قصصُ غازي
قصصٌ بأقلامٍ مُختلفة تُكتب بمداد الاختيار والمسؤوليَّة الذاتيَّة ، تُعبِّرُ عن فصولٍ مُتتالية في رحلة التطوُّر الرُّوحيّ. يجمع بينها الإيمان.
قصصٌ وحكايات
من أقاصيص: زينة حداد
ترجمة: سمير الحداد
ها هو الفردوس الأرضي.؟ وها آدم وحوّاء، اليد باليد يجوسان سعيدين أنحاء هذا المكان الهانئ الساحر، مأخوذين بجمال الطبيعة الفتَّان، مُصغيين إلى الألحان الملائكية ومتلذِّذين بأطيب الثمار مذاقًا.
وكانت كل شجرة مُثقلة بحملها الرائع تنحني عند مرور آدم وحوّاء الفائقي السعادة مقدمة لهما أفضل ما لديها، وكانت الأغصان دائمة الأنحناء لثقل ما تحمله من الثمار التي لم تكن لتنحصر في موسم معين. إنها دائمة الوجود.
آهٍ! يا لروعة تلك الأشجار يتلاعب نسيم ربيعيّ بافنانها المُتعانقة وأوراقها الكثيرة تجف بالثمار لتبرز جمالها وتجعلها أكثر اشتهاءً فتبدو كنجيمات مُنيرات متوهجات تعطرها النسائم العليلة فتتسارع العصافير النهمة الفردوسية الريش لتتذوَّقها وتسكر من رحيقها فتعود نحو آدم وحوَّاء تنشدهما أعذب ألحانها.
لم يخلُ الفردوس من أي نوع من الأشجار. فجميع الأنواع كانت تتباهى بوجودها في هذه العَدَنْ, ويا للروعة! فهذه الأشجار القادرة على التنقل والجري على جذورها لم تكن أشجاراً أرضية. انها سماوية ترافق آدم وحوّاء، تقفز وتعدو أثرهما متساوقة مع خطواتهما، مُتمهِّلة معهما، تاركة جواهرها العطرة تتدحرج أمامهما فيلتقطانها قبل سقوطها على الأرض ويقضمانها بلذَّة وفرح.
شجرة الكرز أغصانها مُنحنية لحملها الوافر من حبيبات الكرز التي تضاهي اليواقيت بجمالها.
كانت ملكة ذات وجه ساحر تعتلي رأس كل شجرة من أشجار الفردوس، مُتزينة بشعرها الحريري الطويل يحيط بجبينها تاجٌ من ثمارِ شجرتها.
شجرات البرتقال والمندرين تبرزن رأس مليكاتها للشمس، أما الدوالي الذهبية العناقيد فكانت تلفّ بسواعدها وثمارها هامة ملكتها وقوامها الرشيق. ويقدم السفرجل الذهبي نفسه ليتوج رأس محبوبته. ولم تكن شجرة الرمان لتتواني عن نسج زهورها المتألقة الحمراء ضفيرة لهامة جميلتها ولا عن نثر لآلئها عند قدميها.
لو أردتُ أن أعدد كل هذه الأميرات لطال بي الحديث واستفاض، إلا أن ما لا شك فيه على الإطلاق هو أنهن جميعًا باهرات الجمال، ساحرات، تمسك كل منهن صولجانها الذهبي الموشى بثمار شجرتها، وكنّ جميعًا يحطن أشجارهن بالعناية والحب لكي تنمو ثمارها أكثر عذوبةً وألذ طعمًا فتقدمها للغاليين الحبيبين، آدم وحوّاء.
من بين جميع هذه الأشجار، وحدها شجرة التفاح انزوت بعيدًا. فقد حرّم الله آدم وحوّاء من لمسها أو التلذّذ بثمارها. شجرة التفاح المسكينة كانت كاترابها جميلة أيضًا غير أنه لم تكن لترغب أبدًا باغواء ضيفي الفردوس. غير أن الحيّة الغادرة الخادعة مهدّت لحوّاء سبيل الغواية وأقنعتها بتذوق لذائذ التفاح لتعود بدورها فتقنع آدم الذي انقاد لغوايتها فأكل من الثمر المحرّم.
وانهال البؤس والتعاسة على نزيلي الفردوس، وعلى البنات والبنين الذين سينجبانهما ومن بعدهم البشر أجمعين.
وطُرِدَ آدم وحواء من الجنَّة. خبرا التضور من الجوع والمُعاناة من العطش وتكبدا الآلام والأوجاع. وعندها راحت تراودهما ذكريات ما كان ينعمان به من لذائذ في عالم ليس مثله في الأحلام.
الفردوس حزين لفراقهما. الأزهار والثمار، الطيور والبهائم تروّي بدموعها عبثًا تراب الأرض. اشفقت ملكات الأشجار على آدم وحواء وكن يرغبن بمؤاساتهما والتخفيف عنهما ببعض من ثمار الفردوس ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ فالفردوس محفوفٌ بالملائكة من كل جانب ولا قدرة للأشجار على تخطيها واجتياز حدوده. لكن مهلاً! فالفضاء حرّ ومُتاحٌ للجميع. اجتمعت الملكات وتشاورن فلم يجدنَ رُسلاً لهن سوى الطيور فجمعهن منها عددًا كبيراً وأطلعنها على قرارهن.
كان فرح هذه الكائنات الصغيرة غامرًا لأنها ستُدخل بعض سعادة الى قلبي الحبيبين المنفيين. قدّمت كل ملكة أفضل ما في شجرتها من ثمار إلى واحد من الطيور فحملها بأحكام في منقاره. وبعد أن تزودت الطيور بهدايا ملكات الأشجار حلقت في الفضاء مودِّعة أجواء الفردوس السماوية تحدوها سعادة اللقاء من جديد مع آدم وحواء.
استغرقت الطيور وقتًا طويلاً لامتناهٍ لبلوغ هذه الأرض, أرضنا، وأخذ منها التعب والارهاق مأخذًا كبيراً حتى أن الموت أطبق على العديد منها قبل بلوغها الهدف المنشود فسقطت وسقطت الثمار من مناقيدها وفسدت. المناخ على أرضنا ليس سماويًا فيحفظ الأشياء إلى الأبد. كل شيء مصيره الموت والفناء. لم تكن الطيور تعلم هذه الحقيقة فوقعت جميعها في المحظور، إلا أن بعض البذور والنوى انغمست في التراب وتجذرت وانتشرت في العديد من الأصقاع. الطيور التي نجتْ تمكن من بلوغ غايتها، آدم وحواء بعد أن أنهكها طول البحث عنهما فنفقت عند أقدامهما وهي ما تزال ممسكة بمناقيرها حملها الثمين.
بكى آدم وحواء طويلاً لمعاينتهما الطيور التي ضحَّت بحياتها من أجلهما. أكلا من الثمار المقدَّسة وعاودتهما أجمل الذكريات. رمى آدم وحوّاء البذور والنوى، ودون أن يخطر لهما ببالٍ نبتت هذه البذور واينعتْ.
هكذا ولدت الثمار في عالمنا. ولا شك أبدًا أن حورية ساحرة، حاملة عصاها السحرية ترعى من فردوسٍ بعيد الشجرة التي هي ملكة عليها.
وبزغ الفجر مطلقًا سهام الضوء في أرجاء السماء التي ارتدت جلّة حمراء لوّنها اللهبُ المتأجج. وها حقل قمح على مدّ النظر يؤرجح أعناق السنابل التي كانت ترفع رؤوسها نحو السماء من وقت إلى آخر يحدو بها حنين إلى ماضٍ مجيد. ثم تروح ترقص فرحة تحت أنظار نجمة النهار المتأجحة.
يعرف القمح أهميّته لهذا العالم، أوليست حبيباته بذورًا للحياة؟ أليست سنابله حاجة وضرورة لا غنىً للجنس البشري عنها؟ القمح، شبع الجائع، تباركه الشعوب وتعرف كيبونته المقدسة.
ماذا لو اخبرتكم قصته؟
منذ أوائل الأزمنة، لم يكن القمح السماوي سوى لعوالم الله. كان القمح غذاءً للروح وكل حبّة تتغلغل في أحد العوالم اللاأضيّة تفعمه بالفرح والسعادة والمعرفة.
يا حبّات القمح، أنت نبات المجهول وانتماؤك هو إلى سماوات غامضة تكتنفها الأسرار. أبدعك الله بقصد إضفاء السعادة على النفوس المترقيّة التي في زمن بعيد، طلبت إليه أن يمنّ عليها بالمعرفة.
وسبرت عين الله اللانهاية بنظرة ثاقبة، وبهرت عظمته المحيط والجوار، واتّضعت النجوم السماوية وامّحت من أمام وجه الله الفائق السمو، وهي تتأمل وتتمعّن بأعمال نعمته ورحمته، ممجّدة اياه، لا طاقة لنا على تحديد جمال هذه الأمكنة!
الأنوار تنسكب شلالات متعددة الألوان وتتشابك في القباب العديدة، مساكن الملائكة ورؤساء الملائكة والشيروبيم. وتسمع زبحرات صمّاء كعلامات ودلائل على القوّة القادرة.
ودون أن يرى، يروح الله يتكشف مصارحه وأملاكه ويدخل محبته في أسرار الأكوان العميقة. الله هو معرفة الجميع، لا شيء يفوقه، والكواكب والنجوم تطلب بحرارة وخشوع بعضًا من ذلك العلم الذي لا يملكه أحد سوى الله.
هذه العوالم التي هو السيّد المطلق الأوحد عليها، هي ملك له. هو يحضنها بشغف وعناية، فهو المسؤول عنها وعن معرفتها. الله يحبّها وينعم عليها بحسب استحقاقها، ومن عينه الساهرة، اليقظة ينبثق عدد لا حد له من الشعاعات المتلألئة ذهبًا حاملة حول رؤوسها حبوبًا من القمح بلون النجوم، وهذه الحبوب تكبر مع مرور الوقت وتصبح كل حبة منها فردوسًا كبيرًا حيث توجد هبة رائعة تختزن معارف مقدّسة.
أطلق الله على هذه الباقة من الشعاعات إسم حُزمة من سنابل القمح، حزمة النعم هذه المتأتية منه مباشرة لا يمكن أن تكون إلا مقدسة، مباركة ومليئة بالرحمة والرأفة. هذه العطايا تتوزع في كل مكان. يتمتع سكان عوالم الله، وهم يمارسون ويطبقون الحكمة والخير، بقدرتهم على إبداع سنابل أخرى مليئة وغنية بمثل هذه الحبوب الرائعة من القمح.
هكذا امتلأت القبة السماوية من هذه الحبوب الرائعة من القمح التي هي في أساس المعرفة والغذاء السماوي الذي تحصل عليه العوالم الأخرى. كل حبّة قمح هي عالم لا حدود له، حيث يعيش أولى العدل في غبطة دائمة. ومع مرور الزمن، وفيما هم يعملون على تحسين مداركهم، يرتقي هؤلاء المغبّطون من حبّة قمح إلى أخرى حتى يبلغوا بنهاية المطاف أسمى الدرجات السماوية.
وبينما تنعم السماوات بغبطة دائمة، كان الله يوجد الأرض، وبعدها الفردوس الأرضي حيث أحلّ آدم وحوّاء ليعيشا في جنّة جديدة.
إلاّ أن الخطيئة سادت وطغت في الأرض، وأُبعد آدم وحوّاء من فردوسهما وراحا يجهدان لتأمين قوتهما الذي يُبعِد عنهما شبح المجاعة.
كانت السماء في هذا الوقت تبكي آدم وحوّاء، وتبذل المحاولات أمام الله لاستجداء الرحمة لأبي البشر الذي حكم عليه بالبؤس الذي فرضته عليه السماء وعلى حوّاء.
وتتملك الله الرأفة فبكى رثاؤ لحال آدم. عندئذٍ وبناءً على أمر منه، من الأزلي الخالد أذنت الكواكب السماوية التي كانت تكاثرت إلى ما لا نهاية، أذنت الكواكب السماوية التي كانت تكاثرت إلى ما لا نهاية، أذنت بانهمار شرارات مجتمعة في حزمة ضخمة، وأصبحت هذه الشرارات حبيبات من القمح.
نظر آدم وحوّاء إلى عطيّة الله بعين العرفان بالجميل ورفعا إليه الشكر والحمد. وينبغي أن نعترف برحمة الله ونرفع له الشكر لأنه خفّف من وطأة جوعنا.
حبة القمح هي كوكب من كواكب السماء. وكوكب الشمس ينشر لونه السحري في حقول القمح ويصبغها باللون الذهبي تيمّنًا بالقمح السماوي واستذكارًا له.
مهداة إلى النبي الحبيب
قلم مُجنح أشبه بفراشة ترفرف من زهرة إلى زهرة تجتني رحيقها ولقاحها، تتلهَّى أحيانًا وتتسلّى بالحديث مع الأزهار. أنا قلمٌ، تقول الفراشة للأزهار، أقطف الثمرات من ربّات الوحي، من التسعة الربّات التي نعرفها على أرضنا، لكن هناك منها أكثر بكثير على الكواكب البعيدة.
أيتها الربّة أوراني(1)، نجومك تنير أفكاري وحروفي تغدو دفقات نجوم. إنها جواهر فؤادي أصوعها نسجيًا مخرمًا أعلقه في ألفلك فأنا أرغب في إهداء أعمالي إلى الله.
تربسشور(2)، أنت تبثين همسك في أذني فأروح أوقّع خطواتي وفقًا لايقاعك. أنت ترقصين الفالس مع النسائم وتتمايل الزهور ذات اليمين وذات اليسار وترفع هاماتها لتعود فتنحني من جديد تقبل أعشاب المروج، وتدعو فارسها، النسيم الطري إلى مراقصتها من جديد.
ولأنني قلمٌ، فأنا أوجّه وأقود اعصارالآلهةِ والراقصات يتمثلْن بسحرها ويصبحن جميعًا سحابًا في السماء يهدين رقصهُنَّ للاله.
إن هذا لفنٌّ خالصٌ غير أنه راح يفسُد مع مرور الزمن. أنا أحبُّ الربّة تريبسشور وأحبّ أسلوبها، وتلامذتها وأصدقاؤها يخلّدونها إلى الأبد.
أوترب(3)، فاعالمك السماوي سوى موسيقى والطبيعة اوركستراه التي تضم جميع الآلات الموسيقية. اللغة في هذا العالم هي موسيقى، والانسجام يسود مشاهد الطبيعة التي أُنعِمَ عليها بما لا حدّ له من الألوان التي تلهم الموسيقى. شعاعات الشموس والأقمار التي تذكرنا بقيثارات ترسل نغماتها بعبقرية وانسجام وتنظمها سمفونيات تليق بأكبر العبقريات وترافقها ملائكة الله من بعيد بأناشيد فائقة الجمال.
أوترب، أنت توحين لي بألحان الهيّة تتنزَّل على أيدي الموسيقيين العظماء وأنا أعيد إنتاج هذا الإنسجام بكل أمانة لأنقله إلى أجيال ستأتي.
أنا مخلص لِ كليو(4). فهي آلة تسجيل وجدت مع ولادة الزمن. هي التأريخ لهذا العالم، وهيرودوتسُ(3) هو أوّل من تتلمذ على يديها، وأوحت لأوّل المؤرخين بتدوين أولِّ الأحداث والانجازات العظمى على هذه الأرض.
أنا أنتقل من يدٍ إلى يدٍ ومن بلدٍ إلى بلدٍ لكي أكون دائمًا بالتصرّف وبكامل الاستعداد. أنا بشكلٍ من الأشكال موفدٌ من الربّة كليوْ، فقد أئتمنتني على كامل معرفتها لذا أنا احتفظ بتاريخ العالم في كنفي وتحت وصايتي. أنا انشر وأيسّر تلقين هذا التعليم الضروري للإنسانية، فقد كتبت ما كتبته وما أزال أكتب من أجل الأجيال الآتية.
الربّةُ كاليوب(4)، تأخذني بيدها، وبمساعدتي تملأ أوراقًا كاملة. ويتردد وقع أصوات شفتيها في موسيقى عذبةٍ موجهةٍ للسامعين، وتتساوق وتتتابع الجملُ أحيانًا صاخبة وهادرة كأمواجِ محيطٍ في مهب العاصفة. وخلال تجوالها في كل المطارح تتكلم كاليوب بجميع اللغات. صوتها رنّان، أحادثيها مؤثرة مُقنعة تزرع الإيمان في النفوس.
كانت “كاليوب” مُرشدةً للإنسانية وما تزال وكذلك تبقى على الدوام. وبحكم كوني قلمًا فأنا أعينها في تدوين أفكارها. أنا بين يديها أصبح ذاكرتها الأمينة.
وأنت يا “ايراتو”(5)، أنا المعين لك لكن على قدر استطاعتي. أنت أيضًا تأخذينني بيدك، وغالبًا ما أحزن لحزنك وما الحياة لك سوى نهر من الدموع. أنت تبثين فيّ أشحانك فنُحيلها كلانا إلى قصائد، إلى أناشيد للأكم الذي ينسج أوصافًا للحقيقة على كل شيء. فشكوى البشر والزهور والطيور، شكوى الجبال والسهول، شكوى المياه والغزّار ستكون قصائد ومراث، وستتحول كل عبرةٍ إلى بيت من الشعر يصدر الأحزان.
إيراتو، يا ربّة الشعر، اسكبي فيَّ ألمَ العالم وأنا سأبذل الجهد لمساعدة القرّاء على فهمها.
أنا انعكاس لِ ميلبومين(6)Melpomène، ربة المآسي، نلوّنها معًا، فهي صورة حزينة، هي صورة عن أصولنا، فمنذ ذلك الزمن اجتاح قلوبنا جرف من التعاسة والأحزان، وما زلنا نتخبط في بحر غاضب، غاضب علّنا نبلغ شاطئ الخلاص والنجاة، فالأمواج الشرسة، المُتوحشة أحيانًا تلتهم طرائدها.
وأنت أيتها الدموع والتأوهات، أنت من هذا العالم! ميلوبومين تبكي بشهقات من الأسى، وأنا، القلم، أنقل بكل أمانة مآسي الحياة التي يُسمح لي بمعاينتها وأحزن لبؤس الأرض.
الحياة على الأرض هي شبه الموت، كلاهما مأساويان. وتتغلغل ميلوبومين في أذنيّ تملي عليَّ مراثي البشر وشكواهم.
أنا قلم، أنا رفيق الناس طرًّا. تالي(7)Thalie ، تضحك، تضحك دائمًا من أجل لا شيء، فأنا أُسرُّ وأضحك عندما أكون معها وايمُ الحق. تالي تمثلُ الفكاهة فضحكاتها الرنانة تُسمع في البعيد البعيد على مدار ألفٍ من الأميال.
الإنسان بحد ذاته كائن مضحك، ومع مرور الزمن، تصبح أخطاؤه نافرة وغير قابلة للتصديق وتصبح مُدعاة للبكاء، واسمح لنفسي أن أقول إن الضحك بات مأساويًا حتى كاد الطرفان المتناقضان يلتقيان ويأتلفان فتاليا وميلومين تبقيان شقيقتين.
وتُسرُّ لي تالي “بأيحاءاتها وأنا بدوري أبثها للكوميديين. أساعدهم في خط الرسائل التي تؤلف تواريخ غريبة وذات صرير وتتحول غالبًا إلى انتقادات يستخلص منها الجنس البشري دروسًا قاسية.
ومع مرور السنوات يتحول قلم إلى مثقفٍ مرهف يقارب ويخوض جميع مجالات الآداب والفنون، وتودعُ ربات الوحي فيه فضائلها ومعارفها.
ومع أي لم أكن معروفًا في الأزمنة القديمة غير أني موجود دائمًا وتكبر نفسي مع مرور السنين وتمتد إلى كل مكان. وترافقني بوليمني(8)Polymnie وتكون بجانبي دائمًا تسكب في الحب موحيةً إليَّ أبياتًا موسيقية تلهب القلوب، قصيدة عذبة على الإسماع وشلالات من الكلمات متناغمة تنتظم أغنية ترسم لنا وجه الآلهة.
إنها جمالات عشتروت وأودنيس. روائع السماوات، كلمةٌ إثرَ كلمةٍ ولؤلؤة بعد لؤلؤةٍ تتحول إلى اشعار عبارة عن فردوس ساحر آسر.
قلم أنا، أتمرّى على صفحات البحيرات لأتحول بريقًا ينعكس من ربّات الوحي ويدوّن معارفهنّ، أصوّر أحاسيسهُنَّ. دمُهنّ يجري في عروقي، فهاته العبقريات يسكبن في روحهنّ. الجميع يحبني وأنا متواجد في جميع الاختراعات، حاضر في تطور الحضارة، حتى أني أسهمت في أكبر الاسفار في الفضاء ولهذا أتكاثر إلى اللامنتهى حتى أكون طوع بُنانِ الشعوب في القارات الخمس.
أنا صريح، صادق وكثير الكلام، جسورٌ ومتهوّر! أنا سلاح، أهاجم، أتهكُم وسخريتي لاذعة عندما تدعو الحاجة، وغالبًا ما يصبح قريبي عدوًّا لي، نغدو سهمين متصادمين. ولتعاسته، يمكن للقلم أن يكون فاجرًا ويمكن لآخر أن يقتص منه ويصبح كلاهما سيفين في حالة صراع، ومنقادًا لقوته يمكن لأحدهما أن يسيطر على الآخر، فيكون أشبه بلسانٍ عذبٍ الحديث أو لسان حديثه، قاذع لاذع.
ومهما يكن، فالقلم مثل المرآة تختلط فيها شعاعات الشمس وتتعانق. هو رسول الحضارة، فكم من مرّة منذ زمن آدم وحوّاء بلغتِ الحضارات ذروتها لتعود فتنطفيء لتولدَ من جديد!
يجب ألا تغيب الفنون عن بالنا، فهي محببة إلى الله وتمثل نهضة الثقافات. القلم مصدر الخطوط الأولى للّوحات الفنيّة وللمنحوتات والنقوش. الفن جميل يرقى بالنفس فهو شعلة متوهجة تنشر ألقها في كل مكان. هي تقدمة للاله السرمدي. الله يحبّ الجمال والكمال الكائنين منذ لحظة الخلق.
أوَلمْ ينحتِ الله آدم وحوّاء قبل أن ينفث فيهما نأمةٍ الحياة؟ أولا ينتمي فنانونا إلى سماءٍ أكثر سموًّا؟ إنهم أشبه بربات الوحي.
وبعد أن رسم رمزًا مقدسًا تحوّل إلى تاج على رأس النبي الحبيب استحال القلم بين الأصابع المقدسة إلى سيفٍ قاطعٍ سيكسر كل ما ينبغي أن يكسر. هذه الأداة السحرية تحمل أيضًا البشارة بالخبر الجميل المقدس. إنها ذاكرة البشر. كم من الكتب تظهر وتنتشر وكم من الأسرار يكشف عنها النقاب.
الدكتور داهش هو ملك ربّات الوحي والفنون، إنه الإلهام أيضًا لكل العوالم ولجميع السماوات. يمسك بيده قلما هو الناطق باسمه. مخلصٌ هو هذا القلم القصير، هو مطيع لسيّده ينقل أفكاره وينشرها، هذه الأفكار التي هي بحد ذاتها ثورة بين العقائد، فالله هو منبع أعماله وهذا القلم أنشأ كوكبًا جديدًا اسمه مكتبه السماوات.
في تجوالهن حول العالم بعد مغادرتهن جبل الفنون،
ها هنّ ربّات الوحي، اليد باليد يرفعن التسبيح الى المجد الإلهي منشدات للنبي الحبيب:
أيّها القدّوس، القدّوس
اسكب فينا شرارات من النور
فننير هذه الأرض الملعونة
ونبثّ في حناياها بعضًا من المعرفة،
فلم يعد هناك ليلٌ ولا نهار صبحٌ ولا مساء،
وها نجمةٌ جديدة تتألق بكامل بهائها فهي بنت الخلود.
سيظل القلم على الدوام يسكب في القلوب إكسير المعرفة الذي يستقيه من البعيد، من عالم كريمٍ هو الإلهام الإلهي، إنه ينبوع لا ينضب، هو دائم “التألق” ويحيي الإنسانية.
هكذا، بفضل القلم، نجتني أعلى المعارف، وله يعود الفضل أن نرفع الإبتهال والتضرّع إلى العزّة الإلهية.
1 – ربّة الموسيقى حسب الميثولوجيا اليونانية.
2 – ربّة الغناء والشعر الغنائي والرقص. تصوّر كامرأةٍ شابةٍ تلعب على القيثارة.
- ربةً الموسيقى في الميثولوجيا اليونانية.
- ربة التاريخ والشعر في الميثولوجيا اليونانية.
- مؤرخ يوناني عرف بأبي التاريخ.
- ربّة الشعر الغنائي، والدة لينوس واورفيه في الميثولوجيا اليونانية.
- ربّة الوحي للشعر الغنائي. (الميثولوجيا اليونانيّة)
- ربّة الوحي للشعر التراجيدي أو المأساوي. (الميثولوجيا اليونانية).
- ربّة الوحي للشعر الكوميدي (الهزلي) يرمز لها بصبيّة متوجةٍ بالغار وتحمل قناعًا. (الميثولوجيا اليونانية)÷
- ربّة الوحي للشعر الغنائية. (الميثولوجيا اليونانية).
هناك في الأفق الخفيّ عن انظار أهل أرضنا يتألق كوكب غاية في الكبر حتى أن حياة المرء ينبغي أن تدوم بلايين السنين لكي تتمكن من زيارة جميع معالمه.
بلدٌ ساحر لا اعتبار للوقت عليه ولا يشعر المرءُ بمرور سنوات عمره. وما أن يُعرب الزائر عن رغبته في معاينة كلّ الأشياء الجميلة على هذا الكوكب، حتى تتحقَّق رغبته في غمضة عين.
اسم هذا الكوكب “متحف” مكتوبٌ بحروفٍ من نار وضياء، تخطط دروبه وممرّاته جنائن مزهرة زاهية، وتتعانق فيه أزهار باسمة تتشارك فرح الحياة وهي تتزييَ بالألوان حسب إراداتها، وإلى كل ذلك، فهي لها وجوه ملائكة صغار تحيط بها هالاتٌ من البتلات الناعمة الدقيقة.
أمّا الأشجار فهي باسقة تتهادى وتترنَّح في أوقيانوس من الأنوار، وأوراقها الوارفة الكثيفة تتميز بشفافية تحاكي رقّة المياه. تربة هذا الكوكب تتكون من جواهر وأحجار ثمينة. والشموس العديدة ذات الألوان الجمّة والتي الكثير منها غير معروف لدينا تتألق وتجمع فرادة كل منها وتضمّ النعومة في تلاوينها حتى تحاكي في ذلك قوس قزح يكون امتداده على مدى الكوكب.
شموس هذا الكوكب لها مهمّة تؤديها، فكل واحدة منها تمثل شخصيّة استأهلت أن تُرفع إلى قمة المجد في هذا الفلك حتى يضيء محيطه من تألق هذه الشلالات المُبهرة ويصبح نجمًا من نتاج الفنّ الإلهيّ الكليّ السمو. إنهم فنانون كاملو الأوصاف وينعمون بموهبة إبداع كل ما هو جميل ورائع في ما يعود لهم من المطارح، وهم يشكلّون على هواهم الأعمال الفنية البديعة، فالله وبكامل قدرته يتناهى ليكون الجمال الأبدي الخالد. فبالنسبة له الفن هو التقدمة الأكثر جمالاً.
هؤلاء النحاتون والرسامون يتوقون لأن يتخطّوا ذواتهم في ما يبدعونه من أعمال. أمّا وقد أصبحوا هم نجومًا تنسكب شعاعاتها المتعدّدة الألوان في دفقات من الضياء. هذه الشعاعات عينها سيختار الرسام منها ريشته يرسم بها ويلوّن لوحاته، ويأخذ منها النحّاتون أزاميلهم. هؤلاء الفنانون يجولون في فضاء لا حدود له، يجولون فيه كأرباب البيت! إنهم عبقريو الفنون. ذكاؤهم يخلق ويجسّد الموضوعات المتغايرة والأكثر جمالاً، سواء كان ذلك رسمًا، نحتًا، عمارة أو توشية.
في ذلك المكان الشاسع توجد فنون مجهولة من قبلنا، فهناك من ينحت النار أو الضوء ثم يجعل الحياة تدبّ فيها! كثيرة هي الأمور التي تُمارس في ذلك العالم مما ليس بمقدورنا القيام به. هذه التحف والآيات الرائعة تصبح أموارًا خالد.
لقد تسنّى لي ذات يوم أن أشاهد احدى ربّات الوحي تنحتُ الغيوم، فقد حوّلت بعضها أشخاصًا وحيوانات وأزهاراً. لقد أبدع هؤلاء الفنانون فردوسًا شديد الجمال لا طاقة للغتنا على الأتيان بأوصاف له.
أوراق الأشجار والنباتات في هذا المكان الساحر ما هي إلاّ لوحاتٍ حقيقيةٍ وكل ورقة مُزيّنة بالرسوم. بعض الأشجار خُصّصت للوحات النصفية، أخرى للمناظر الطبيعية، وأخرى في النهاية تسجل للخلود الأحداث التاريخية الكبرى في العوالم. ويمكننا أن نجزم. بأن شجرة واحدة فقط هي متحف وهو بالتأكيد أكبر من متاحف الأرض مُجتمعة. وجمال الفنون في السماء البعيدة يفوق قدرتنا على التخيّل ولا مجال لمقارنتها بفنوننا.
وتغوص ربّات الوحي أحيانًا في البحيرات وتعكس أنوارها المُختلفة الألوان نحو السماوات وتقوم بنحتها بفضل أشعتها السحريّة. قطرات الماء العملاقة تشكل تماثيلاً، وتبرز عند ذلك قارّة مائيّة ساحرة تتحوّل التموّجات إلى اكسيرٍ للعيون، وتنتشي السابحات أمام الشلاّلات التي تجري وتسيل جاعلة بعض الأفلاك تدور مُحدّثةً عن مجد الخلود.
هل من المُحتمل أن يكون رسّامونا ونحّاتونا أمثالُ براكسيتيل، مايكل انجلو ورافايل قد عاشوا في زمنٍ ماضٍ بعيد على ذلك الكوكب حتى تمكّنوا من تقديم لمحة مُوجزة عن الفنون التي تنعّموا بها هناك؟!
هل نحصل على الأجوبة والدلائل؟ ربّما في يوم من الأيام.
كان هناك جبل شاهق الارتفاع، تتوُّجه شجرة ذات جلالة وتتربَّع على قمّته. جذعها غاية في الضخامة واغصانها الكثيفة الملتفّة تتوزع فيما بينها الأوراق الخضراء الزمردية التي تنشر ظلالها على الجبل بأكمله.
إنها سنديانة الفيّة السنين. حالها مثل حال رجلٍ عجوز موقّر، ذي لحية بيضاء طويلة، تزوره رعيّته لتقدّم له واجب الاحترام والتسبيح.
تعيدني هذه السنديانة بالتفكير إلى أسياد أجلاّء من الكتاب المقدس، فأتخيلهم وقد زنّر هاماتهم شعر ملوكي، وتحيط بوجوههم لِحىً جديرة بالاهتمام والاحترام.
وهي بمثابة ملك في مملكته والشجيرات من حولها تقدم لها فروض الاحترام والإجلال وترجو الريح غالباً أن تساعدها على الإنحناء أمام السنديانة.
شجرة السنديان، ملكة القمم، تطاول الغيوم وتحتضن بين أغصانها ألوف الطيور وزيزان الحصاد والسناجب وكلّ أصناف الحيوانات اللطيفة وغير العدائية.
كان يسمع أحيانًا زقزقاتٌ حادّةٌ، فحيواناتنا الصغيرة لا تعرف الانضباط على الإطلاق، ومشادّاتها المسائية تملأ المقام بالفوضى والاضطراب.
كفى، كفى، كان الملك الطيّب يقول لها، وإلاّ سأطردك من مملكتي.
إلاّ أنّ بعض الصغار العنيدة استمرّت بالشجار والتسبّب بالفوضى ممّا جعل السنديانة تنفّذ ما هدّدت به، فحرّكت بشكل عنيفٍ الأغصان التي كانت الحيوانات ما تزال تتشاجر فوقها، ورمت بها على الأرض وحرصت ألاّ تتسبب لها بأذىً أو سوٍ، فقد كان هدفها أن تعلمها الطاعة.
وأصدر الملك (السنديانة) حكمة:
– أحكم عليك بخمسة عشر يومًا من المنفى أيها السنجاب.
– أتضرّع إليك يا سيدي أن تغفرَ لي، فلن أعود إلى مضايقة الزيزان بعد الآن. ولعظم طيبته ومحبَّته غفر الملك للسنجاب، العفريت، الذي كان يَعِد بعدم تكرار أخطائه، وحذره من ذلك “الويل لك، ثم الويل! فلن أدعك تتخذ لنفسك ملجأً عندي بعد ذلك”.
وعاد السنجاب إلى أحضان السنديانة حيث إخوته الّذين كان تأثير التهديد شديدًا عليهم.
وراحت الطيور من أعشاشها وسكان السنديانة الآخرون يفسّرون الحدث ويعبّرون عن انطباعاتهم وكلّ بلغته الخاصة، فكان الوضع عندئذٍ أشبه ببرج بابل!
- إنّها غلطة الزيز، قال الدوري للعندليب مؤكدًا فهو مُحتال، كما أنه لطّخ له ذيله الجميل بالأوساخ.
أجاب العندليب بأنشودة وانتهى إلى القول:
- أنا شاعر وموسيقيّ، ولا أتدخّل أبدًا بأمور وضيعة وغير ذات معنىً، وعاد إلى استئناف إنشاده.
كانت السنديانة تفهم وتتقن جميع هذه اللهجات، وكانت تهدّئ نزلائها، فعملاق الجبل هذا كان يحجب سرًّا. هلاّ تخيّلتم شجرة جذعها مجوّف وآهل بالسكان؟ أجل ويوجد فيه فتحة، ويمكن الدخول إليها عبر مغارة نباتيّة حيث يمكننا أن نجد عالمًا بأكمله، ووسط كل غصن من الأغصان شارعًا وحدائق وغابات ومروحًا. وامتشقت الطبيعة ريشات الرسم والألوان الأكثر جمالاً لكي تبدع هذه المناظر الرائعة.
شجرة لامتناهية هي هذه السنديانة العملاقة الهائلة، وسكانها الكليّو الجمال والفتنة، الذين لا عد لهم، هم حيوانات مُسالمة تنتظمُ بفرح وحبور. لقد غاب عن بالي أن أقول لكم أنها حيوانات صغيرة مُفعمة بالحيوية. الطواويس تتهادى وتتفاوى، وتمرّ عربات تجرّها الغزلان ناقلةً السياح، وتجتاز الأنهار والسواقي. انظروا! هذه وردة طائرة تشبه الطيور. بتلاتها النديّة ترف بفرح وتحفظ الايقاع وهي تدندن لأزمة النشيد المُعطرة. وتنير شموس صغيرة هذه النواحي الساحر.
كنت أفكر فيما إذا كانت هذه الشجرة ستعيش إلى الأبد. وما إن مرّ هذا السؤال ببالي، حتى اجابني صوت قائلاً:
- نعم، ستُحيَ إلى الأبد كما هو النبي إيليا الحي. ستصعد نحو السماوات. إن ما تظنينه شجرة ليس إلا أحد الأسياد القديسين.
وفي هذه اللحظة، اهتزت الأرض، وراحت البروق ترسم خطوطًا من نور على التلال، واندلعت العاصفة. وشاهدت لفرط ذهولي أوراق السنديانة الألفيّة السنين تتحول إلى أرياش. ولكي تحتمي من هولِ العاصفة، لجأت الحيوانات الصغيرة التي تسكن من الأغصان إلى حضن السنديانة المضيافة. عندئذ، وفي ثورة غضبها تلقفت الريح منجلاً من نار واجتثت السنديانة من جذورها، وتحولت الأرياش إلى ألوف من الأجنحة وحلّقت بالشجرة وبنزلائها إلى أعلى أعالي السماوات، وكانت كلّما ازدادت ارتفاعًا تصبح أكبر فأكبر وكذلك كل من يعيش فيها، حتى أصبحت مجرّة وكان اسمها الشجرة الطائرة.
قدرة الله قائمة في كل مكان. من قبل التكوين، لم يكن للخير والشر أي وجود. كانت الجمالات تضمّخ مملكة الله. كان كل شيءٍ نورًا، لا شيء سوى النور، النجوم إثرَ تدور وتندفع في الفضاء اللامتناهي.
آهٍ، لو كان بامكاننا أن نعود فنعاين المجد والغبطة الأزليّين اللذين كانا سائدين في تلك الأزمنة. الأقلام والكلمات تقف عاجزةً عن توصيف هذه الأبهة المقدسة، إذ لا امكانية أن يصل إلينا على هذه الأرض بعض من اللمحات البعيدة عن ذلك. وإن ما تيقظت في ذاكرتنا لصار لنا من دموعنا أثواب لكلّ يوم وبالطبع لكان الجنون رفيقنا لأننا خسرنا كل شيء.
وكان زمنٌ تفجر فيه غضب الله وثارت ثورته في جميع مملكته وغيّرت الكوارث والنكبات وجه السماوات، وتصادمت عوالم الأزليّ وتشتّتت، وامّحت غالبية النجوم. وبعد أن طرد ملائكته الخاطئين المُستكبرين، وضع الله حدًّا بين مملكته والقسم الآخر من مقاطعاته الملكيّة إذ ألقى بحجابٍ صفيقٍ فاصلاً بذلك عوالم السماوات عن العوالم السفليّة، وأصبح الله غير منظور.
أولم يقلْ فيكتور هوغو:
الإنسان إله لكنه سقط من السماوات وما يزال يتذكر ذلك.
والله قال:
– أيتها الأنوار والكواكب وشرارات الضوء، إمّحي عن عوالم الفساد! وتمّ ذلك. فقد حجب النجوم والنيّرات عقابا للخاطئين.
وكانت المأساة، فقد ألقي معظم الملائكة ورؤساء الملائكة في الأعماق الجحيمية. وكان عقاب البعض الآخر أقلّ قساوة، كما فرض على البعض التكفير عن خطاياهم بشكل مغاير.
أردت سرد هذه القصة بسبب حقيقة واحدة أو صُدفة واحدة شجعتني على حمل قلمي والكتابة لطالما أحببت النجوم، فلدي شغف في تأمل جمالها في ساعات فراغي واستراحتي.
ذات ليلة صيف حارة كنت جالسة على أحد المقاعد أشاهد نيرات الله وأتأمل الجمالات السماوية رافعة المجد أمام جلالة الآله المُبدع، ورحتُ أعبّر عن اعجابي وشغفي بصوتٍ عالٍ. وفجأة شاهدت بالقرب مني فتًى أشقر ذا قسمات رقيقة، شديدة الجمال، دخل من أحد الأبواب المُوصلة إلى الحديقة، وأدركت للتّو بأنه غريب، غير معروف.
ألقى عليَّ التحيّة وقال:
- استميحك عذرًا، فقد أردت فقط مشاهدة حديقتك، فقد بدتْ لي من الخارج أنها على قدرٍ من الجمال والعناية.
شكرته على إطراءه ودعوته للجلوس بجانبي. كان حديثه جذّابًا، شيّقًا، ولاحظ أنني مهتمَّة بالنجوم فقال لي أيضًا:
سوف أروي لك قصّة أو أسطورة سمعتها من أهلي الّذين سمعوها هم بدورهم من أهلهم وهكذا دواليك.
- قبل الخلق والتكوين وقبل آدم وحوّاء حصل سقوط الملائكة. وفي ذروة غضبه مسح الله أمراء العوالم التي لا قدرة لنا على إحصائها،
ولم يكن باستطاعة أحد أن يقدّر ويتخيل الغضب الإلهيّ الذي عمّ جميع الأرجاء. وبسقوطهم توزَّع الخطأة كلّ بحسب ارتكابه في أرجاء الجحيم. كان العقاب بالنسبة للبعض خفيفًا فقد حكم عليهم بطريقة مختلفة عن غيرهم، فما كان عليهم سوي التكفير عن خطاياهم.
في هذه الأثناء كان الله قد فصل مملكته عن مناطق تواجد الخطأة، فقد وضع غشاءً صفيقًا على مملكته حاجبا نوره عن النفاذ إلى طبقات العوالم السفلية حيث كانت ظلمة مُطبقة، تحت هذه القباب القاتمة كان بعض الملائكة والأرواح يكفِّرون عن آثامهم في ليلٍ دائم أزليّ. كانت هذه الأرواح مزوّدة بأجنحة بيضاء وكانت تائهة تهوّم في الأحواء. اعتادت عيونها على الظلمة والسواد. هؤلاء الملائكة الساقطون كانوا يشكلون موكبًا لا نهاية له في هذه الأماكن المُظلمة، ومن أجل أن ينالوا قسطًا من الراحة كانوا يتكئون بأجنحتهم الواحد على الآخر.
كان الله حين ذلك قد أزال النجوم من السماء وجميع الكواكب، والملائكة الساقطون يتلقون عقابهم ويبكون حرقة على الأيام الخوالي. لم يكن لهم الحقّ بالاستراحة فعليهم أن يحلِّقوا دون توقف في هذا العدم الحزين.
إلا أن عطف الإله وشفقته كانا يتجلّيان أحيانًا. فقد كان هناك كوكب ذو جلال وعظمة، يظهر لمدّة من الزمن. كان بالغ الارتفاع، مُرصعًا بنجوم رائعة باهرة متعددة الألوان. أحبّه ملائكة الزمن القديم وأعجبوا به وأخذ بهم الحنين.
كانوا يعودون بالذاكرة إلى ذكريات قديمة من العصور البائدة خاصة لحظة سقوطهم، ويتذكرون أيضًا الأماكن التي كانوا يقيمون فيها.
كانوا يرون أزهاراً ملوّنة ترسل أنواراً متألقة وتدور في رقص سماوي. هذه الأزهار ذات الألوان المتساوقة كانت جواهر تبرز أعناقها من تربة أسمها شمس الشموس. وكانت طيور سحرية فاتنة تنشد بأصوات مُنسجمة أناشيد سماوية.
وتتدفَّق شلالات ساحرة مُبدعةً أقواس قزح تسكبها علينا وعلى هذه الفراديس الصغيرة المزدانة بأعداد لا تحصى من الزهور والثمار التي لم تكن سوى حجارة ثمينة، وكل حليةٍ من هذه الفحلى الرائعة التي لا تقدّر بثمنٍ يتمثل فيها روح سماوي. ومع مرور الأيام “راحت الأزهار والثمار تزداد قيمة وجمالاً ونقاءً، وفي هذا الألق الشفاف النقيّ يتمرّى وجه ونقاءً، وفي هذا الألق الشفاف النقيّ يتمرّى وجه من وجوه القدسية السماوية.
إن ظهور هذا الكوكب الفتّان كان رأفة بخطأة الأزمنة الماضية. وبقدر ما كان هذا الظهور عابرًا، إلا أنه اعاد إحياء ذكرى الإله الكلّي القدرة في نفوسهم وغمرها بندمٍ شديد لأنها عصته وخالفت أوامره. وتكشفت رحمة الله بكامل مجدها، فقد تذكَّر الله ملائكته الساقطين لأنه كان وما يزال يحبها.
وعمّت رأفة الله جميع عوالمه، فانتشر نورٌ أزرق في الفضاء، وأُبدعت السماء الزرقاء، واقتطف الله من كوكبه نورًا أحمر فكانت الشمس، ثم أطلق في عتمة الليل غمامة من شرارات الضوء التي تفرقت في الجلد الأسود، شرارات الله السرمديّ هائلة عملاقة، وتثبَّتت في الفلك لتصبح نيّرات الليل.
وتذكر الله بعظيم عطفه أولاده الساقطين بعد أن قاسوا وتحمّلوا قدرًا عظيمًا من العذابات والآلام، فوهب نجمة لكل واحدٍ من الذين تابوا إليه. وهكذا كانت ولادة النجوم.
ينبغي أن نتذكر رحمة الله وعطفه كلّما نظرنا وتأملنا نجوم السماء.
ورفعت عينيّ نحو الأعالي وكنت غاية في السعادة إذ استمعت إلى ذلك الشاب الذي روى لي هذه الحكاية الجميلة عن ولادة النجوم. وإذ استدرت نحوه لأشكره، كان قد اختفى.
هل هو يا ترى واحد من هذه الملائكة الذين سقطوا وجاء بعد أن تاب إلى الله، ليقصُّ علينا قصته؟ لست أعلم، غير أنني نقلت لكم بكل أمانة ما سمعته على لسانه.
في احدى ضياع الشمال، وكان ذلك عند الغسق راح الهواء يعصف بشدة وكانت الغيوم الشتوية تحجبٍ وجه الشمس ساعة المغيب. كان الثلج يتساقط كثيفًا على تلك الضيعة وتنوء أغصان الأشجار تحت نيره الثقيل ويمتدُّ بساطه الأبيض على أديم الأرض.
أوى القرويون إلى بيوتهم الصغيرة وأحكموا إقفال أبوابهم، فالعاصفة هوجاء والذئاب الجائعة تعوي في الجوار. ولو بقي الأهالي ساهرين تلك الليلة لتسنّى لهم رؤية مسكن ظلّ مضاءً طوال الليل في كنف سنديانة القرية العجوز.
في ذلك البيت الصغير، وفي تلك الليلة الباردة الكئيبة كان ولداً يبصر النور. ومع بزوغ الفجر سُمِعَ بكاء الوليد الجديد.
كانت بنتًا جميلة، جميلة، والحق أن هذه الكلمة ليست بكافيةٍ للتعبير عن جمالها الرائع وعن كمال قسمات وجهها واشراقته.
بشرتها بيضاء ناصعة، كإنّما الثلج قد ألبسها من ردائه رداءً. أما الأمر الشديد الغرابة هو الشعر الكثيف الذي يندر ظهوره لدى حديثي الولادة، والذي كان أشدَّ بياضًا من بشرتها.
أصيبت النساء اللواتي أخذن الطفلة في أحضانهن وأخذهن العجب لهذه الفروة البيضاء التي إن دلت على شيء فعلى التقدم بالسن والشيخوخة. وبادرت لفورهن إلى تلاوة بعض العبارات التي من شأنها باعتقادهنّ أن تبعد سوء الطالع.
وأسوأ ما في الأمر أنهنّ سمِعنَ الطفلة تصيح غاضبة: أين أنا الآن؟ فحيث كنت من قبل كان أفضل بكثير.
أصيبت الجارات اللواتي أتينَ لمساعدة الأمّ بالهلع ووضعن الطفلة على أحد المقاعد وأسرعن راجعات إلى منازلهنّ.
أخذ الوالد الحطاب ابنته ولفَّها برداءٍ ووضعها بالقرب من والدتها.
في اليوم التالي سّرّتْ في البلاد شائعة عن ولادة ساحرة ذات فروة شعر أبيض، وراحت الشائعة تنتقل على كل لسان، وكانت النمامات يتهامسن خوفًا من أن تسمعهن الجنيَّة فتنتقم منهنّ.
هل يمكن أن يتكلم الوليد الجديد؟!
وبالاختصار، مضت سنوات وأصبحت الطفلة في السادسة من العمر، وأطلق الناس عليها اسم ذات الفروة البيضاء. كان لها وجه ملاك صغير وروحًا حكيمة كالمسنين. كانت تنفر من الأولاد وألعابهم وتفضل التحدث إلى من هم أكبر سنًا، وتروي لهم قصصًا غريبة تستحوذ على أفكارهم أيامًا بلياليها.
كنت قبل وقت غير بعيد أعيش في كوخ وسط غابة، وكان زوجي حطابًا فقيرًا اسمه كارل. كان لي ولدان قويان مُفعمان بالحياة. الرجال الثلاثة الذين كنت أحبهم، قضوا ذات ليلة تاركين إياي حزنية، حانية الظهر حتى نهاية أيامي.
أيها العجائز، ألستم تذكرون شابيّن قويين، جميلين اسم أحدهما فرانك واسم الأخر جون، وكانا يقومان التسوق في قريتكم، فكوخنا لم يكن بعيدًا جدًا عن ها هنا؟
وأنت يا إيفان، الجالس بالقرب منّي، هل تتذكّر؟ ولداي كانا صديقين لك أيام الشباب، وكنت تأتي معهما غالبًا لتشرب الشاي لديّ.
ألا تتذكر كاترين الغابة كما كنت تسمّيني؟
ومرّة أحضرت معك أخاك الذي توفي في الحرب منذ ذلك الحين، وكم من مرّة جئت إليَّ في شيخوختي تقدم لي مساعدة سريّة!
وتمادت ذات الشعر الأبيض أكثر، وأخبرت إيفان بعض الأسرار التي لم يمكن على علم بها سوى كاترين الغابات.
كان إيفان يراجع ذكرياته. كانت الفتاة تتفوه بالحقيقة لأنه ما من أحد على الإطلاق كان على علم بمساعدته للمرأة العجوز. وغالباً ما كانت كاترين الغابات التي كانت لإيفان بمثابة الوالدة تستمع إلى ما يُسرُّ به إليها.
ما سَر هذه الفتاة التي تعرف العديد من الأمور التي حصلت قبل ولادتها، وتعرف وقائع لم يخبرها بها أحد؟
لماذا ذهولك يا ايفان؟ كانت تقول له. فقبل أن أصبحتُ كاترين الغابات، كنت في أميركا وكنت موسرة. هناك أدركتني الشيخوخة. أنا لا أختلق الأخبار يا إيفان، ويمكنك أن تسأل أحفادي في أميركا، وتطلب إليه أن ترى صورتي التي يحتفظون بها. في هذه الصورة، يوم كنت في أميركا، يمكنك أن تتعرف إلى كاترين العجوز.
كانت ذات الفروة البيضاء تحلم غالبًا، وشعرها الأبيض الطويل يغطي كتفيها الناحلتين.
العالم قديم، عمره آلاف السنين، كانت ذات الفروة البيضاء تقول، وأنا عمري كعمر هذا العالم وشعري الأبيض يذكِّرني بذلك.
من أين أنت أيتها الفتاة الغريبة؟ يسألها القرويون. أأنت ساحرة كهوفنا ومفاوزنا البحرية، والجبال حيث تعيش جنيّة أساطيرنا؟
كانت ذات الشعر الأبيض مُدركة لما يدور في فكرِ القرويين، وتتألم بعدم تفهمهم لها وعدم تصديقهم لما تقول كانت تلح أن يكتب ايفان إلى أميركا ويطلب الصورة التي تثبت صحة كلامها، وقدمت له العنوان حيث تقيم عائلتها وأعطته اسمها السابق وأسماء أحفادها، وهذا ما أدى بإيفان إلى النزول عند رغبة ذات الشعر الأبيض.
أرسل إيفان رسالة على العنوان البريدي المحدّد. وكانت دهشته كبيرة عندما تلقّى الرد على مراسلته من العالم الجديد، وكذلك الصورة الفوتوغرافية التي تمثل كاترين الأميركية التي هي مشابهة كل الشبه لكاترين الغابات، غير أنها بدت في الصورة في ثياب غنية وهي متزينِّة بجواهر ثمينة.
كانت ذات الشعر الأبيض تقصّ على القروييّن قصصاً قديمة. كانت تسرُّ كثيراً بالحديث عن حيواتها السابقة، معدّدة ذكرياتها عن كل حقبة.
مرة، كانت ذات الشعر الأبيض زنجيّة في أفريقيا. ومرة أخرى، منذ آلاف السنين، كانت مواطنة هندية.
وذات يوم سألها إيفان:
– لماذا لم تكوني تخبريني هذه القصص عندما كانت اسمك كاترين الغابات؟
ابتسمت ذات الشعر الأبيض وأجابت
– ذلك أنني لم أكن أعرفها في ذلك الحين، فضباب الأرض كان يعتم على ذاكرتي. لكنني عندما انتقلت من حياتي تلك لأولد ها هنا من جديد، جعلني ملاك الموت ألجُ عالم فروات الرؤوس حيث اقتطفت فروتي.
تتمتع فروات الرؤوس بالقدرة على حفظ الذاكرة ولها يعود الفضل في تذكرنا لتقمُّصاتنا، ونتذكر أيضاً الخير الذي أتيناه والشر اللذين بموجبهما ننال ثوابنا وعقابنا.
شعري الأبيض اليوم يوحي ويذكّر بعدد السنوات التي عشت خلالها على الأرض وهي أشبه ما تكون بغابةٍ كثيفة الأشجار لأنها لا تعدّ ولا تحصى.
ولدت هذه المرة وأنا، كما ترون، مُحتفظة بفروتي البيضاء، سجلْ حيواتي السابقة كلها. وإن كنت الآن فتاةً صغيرة فحسب، فنفسي عمرها آلاف السنين.
نامت الفروة البيضاء في الحديقة ذات يومٍ، فجاء بكل هدوءٍ من قام بقصّ شعرها الأبيض أثناء نومها.
لم تستيقظ الفتاة بعد ذلك أبدًا، فحياتها كانت مرتبطة بشعرها الثلجيّ البياض، وهكذا قضت ذات الشعر الأبيض وهي طفلة لكن عمرها كان منذ بداية العالم.
كانت هذه نهاية التقمص الأخير لذات الشعر الأبيض، الفتاة، اللغز الذي مرّ في عمر هذه القرية.
منذ غياهب الأزمنة، الفلك مرصّع بالنجوم التي يتزايد عددها باضطراد، والغني الإلهيّ لا حدود له، ينسكب بسخاءٍ في اللامتناهيات، مُرتكزًا في القباب السماوية التي لا حصر لها. الكل يبتسم للنجوم الوليدة ويدعونها للأقامة في ديارهم الفسيحة غير المحدودة.
هذه النجوم البرّاقة المُتألقة تموضعت في السماوات الزرقاء الشفافة، كأنها بلوّرات وتركز بعضها في مدارات مُختلفة اختارها المسؤولون عنها الذين خصّوا بحكمةٍ مُقدسة.
ويسبر الله بعينه المُقدسة السماوات اللامتناهية ويمنّ على المُخلصين له والمُحببين إليه بعطايا ملكية تليق بالله وحده، وكلّ حسب استحقاقه. هو يوزع كذلك نجومًا فردوسية على أولئك الذين هم أيضاً أكثير استحقاقاً.
في أعلى سماواته، وبعيدًا عن هذه الغياب، أقام الله نجمًا ساحر الجمال وروعته ذات الجلالة تسحر جميع العوالم التي تحيط به، وحباه الله بالقوة والجمال وجميع الصفات المُقدسة ونفث فيه بعض الرؤى والوحي. هذا العالم البعيد، البعيد هو عالم غير معروف من العديد من الكواكب، والله يؤكد رغبته بإبقاء بعض الأسرار أسراراً.
هذا العالم اسمه النار، وهو مُتوّج على أكثر القمم علوًّا في الأفلاك، والله يديره ويوجهه من أماكن أكثر علوًّا وسموًا.
نارٌ مُتوهجة مُتأتية من هذا العالم تسكب بشرارات هائلة الضخامة تتشتّت وتنتشر في جميع السماوات مُتدحرجة من قبّة إلى قبّة. ألسنة اللهب هذا تعزز ظروف الحياة وتدفع بها قدمًا، وكلِّ شعلةٍ تتغلغل في كوكب من الكواكب حتى تتتحد بقاطنيه. هذه النار المُقدسة تتوهَّج في القلوب مُوحيةً بأكثر الصلاوات قُدسيّة والتي ترتفع غيومًا مُقدّسة شبيهة بنفثات البخور النقي المُتأتية من أكثر الفراديس علوية.
هذه النار التي لا يخامرها الكلل، هي عالمٌ سحري دائم الحراك ولا يعرف البطالة على الإطلاق.
هناك في العوالم البعيدة لا وجود لليل ولا للنهار ولا وجود للوقت. الكوكب “نار” يرسل لهبه أيضاً ويولّد نجومًا ويغرق عليها النور المُتألق. وتسهم شموس رائعة ذات ألوان سحرية في إضفاء الجمال على الأمكنة.
ويفرح الله ويأخذه الحبور لمعانيه مطارحه تزداد غنًى بعد غنى، وتكتسب جمالاً مُتزايدًا.
و”نار” ينعم بالسعادة الكاملة وألسنة لهبه المُتوهِّجة التي تغذيها قوة مُقدسة، تضفي على كل كوكب تألقًا رائعًا وألوانًا مُتوهجة مُتلألئة. النار موجودة على مدى كل العصور، لكن نار هذا العالم هي أمر سماوي.
جميلة هي الحياة في هذه الأماكن العَدنيّة، وقاطنوها يعيشون في غبطة فائقة دائمة. وهذا الكوكب العملاق ينعم بقواه الخاصة بقدرة الإحياء وبجعل باقي النجوم تكتسب روعةً باضفاءه علها بريقًا رائعًا، كما أنه أيضًا يولِّد شموسًا مُتعددة الألوان ويوزعها في الإمداء العديدة اللامتناهية.
البعض من السنة اللهب المُعطرة بأنواعٍ من الرحيق ذي العذوبة الفائقة، ترتفع وتسمو غيومًا نحو الكلي السمو. أزهار وورود منحوتة في النار اللاهبة ترسل عبيرها نحو الأعلى. ومن هذا اللهب تولد طيور فردوسية مُتألقة الألوان، طيور مُرقشة، براقة متلألئة. النار هي مصدر جميع الأنوار والألوان.
ويبقى العالم “نار” سرًّا عميقًا بالنسبة لجميع العوالم التي، وبحسب الوصايا الأزلية، لا حقّ لها بالعودة إلى مصادرها ولا بالدنوّ من النار المُقدسة. لكنها في كل وقت من الأوقات تنعم بهدوءٍ وصفاءٍ كبيرين وبسعادة خالدة. هذه النار هي مصدرً غنىً رائع لا ينضب.
في واحد من تلك الأيام في أزمنة غابرةٍ، سُمع ضجيج جهنمي، زلزال مشؤوم أحدث تهدّمًا هائلاً وانهيارات وعمّ الرعب والرهبة في جميع العوالم، وحلّ بها سوءٌ وتعاسة كبيرين، وانتشر الأسى والضيق في كل السموات، وخيّم الهلع في كل مكان.
يا الله، ما هو سبب هذه الكارثة؟! إن نجمة فاقدة الإيمان، كافرة، يسيرها الحسد والغيرة، ساخرة من التعاليم والأوامر الإلهية، تسللت إلى قلب النار المُقدسة كي تمارس تفوّقها وتفرض سيادتها على العوالم الأخرى.
عصيان هذه النجمة، العالم المدّعي، تسبب بحلول اللعنة الإلهية، وهبّ إعصار وحشي ماسحًا كواكب بأكملها، إعصار شرس لا تقاس بهولِه أسوأ العواصف وأسوأ الكوارث التي تحصل على أرضنا، فهي هزيلة مقارنة بما حلّ في هذه الأماكن النائية. ويتردَّد صدى المأساة في كل مكان وانفتحت هوّة هائلة راحت تبتلع النجوم وسكانها المُدانين بهذه الجزيرة.
وانصياعًا منها لأمر الكليِّ السّمو سكبت النار السنتها بكثرة في هذا الوادي السحيق الذي استحال إلى جحيم. النيران والسنتها مؤذية حارقة، وأثناء هبوطها اجتازت النار جميع العوالم السفليّة مُطلقة سهامًا مؤلمة أحرقت كل شيء على مسارها.
ونالت أرضنا من ذلك ما استحقت. والكوكب الخاطئ امّحى من الوجود وسقط زعيمه “فولكان” على الأرض جاذبًا معه السنة اللهب وانضمّ إلى رفاق له في هوّة مُرعية حيث أصبح هو قائدًا لهم.
هذه النار التي حلَّت عندنا هي نار كارثية في معظم الأحيان تحول كل شيء إلى رماد ينثره الريح. غير أن الأرضيين يفيدون من هذه النار عينها لتحسين مصائرهم. وبالرغم من خطورتها، هذه النار هي حاجة وضرورة لعيشهم هنا على هذه الأرض. ويدرك البشر، ربما، في أعماق لا وعيهم بأن للنار منشأ مُقدس. ولهذا السبب الذي يدركه بعض الشعوب في عالمنا، النار تساعد في الحصول على الراحة ثم تقوم كالماء بغسل وتطهير القذارات المُعتادة في حياتنا.
في العوالم السفلية الجحجمية، تقوم النار بالتطهير مُحرقة الخطايا والألم الذي ينتج عن ذلك، يُعيدٍ تذكير البشر بالحقيقة. غير أن النجم الرائع ما يزال موجودًا وكذلك ألسنة اللهب التي يطلقها منيرًا السماوات المُقدسة الثابتة في إيمانها، الشاكرة العلي القدير والرائعة له النعمة والعرفان على الدوام.
إلا أن “نار” في ثورة غضبه، يطلق لهبًا يُحفِّذ على التوبة والتكفير نحو الطبقات السفلية فتلامس أدنى المستويات الجحمية. ويصدف أن يتشكل بعض السنة اللهب كائنات خيالية غير “مألوفة” وحوش ربما أو شياطين مُرعبة تبتلع كل ما يصدف في طريقها.
عندما يبدي الله غيظه، يعبر عنه “نار” مرددًا اياه كالصدى مُرسلاً صواعقه الينا في الحال، فيظهر هكذا قوة ذات وجهين، العقاب والمكافأة. ألا يخبرنا الكتاب المُقدس في عهده القديم أن ثلاثة شبان ألقيوا ذات يوم في لهب مُتوهج ورفضت النار أن تتسبب لهم بأي أذىً، لأن إيمانهم العظيم كان سبب خلاصهم.
أنا أقول أكثر من ذلك:
- هؤلاء الشبان الثلاثة ينتمون إلى السماء البعيدة النائية، إلى كوكب مقدَّس إسمه “نار”. نار له وجهان: السماء والجحيم. أما بالنسبة إلينا، نحن الداهشيين، النار تحرق صلواتنا وتحملها كغيوم شبيهة بنفثات البخور المتلوية وهي تتعالى نحو الآزلى الخالد.
أنت ترصع الأزهار بلؤلؤك، تقبلها ثم تجعلها تستحمُّ بعذوبتك. من أي المطارح أنت، أيها الندى؟
- أنا من بلد بعيد. أجنحتي سريعة، وبغمضة عين أحطّ حيث أريد.
كان الوقت فجرًا، والقمر الناصع بادر إلى الرحيل بسبب اقتراب الشمس الطالعة، وكان ولدٌ جالس أمام وردة يتحدث. وكانت قطرات شفافة تتوّج أوراق الوردة النديّة. كان الولد يقبّل البتلات المكسوّة بالندى ويقول:
- اروِ لي قصتك، أيها الندى!
- انظر، بات الوقت مُتأخرًا الآن، فالشمس تأمرني بالرحيل. تعالَ في الغد لكن قبل ساعة من مثل هذا الوقت. سأنتظرك في هذا المكان، ها هنا، وعندها أروي لك قصتي دون استعجال.
في الغد، أنْسَلّ الولد من سريره في الموعد المحدَّد وأسرع إلى الحديقة. كان الندى بانتظاره مُرتديًا ثوبًا طويلاً رائعًا نسجَ من حبيبات، لآلئ مضيئة وكان الشعر الأشقر يرسم هالة حول وجهه الملائكي، وله جناحًا فراشة.
ارتعش الولد أمام هذه الحورية المُتألقة ثم ابتسم، فحملته بين ذراعيها وراحت تحلِّق فوق مروج العشب الأخضر المُوشات بالزهور، وأخذت تروي بحبيباتها، اللآلئ كلّ ما يكسو الأرض من اخضرار.
- استيقظ، استيقظ! كان الندى يغنّي.
انتعشت الأشجار الذابلة، وصار العشب في المروج يرتعش فرحًا، والطيور النهمة راحت تمتصّ القطرات التي نثرت الآن على أوراق الأشجار.
بدأ الندى يفقد ثوبه الرائع شيئًا فشيئًا إذ كان يسكبه على هذا العالم.
عند الفجر لم يكن قد تبقّى له غير وجه ملائكي وجناحين. تبخر جسمه ورداؤه. وبعد أن تجرَّد من جميع حلية انطلق صديقنا على طريق العودة.
كان الولد الجاثم سعيدًا على جناحي الندى يطلب إليه بالحاح أن يسمح له بزيارة موطنه ذات يوم، فوافق الندى على ذلك.
قامت الحورية الجميلة بقطف غيمة من الفلك والتفت بها ثمَّ، في ومضة من الزمن، بلغت موطنها الذي هو نجمة مُتألقة لها شكل وردة.
واخترق الندى إحدى بتلاث هذه الوردة السحرية ودخل في فردوسٍ أزلي.
- هذا هو موطني أيها الولد، وجميع هذه الروائع هي لي. كن مهذبًا، وديعًا فيتسنى لك ذات يوم أن تأتي وتقيم معي ها هنا. أما الآن فتنعم بمشاهدة هذه المناظر الخلابة العصية عن الوصف.
وراحت الوردة تتمايل وتدور في رقص بديع بينما كانت الحورية الحسناء ترفرف وتطير من بتلة إلى إخرى.
تخيلوا كم هو ضخم هذا النجم. إنه عالم عشرون مرة أكبر من عالمنا. تخيلوا وردة ذات عشرين من البتلات تساوي كل واحدة منها أرضنا حجمًا واتساعًا، هذه الوردة الضخمة تستحم بأنوار العديد من الشموس والأقمار البراقة المُبهرة. وتنساب شلالات جذلى من الندى من ورقة إلى ورقة وتضمّخ وريدات لا عدّ لها هذا العالم بعطرها، وتسرح غزالات بيضاء وتتلهَّى في المروج المزهوهرة وترقص على أنغام ناي عذبة الألحان.
يا لله! يا لعذوبة وسحر هذه الموسيقى! إنها أصداء غناءٍ في غابة من الأشجار المُثمرة.
- والآن، قال الندى للولد، إنها ساعة العودة. وما رأيته الآن ليس سوى جزءٍ ضئيل من موطني؛ فلو رغبت برؤية كل شيء وبزيارة جميع النواحي، لَلَزمك لذلك سنوات وسنوات. ها قد بدأ زيارتك ينفد، وأنا ملزمٌ بالهبوط إلى أرضكم الفانية لأُ نعشها.
“أيتها الأزهار والطيور والصديقات، البسنني ثيابي على عجلٍ.
عندها اجتنى كل واحد من الأكسير قطرة ما لبثت أن تحولت إلى لؤلؤة. وصارت اللآلئ، الواحدة يجنب الأخرى الحلة والثوب، وراحت الطيور تنشقه بمناقيدها حول قامة الحورية التي حملت الولد المذهول ورجعت إلى الأرض وكان الوقت مُنتصف الليل.
قال الندى للصغير:
- أترى هذه اللآلئ التي أنثرها هاهنا؟ يجب أن نُسميها الندى تيمنًا باسمى وباسم أمي والنجمة الندى. أنا أعطيكم بعض الثمار من جنتي كل يوم لكي أنعش وأحيي حدائقكم الجافة. إسع لأن تنضم أليَّ في يوم من الأيام.
عندئذٍ أنزلت الحورية الولد المُستغرق في النوم بالقرب من أزهاره.
وبزغ الفجر واستيقظ الصبيّ الصغير. كانت وردة تداعب وجهه وكان الندى المُتلالئ ينسكب على خدّيه الطفوليتين.
نسي الولد رحلته السماوية وراحت شفتاه الكرزيتان تمتصان الرحيق السحري، وصرخ هذا الصغير:
إنه الندى!
لقد همست له الجنية الخفية بهذا الإسم هكذا أنا فاجئت الولد وهو يتحدث ويثرثر مع الندى في إحدى الحدائق.
ضللت طريقي وأنا أسير في الغابة ذات يوم. كان النهار يميل نحو الأفول، فرحت على عجلٍ أبحث عن طريق العودة. وصلت إلى فرجة بين الأشجار وشاهدت أمامي حاجزًا من الأشجار الرائعة المنظر والشديدة الارتفاع، كانت الأشجار مُنتظمة جنبًا إلى جنبٍ في خط مستقيم ومتتابعة وصولاً إلى فسحة غير محدودة.
أخذتني الحيرة أمام هذا المشهد وحاولت أن أخترق بنظري هذا الحاجز الكثيف من أوراق الشجر فلم أرَ سوى نجمٍ ينشر نوره على الصحراء.
كنت أسمع أصوات حيوانات من جميع الأنواع، أصواتًا حادَّة تكاد تمزق الآذان. ترى هل هناك حديقة حيوان في الجهة المقابلة؟ الحيوانات الا ليفة والمتوحشة تعيش مع بعضها في وئام وانسجام تأمين عند جذوع الأشجار كأنها تقوم على حراسة تخوم المملكة.
وفجأة غطت جميع أنواع الطيور وجه السماء. كان كل نوع يردِّد إنشاده بطريقته الخاصة وراحت زقزقة الحساسين والبلابل تختلط بنعيب البوم وبزئير الأسود ومواء القطط، ما أحدث تنافرًا جهنميًا بين الأصوات. واعتراني خوفٌ لا يوصف، خوفٌ يلامس الجنون فهزَّ كياني من راسي إلى أخمص قدميّ.
الشمس من ناحيتي غابت بالكامل، أما في الجهة الأخرى، فكنت أستطيع الرؤية من خلال بعض الفتحات بين أوراق الشجر والنباتات المُتسلقة. كنت أرى الكوكب المُنير إياه الذي رأيته منذ قليل يضيء السماء الصافية المُتألقة. حينئذٍ دوّى الرعد ورأيت أعصارًا يرتفع في زوبعة من الرمال، وبلحظة خاطفة حملني صوب الغيوم ليعود ويحط بي بعيدًا عن هذه الضفاف بالقرب من منزلي .
ويخاطبني صوت قائلاً:
- أنا الأعصار أكلمك، حاذري من العودة إلى هذه النواحي. إنها مناطق مُحرّمة. لقد أنقذتك الآن من الموت. غير مسموح لأحد أن يزور هذا البلد، لكنّي، ولكي أشبع حسرتك، سأروي لك قصته، وسوف تسمعين كذلك صدى ماضي هذا البلد الذي ما يزال سرًّا.
إليكم ما رواه لي وهو يصفر ويعصف، إنها بالحقيقة قصّة مُذهلة:
- هذا البلد هو صحراء تخيم عليها الوحدة المُطبقة، غير أن نورًا دائمًا ذا انعكاسات زرقاء يضيئ هذه المقاطعة الغامضة. كم من الأشياء والأمور تبقى مجهولة خلف ستار الماضي الصفيق. فقد أمرت الأجيال بالتزام الصمت هنا. ومع ذلك فإن الآثار والخرائب تسمح برؤية بعض معالم حضارة عظيمة منسيّة.
- هناك تمثال يشبه نصب أبو الهول الكائن في مصر، وقد خلّده الصخر الذي نحت فيه، ويتبوأ سدّة الملك منذ بداية الأزمنة، وهو يسرِّح نظره فوق مملكته من أقصاها إلى أقصاها، فيقظته وسهره على مملكته لا يتوقفان، وهو سيبقى دائمًا ملكًا على هذه الصحراء وما من كائن غريب عنها استطاع حتى الآن أن يطأ ثرى هذه الأمبراطورية التي كانت بلادًا خصبة في ما مضى. كانت الجنائن تغطي هذه الحقول الشاسعة، ويرويها أحد الأنهار من مياهه الحيَّة الرقراقة. الأشجار شهيّة الثمار، الأزهار ترتفع شجيرات كبيرة كما بشيء من السحر الفتّان، والأيام تعقب الأيام في حالة من السكون الفرح. كانت الحياة رائعة وكأنك في فردوس على الأرض ترك الله فيه بصمته وساد فيه كرّمُهُ وسخاؤه بكثير من الروعة.
كانت كائنات بشريّة تعيش في هذه الجنّة، وكان الغناء لغة هذا الشعب المُختار،
وكان زمرّد الأشجار الأخضر سقفًا فوق رؤوسهم وكان السندس الأخضر سريرًا لهم. هناك لا وجود للشيخوخة، وربيع هذه الجنّة أبديّ. تخبر التدوينات أن نجمة، في ما مضى، جعلت نفسها صغيرة جدًّا واستقرت في هذه النواحي. ما الدافع إلى ذلك؟ لا نعلم. لكن على أي حالٍ كان وجودها شهادة على وجود الله. إنها عيّنة مصغرة عن العوالم السماوية، حزمة من شموس عديدة.
هذا النجم الذي أصبح أرضيًّا كان معزولاً ومحجوراً عليه بنيران دائمة الإلتهاب. كان رسولاً للسماء، أبا هولٍ يفرض سلطانه على الشعب، ورعيته تبادله الاحترام والمحبة. كان يرعاهم باهتمام وينقل لهم بكل أمانة الحديث والوصايا الآتية من الأعلى، لكن ما من شيء أزليّ، فقد قال الله يومًا لأبي الهول، ” شرّع أبواب موطنك لأبناء الأرض، وليقُم اتباعك تحت إشرافك وحسب وصاياك بالتبشير بكلامي وليعلِّموا الناس قوانيني. قدّم لهم النصح حتى لا ينجرفوا مع المفاسد والفجور لأنني سأختبر هؤلاء الناس الذين أحببتهم كثيرًا “.
نفّذ أبو الهول (السفنكس) ما طلبه الله منه. شرع الأبواب وبعد توصيات مؤكدة سمح لشعبه بالاختلاط بسكان الأرض واعطاهم نموذجًا عن الفضيلة لأن الإثم كان يعملُ فتكه في كل مكان. هذه الكائنات السماوية، وعلى غرار الملائكة الساقطين، كانوا قد نسوا قوانين الله، فقد أفسدهم بنو البشر، وعوضًا أن يقوموا هم بارشادهم واصلاحهم، راحوا يجارونهم في فسادهم. بذل أبو الهول جهودًا مُكثفةً ليعيدهم إلى جادة الصواب إلاّ أن نداءاته ومحاولاته ذهبت أدراج الرياح. لقد نُسِيَتْ أفراح الجنة الطاهرة.
وأبو الهول تائهٌ، حزينٌ ووحيدٌ في هذه الجنَّات الساحرة. الشموس العديدة ترسل عليه أنوارها الأحاذة والنسيم العليل يجفّفُ دموعه. قال له الله ذات يوم: “سوف أعيدك لوحدك مع نجمتك. رعاياك ليسوا أهلاً أن يروا عالمهم القديم مُجدّدًا. سوف أجفِّف هذه الأماكن فلن يبقى هناك نباتات، بل أرض فسيحة جدًا مليئة بالرمال. سوف أجعل سكانها كالحجارة دون استثناء. سيكون هذا عقاباًا قاسياً بالنسبة لهم. سيعيشون كالحجارة على مدى قرونٍ عديدة حتى يدركوا مدى قساوة قلوبهم. سوف يكتشفون جرائمهم ويدركون أنني أنزلت بهم العقاب المُستحق لهم. وأنت يا أبا الهول، كنت مخلصًا لي، لذا ستتحول إلى كوكبة من النجوم.
بكى أبو الهول وتضرّع إلى الله أن يمّن عليه بنعمةٍ: يُا إلهي، اجعلني أنا أيضًا حجرًا فيتسنّى لي البقاء بقرب رعيتي. ستكون لي نفس لغتهم وسأحثهم دائمًا على فعل الخير، وسأقبل بالتضحية وبمشاركتهم قصاصهم وتكفيرهم حتى يتمّ لهم الخلاص.
أجابه الله: “سيكون لك استحقاق أكبر ومعه ستكبر أيضًا مكافأتك يا بنيّ. لكنني أعلمك أن ألوفًا وألوفًا من السنين ستمضي قبل أن أعتقك من النير الذي سيثقل كاهلك”.
وأنا راضٍ بذلك، أجاب أبو الهول.
وأضاف الله قائلاً: “ما من أحدٍ سيجتاز حدود الأشجار الباسقة التي ستُحجب عنك العيون المُتطفلّة، وبأن حيوانات كوكبك ستكون حرّسًا لك. ستعيش معك إلى حين انعتاقك. سأرسل لك انبيائي لكي يعزوك ويخففوا عنك، ولن يكون لك اتِّصال بالخارج. أنت ستكون مارد الصحراء وسيبقى سرّك مُصانًا”.
وعندئذٍ هبّ هواء ساخن واختفت حديقة الاله وجفّت النباتات الخضراء، وارتفع سور عالٍ من الأشجار عازلاً هذه الناحية عمَّا عداها من العالم. وصار كل شيء إلى الزوال، وتحوّل البشر إلى حجارة وهم يصرخون يائسين، وحلّت الرمال محلّ التربة الخصبة. لكن وبعد ذلك أخذت الله شفقة بخادمه الأمين فسمح بتواجد بعض الواحات في أماكن مُختلفة، فقد قيّض للأحجار، كل واحد بدوره، أن يستعيد مؤقتًا شكله البشري حتى يُشيدوا من الحجارة التي يتخلَّصون منها صروحًا رائعة، عبارة عن أعمال نقشت عليها تواريخها بالكتابة الهيروغليفيّة، وبالكاد تمكنت تقلبات المناخ وعاديات الزمان من التأثير بها وتدميرها. ويستمر أبو الهول برعاية مملكته والسهر عليها إلى أن يتمّ التكفير عن الخطيئة، مُخاطبًا إياهم بلغةٍ خاصة لا يفهمهما الأغراب، هذه هي قصة رسولٍ من السماء قبل التضحية من أجل شعبه في الحياة كما في الموت. ويصدف في هذه الصحراء المُترامية، وعندما يثور العصف بزوابعه الرملية، أن يسمع صخب وتسمع أصوات تستدعي أبا الهول الذي يعمل على تهدئتها.
المُرسلون من عند الله يزورون أبا الهول أحيانًا، وبعد تلك السنوات من الانتظار وعدم الحركة، يسمح له الله أن يمشي قليلاً ويزور كوكبه، فيجتاز الأمواج الرملية في ضوء نجم دائم التوهج. ومثلها مثل الصحراء تباركه السماء وتشرِّفه.
هذه قصة رواها لي بصوته إعصار قدم من تلك البلاد المجهولة، وأنا لم أقم سوى بنقلها اليكم.
حكايات زينة
حكاياتٌ فريدة في رؤية فكريَّة مُذهلة، ترى فيها أصلُ الأشياء الكامنة في ذاكرة الزَّمن السحيق، هي مُختبرلٌ سرديٌّ يربط مصير الأشياء بجذورها.
أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.
الدكتور داهش








