العودة الى المُطلق
أُسس العقيدة الداهشيَّة
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثاني
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثالث
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع
يقول يسوعُ الناصريُّ: “لا تظنُّوا أنِّي أَتيتُ لأَنقضَ الناموس أو الأنبـياء، إنِّي لم آتِ لأَنقضَ لكن لأُتمِّم،” (متّى 5: 17) هو نفسه قال أيضًا لتلاميذه: “إنَّ عندي كثيرًا أقولُه لكم، لكنَّكم لا تُطيقون حَمْلَه الآن. ولكن متى جاءَ ذاك روحُ الحقّ، فهو يُرشدُكم إلى الحقِّ جميعًا، لأَنَّه لا يتكلَّم من عنده بل يتكلَّم بكلِّ ما يسمع ويُخبرُكم بما يأْتي.” (يوحنّا 16: 12-13)
سادسًا داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
إجعل فتاك ،يا إلهي، نسراً قوياً محلقاً في الفضاء قبل انتهاء الملحمة
ولا تدعه حملاً وادعاً ينهش الذئب الشرير جنانه وجثمانه
فالقويّ يسود هذا الكون ويبسط عليه سلطانه
ويتمتع بخيراته العديدة دون أن يردعه رادع
أما ذلك الضعيف المسكين الوادع
فيعتدى عليه،وهو لا يذكر للناس سوى المرحمة
أما أرضكم فحقيرة:
فرغباتكم دنيئة،
وتمنياتكم فيها زرية،
وكل من يدبّ عليها مجرم أفّاك وحقير سفّاك.
الغش يسري في منعطفاتها،
والطمع يتمشى في نفوس أبنائها،
والتدليس البغيض يعشش في أعماق قسسها،
وحب (المرأة) أصبح جزءاً لا يتجزأ منها،
والمال-ألا لعنة الله على هذا المعدن الخسيس-هو الذي يسيّر جميع شؤونها.
فلا (الملك) صاحب التاج والصولجان،
ولا (العالم) الجليل صاحب الرفعة والشان،
ولا(القائد) صاحب السطوة والسلطان،
ولا (العظيم) القدر أو الحقير من الإنسان،
ليس جميع هؤلاء سوى أفاع سامة،
وذئاب خاطفة،ووحوش باطشة!
لقد ذهبت الكرامة،
وتلاشت الفضيلة،
وامحى الصلاح من أرضكم،
فساد الشر والفساد،
وطغت النقيصة على أرجاء معمورتكم الزرية،
ولم يجد الصلاح بكم شيئاً!
لقد هبط الأنبياء إلى أرضكم
فقابلتموهم بالإعراض والزراية والإستهزاء،
فغادروكم غير مأسوف عليكم،
وخلّفوا لكم حقارتكم وشروركم،
وهي أكثر من أن يحصيها عد!
ودارت الأجيال دورتها،
فإذا بالأعوام تباد تحت سنابك أقدامها القوية،
وإذا بأفلاك قديمة تدول
فتظهر مكانها نجوم وعوالم جديدة غيرها،
وها هو (الملاك) يقف في أقصى السماوات،
وهو يبوّق،في بوقه، بقوة و جبروت،
قائلاً لكم،وهو ينظر إليكم بحزن بالغ:
يا أبناء الأرض!
توبوا واندموا على معاصيكم
لأن النهاية قد دنت!
جونيه 16 تموز 1943
من ضفة الأبدية التي تفصل عالمنا عن عالمكم،
نرسل إليك بهذه الكلمات لترشدك،
إن كان لا يزال هناك فائدة من تكرار الإرشاد،
بعد أن حدثت أعجوبة الدهر،
فهبطت عليك نعمة النور المقدس،
وغمرتك بلهيبك المطهّر!..
ويلك أيها الخاطئ الإعمى!…والشرير الساقط!..
أبعد تلك التضحية التي لا تعوّض إلا بعد آلاف السنين،بآلام لا تفهم أنواع عذابهم العميق…
تضحيته نفسه لأجل آثامك وشرورك
التي ما زلت تأتيها إلى الآن يا أشقى خلق الله!…
ويلك!…
أتنصاع لإرشاد روح الشر الساقطة الكامنة في داخلك؟
أتدعها تغلبك على أمرك،
بعد أن كشفت لك الحقيقة الناصعة؟
وماذا كان ينتظر أن تقوم به، بعد إصلاحك أيها الجاحد،
غير رجوعك إلى حظيرة الأبالسة
التي تنتظر انتهاء أجلك بفارغ الصبر!
ليكن جزاؤك مضاعفاً مئات المرات
عمن هم في الدرجة التي ستحلّ بها على الرحب والسعة!
إذ تكون المحاسبة على قدر المعرفة!..
ومعرفتك تفوق معرفة الآخرين!…
ليت أمك لم تحمل بك!..
وليت عينيك لم تفتحا للنور!…
فهذا كان أفضل لك وأسعد!
ولكنها إرادتك،وهي التي احبت لك هذا!..
ومعرفتك دفعتك لخوض هذا العباب!
فيا لهول العذاب!…
إنه ينتظرك!…
إنك تعلم بأن أعمالك التي تأتيها تطيل مدة رقيّك الروحي، وتزيده عذاباً على عذاب،وآلاماً على آلام، ومحناً جساماً لا تستطيع إيفاءها حقها أقدر الأقلام!…
ولكنه ثابت الجنان،
يراقب حوادث الزمان،
قبل عودته إلى الجنان.
فالويل ثم الويل لك!
يا مدنس اسم سليمان!…
إن سقر تتلهف شوقاً إليك،
فاضرع إلى الله أن يقبل إرجاعك
إلى الحظيرة المقدسة قبل فوات الأوان!
وقبل أن تعضّ البنان!…
فتعيش،إن قبلت،ماحييت باطمئنان!…
***
“يا أورشليم! يا أورشليم!….
يا قاتلة الأنبياء! وراجمة المرسلين!…
كم من مرة أردت أن أجمعك إليّ
كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها!
فلم تقبلي!…
والآن!…
أحصدي ما زرعته بمحض اختيارك!…”
***
تذكر أيها المنبوذ هذه الحكمة الفلسفية الإلهية
التي نطق بها السيد المسيح،قبل ألفي سنة،
للذين يدينون بتعاليمه،
ومن ثم انقلبوا عليها!…
وها هم الآن يكفرون به،
وستمرّ آلاف السنين حتى يتطهّروا،
إن قدر لهم هذا التطهر!…
فلتسحق الندامة كبدك!
وليتغلب الحزن المرير على نفسك!…
ولتنح روحك ندماً على ما جنيته أيها المسكين!
لأن اللعنة ترفرف فوق رأسك،
تريد الإستقرار لتحل عليك إلى الأبد!…
ولكن قوة غير منظورة تردعها،
لعلك ترجع!…
وإلا،
فتترك لها الحرية،
لتهوي كما شاءت إرادتك،
فتغمرك بويلاتها الجسام!
وعند ذاك،
لا رجاء لك ولا آمال!…
إذ يكون كل شيء قد انتهى عهده!
فأسرع!
قبل الفوات!
إذ لا أمل لك بالرجوع،
بعد نبذك الأبدي!
القدس،1933
أمّا (المؤدب) فكان سوطه مجدولاً بأربعة عشر أفعواناً كل منها هائل الخلقة،بشع التكوين! وكان يسوق أمامه قطعاناً لا نهاية لها،من مختلف أجناس البشر و شتّى مللهم ونحلهم. و كان كل قطيع يسير مع فئته الخاصة:
فرجال الدين يسيرون أفواجاً أفواجاً؛
وهناك أرتال منهم كانوا يشبعون شهواتهم الأرضية الدنيئة،وبالرغم من منصبهم الديني العظيم؛
ومن بعد كنت ترى جماهير من (التجار) يسيرون معاً؛وغيرهم من الملوك بعضهم لا يزالون يعتمرون بالتيجان!
وآخرون قد نزعوا تلك التيجان وحطّموها تحت أقدامهم!
وعلى يمين المؤدب اجتكع عشرات الألوف من القادة والسياسيين الذين كانوا يوجّهون دفّة الأمور السياسية والإجتماعية. وكانوا بأكملهم ينظرون إلى وجهه،والذهول مرتسم بأتمّ معانيه في أعماق مآقيهم الشاخصة حيث يقف غيرهم وغيرهم من متخذي شتّى الصناعات.
ونطق سوط المؤدب بلعلعته الرهيبة! وفحّت أفاعيه وراحت تنفث نيرانها ودخانها فيمتزجان بالسمّ الزعاف وتمتزج في دمائهم المسودّة للألم والرهبة والقلق والذهول وشتى المتناقضات التي أخذ يعمل في نفوسهم الوجلة وأرواحهم القلقة الحائرة.
وراح المؤدب يسسأل رجال الدين:
-والآن انبئوني اليقين.
لماذا هزأتم بتعاليم سيدكم وتعاليم الكتب المنزلة التي كانت تهديكم إلى الصراط المستقيم؟
ولم اتبعتم شهوات قلوبكم؟
ورتعتم في جنانكم الأرضية،
وأنتم تعرفون إنّما أنتم تسيرون على الطريق المعوّج؟
ولم لم تزوروا البؤساء،وتعطفوا على الفقراء؟
ولم لم تزوروا السجناء،بل فضلتم عليهم الأغنياء الاغبياء؟
ولم لم تصوموا و تصلوا؟
بل خضتم في بحار جرائمكم الوضيعة ولم تكلّوا وتملّوا!
ولم اتخذتم شبكة الدين لاصطياد الوادعين الآمنين، وأنتم عارفون أنكم مخطئون في طريقكم هذا غير القويم!
وراح السوط يلعلع للمرة الثانية على أقفيتهم!…فهوت أفاعيه السوداء على لحومهم فنثرتها.
وعملت أسنانها السامة في أعضائها فقطعتها وهرأتها.
وإذا بالبكاء والعويل يرتفعان من الصدور فيشقان الفضاء!
وراح الصدى يتجاوز الآفاق،ويخترق أعمق الأنفاق!
وعاد المؤدب يقول:
أنتم سبب كل بلاء وانشقاق!
فخفضوا رؤوسهم وهم لا يجرؤون على رفعها إليه!
وركعوا بذل وخضوع عند نعليه،
علّهم بعملهم هذا يسترضونه بعد شدة تعنّته وكثرة تجافيه.ولكنه أشاح بوجهه الوضاء عنهم،
وخلفهم يندبون جرائمهم الفظيعة،وهم يقرون بها ويعترفون.
وانتقل المؤدب من فئة إلى فئة،وكل منها يعترف بما ارتكبه من آثام وما اجترحه من نقائص لا يمكن وصفها أو حصرها.وفي كل دورة،لكل فئة من الفئات،كان سوط المؤدب القويّ يقوم بتمثيل دوره على أتم شكل، وأكمل صورة.
وعندما زحف الليل برهبته، واحتل الكائنات،
وغمر البطاح بوشاح مدلهم قاتم،
وناحت بنات عرس،واختبأت الطيور في وكناتها،
وقف المؤدب ورفع رأسه إلى السماء بحزن وقال:-
أما الآن فأفن هذا العالم يا الله!
ولا تبقه لأن الشر قد غمر آفاقه كافة،ولم يعد يصلح لشيء!
ويا أيها العادل!…اغمر الأكوان بجحيمك المتأججة!
ودع نيرانها الطاغية تطغى على كل ذي حياة!
لأن الجميع أخطأوا والجميع لا يستحقون عفوك ورضاك.
واستطرد المؤدب قائلاً:
-نعم.دعهم يا الله يخلدون في أهوال من العذاب الساحق الماحق حتى تأمر إرادتك العادلة بخلق عالم آخر فتعيدهم إليه علّهم يرتدعون،
وإلى محجة الحق يعودون!
بيروت،بعد الظهر 15 شباط،1943
لست اخشى مواكــب الاعـــداء كيف يخشى الذّباب نسر الفضاء
صاعقات الزمان تعنو لأمــري و تنــــادي بهمّتـــي و مَضائــي
و بــروق الغمــــام لمع بريقــي ورعــود السماء صوت ندائـــي
انا نـور يهدي سبيــل صحابــي انا نار تهوي علـــى اللؤمـــــاء
انا حقّ, و الحــق دومـا امامــي و بنـو البُطل ِ هائجون ورائــي
حسدوني لؤما ً و كيدا ًفثــاروا و تواروا كالبـوم فــي الظلمـــاء
بهرتهم مواهبــي يــــوم شعّـّـت في سماء الاكوان كالكهربــــــاء
عجبوا من صلابتي و اقتـداري و كفاحي و عزمتــي و بــــــلاء
و نفضت الاكفان عني, ولاحـت ظاهراتي كالبرق فـي الليـــلاء
يا صغار النفوس لا تستشيطــوا بل فموتوا بغيظكم و هجائـــي…
كلمــا ( زدتــم) ذّلـــة وهوانـــاً زدت مجداً في صولتي و علائي
داهش
من يكون هذا ( الشاب) الراقص على قمم الجبال باصطخاب وجنون؟!
من يكون هذا (الفتى) الشاحب الوجنتين،وذو العينين البراقتين؟!
من يكون هذا (الغريب) الذي خطّت يد الشقاء آلامها على (جبينه)
بأحرف نارية لا تمحوها الأجيال؟!
من يكون هذا (البائس) القلب، المحطّم النفس،
المقوّض الآمال،القلق التصورات؟!
من هو هذا (الضعيف) بآلامه، المهدم بآماله،
الهائم بتصوراته،التائه بمقدراته؟!
من يكون هذا الرجل (العجيب) ذو(الشخصيات) العجيبة؟!
من يكون هذا الفائز (المنتصر)
الذي أنالته الأسام كل ما يصبو إليه؟!
من يكون هذا المنتقم (الجبار)
الذي خرّ أعداؤه أمامه بضعف وجبن جنونيين؟!
من يكون هذا (المقوّض)
لكل ما بناه له أعداؤه من زراية وانتقام؟!
فأرادهم صرعى غير مأسوف عليهم؟!
من يكون هذا (الرهيب) الذي أدّب
(حشرات) هذا العالم و (هوامّه)؟!
من يكون هذا (الطاغية) الذي ظنّ حساده أنهم سينالون منه منالاً،
فإذا هم مقوّضو الآمال،مهدمو التصورات؟!
من يكون هذا (الهائل) الذي ترك أعداءه يرتجفون بين يديه
كما ترتجف القصبة أمام الرياح الهوجاء؟!
من يكون هذا (الطائف) في ظلام الليل،
والهامس مع أشباح الظلام بسّره العميق؟!
إنه هائل،مخيف،جبار، رهيب، قويّ،مقتدر…
ذو (قوة) تجتاح كل شيء!
إنه عاصفة هوجاء،وداهية دهياء، ورهبة هائلة،وهول رهيب!
إنه خوف لا يزول،وقوة باطشة لا تحول!
إنه النتقم الجبار،والمتحكم القهّار!
إنه؟!…
سوق الغرب،في 7 آب 1936
هذه أنشودة (إله الأرض) وحارس أطرافها الأربعة:
“ستندلع نيران غضبي الإلهي العميق الغور، السحيق القرار،
وستتفجر براكين نقمتي الجبارة،القاطعة البتارة،
وسأرمي البشر قاطبة بنبال كنانتي المسننة المسددة التصويب،
وسأهيب بالخضمّ أن يطغى على الأرض فيهلك قاطنيها،
وبالكواكب أن تتساقط متلاحقة من أعاليها،
وسأخبي نور ذكاء،فلا تستطيع الشروق،
وسأحجب نور البدر،فلا يستطيع الخفوق،
وسأفرغ من هذا الدور الأجدر على أنقاضه دوراً آخر،
إذ حسب البشر هذا الظلم والعدوان،والعسف والطغيان.
وحينذاك يسود السكون الرهيب والصمت الأصم أطراف المعمور،
لأن عينيّ قد ملّتا هذه المناظر الممجوجة المألوفة
طوال هذه الأحقاب،
وأذني قد مجّتا سماع تلك الأنغام المشوشة الغير الموزونة،
وألوهيتي عافت الجرائم والآثام،
وملّت الساعات والشهور والأعوام!”
***
هذا ما أنشده (إله الأرض) على مرأى ومسمع كل ذي نسمة و حياة!
فتناقلته هوج الرياح إلى كل جهة من جهات مملكته القصيّة الوسيعة!
القدس،في 12 كانون الثاني سنة 1935
سأدك معتقدات هذا العالم السخيف الفاني
وسأهشم أديانه وأجعلها طعمة لعواصف الأقدار الهوجاء
وسأبني عالماً آخر لا يمتّ بصلة للمدنية المنقرضة العمياء
وسأنشئ ديناً واحداً يتبناه جميع أهل الأرض
ومن يخالف أوامري،ستهبي به شهوي،وعليه صواعقي ستنقض
وسأنفذ هذا بمفردي،وأعلنه عندما تأزف ساعة الإعلان
تعبت البارحة
من عناء الأعمال المرهقة التي قمت بها،
فتوسدت فراشي.
وإذا بسلطان الكرى يتغلّب عليّ،
ويستولي على كياني فسلمته عناني.
وسبحت في عالم الهيولى والأثير!
فرأيت نفسي أنني في القرن الخامس عشر!
وفجأة رأيت شخصاً
وقد احمرّت منه العينان،واصفرّت الوجنتان،
وتوترت منه الأعصاب،وخفق منه الفؤاد!
فصال وجال…
ثم نظر أمامه إلى آلاف الخلائق
التي كانت متراصة فوق بعضها!
تنظر إليه بلهفة بالغة،
وتكاد تلتهمه بأعينها المحدقة فيه!
فاستغربت الأمر،
وسألت أحدهم عن هذا الشخص الغريب!
فقال:
-ويح لك! ألا تعرف ديموقليس الخطيب الشهير
الذي ملأ صيته الآفاق؟!
و يظهر أنه انتبه إلى أني رجل غريب،
للهجتي المتباينة عنهم، وللباسي الغريب…
فاعتذر وقال لي:
“إنك الآن في مدينة سبارطة،
واعلم بأنك سترى العجب الآن،
للدرر التي سيلقيها خطيبنا،
إذ إنه خطيب العالم أجمع-ديمقليس!-
وسيحمل حملة شعواء على المظالم التي تجريها الحكومات
على بعض أفراد الجماهير المساكين!
وإن الحكومة تخاف خطبه
كما تخاف الموت الزؤام…”
فالتفت حيث وقف هذا الرجل الغريب!
فرأيت أنه قد اضطرب…وكأنه شعلة متأججة!
وبعد أن هدأت أعصابه قليلاً ازدرد لعابه…
ثم خطب في الحاضرين
الذين كانوا يملأون السهل الفسيح…
وبصوت جهوريّ قال:
“إن لبعض الأشخاص نفوساً لئيمة،
وأخلاقاً وضيعة منحطة،
يشمئز منها أحقر مخلوق!
ويفرّ منها- حتى الطبقات الدنيا-
فرار السليم من الأجرب!
ومما يؤسف له أشد الأسف
أن لهؤلاء الأشخاص الذين لا أخلاق لهم
-وكأنهم نشأوا في الشارع!
ورضعوا علومهم في الأزقة!-
مناصب رفيعة يتبججون بأنهم وصلوا إليها،
لرفعة شأنهم،وغزارة علمهم،
وعريق حسبهم ونسبهم!…
على أن الحقيقة الناصعة
تظهر إفك كلامهم،وكذب ادعائهم…
وبطلان افترائهم!…
لأعمالهم الشريرة القبيحة…التي يرتكبونها!
والحقيقة هي أن الصدفة
هي التي ساقتهم إلى أن يتسنموا ذرى مناصبهم،
والاحكام البشرية الغير العادلة
هي التي ساعدتهم على الوصول إليها!
إن أعمال الوضيعة يأنف من الإتيان بها
حتى وحوش البر وكواسر العراء!
نعم أقول هذا بلهجة الجازم الواثق،
ولا أتراجع عنه،
خصوصاً وقد جرت الحادثة”!!…
وهنا التفت إليّ وقال:
“إنني أطلب منك أيها الغريب
أن تدون خطبتي
لتبقى خالدة في بطون الكتب،
تشهد على تلك النذالة البالغة حدها الأقصى”!
ثم عاد إلى الكلام،فقال:
“نعم!…إن الحادثة التي سأقصها عليكم،
تبرهن أنه لا يزال بين البشر أشخاص
قد انحطت أخلاقهم
إلى الحد الذي به يتسترون وراء مناصب
لا أدري كيف تجيز لهم حكوماتهم أن يتقلدوها،
وهم على ما هم عليه من ضيعة الكرامة،
وضعة الأخلاق!…
لأنهم يرتكبون من الفظائع أبشعها!…
مما تقشعرّ من هوله الأبدان،
وتنفر من رؤيته العيون،
وتتأذى من سماعه الآذان!
إن ما حلّ بأحد أصدقائي
-على يد أحد هؤلاء اللابشريين-
لهو الظلم الصارخ الصريح..
الذي لا يحتاج إلى برهان،
إذ إن براهينه لاصقه به ظاهرة كالشمس النيّرة…
جلية،واضحة لا يعتروها لبس ولا غموض.
أما حادث هذا الظلم الشديد الذي سأقصه عليكم،
فقد أثّر على مستقبل صديقي،
وأضرّ به ضرراً بالغاً،
حتى كاد ينهار صرح عائلته لولا لطف الله!
وكلأته الصمدانية بعينها التي ترقب من وراء الأفلاك
كل ما يجري على مسرح هذا الكون الدنيء
من كل صغيرة وكبيرة!
وإنني أعجب كيف أن الحكومات
لا تتبصر بهذا الأمر الجلل الخطير الشأن!
إذريجب عليها
-قبل أن ترسل قناصلها وممثليها السياسيين-
أن تكون متأكدة من أخلاقهم العالية وصدقهم الوطيد…
وخصوصاً أنهم ممثلو الحكومة،والأمة،
وأن ما يأتيه بعض الحشرات السامة منهم
من أمور فاضحة
لمما يدل دلالة صريحة على أخلاق أمتهم…
وحكومتهم…
فإن كان (الممثل) حسناً
تكون امته وحكومته كذلك.
وإن كان على نقيض ذلك،يحكم الجمهور عليها أيضاً بنقيض ذلك.
لأن المفروض في الممثلين السياسيين،
أن يكونوا الطبقة الرفيعة
في علومهم،وأخلاقهم وآدابها واجتماعياتها.
لذا يكون الحكم بالغاً أقصى شدته
إن كانت أخلاقه وضيعة…
ثم…
فلتعلم الحكومة الرشيدة أن ممثلها السياسيين
عندما ينفذون غاياتهم الشخصية،
ويرسلون التقارير الكاذبة عن أي شخص كان،
وتأخذ هي بأقوال قنصلها الغير الصادق في ما يقول،
وتمنع الشخص الذي سوّلت
غاية ممثلها الشريف النسائية له ذلك،
ولم تحقق في مسألة ذلك (الشخص)
بعد أن استحصل على أوراق (حكومية)تثبت لها عكس ما قاله قنصلها…
وتفنّد أقواله،وادعاءاته بنداً بنداً…
نعم،لتعلم الحكومة
إن في هذا التعنت هضماً لحقوق الأفراد وسحقهم.
إنه من السخف،والهراء والسخرية اللاذعة
أن تتواطأ الحكومة القوية وتتألب
على رجل فرد أعزل كي تضطهده!
ألا ينظر بعد ذلك هذا (الشخص)
الذي قامت حكومة تحاربه،لا لشيء!
اللهم إلا أنه ضعيف لا حول له ولا طول؟!…
كلا!…إنه ليس بالضعيف!
إنها هي الضعيفة!
يا للعار الأبدي!
أتنفيذاً لغاية أثيمة
يرجوها القنصل من امرأة تدفعه إلى ذلك
وتقيم معه بصفقة دائمة؟!..
ألا تزرع بذور النقمة
في نفسية ذلك المهضوم الحقوق؟
ألا يسخط هذا الرجل البائس،بعد ذلك،
على المجتمع الإنساني؟
ألا يثور
ويمقت كل طبقة متسلمة مقاليد الامور،
تنقاد انقياد الأعمى الذي لا يبصر ما أمامه…
إلى أقوال قنصلها، بتحيّز ظاهر،
وإن كانت كاذبة؟؟
وثقوا أنه لو لم يأخذ صديقي تقارير(حكومية)
تنفي ما جاء في تقارير القنصل
الذي أقسم يمين الولاء أمام مليكه
باستعمال منصبه بكل صدق(وهو كاذب!)،
لما اهتممت لهذا،
ولما خطبت فيكم أيها المجتمعون حرفاً واحداً
أنتقد فيه أعمال الحكومة بشدة!
وسأبقى على ذلك-بغير تردد ولا هوادة-كلما سنحت لي الفرصة!
نعم! إن الحكومة بأعمالها هذه
التي تجريها عنوة واقتداراً
تزرع بذور النقمة في النفوس وتدعها تتأصل فيها!
ولا قوة بعد ذلك تستطيع أن تقتلعها وتلاشيها!
بعدما تينع،وتترعرع!!…
ثم…ثم…يا للسخف!…إنها بعد ذلك،
تحاربها بكل قواها!
وتنفق على محاربتها مئات العشرات،
بل آلاف المئات من الجنيهات!
ولكن دون جدوى!
كفاك! أيتها الحكومة العابثة!…
أو…أجري العدل،وضعيه في نصابه!
وأرسلي قناصلك-وهم نوابك ورسلك-ممن:
تربوا التربية العالية،وتثقفوا بالثقافة الرفيعة!
تخيّريهم ممن يعشقون الشرف والامانة،
ويكرهون الكذب والخيانة!…
إنني سأشن الغارة على الغبن الذي حل بصديقي!…
وذلك بخطبي الصريحة،
كي يدونها من يريد،
لتبقى سجلاً تقرأه الأجيال القادمة،
وتطلع على (العدل)
الذي كانت تجريه هذه الحكومة الظالمة!
وأقسم،
بأنه لن يستريح لي ضميري
ما لم يرجع لكل ذي حق حقه!
وعند ذلك،
عند ذلك فقط،
يطمئن خاطري!
وتهدأ هذه الشعلة التي ما زالت متأججة بين جوانحي…
وستبقى هكذا،
إلى أن يعود سيف العدل إلى نصابه.
أيها الحاضرون!
ثلاثة أعوام طويلة انصرمت!
وصديقي يحصي منها الأيام،
بل الساعات بل الدقائق بل الثواني!
وأنا أؤكد ذلك،وأجزم به،
علّ فجر يوم خلاصه يبزغ…
ثم إنه قد توسطت لصديقي(شخصيات عظيمة)
تكفي(كلمة)من أحداها
أن تجعل تلك المدينة الممنوع عن دخولها…
أن تهرع وتفتح له مصراعي بابها الموصد
على الرحب والسعة!!
ولكن تعنّت القنصل،وتشبث حكومته بأقواله الكاذبة،
منعا صديقي من الدخول،
رغماً عن توسّط(الشخصيات العظيمة)
دون أن يلبى طلبها الذي هو من البساطة بمكان.
وهل تعرفون لماذا؟
اسمعوا اسمعوا،
ثم تأسفوا معي على أخلاق من يحمل لقب (قنصل)
نعم،تأسفوا معي لقنصل غير(صادق)!
هي الحقيقة:إنه (كاذب)!…
هذا الشخص المشبع بالكذب والدناءة،
أحب امرأة ساقطة،وضيعة الأصل!
حتى غرق وغرق في هواها!
ولسوء الحظ! كانت تلك المرأة الجهنمية
تعرف صديقي المغموط الحقوق،
قبل تعرفها بمن يحمل لقب(قنصل)!!…
ومن هنا تبتدئ وقائع هذه الرواية
التي تعد أغرب من الخيال!…
إذ إن صديقي كان في مدينة القنصل!
وقد أوعزت إليه (المرأة) الطليقة
أن يستعمل نفوذه القنصلي
تجاه حكومته
كي يخرجوا هذا (الشخص)
الذي تحب أن تشاهد (الموت) وجهاً لوجه، ولا تراه!
وقد انقاد القنصل الضعيف النفس إلى آرائها!…
مع أن الأجدر به كان ألا ينقاد…
وأن يستعمل سلطة وظيفته بأمانة…
فأرسل التقارير الضافية الكاذبة
إلى المراجع المسؤولة وفي وزارة الداخلية!
ولما كانت الحكومة تعتمد على أقوال (معتمدها)
وهذا مما لا نؤاخذها عليه-
فقد صدقت كل ما جاء في هذه التقارير،
ونفذت ما ورد فيها بالحرف الواحد!
ولكن ما نؤاخذها عليه،حقاً،
أنه كان الأجدر بها
-وهي المحافظة على العدالة والحق-
أن تدقق،وتحقق في دراسة(الأوراق)
التي استحصل عليها(صديقي) من رجال الامن العام!
وبعد اطلاعها عليها
يتبين لها إفك(القنصل) وأكاذيبه،
فترجع الحق إلى نصابه!
وهذا ما لم تقم به،رغم تبينها الحقيقة!
حتى مدير الأمن العام
لم يكلف نفسه مشقة الإهتمام بهذا الأمر!
في حين انه هو المسؤول عن ذلك!
فضلاً عن انه اطلع على هذه المسألة،
ورجا منه بعض شخصيات من رجال السياسة
أن يعيد(الحق)إلى نصابه،
فلم يقبل…
لأنه…صديق القنصل!
ولكن…
يا لسخرية الأقدار من شخصيات ضعيفة النفوس!
ويا للقدر الجبار الذي لا يرحم!
فإنني أؤكد لكم أيها المستمعون الأعزاء!
أن مدير الامن العام أخرج من منصبه!
ولا أدري ما هي الصناعة التي يقوم بها الآن!
فقد انتقم القدر منه،
ومن أصحاب السلطة الذين يمتون إليه بصلة القرابة!
فلا أرجعهم الله!
ولا أعاد لنا أيامهم السوداء الدامسة!
وستبقى تلك الأعمال البربرية التي قاموا بها
وصمة في جبين الأبد
لا تستطيع محوها العصور والأجيال الآتية!
ويتناقلها الخلف عن السلف!…
والآن!
يا من بيدكم مقاليد الأمور!
إن الشعب اختاركم
لتحكموا بينه بالعدل أحكاماً عادلة،
لا أن تكونوا جلاديه!
أو…تجروا عليه أحكام نيرون الطاغية الذي فقتموه في الظلم والعدوان!
أيها البرابرة القساة!
ألقوا نظرة على العصور الغابرة
تروا في تاريخ كل امة طغت وبغت،
إلى أي مصير كانت أيامها الاخيرة،
وكيف كانت نهايتها الأليمة!…
…أنظروا إلى الهوّة التي ابتلعت كل حكومة جبارة…
كانت تحكم كما كان يوحي إليها ضميرها(الهوائي)!…
أنظروا إلى التاريخ القريب،
لا،بل إلى (الثروة الفرنسية)
التي التهمت الاخضر واليابس،
واجتاحت امامهم كل معترض لإراتها!…
أخبروني!
أين هو (الباستيل)؟!
رمز الجبروت و القوة الغاشمة؟!
لقد عفا أثره،
وأصبح أقصوصة الأيام الآتية!
إذ كل ما تعدى أقصى حده
يأتيه يوم ينقلب فيه إلى ضده!
إسمعي(نبوءتي)أيتها الحكومة:
“سوف يأتي(يوم)تنقلبين فيه شر مُلَب،
وتكونين عبرة لكل معتبر!
إنك غير عادلة في أحكامك،
إنك قاسية القلب،فظة الطبع،جافية الضمير!…
تحكّمين عاطفتك على عقلك،
لا عقلك على عاطفتك!…
لقد حكمت ظلماً على صديقي…
ومن يحكم بالظلم على فرد من أبناء الشعب،
لا يتورّع عن ظلم باقي الإفراد أيضاً!…
سيأتي يوم تكون فيه مقاليد الأمور…في أيدينا،
وعندها سنكيل لك يالكيل الذي سبق وكِلت لنا به!…
وسنحاسب كل فرد منك أتى الظلم…بما يستحق!
إذا كنت جبارة حقاً-كما تدعين-
فاخلصي من نير الأجنبيّ
الذي ما زلت ترسفين في قيوده،
منذ مئات السنين!
إنه يطوق عنقك بالعار،
نازعاً عن رأسك إكليل الغار!…
فيا للذلّ!بل،يا للشنّار!…
بمحاربتك فرد أعزل من كل سلاح!
تظنينها رجولة!
وتتبخترين بعد ذلك…بسطوتك،ومقدرتك!…
أحجبي وجهك عاراً وخجلاً،
يا من تدعين العظمة المزيفة!
إذ إنك…أمام أبسط أميّ أجنبيّ،
تقفين مكتوفة الأيدي مقفلة الفم جاحظة العينين…
لا تستطيعين رفع سبابة يدك.أمام وجهه القويّ!…
كفاك تعنتاً!…
وكفاك إرهاقاً وظلماً لأبناء جلدتك!…
إذ إن الحكومات الأجنبية تنظر من وراء الستار،
إلى كل ما تقومين به من صغيرة و كبيرة!…
وتزن بميزان حكمتها وتروّيها
ما تقومين به من أعمال سخيفة طائشة!
فتعود
-بعد هذا الجهل الفاضح والغرور المزيّف
من رجالك المسؤولين-
وتقول بنفسها:
“ما دام رجالها المتعلمون المثقّفون يقومون بهذه الصغائر،
إذن…لم لا نبقي نيرنا في عنقها
إلى ما شاء الله؟!…
أيتها الحكومة
(إسمعي نبوءتي)الصّادقة:
” إنّ الظلم والإرهاق الذين تزرعينهما اليوم،
ستحصدينهما غداً : ثورةً وانقلاباً …
وفي امبراطوريّة روسيّا المسكينة، لكِ خير شاهد.
إذ إنّ ( الأشراف) الروسيين،
عندما طغوا وتجبّروا،
حتى انّهم كانوا يأنفون من ردّ تحيّة الزرّاع والصنّاع الذين هم من أفراد الشعب،وكأنّهم من غير طينتهم!-
وبعدما بلغت الكأس الثمالة،
ولم يعد في قوس الصبر منزع،
دبّت روح العصيان في الملايين…
واجتاحت في طريقها كلُّ معترضٍ لها،
وقوّضت أركان تلك الأمبروطوريّة العظيمة الشأن!
وستبقى أبد الدهر، دون أن تقوم لها قائمة!!…
نعم،
إنّ هذا الأمر الجلل،
ما كان ليحدث،
لولا الظلم والإرهاق الذان كان أكثر المسؤولين
يذيقونهما في كلّ يوم أولئك الأفراد المساكين!…
وكانت أموالهم، وقصورهم، وخيولهم، ومركباتهم،
وما هم فيه من نعيم ولذاذات…
من أتعاب الضعفاء، وشقاء المساكين،
وأعمال أيديهم، وكدحهم، وكدّهم المتواصل!…
نعم!
لولا الظلم والإرهاق لما حاق بروسيّا ما حاق!…
ولبقيت في قمّة عزّها وعظمتها، وسؤددها وجبروتها!…
وأنت اليوم،
تمثّلين الدور الذي سبق ومثّله حكّام روسيّا وطغاتها!
وإنْ بقيتِ على إرهاقك هذا ،
فسيحلُّ بك ما حلَّ بها …
والعياذ باللّه من ذلك ( اليوم ) العصيب!…
أيّتها الحكومة!
لا تنسِ أيضاً :
أنّ نير الأجنبيّ لم يرفع عن عنقكِ
في طوال تاريخك المعروف حتى يومك هذا!
وإنّه لعدلٌ وحقّ
هذه الأغلال التي ما زالت تقيّدك!
وإنّ رسوفك فيه لهو العدل بعينه!
إذ لو كنت طليقة،
ماذا كنت تقومين به ، ساعتذاك،
من أمور فظيعة وضيعة!؟…
إنّه رغماً عن شلِّ حركتك في الأصفاد التي تقيّدك…
وتمنعك من الإنعتاق،
رغماً عن كلِّ هذا ،
تجرين من الفظائع …
ما يشيب له ولدان الأجيال القادمة،
فضلاً عن الحاليّة!
فكيف بك لو تحكمين نفسك بنفسك؟!
وهذا منك بعيد المنال،
وحلم ذهبيّ …
لن تحقّقه لك الأيّام !…
أيّتها الحكومة،
أصغي، وعي ما أقوله:
- ستدور بك الأيّام دورتها!
وسترين – بعد ذلك – إلى أيّ مُنْقَلَبٍ تنقلبين!…
وستجتاحك أعاصير ظلمك الفاحش!
فتذريك … في أربع جهات المعمور!…
فتتلاشين!…
وعلى أشلائك المتناثرة:
سيرقص كلُّ مظلوم!!
وسيلعنون حتى ذكرك إلى الأبد!…
ستعولين يوم ذاك… كالنساء الثكالى!
ولكن… لن يرحمك أحد!…
وهل رحمتِ أنتِ المظلومين!؟ كي ترحمي!؟…
أيّتها الحكومة الغاشمة… الصخريّة القلب!
يا من … لا تحوين عاطفة الرحمة!…
اعلمي:
أنَّ في السماء عيناً تراقب كلّ ما تأتين من مظالم ( محاكم التفتيش )البائدة
في القرون الوسطى!!!
ولكن…
سيأتي يوم
يُنْزل فيه – الجبّار – عليك نيرانه وأهواله…
فتصعقين!…
إذ إنّه وهو ( الجبّار ) العادل
- المنتقم للضعفاء ولمهضومي الحقوق –
ينظر من عليائه ما يحيق بهم من مظالم،
ويكلأهم بعينه ويحفظهم من الطغاة البغاة،
وسيعلم الظالمون أيّ مُنْقًلبٌ ينقلبون!…”
* * *
وهنا…
خرج الزبد من شدقي الخطيب…
وتوتّرت أعصابه إلى الدرجة القصوى!
وتغيّرت سحنته إلى شكل مخيف!
وبدت عليه… دلائل الجنون المطبق!
حتى بات منظره يلقي الرعب
في أقصى الأفئدة الجبّارة!
ثمّ ألقى على الحاضرين نظرة، وقال:
” أيّتها الجماهير المتراصّة المصغية إلى خطبتي،
إنّ صديقي حاول – كما أسلفت القول – محاولات الجبابرة
كي يدخل ثانيةً… إلى تلك ( المدينة ) !
فلم يفلح مطلقاً!
رغم تلك التقارير التي استحصل عليها ، والتي تكذّب تقارير ( القنصل) المنقاد لرأي ( المرأة)
والتي لا تزال تقيم معه…
والآن ،
إنّني باسم الشعب!
أقول لك أيّتها الحكومة !
يا من تتبجّحين بقوّتك، وسطوتكِ، وعدلك، واحكامك!
وأنتِ أعجز من أن تستطيعي
إخراج أحقر مجرم أجنبيّ …
أصدقيني القول أيّتها الجبّارة…
أيّتها الحاكمة بأمرها…
هل تستطيع قوّاتك بأكملها
أن تأتي بهذا ( الأمر) البسيط؟!
كلاّ!
لا أظنُّ هذا بالإمكان!
إذاً،
طاردي المجرمين،
إضطهدي القتلة والسارقين،
أظهري مقدرتكِ على الفوضويين،
طهّري بلادكِ من شرذمة الفجّار والفاسقين،
ثمّ!… أبعدي قناصلك الأدنياء النفوس…
المتّخذين كراسي مناصبهم… لقضاء مآربهم!…
أمّا مطاردتك الآمنين الوادعين الصادقين!…
وأخذك بأقوال ( ممثّليك) السياسيين بعين الإهتمام والإعتبار،
رغم تأكّدك،
بعد الإستحصال على شهادات ( رسميّ’ ) تفنّد أقوالهم…
وتظهر غاياتهم النسائيّة… الوضيعة!
وإبقاؤك إيّاهم في مناصبهم يرتعون!…
ويرتكبون – عن طريقها – أحطّ الجرائم،
وأنكر المآثم والمحارم!
فبعملك هذا! تظهرين عجزك،
وتوتّرين النفوس عليك!…
ولكلّ إمرئ في هذا الكون يوم يأتيه!
فها هي الملوك قد ثُلّت عروشها!
ودُكّت حصونها وفُلّت جيوشها!
وخارت عزائمها، وانهارت عظائمها!
وتقوّضت دعائمها، وتوارت معالمها!…
* * *
إلى هنا إستيقظْتُ من حلمي الرهيب الغريب !
لا ، بل من هذا الكابوس المخيف العجيب…
الذي استولى عليّ طوال الليل!…
فنهضّت…وحمدّت اللّه على أنّه ليس إلاّ ( حلماً)!!
ولكن!…
هلْ حقيقة… أنّ للأحلام مغزىً،
كما يقولون؟؟!…
القدس1933
عجبت لأولئك الأذلاء الرعاديد الخاضعين
الخانعين أمام حثالات البشر ونفايات الدنيا
و زعانف المستنقعات،أولئك الوصوليين
الذين قادتهم الأقدار للجلوس على أرائك الأحكام
وهم مهازل الأيام. أما أنا ،فإنني أشمخ بأنفي على
أنوفهم المعفّرة،وقريباً سأدعهم يتذللون
أمام قدميّ وهم يطلبون منّي المغفرة لأنني لم أبعث
لأطيع بل لأطاع.
نعم لقد أرسلت كي أحكم سيفي في
رقاب أعدائي الأنذال،وسأنتقم منهم شر انتقام،
بلا هوادة ولا كلال،مما ستتحدث عنه الدنيا على
توالي الأيام و كرور الآجال.
المؤلف
أيها (الفضاء) اللامتناهي! هبني نعمة التحليق في فضائك الشاسع!
ويا أيتها (السماء) الصافية!…لله ما أروعك برحابتك الإلهية!
وأنت أيتها (الكواكب) السابحة في محيطك المترامي…ما أعجب أسرارك!
وأنت أيها (البدر) التائه الحيران!…تخطّر في عالمك البهي، وانظر إلى صغائرنا!
وأنت (يا أثير)،يا معدن الرقة واللطف!…طوّف بين السدم الغريبة!
وجوبي أيتها (الأرواح)!…في صعود وهبوط،وتأملي في هذه الأسرار!
ولينظر(جميعكم) إلى عالمنا الوضيع لتروا شدّ ما هو زخّار بالنقائص!
ولتوغل (الملائكة) في الإبتعاد عن عالمنا السخيف لأنه بالإثم والجريمة غائص!
ولتبوّق(الأرواح) الطاهرة بأبواقها الأزلية منذرة بواسطتها أبناء الأرض!
وليفكّ عقال(إبليس) الطاغية…كي ينشر الهول والذعر في أرجاء المعمور!
ولتخرج(الأبالسة) من جهنمها لتذيق زنادقة البشر طعم الآلام المريرة!
ولتطلق الحرية (للثعابين) الفتاكة كي تؤدب كل ذي نسمة وحياة!
وليعمّ(الخوف) والهول والرعب كل أبناء آدم وبنات حواء!
ولتندلع (نيران) الهاوية…بأشد عنفها وجبروتها!
ولتدك شوامخ الجبال المشمخرة فتنهار!
ولتفض البحار والأوقيانوسات…وجميع الأنهار!
ولتغرب الشمس! وليطو الليل!…وليندثر النهار!
ولتذو المروج والغياض!…ولتفن الرياض والأرباض!
وليعمّ الخراب الشامل هذا الكون الملعون الفاسد،وليمحق!
لأن البشر خاضوا في أوقيانوس إثمهم الشنيع وإفكهم الفظيع!
فالآن!…لم يعد في قوس الصبر منزع!
بيروت مساء 21/ ك2 / 1943
يا يوم (الإنتقام) الرهيب!
متى تأزف ساعتك الرهيبة العادلة؟
متى،يا صديقي، وخلّي الوفيّ،
ستقصّ لي من الخونة اللئام،والسفلة الطغام؟
متى، يا فارسي الوحيد، وكوكبي الهائم في مسارح الفضاء،
تنقضّ بصواعقك المنجلية الجبارة على رؤوس أعدائي؟
متى، يا سيفي العادل،
تحتزّ هام من غدروا بي، وخفروا ذمتي،
وأنا من كونتهم وخلقتهم خلقاً جديداً؟!
متى،يا سيف الإنتقام،
تهتزّ أمام أعين الجبناء المرائين الذين لم يصمدوا أمامي،
فأخذوا يطعنونني من الوراء؟!
متى يا إله الهول،
تدك ما ظنوه معاقل أمينة،
وتقوّض ما توهّموه ملاجئ حصينة؟!
متى،يا حبيبي،
تدني منّي تلك(الساعة) التي يبدأ منها (عهد مجدي) وهنائي؟
متى،يا من أتغنّى باسمك العذب،
ستلقي بدروسك القاسية على (ضفادع) الحياة،
و(جرذان) السراديب؟
متى، يا معولي القاسي،
ستبدأ في عملية النسف والتدمير؟
وهل (عهد) هذا ما يزال بعيداً؟
متى،يا شمسي المشرقة،
تبلّغني ما صرت أصبو إليه وأحنو عليه؟
متى، يا قيثارتي الممتعة،
أنظر ما سيحلّ بأعدائي من أهوال جسام؟
متى،يا أنشودتي الخالدة،
سأتغنى بنشيد الفوز المبين؟
متى،يا عندليبي الهازج،
تسمعني أغرودة (المنتصر الطروب)؟
متى،يا نبيّي،
تقرأ لي فصلاً من مزامير النبي داود؟
متى ،يا سيدي،
ستعفّي آخر أثر من آثار أولئك الأجلاف الجامدين؟
متى، يا سيد رغباتي،
تقودني بيدك العظيمة إلى حيث أشلاء أعدائي؟
متى، يا سيدي الجبار،
أنظر كواسر البراري،والوحوش الضواري
تعيث في أجسادهم، وتعبث بجيفهم؟
متى،يا إله الهول،
تريني نسور الجو وعقبان السماء
وهي تمزق جثث مبغضيّ؟
متى،يا أيّها الطاغية العظيم،
تدعني أسكر بتلك الكأس التي أصبحت لا تحيا إلا لها،
ولا أموت إلا في سبيلها ؟
آه! وأخبرهم يا يوم(الإنتقام)،
بأنهم لن يستطيعوا الإفلات من يديّ (الجبارتين)،
إذ سأسحقهم سحقاً،وأمقهم محقاً!
واصدقهم،يا يوم الإنتقام،بأنني ساعتذاك،
سأنكّل بهم تنكيلاً،وأمثّل بهم تمثيلاً!
وأعلمهم بأنني لن أنسى ما صنعوه معي من شرور وآثام
تهتزّ لها روحي المتألمة،كلما ذكرت أمامي،أو مثلت لمخيلتي
وأنبئهم أنني أنا هو من يطلقون عليه اسم:
الهول،الرهبة، الخوف، العب،
الجزع،الجبروت، الإنتقام…
ثم الإقتصاص منهم.
وبلّغهم،يا يوم الإنتقام،أنهم لو تعلقوا بالسحاب،
لما استطاعوا مني نجاة،
وأنني لن أدعهم في قيد الحياة.
وشلّت يميني،أيها الأوغاد الأنذال،
إن لم تنفّذ أرهب انتقام عرفته البشرية بكم!
والويل،ثم الويل لكم!
واعلموا أن من غدرتم به سيفتك بكم.
ومن له (اليد البيضاء) على (أرواحكم) القذرة،
سيعود فينتزعها انتزاعاً ويجتثها اجتثاثاً.
إي، أها الأوغاد اللئام!
يا ليتكم لم تشهدوا نور هذه الحياة،
بل ليت (الأقدار) لم تصل أسبابكم بأسبابي،وعذابكم بعذابي!
وآه! كم سيكزن انتقامي شديداً رهيباً!
وغداً ،غداً، سيتمّ ما ذكرت.
فاستغفروا الله،قبل انقضاء حياتكم التافهة الحقيرة.
سوق الغرب (لبنان) 5 آب 1936
نأتي الى هذا العالم باكين معولين، ونغادره باكين معولين. فواها” لك يا عالم البكاء والعويل
الدكتور داهش








