًّا من الأيام. إلاّ أنّ تبادل الزيارات بين الكواكب غير مسموح به فقوانين تلك العوالم دقيقة صارمة لا جدال فيها. ما هي الأسباب الداعية لذلك؟ لا أحد يعلم، فالأحكام الصارمة نافذة دائمًا. لكن السماء لا تتسبّب بالحزن والأسى لاحبّائها بل تأخذهم بحلمها فتهيئ لهم مكانًا للقاء وتتحوَّل الأفضاء ما بين النجوم إلى  فراديس عدنٍ وتكون ممّرات العبور ما بين النجوم محفوفة بالأشجار، وأماكن الاستراحة مُحاطة بالحدائق الرائعة الغناء، والأزهار النورانية ترسل انبعاثاتها المُتعددة الألوان إلى هذه الأماكن الرائعة فتملأ أجوائها بأعذب العطور.

          والأشخاص الذين تحوّلوا إلى شموس مُجنحة يحوّمون من مكان إلى آخر يرفعون الشكر إلى الله. وتتحول جلاميد من الحجارة الكريمة إلى مقاعد ذات ذراعين وتقدّم ذاتها للزائرين الكثر مُزيّنة المشاهد بأطرافها الملوّنة.

          هناك وفي جوّ مُقدّس أبعد من الوصف، يستعيد من اصطفتهم هذه السماوات ذكريات الصداقة ويضعون المُخططات لمستقبلهم. أولئك المُنتمون إلى العوالم العلوية يتقدمون بالنصح والإرشاد لفتيانهم ويساعدونهم دافعين إيّاهم إلى تحسين تصرّفاتهم دون توقف وإلى الارتقاء بنفوسهم، فالمحصلة مفرحة وسعيدة، وكان كل واحد يصف كوكبه مبيّنًا جماله وروعته.

          أما نحن، ومن ارضنا البائسة، من البعيد البعيد، فلسنا بجديرين ولا بمؤهلين أن نصف الفراديس الإلهيّة فجملة مفرداتنا لا ترقى إلى سموِّ هذه القمم الساحرة، وسأورد لكم مثالاً بسيطًا على ذلك.

          تخيّلوا شجرة عملاقة شاهقة، خالدة، بلون أخضر زمرذدي، فاردة جناحيها، تعبر دائرة السماء من جهة إلى الأخرى مرتجلة تآليف مقدّسة، ثمارها عبارة عن سلال من النجوم الرائعة يعيش في كل منها ملائكة صغار، وكل شيروبيم يمثّل نوطة موسيقية. وما تجدر الإشارة إليه أن نوطات هذه العوالم الخلابة هي أكثر تطورًا من تلك العائدة لأرضنا.

          عندما تحلق شجرة الموسيقى العملاقة وتنفصل عنها السلال، يقوم الملائكة الصغار المزودين كل منهم بقوس كمانٍ أشبه بشعاع من الضوء، يقومون بعزف سمفونياتٍ الهيّةٍ يعود بعدها كل منهم الى مسكنه وترجع السلال إلى مواضعها على الشجرة.

          تضمّ الشجرة الطائرة مكتبة سمفونيةً يرتبط بها ألوف الملائكة الصغار، وربما موسيقيونا العظماء أمثال بيتهوفن وشوبان وموزار يعودون بأصلهم إلى هذا العالم وأن شعاعات غير مرئية تنبعث من هذه الشجرة حاملة لهم الوحي والإلهام لتسمو نفوسنا بموسيقى كلاسيكية جميلة.

قاطنو هذا الفردوس الساحر ينعمون ويتلذذون بهذه السمفونيات المقدَّسة رافعين آيات المجد إلى الله.

وبالعودة إلى الآفاق والأجواء التي تحولت إلى فراديس، فهناك تنهال أزهار نينوفار مقدَّسة شلالات تمتزج بمياه من الذهب، وتنير النجومُ البعيدةُ هذا المكان الخياليّ، وتنهمر زخّات من الياسمين والورود وشتّى أنواع الزهور ناشرة عطورها في كل مكان. وتدندن طيور ملوّنة ويمامات نجوم المدائح الى الله على الدوام.

          في هذا المكان الفائق الجمال الذي، وبكل أسف، لا يمكننا أن نراه باعيننا، يجتمع مختارو الله عندما تدعو الحاجة، يتعلمون هناك ويتباحثون بمسائل علميّة لا قابلية لنا على فهمها فمستوانا على الأرض لا يؤهلنا أن ندرك ونستوعب معارفهم.

          وللأسف الشديد، نحن نعيش في هذا الدرك الملوّث بالخطايا، ولا بد لنا من عبور الآلاف من السنين حتى نتطهر وتترقى نفوسنا قبل بلوغنا هذه الذرى الذهبية، ذرى الأحلام، وقبل أن نجتني المعرفة عن هذه السماوات البعيدة.

          لنكمل الآن قصتنا.

          ففي أحد هذه الأيام، هبط إلى الأرض شيروبيم سماوي على وجهه الصافي مسحة من البراءة، ذو وجنتين ورديتين وابتسامة ساخرة. إنه أحد أتباع شجرة الموسيقى وقد ولد لعائلة تحوز على أملاك واسعة وجنائن ومروج فسيحة جدًا. كيف حدث أن أقام هذا الفتى في عالمنا؟ لقد هجر احدى السلال السحرية وتزحلق على حزمة نور وصولاً إلى كوكبنا.

          ما زال مجيء هذا الملاك الصغير لغزًا من الألغاز، لقد تربّت آنج، (Ange) وكبرت بين أهلها مدلّلة، وكانت تزداد طيبة وعذوبة، وتصبح موضع محبَّة من الجميع، والجميع يرغب  في أن يضمها ويغمرها بالقبلات وكل من يراها يهتف بعبارات الإعجاب.

  • يا لروعة هذا الملاك!

أليست الشفاه التي تتلفظ بهذه الكلمات مُلهمة من بعض ربَّاتِ الوحي البعيدات؟ يبدو لي ذلك فعلاً.

          ولا أحد يمكن أن يقف غير مبالٍ أمام هذا الجمال فهي مصدر فرح وبهجة لكل من يلتقيها.

          الفتاة تزداد جمالاً يومًا بعد يوم. لقد قاربت الخامسة أو السادسة من العمر. أهلها هم من اختار لها هذا الاسم (Ange) عند ولادتها مع أنهما لم يكونا يعرفان شيئًا عن أصلها.

          في يوم ربيعي مزهر رافقت الفتاة الصغيرة مجموعة من الأولاد ليلهوا معها في الجنائن والحدائق.

          أيتها الفتاة ذات الشعر الذهبي، ما هذه الأرض البائسة بلائقة بك، أنت تنتمين إلى معبد الله وهناك ستحيين إلى الأبد. أنت أنشودة تسعدين الآذان والعيون، وفي صوتك عذوبة أخاذة، أنت نغمة موسيقيى مُجتناة من شجرة الموسيقى. لا أحد يمكنه أن يعرف إلى أين تنتمين، حتى أبوك وأمك.

          كيف كان مجيئك أيتها الفتاة؟ هكذا هي عوالمكم، تحفظ أسرارها بكل ِّحرصٍ ولا تكشف منها إلا ما تريده هي. لكن هناك، في بلدك البعيد، يعيش كائن عزيز جدًا بالنسبة لك وهو يبحث عنك يريد أن يعرف أخبارك.

          في هذه الأثناء، يرحل أحد المُصطفين عن كوكبه سعياً لايجاد آنج (Ange)، ويوغل في المدى الرحب الملئ بالنجوم والأزهار، حيث مًلتقى القديسين. هناك، في ذلك المكان الخيالي الساحر يروح يسبر بنظره الثاقب الطبقات السماوية ليبلغ بنهاية المطاف أرضنا الخاطئة، فيرى آنج وهي تلهو مع رفاقها في إحدى الجنائن. هو يرغب مهما كلّف الأمر وبكل كيانه أن ينتشلها من هذه الأرض البائسة ويحملها بين ذراعين إلى حيث تنتمي.

          ويتَّخذ هذا الروح القدّوس حلة تنكرية فيتجسّد كائنا ذا وجهٍ ساحر الجمال ويهبط إلى هنا كيما يعثر على آنج (Ange). يصل المُختار إلى البستان ويتموضع في احدى زهرات أزرار الذهب وسط إطار من البتلات الصفراء.

          وفي غمرة لهوها ومرحها تلمح الفتاة الوجه في قلب الزهرة فتؤخذ بروعته وتسرع إلى الزهرة لتقتطفها، فتسمع هاتفاً بداخلها يقول بأنها تعرف هذا الكائن الذي تليق به الفراديس العلوية العلوية. وتهمُّ الفتاة لتقطف الزهرة الساحرة فترى الوجه يبتعد ويروح يطير من زهرة إلى زهرة فتلحق به وهو لا ينفك يطير كالفراشة فتمد يدها لتمسك بعنقِ  الزهرة وتقطفها فيفر الوجه بعيدًا كل مرة. كانت الجولة طويلة غير أن مرج الزهور شارف على نهايته وتتمكن الفتاة، بعد أن ارهقها الجري، من اقتطاف الزهرة المقدسة تلك، وبعيدًا عن جميع الأنظار.

          في اللحظة عينها يكبر زر الذهب ويرفع الفتاة ليضعها قرب المصطفى في قلب الزهرة المقدسة، وتنغلق البتلات الجميلات وتخبيء ورائها هذين القديسين. وتتحوّل الزهرة إلى نيّر مُجنح وتحلق راجعة إلى مسقط راسها.

          وهكذا تعود “انج” (Ange) إلى سلتها الموسيقيى وتلتقي باصدقائها فينعمون بالغبطة الأبدية.

أوراق الأشجار الذابلة

إنه فصل الخريف. فتارة ترسل الشمس الساطعة أشعتها فتبعث الدفء في أغصان الأرض وأوصالها، وطورًا يهب نسيم بارد فيعرِّي الأشجار من أوراقها فتموت وتتكسر فيحملها الهواء ويدور بها مُحدثًا ضجة صمّاء. أنصتوا إن تمكنتم من السمع، فكل من هذه الأوراق صفحة دوّن عليها تاريخها وقصة حياة الشجرة التي تنتمي إليها.

          وتروي الأوراق قصة حياتها للريح التي تدوّنها في سفرها لتنقلها إلى عالم آخر. وهذا بدوره يدوّن ما روته الريح في سجل خاص بالشجرة الأم. عندما تخلع كل شجرة ثوبها وزينتها تسقط أيضًا عامًا من حياتها فتحفظه لها سماء غير معروفة فلا يضيع.

          في يوم من أيام هذه العاصفة العتية كنت اسير على غير هدىً فوق احدى التلال المكسوّة بالأشجار. كانت أوراقٌ بلونِ الصدأ تتساقط عن الأغصان مُحدثة طقطقة، صوتًا يروي سيرتها وقصة وجودها المفعمة بأحداث حياتها منذ الولادة.

          أنا لم أعلم كنه ذلك فحسب، بل إن أصواتًا أخرى غير مألوفة أثارت لدي حبّ الاستطلاع والمعرفة فأصخت السمع وإليكم ما كان:

          كانت الأوراق تخبر عن عمر الأشجار التي تنتمي اليها، مُوضحة طبيعتها ونوعها لتعود بعد ذلك فتقص على الملأ مسار حياة أشجارها مُبتدئة حديثها كالتالي: “ولدتنا أمهاتنا في بداية فصل الربيع، فقد استفاقت لتوّها من سباتٍ شتويٍ عميق. كانت مُخدّرة بسبب الصقيع في فصل البرد. وتتابع الأوراق سردها، كنا براعم مُتناهية في الصغر ثم رحنا نكبر ونكبر كلما ازداد الدفءُ وصار المناخ جميلاً. كنّا جميلات وكثيرات نكسو أمنا بثوب جميل، عذب ومفرح. وكان النسيم الربيعي! يهدهدنا ونحن نوقع الألحان تكريمًا له، وكان العديد من الدواب الصغيرة يتخذ له مسكنًا في أعطاف البعض منّا.

          وتضيف أوراق أخرى: لقد كنا نؤمن لهذه الكائنات الهزيلة الحماية ونجعل من أنفسنا مرتعًا لها ومكانًا للراحة.

          وتقول أخريات: “كنّا نقدّم أنفسنا للطيور أدوات تنسج منها أعشاشها بينما كانت الفراشات تنتقل من واحدة منا إلى الأخرى تمتصُّ منها رحيقها وعصارتها.

          هكذا كانت الأوراق تتراكض وتخشخش ساردة كل واحدة منها سيرة حياتها مدونة اياها بحروفٍ غير مرئية بالنسبة إلينا… وكل يوم كان يمرَّ من حياتها كان يُكتب بحروف هيروغليفية ويحفظ جميع حركاتها وسكناتها.

          استطعت أن أفهم أن بعض تلك الأوراق كانت أحيانًا تقوم بفعل الخير والبعض بفعل الشر، حتى أن بعضها أعلن صراحة أنه كان يسقط أعشاش الطيور الملأى بالفراخ مُتسببًا لها بالموت ولأمهاتها بالحزن والبكاء، أو يتسبب بسقوط الأطفال ممن حاول تسلق أغصان أشجارها.

          إنها جنح وجرائم كان النسيم يحملها إلى عالم آخر من حيث كان يأتي الحكم بحقها. كنت أيضاً أشاهد بعض الأوراق تتطاير نحو السماء وتنجز سعيدة بينما كان غيرها يهبط إلى عوالم سفليّة. فمنها من حلّت عليها اللعنة وعلى موجد حياتها، فالأوراق السيئة تولد من أشجار سيئة والجيدة منها من أشجار جيدة. وهكذا كان بعض الأشجار يقتلع من حين إلى آخر فيصير طعمه للنيران.

          عندها فهمت وأدركت أن كلٍ ما هو موجود في هذا العالم، نباتًا كان، حجارةً أو حيوانًا لا بد أن يخضع للمسائلة والحكم عليه بسبب ما يأتيه من الأعمال مثله في ذلك مثل الإنسان.

أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!