قصصُ غازي
قصصٌ بأقلامٍ مُختلفة تُكتب بمداد الاختيار والمسؤوليَّة الذاتيَّة ، تُعبِّرُ عن فصولٍ مُتتالية في رحلة التطوُّر الرُّوحيّ. يجمع بينها الإيمان.
قصصٌ وحكايات
النجوم تتلألأ بكامل ألقها وكأنها جواهر فريدة، ففي هذه الليلة المتوهِّجة سيختار الأولمب ملكة له.
من هي هذه الآلهة الأكثر جمالاً؟
المقارنة صعبة، فجميع الآلهات خارقات الجمال إلاّ أن فينوس هي التي تفوز بضفائر الغار فجمالها وفتنتها لا مثيل لهما ولا جدال في انها هي الأجمل.
فينوس، فينوس، لماذا تُخبئين هذا القدر من العذوبة؟ تألقي وأشعِّي روعة من وهج هذه العوالم فأنت أجمل الآلهات طرًّا. عطر جمالك يُضمخ الأكوان، وجميع الكائنات السماوية والأرضية يقدمون لك تعبُّدهم ويرفعون إليك بخور حبَّهم فيصعد في الجو ليكون في حضرتك.
إن يدًا ماهرة مقدَّسة صاغتك كغزالة مُثيرة للاعجاب والتقدير، ومن أجل أن تكرس جمالك الفريد فهي تدعوك لزيارة العوالم. ستشعلين النيران التي ستُلهب النفوس التائهة. أنت ربة الأولمب التي يتخشع الجميع أمام حُسنك وجمالك.
تستجيب فينوس للدعوة وتروح تجتاز الأخدار والمطارح السماوية في مركبتها الملكية.
كم هي خلابة هذه الرحلة العجائبية! الفراديس تتوالى بديعة دائمًا، يعجز اللسان عن وصفها. والآلهة فينوس تتلألأ وتبث القلوب أشعتها المُحيية التي تتنازعها الآلهة بكثير من الغيرة، فها هم فولكان(1) ومارس2 وهرمس3 وبأخس4 والعديد غيرهم يتلهفون للقاءها، وتتعدد في قلوبهم نيران الحب والوجد فقد أيقظت لديهم هيامًا قدسيًا جارفاً:
وراحت مركبتها التي تقودها طيور عديدة، طواويس ويمام وسنونو ومعها طائفة من الاوس، وترتفع بها متوجهة صوب المياه وسافر الموكب على صفحة البحر والأمواج تحتضن فينوس بلطف.
أما هي وقد انتشت بذلك اسلمت نفسها للهوها المُحبَّب.
وها نبتون رب البحار قد حضر لاستقبال الملكة الفريدة ترافقه حاشيته الملكية، ثم راح عالم البحار يعرض جمالاته تحية للآلهة العجائبية. وتوافدت عرائس البحر وحورياته ورحن تقتربن من فينوس يمعنّ النظر إليها، وحفت بها رفوف الأسماك بحراشفها اللامعة تحت أشعة الشمس، وراحت مياه البحر تتموج وتقوم بانحناءات الترحيب.
وغمرت نبتون مشاعر السعادة والاعتزاز بزيارة فينوس فأثار الأمواج وحرّكها فإذا عالم البحار في فورة الابتهاج لهذا الشرف العظيم، فأقام لفينوس عيدًا وأصعدها إلى قصره البحري، قصر بُنيَ بالحجارة الكريمة الشفافة، المُتعددة الألوان، وأنار حزم الضوء أسفل المياه.
كانت فينوس تبتسم، فاشتهاها نبتون ففتنتها ساحرة ومن ذا الذي لا يدلل ويعشق الهة على هذا القدر من الجمال والفتنة؟
نعم، فهي نجم أدخل النور والبهاء على حياة نبتون، وشمس ترسل أشعتها مضيئة متوهجة في عالمه البحري. لم يُردْ نبتون وقد توله بحبها أن يفترق عنها، فغمرها بعطاياه وَحرص على تلبية كل رغباتها.
إن تفاخرت فينوس وعانقت المجد فقد حُقَّ لها، فهي محبوبة الإلهة ومعبودتهم، غير أنها لم تقم بزيارة الأرض بعد.
بدأ اليأس يتغلغل في كيان نبتون فمحبوبته ستهجره. بكى بمرارة وزرفت عيناه سيلاً من الدموع فتحولت كل واحدة منها إلى موجة ضخمة تستطيع ابتلاع كبيرات السفن.
ويضرب الإله بشوكته مياه البحر بشدة، ويتفجر غضبه. وبألم شديد يسجن نبتون فينوس في قصره. إنها الآن سجينة اله البحار.
إنها تتألم وتتأوه. حزنها لا حد له، هي التي كانت على مر الأزمنة تنشد الحرية. وتلوح في الأفق بارقة أمل، فمن بين الأصداف الموجودة في قصر اله البحار، ارتَضتْ صدفة أن تحمل فينوس في جوقها وتذهب بها إلى الحرية، وهكذا تمكَّنت الإلهة من مغادرة القصر غير مُتناسية كبر العقوبة الجزاء اللذين ستتعرض لهما هذه الصدفة البطلة التي حملت الالهة عبر الأمواج التي كانت كل منها تحمل الصدفة وحملها الثمين إلى رفيقتها حتى أوصلتها إلى شاطئ مشمس من شواطئ جزيرة يونانية اسمها اليوم قبرص.
وانفرج فاه الصدفة وبرزت منه عروس سماوية. هكذا كانت ولادة فينوس على الأرض. كرمتها الشعوب وقدمت لها الهدايا من أوراق الآس والريحان، من الورود وأنواع الزهور التي كرَّست منذ ذلك الحين لعبادتها، ووضع عليها غطاء من بتلاث الورود العطرة إلى أن أحضرت لها مركبتها وزنارها السحري الذي يسبغ عليها الرشاقة والجمال.
في ذلك اليوم صب نبتون حقده وغضبه فلم يسبق للبحر أن كان في مثل هذه الثورة وهذا الغضب. وراح اله البحار ينتقم من الناس المساكين الأبرياء. فكم من الصيادين والبحارة كانوا ضحايا غضبه وهياجه، إلى أن أرسل جوبيتير، إله الألهة، رسوله ليهدأ ثورة الغضب هذه.
وأنت أيتها الصدفة المسكينة، يا من قدمت حياتك تضحية “للآلهة فينوس، فكان لك الأكرام والاجلال مُكافأة من أناس ذلك الزمن الذين قدموا واجب التكريم والتبجيل للهدية الغالية التي حملتها إلى موطنهم، إلى الأرض.
1 – فولكان، في الميتولوجيا الرومانية هو اله النار والتعدين، هو الاله هيفا يستوس لدى الأغريق. هو ابن جوبيتير وجونون. تزوج من فينوس التي خافته مع الآله مارس.
2 – في الميثولوجيا اللاتينية هو اله الحرب والنبات اسمه آريس لدى الاغريق. حسب التقليد الروماني هو ابن الآلهة جونون ووالد روميلوس وريموس اللذين ولدتهما ريا سيلفيا، كاهنة معبد الالهة فيستا.
3 – هرمس هو استنادًا إلى الميثولوجيا الاغريقية ابن الاله زوس ومايا، وهو رسول الالهة والناطق بلسانهم، وهو الساهر على سلامة التجارة والتجار والمسافرين وأيضاً اللصوص، أسماه الرومان الاله ميركور (عطارد)
4 – باخوس، اله الخمر لدي الرومان. هو الاله ديونيسيوس لدى الاغريق.
5 – نبتون، اله البحار لدى الرومان، هو نفسه بوسايدون لدى الاغريق.
الفيروز اسم أزرق ينشد سحر السماء الزرقاء، السماء المُتألقة بأشعة الشمس.
الفيروز نشيدُ أحد النجوم وغناؤه الطاهر يصعد إلى الأعالي، إلى أعلى الأعالي نحو مطارح صعبة المنال.
الفيروز عندنا حجر ثمين وهي في عالمها قيمة ال تقدّر لأنها روح ثاقبة النظر إلى أقصى الحدود.
الفيروز شمسٌ لونها بلون الجوهرة الساحرة، شمسٌ تنير عالمها الأزرق.
هي نفسٌ زُوّدتْ بالأمل وبالحلم، مزدانة بعيون مُتوقدة تراقب بها بعض العوالم التي هي مسؤولة عنها. عملها لا يتوقف فهي أشبه ما يكون بالنحل يجني شهده بلا كسل.
وتتوالى القرون دون أن يُضِرعبء الزمان بالمملكة المكونة من ستة كواكب تحكمها ملكتها فيروز وبيدها الصولجان.
وتنبعث من عيون فيروز العديدة أشعة من نار هي الروابط التي تجمع بينها وبين نجوم مملكتها، وبواسطة هذه الأسلاك النورانية تراقب فيروز جميع عناصر مملكتها فالانوار تسجِّل أدق الأحداث التي تجري في هذه الكوكبة من النجوم.
هذا هو أسلوب حياة فيروز، قصرها نجم أزرق، تحيط بها الأشعار المنظومة في هذه الأمكنة الساحرة. الجمال بحد ذاته قصيدة، أغنية حب، لا بل تقدمة وقربان يرفرف ويضوّع كغيمة من بخور.
والآن يا فيروز، دعي عيونك تلج كياني وتتحدث إليَّ. لتكتنه عيونك، جواهر النور المشعّ، أسرار ذلك الكون البعيد واكشفي لي، أجل اكشفي لي أسرار العالم الآخر. أنا أنتظر. لكن وأنا أشاهد سماءنا أدرك أن فيروز هي التي تمنّ عليها بلونها، فهذه هي إحدى المهام المُلقاة على عاتقها حتى حلول زمن أفولها، عندها لن تخلِّف فيروز ورائها سوى الظلمات، وهذا ما جنته الأرض على نفسها.
الذكرى ال 37 لإعلان الرسالة الداهشية
لم يكد فجر العام 1942 يفتح جفنيه حتى أطلقت الشمس الحرى سهام نورها الذهبية على العالم المُستغرق في النوم وأيقظت الحدائق من خدرِ الشتاء وخموله.
ولدت البراعم واكتست الأشجار شيئًا فشيئًا بحلّة خضراء، وانبسط فراش من العشب الأخضر على السهل حيث تناثرت الزهور هنا وهناك واسبغت البهجة على المروج بألوانها المتعدِّدة. وغنت الطيور هذا الصاج البهي أنشودة السعادة، فقد حلَّ فصل الربيع ساكبًا الحانة وأناشيده المختلفة دفقات ملؤها الدفء والحياة.
اليوم يهبّ النسيم العليل يُداعب الطبيعة الجميلة بلطفٍ وهو يدندن أنشودته، ويلف هذا الجمال بكل محبّة ويوشوش قائلاً لاصدقائه:
أنا اليوم آتٍ من البعيد البعيد. لقد شهدت في السماء البعيدة ولادةً نجم. إنها نجمة صبح جديدة تبشر بولادة الرسالة الداهشية.
يا الله! هتفت الأشجار والأزهار، جوقًا موحدًا. وباهتمام زائد، أوقفت أفواج الجداول جريها وأصاخت السمع، وكذلك فعل جميع سكان الحدائق. أجل، أجل تابع النسيم العليل قائلاً: ألم تعلموا بعد؟ رسول الاله حلّ! على الأرض، واليوم تبدأ رسالته مع الأول من الربيع، ويلمع نجمه في الجلد الأزرق؛ إنها السنة الداهشية الأولى.
أصبحت الأزهار أكثر جمالاً وتألقًا تحت نجمة أبولون وقالت: “من الذي أخبرك بذلك؟.
آه، أجاب النسيم العليل مُتعجبًا، ما تحسبنَّ أني أكون؟ أنا لدى جناحان، وفيما أنا أحلّق بالقرب من الكواكب، شاهدت نجمًا جديدًا يتألٌق، فاقتربت منه قائلاً، أيها النجم، من أين أنت أتٍ؟،
فأجابني، لقد ولدت الآن، أنا من نجوم الدكتور داهش، أب الداهشية، سأتوهَّج دائمًا من أجله، إنه رسولٌ إلهي.
أنا أمثل العام الأول من حقبة جديدة وسأكون في الزمن الآتي منبعًا لعقيدة جديدة ستنتشر في العالم منذ الآن.
ثم ابتسم لي وهو في أبهى ما يكون من الروعة، ولفّني بشعره، بخيوط من الضوء وأضفى عليَّ حلّة من جماله الصارخ.
وهكذا، أخوتي وأخواتي، يا من تعشقون الأرض، أنا أدعوكم إلى الفرح، إلى البهجة. فلنمرح ونحتفل بالحدث السعيد، فقد ولدت الرسالة الداهشية.
عندئذ احتفلت الطبيعة، طبيعة هذا الفصل الجميل المُزدان بالأزهار وأحيت العيد الأول للرسالة الداهشية بسعادةٍ لا تُجاريها سعادة. وبزغ فجر الدكتور داهش في الأفق، في السماء الأرجوانية، ولكي يلقي التحية على الأرض، انسكب شلالات من الضياء.
واليوم، إنها السنة السابعة والثلاثون من عمر الرسالة الداهشية التي أطلقت أولى بشائرها.
شاهدت في سماءٍ بزرقة الليل سبعة وثلاثين نجمًا كانت جميعها تتألق في الفلك. وكانت النجوم ترقص غبطة وترسل دفقات من الشمس، وتتقدم جنبًا إلى جنب حتى تشكل في نهاية المطاف عبارةُ داهش حتى الأبد.
ملائكة الحب لهم عالمهم. هم يُحبون اللهو واللعب بفرحٍ كل حسب صباه وطيشه. الجمال والصفاء يسودان في عالمهم الفردوسي الأبيض الذي هو انعكاس لبراءة نفوسهم. عالمهم شبيه بزهرة بيضاء نورانية، عالمٌ ضبابي الكيان تحسبه غيمة خفيفة.
الملائكة الصغار هذه ترفرف بأجنحتها وتحلِّق في مُستقرها من بتلة إلى بتلة، وتهتز جنيحاتها مُحدثة في الهواء أصواتًا موسيقية الجرس، تحيط بها طيور فردوسية الرياض وتدور حولها بفرح. وفي بعض الأحيان يقوم أحد هذه الأحبة بالاختباء تحت غيمة من العطر، ويطل براسه الطفولي بشعره الأشقر المعقوص وكأنه مُستحمٌ بأريجٍ سماويّ.
آه! هل من أحد لا يتمنَّى المقام في جنَّة العدن هذه حيث الخبث منبوذ؟
كل من ملائكة الحب هؤلاء، لديه مل جعبته سهامٌ مسحورة وينصرف كل منهم إلى لعبته المُحبَّبة. لقد دربهم كيوبيد على هذا الفن، وكان الجميع تلامذة مُطيعين يصغون بانتباه لمعلمهم، وكم من الأشخاص كانوا ضحايا لهم، أصابتهم سهام الحب التي لا ترحم.
هل هناك من خيارٍ حيال مشيئة القدر الذي يلهم هؤلاء الأطفال في ألعابهم؟ هم يلهون على هواهم. لا شيء يعكّر صفوهم وعذرهم في ذلك براءة صباهم. ها هم الآن ينخرطون في عملهم.
هناك في سقيفة بسيطة تعيش عجوز بشعه؛ فقيرة ومتسولة، قبيحة وعازبة، نفسها طاهرة وجميلة غير أنها غالباً ما تكون حزينة في وحدتها. ويعيش قبالتها في مسكن له سيدٌ شابّ جميل كأبولون! وفي أحد الأيام، كان الأحبة الصغار يجولون بأنظارهم في أرضنا الشريرة، فرأوا المرأة العجوز في مأواها وقد أثقلت السنون كاهلها وحنتْ ظهرها، وقبالتها رأوا الشاب وهو يبدو كأمير من أمراء ألف ليلة وليلة. قام أحد هؤلاء الملائكة، مُستهتر ولعوب، قام برمي سهامه فأصاب قلبي المرأة العجوز والسيد الشاب نزيل القصر.
هذه بالحقيقة قصة تثير الدهشة إذ أن الشاب راح لتوّه يدنو من المرأة الذابلة المحدودبة يبثها لواعج حبِّه لها ويذوب هيامًا بها في حين أن كل شيء ينبغي أن يباعد ما بينهما، فما من شيء يجمع بينهما.
لكن ويا للأسف، فقد اصابت سهام الحب قلبيهما وما من شيء يحول دون حصول هذا الأمر، فيطلق الحبيبان العنان لعواطفهما وملائكة الشيروبيم السماوية يتسلَّون بمزاحهم وهزلهم، وراحت باقات من الرؤوس الطفولية تطلُّ من نوافد الفردوس وقد اعتراها الفرح والبهجة لرؤية هذا المشهد.
أيها الصغار الخبثاء، الم يكن من الأجدر بكم تجنيب العجوز المسكينة هذه المهانة؟ وكان الصغار على سذاجتهم وعدم مبالاتهم يضحكون لكل قبلة يتبادلها هذان العاشقان. أوليس الحبُّ بأعمى؟
غير أن المرأة المسكينة قضت نحبها فجأة من فرط سعادتها، وأسلم الشاب روحه من شدة الأسى والحزن عليها. عندئذٍ هبَّ الملائكة الصغار وراحوا يقودهم شعاع من أشعة الشمس صوب هذين الشخصين الغريبين، فحملوا أنفسهما على أجنحتهم الرقيقة وسلكوا طريق العودة وهم ينشدون أناشيد الترحيب.
ويهتف صوتٌ مُفاجئ:
ها قد التقى قلبان أحبّا أحدهما الآخر منذ البدء وسيظلاَّن يحبُّ واحدهما الآخر على الدوام، فلا شيء سيفرق بينهما أبدًا، لا المرض، لا التجاعيد، لا الشيخوخة، لا الفقر ولا الغنى. لقد جمعهما الماضي وها الحاضر يوحدهما من جديد وإلى الأبد. النفوس لا تعرف الشباب ولا الشيخوخة فهي موجودة منذ الأزل.
إنه ليومٌ مضنٍ! الغيوم الكثيفة توشّح السماء بلونها الداكن، ويزداد الإحساس بحرارة السلاح. الأرض القاحلة جافةٌ تتفسّخ تحت الأقدام، وأوراق الشجر الميتة تتراكم أكوامًا كأنها أعدت للإحراق، والزمن يحمل التهديد والخطر. وتمرّ أيام تلو أيام. الجفاف في هذه البلاد حيث الطبيعة القاسية، الصلبة يجتاح المزيد من الأرضي والمناطق.
وتتلقى الأدغال والجبال والسهول النتائج الرهيبة التي يخلفها المناخ الثائر البغيض. الحيوانات توشك أن تموت عطشًا، المجاعة تنتشر وتمتد، الأشجار تتعرى من أوراقها، النباتات تحتضر وغالباً ما تُدفن لتعود فتنبشها أقدام الحيوانات بحثاً عن كلاءٍ تتبلغ به.
كل ما به نأمة من حياة يرنو إلى الخالق المُبدع راجيًا عونه ونعمته.
لماذا يعاني العالم من الجوع؟ لما هذا العذاب الجهنمي؟ لما هذا الألم وهذه المُعاناة؟ لماذا هذا الكرب وهذا الاحتضار البطيء الذي ينزل بعالم الحيوان والنبات؟ إن شكواها غير مسموعة لكنها على أي حال تخترق أجواز الفضاء وتطاول الغيوم.
الغيوم تحجب وجه السماوات وتشكل عالمًا قائمًا بذاته له استقلاليته، ولديه حرّية انتاج المطر أو الطقس الجميل، وحرّية ري الأرض أو عدمه. لا أحد اليوم يعترف بفضل السماء ويقدِّر كرمها. لذا راحت الأرض تتحول إلى صحارى، فقد تناست الكائنات وجود الله وإحسانه.
لقد منّت علينا العناية الإلهية بالماء، هذا الإكسير المقدَّس، منذ أن ابتدأت الأزمنة. لكن الأمل يستفيق كل صباح وسط المجاعة والجفاف ينتظر ويتلهّف لقطرة المياه التي غدت معبودة على الأرض.
وذات يوم شهدت أمرًا لا يصدق، فقد دوى صوت رعدٍ وانقسم عالم الغيوم فوق رؤوسنا إلى معسكرين الغيوم البيضاء والغيوم الداكنة واشتعلت حرب شعواء بينهما وراح المعسكران المُتخاصمان والمزودان باسلحة ٍغير مرئية، راحا يقتتلان باندفاع وحماسة. وانطلقت بروق والسنة لهب جرّاء احتكاك الشفار، وتشكّلت جيوش نظامية من المُشاة ومن الخيّالة وتزودوا بكامل العتاد، ودوّت أصوات المركبات كالرعد وهي تسير واتخذت كل غيمة شكل جندي أو خيّال أو جواد، أو شكل قطعة من سلاح. شعبان يتجابهان بشراسة. شعبان من غيوم يكونان لأنفسهما نقط عالمًا يحاكى أرضنا من حيث الكبر.
وكان المحاربون الذين يسقطون في المعركة يتحولون إلى مطرٍ لكي نرتوي نحن هؤلاء المحاربون، الشهداء من أجل قضيتنا كانوا يريدون مساعدتنا بأي ثمن فيضحُّون بأنفسهم لأجلنا، في حين كان أعداؤهم يريدون إعادة الخصب إلى أرضنا القاحلة. إلاّ أن طيبة هؤلاء المحاربين لها حدودها، فهم حين يدركون أن لا أحد يقدّر تضحياتهم وإحساسهم سيصلون إلى قناعة بأن لا أحد في هذا العالم يستأهل عطايا الله وإحسانه عندئذٍ سيتوقفون عن ذرف نسغ إحسانهم.
المجاعة بليّة الاله، ستسود من جديد ومن كل مكان. فالزوال مصير كل من تدبّ في أوصاله نسمة حياة بشر، حيوانان أو نبات، لأن الغيوم ستكون قد غادرت سماءنا، ستجتذبها أماكن أخرى أكثر حلمًا واعتدالاً، وإلى كواكب أكثر استحقاقاً لعطاياهم. هناك ستكون الغيوم بيضاء ولن تعود إلى الحرب مجددًا، لأن النجم، موطنها الجديد، لن يقيم فيه سوى المُحقِّين العادلين.
ما هو هذا المعدن الثمين؟ من أين هو؟
إنه معدنٌ مُبارك لكنه ملعون في آن معًا!
كم من مرة كنت أيها الذهب هول الليالي!
كم ارتكب باسمك من جرائم!
ما أصله، ما مصدره حتى يجمع في ذاته جميع الحسنات وجميع السيئات؟
هو كائن منذ ولادة الكون، عالجته أياد متشنّجة، واشتهته عيون تائهة، أصبح هذا المعدن معبود البشر ولأجله ارتُكب العديد من الجرائم. ترى هل سنكتشف يومًا علّة وجوده؟
أجل، اسمعوني جيّدًا!
لكل شيء في هذا العالم السفلي علّة وجود، ولكل سؤال جواب.
فالذهب الذي اصبح للأسف مرتكز الحياة في هذا العالم، كان هو بذاته عالمًا بعيدًا تتوهَّج وتتألق فيه الوف من الأنوار وألوف من الشموس الذهبية. عالمٌ كلّيّ الجمال والبهاء. كان موضع اشتهاء من جيرانه الذين كانوا أصغر منه. كانوا يُعجبون به من بعيد ويرغبون بثرائه وروعته وإشراقه الذي يحاكي تالّق النجوم الكبيرة. كان اسمه “ذهب”.
لم يكن “ذهب” ذلك المعدن الثقيل الذي يقاس بالأوزان بل كان مادَّة مجهولة بالنسبة لنا، خفيفة كخفة ندائف الثلج التي بلون الشمس. كان هذا الكوكب أرضًا مُباركة مأهولة بشموسٍ صغيرة هي مصدر الذهب، المعدن الثمين. أكمام الوفرة كانت تزهر وكانت الأشجار ملأى بأجراس التبر التي تتارجح في الهواء وترنّ رنينًا جميلاً، وشلالات الضوء تتدفّق من كل صوب على الجبال بلا انتهاء وعلى الوديان.
كانت حوريّة رائعة تملك على هذه الثروات. كانت الشموس مركبتها كلما أرادت الارتحال في أرجاء السماء التي هي مسؤولة عنها، وكان معاونوها في مسؤولياتها الكبرى كائنات شفافة اشبه بالسيَّالات النورانية، ويكنُّون لملكتهم محبَّة تُحاكي الشغف ويؤدون بكل إخلاص ما توكله إليهم من مهمَّات يروحون بعدها يمرحون في المروج المكسوّة بالزهور والنباتات ذات الأزهار الذهبية، فيعانقونها ليرقصوا معًا رقصة الهة الرقص “تيربسثيشور”، وينشد جوق من الطيور المتعددة الألوان ايقاعًا يقود خطوات الراقصين الذين يتنقلون بحركات دائرية، وأجنحة ترفرف ناظمة ألحان تضبط أوزان الرقص. وكانت تسمع زغردات وأغاني عشق تفوق بجمالها وروعتها الحان الموسيقيين العظام الذين نعرفهم. أجواق النحل تطنّ وتوقع رقصًا دائريًا وتمتصّ شعاعات النجوم، اكسير الذهب لأجل الآلهة، والأنوار المُتألقة تتأتى من كائن كلّي السموّ.
الله يمتحن سكان العوال غير الأرضية ويمتحن الأرواح كما يمتحن الإنسان على الأرض. امتحن الملائكة الذين هوَوا حتى بلغوا الدرجات السفلية، امتحن آدم وحوّاء اللذين طردا من عالم الفردوس.
ما سر هذا الكوكب المُهيب الذي كان فيما مضى يزداد روعةً ويتألق في الفلك ضاع واختفى وسط فوضى جهنمية. في الكواكب غير الأرضية تسود قوانين على ساكني هذه الكواكب التقيد بها. وكان عالم الذهب الشديد الغني يوزع عطاياه ينير النفوس ويحييها. إلا أن الله وضع نجمًا مهيبًا في وسط هذا الكوكب مرددًا على أهله وصاياه:
لا تلمسوا هذا النجم إطلاقاً، فالويل ثم الويل. أفيدوا إذا شئتم من جميع الشموس الأخرى، ليس هذا النجم والوصيّة هي الوصية، لا مَرَدّ لها.
ويتوالى الزمن الجميل غير آبه بالساعات لا ولا بالأيام والغبطة في كل مكان حتى ذلك اليوم حين استبدَّت الحشرية بواحد من السكان، طموح وطماع، فارتقى خفيةً في مركبةٍ نحو النجم المشعّ رغبة في الاستيلاء على ثرواته الهائلة.
ما الذي سيتوّج بطلنا هذا؟! أهو الذكاء أم هي العظمة أم المعرفة؟ وللأسف الشديد كانت الصدمة مُرعبةً، حلّت كارثة عظيمة جلبت معها العديد من الكواكب، والنجم البديع الذي أبدعه الله تكسّر بطرفة عين مكأنهُ من زجاج، ودوّت صاعقة هائلة، مُخيفة اخترقت السماوات البعيدة بأصداها، وتفتت عالم الذهب وتناثرت ثرواته نتفًا نتفًا في جميع العوالم الأخرى واستقرَّ بعض من جزيئاته على كوكبنا فوجدها الإنسان بحدس غير مسبوق.
هذه هي قصة معدن ثمين صار مصدرًا للتعاسة والبؤس. اسمعوا هذه الأسطورة جيّدًا ولا تنسوها البتّة فهناك نهاية لكل شيء خاصة البهجة والحبور.
كان هناك صخرٌ مرتفع متربعًا على أعلى الجبل مُفاخرًا بموقعه. كان فخورًا بتعاليه على الجبال والوديان.
كان ينقل نظره في كل مكان، وتتوقف عيناه الثاقبتان لتشاهدا جميع الآفاق. كان يغضب أحيانًا وأحيانًا يعود طيّبًا ويقظًا، غير أن الصخر يبقى صخرًا. كان دائم الرصانة ويستمدُّ قوة من موقعه الاجتماعي، إذ أنه كان يتناهى له أنه ملكٌ يدير شؤون امبراطوريته يحيط به اتباعه يحفظونه داخل إطار من الصخور الألفية السنين.
كان حضوره المُبجل يرتسم على المرتفعات والأعالي تاركًا خياله بارزًا على السماء، السماء التي كانت تعكس ألوانها المُتعدّدة. كان يوزع نظراته دون كللٍ أو مللٍ على الجهات الأربعة يراقب الرياح الاربعة تمرّ من أمامه. كان يتحدّاها بصموده في هذا المكان: أنا لا أتحرك من موقعي، أنا ضجر ثابت لا أتزحزح. أنا أهزأ من رياح الكون فما الذي تستطيع فعله حيالي؟
نعم، الرياح الأربع تهب، تهب ولا تمسَّني إطلاقًا! إنها تمر الواحدة تلو الأخرى تخبرني بأحوالها وما تمر به من تحوّلات إذ أنها دائمًا في ارتال وهبوبها بسرعة النور، وهي تسجل على دورتها قصص العالم وأحداثه. تحب الرياح أن تكون حسنة العشرة فهي تروي كل ما يبدو لها خارجًا عن المألوف، وتصبح وشوشاتها لغة عند مرورها بي، أنها حقًا كثيرة الكلام.
****
صخرنا هذا، المنتصب على قاعدته بثبات، يغلب عليه الحزن، فعدم قدرته على الحركة أمر يقتله سأمًا! غير أنه شديد الارتفاع مُمتنع على بني الإنسان وهذا كما يؤكد يجعله سعيدًا مطمئنًا في وحدته هذه.
إنه ها هنا مستقرٌ ثابت بين الرياح الأربع، والشرق والغرب كما الشمال والجنوب تشكل له إطاراً جميلاًّ وتتواجد حوله الرياح وتتلاقى فهو بالنسبة اليها مكان المواعيد، وهي تبدي فرحها بذلك وغالباً ما تستوضح الأمور من الغيوم التي تجيبها برذاذ أو بزخات غزيرة.
الصخر صخر دائمًا لا تستطيع الإمطار اختراقه ولا تقلُّبات الطقس ، غير أنَّه يوماً بعد بوم يبدو مُتقدِّماً في السن. سيصبح شيخًا جليلاً لكنه من صخر، وقليلاً قليلاً يروح يتفتت. الصخر ذو العينين الثاقبتين يشيخ، يصير عمره مئات السنين وهو يخفي أسرار ذلك في أعمق أعماق كيانه.
الرياح تحبه فهو رفيقها منذ بداية الكون.
أيها الصخر الشامخ شموخ الجبال لك قلبٌ رقيق يتفتت رويدًا رويدًا مع أنك تبدو مُمتنعًا عن الآخرين، إلا أن شيئًا لا يدوم في هذا العالم السفلي، فالعالم نفسه سيختفي محمولاً على أجنحة الرياح الاربع.
هنالك في الف البعيدن تسكب القمم المُضيئة ظلالها المقدَّسة حتى تستطيع أن تتملَّى من روية وجهها على صفحة محيط رائع وترسل تحياتها إلى العزَّة السماوية الكائنة في عالم هو عالم المعرفة، فهو يشتمل على اسرار معرفة وتبحر لا مثيل لهما.
هذا الكوكب الهائل الذي لا حدّ له شبيه بشجرة ثمارها نجوم، وكل ثمرة منها كتاب علمّي أو أدبي. العِلم هناك لا ينضب بل يتجاوز إلى حدٍ بعيد ما تنعم به الكواكب الأخرى من المعرفة، إذ أنه على علاقة مباشرة بالشجرة المحورية الرئيسة.
إنه عالم اشبه ما يكون بأرزة باسقة، أغصانها ممتدة نحو الجهات الرئيسة ومتَّجهة نحو الآفاق وهي مُثقلة بالكتب والمخطوطات التي لا حصر لها فتنحني لثقل ما تحمله من نجوم الثقافة والمعرفة. المعرفة في هذا المكان الساحر هي الخبز اليومي ولا همَّ للنخب فيه سوى بلوغ حد الكمال بثقافتها.
المُصطفون السماويون المُقيمون عند هذه الشجرة ينعمون بغبطة أبدية، فإذا أضرّ بهم الجوع، يقتاتون بجواهر السماء السحرية فيشبعون ويزدادون معرفةً. ونظرًا لاتساعها الذي لا حدَّ له، فإن المئات بل الألوف من السنين ليست بكافية ليأتي سكان هذه الشجرة عليها بكاملها، فهم يشبعون شهيتهم لزمن محدَّد، فعندما يبتلع القارئ الكتاب، هذا هو أسلوب القراءة هناك، إنما هو ينعش الحروف في ذاته إلى الأبد من الكلمة الأولى والصفحة الأولى إلى نهاية المخطوطة أو الكتاب، فهو يسكب في كيانه ما اختار من الثقافة من أطباق شجرة المعرفة اللذيذة، الشهية. والعلاَّمة المتبحِّر في ضروب المعرفة الذي يستسيغ القراءة ويتلذَّذ بها، تزداد قامته وقوام جسمه.
هنا تتصرَّم الأعوام بسرعة البرق فلا نشعر بها كيف تنقضي، فهي أشبه بغيوم عابرة. وبعد العديد من القرون يكون ساكنو هذا العالم قد فرغوا من قطاف جميع الثمار التي كانت تحملها الشجرة العملاقة لتقدمها لهم.
وهكذا يتحول هؤلاء الكائنات المُحبَّبون إلى الله إلى علماء لأن الله لقَّنهم المعرفة الإلهية فكل واحد منهم وكلما انصهرت فيه نجمة من نجوم العلم يكبر ويتعاظم حتى يُحاكي شجرة المعرفة ضخامة.
سيأتي زمن يكون كل مُقيم في هذا العالم الساحر قد بلغ حدَّ الشبع والكفاية لأنه حصل على كل ما يحتاج إليه من أطباق هذا العالم الشهية. عندها ينفصل كل واحد من رجال الله هؤلاء ليصبح بحد ذاته كوكبة من النجوم والأنوار تضم في أعطافها الحقائق وأمهات المعرفة الأساسية التي تُسْتَمدُّ من الله مباشرة وهكذا يمكننا القول بأن النجمة الأم قد أنجبت أبناءً مماثلين لها، ربتهم في أحضانها وغذتهم من معرفتها لتجعلهم على صورتها ومثالها.
أما في عالمنا فيعاني الناس من الجوع، من العطش ويمزِّق أحشائهم بؤس هذه الأرض. أما هناك في مساحات الضوء يتمثَّل الجوع بالحاجة إلى اخضاع النفس وتهذيبها من أجل تحويلها إلى نجم تسود فيه المعرفة وتفرض قوانينها. غير أن هناك غشاءً صفيقًا يحجب عنا هذا السرِّ الكائن منذ الأزل.
شجرة الله هذه تؤتي ثمارها مرّة بعد مرة كلما تمّ الجنى وجمع الغلال حتى يتسنَّى للمُقيمين الآخرين الإفادة من المعرفة التي يريد الله اعطاءها لهم. والروح الإلهي كائن في الشجرة المُتألقة التي تنير السماوات جميعًا.
ذات أمسية صيف، أوان الغسق، كانت الشمس قد احتجبت خلف الأفق مُخلِّفة لونها الناري على الغيوم. كان شاطئ البحر مقفراً عندما راحت الأمواج تنطلق متتالية وتتكسر على الصخور ناثرة زبدها الأبيض.
كنت آنذاك أتنزه سعيدة في وحدتي، أتأمل بكثير من الإعجاب أعمال الخالق التي لا مثيل لها. فجأةً برزت صخرة فوق المياه تحاكي الجبل ضخامة وهامتها تعلو فوق البحر، وكانت شابة جميلة شقراء لا أعلم من أين أتت جالسة هناك على قمّتها. كان شعرها الطويل المّذهَّب المُضمّخُ بعطرٍ عذبِ الرائحة يغطي جسدها الذي يحاكي أجساد عرائس البحر. لم تكن هذه العروس فرحةً. كانت تغمر وجهها الجميل مسحة من الحزن والأسى، وتنهمر لآلئ الدموع على وجنتيها الورديتين.
أيها الصخر، يا من أبرعتك يد الله، أنت ملاذ التعساء قالت الصبية باكية، وأنت مهدهم إنها المُحيط. ها أمواجك تنسكب وتتوالى دون كللٍ طاوية في أعماقك البؤس والأسى، وفمك الهائل لا يشبع.
أيتها الغادة المُراهقة ذات الستة عشر ربيعًا، يا ظبية حزينة العينين، ما الذي دفعك للمجيء إلى هذا المكان الكئيب؟ أهجرك أمير الأحلام؟ أم هو الحب الذي يتأكل كل جمال؟ أيتها النفس البريئة الجريحة، خذني من البحر مأوى لأيامك الأفضل، هيا يا جميلتي، فصباك الغضّ ملك لنا، هيا كوني حورية مياهنا.
هل استحال هدير البحر وصخبه إلى نداء عذب في هذا الليل حتى ارتمت هذه الصبية في أحضان المحيط الذي ضمَّها بين ذراعيه الجبارتين؟
كنت وكأنني في هنيهة حلم، فقد تبدّل المحيط وتحوّلت كل موجة من أمواجه إلى حورية ذهبية الشعر وضممن جميعًا هذه الصبية وأرقدنها وواسينها. إلا أن الشفقة تملكت هذه الحوريات، فحملن الصبية واضجعنها على رمال الشاطئ الناعمة وفرشن على جسمها غطاءً من شعرها النوراني، وانطلقن ليحضرن الأمير الفاتن الذي، في غمرة ارتباكه، طبع قبلة على وجهها فاستفاقت.
كان ذلك مساءً. شاهدت محيطًا جامحًا يتحول إلى بحرٍ من الجنيّات الحواري.
كان ذلك مساءَ حُلُمٍ رأيت فيه الماتم الحزين يتحوَّل إلى موكب فرح.
أيتها الأمواج، هل أنتنَّ حَوَارٍ حقًّا، أجل أنتن كذلك، فقد رأيتكن أنا تؤدِّين دوركن الحقيقي وأنتن في جمالكنّ الباهر. غير أن أهل الأرض لا يرون فيكن سوى محيط تتبدّل أمواجه وتتغير.
منذ بداية الأزمنة تتالق نجمة مقدَّسة وينتشر نورها العجائبي شلالات دائمة التدفُّق على جميع العوالم السماوية التي تتلقفه بفرحٍ وغبطة.
إنها النجمة المُحبَّبة إلى الله الذي يتوجها بحبِّه لأن يسوع ابنه يقيم فيها. كانت دائمة الترحال في الفضاء من سماء إلى سماء. وكانت جميع النجوم تُحيط بها وتبجِّلها، ومن بينها ثلاثة كانت ترافقها أنَّي ذهبت، وكل واحدة منها كانت مسكنًا لملك، خادمٍ أمينٍ للنجم الكبير الذي كان لهم دليلاً.
هذه العوالم الثلاثة مُختلفة واحدها عن الآخر. ففي أحدها يوجد المرّ، والبخور في الثاني والذهب في الثالث. والمرّ والبخور والذهب هي تقدمات وقرابين مُكرّسة لله.
ومما تجدر الإشارة إليه أن عالم الذهب هذا ليس عالمًا للذهب الذي تجهد في طلبه هنا على الأرض والذي من أجله يُرتكب الجرائم، العديد من الجرائم. الذهب هناك ذهب روحاني يولد شموسًا للسماوات وبلا انقطاع.
ويأتي اليوم الذي سيولد فيه يسوع على الأرض، يوم الخلاص لبني البشر. ويقترب النجم العظيم بعيدًا عن أنظار عالمنا ويودّع حَمَله الغالي في المزود، المهد، في بيت لحم، ويرجع دربه في قبَّة السماء مُتالقًا بالف ألقٍ ولون، ثم يهتف صارخًا في السماء:
هيّا اذهبوا أيها المجوس! انزلوا واتبعوا سيدكم! اطلقوا البشارة السعيدة! فقد ولد الملك! وهو سيموت عن الإنسانية. سيتعبَّد العالم جيلاً بعد جيل للأشواك التي ستصغر تاجًا له وللصليب الذي سيكون عرشًا له ومجدًا.
اتبعوني! تابع النجم العظيم فسأرشدكم غلى المسيح وستكونون مُباركين!
وهكذا تبع الملوك الثلاثة يسوع على الأرض حاملين له التقدمات والهدايا كلٌ من موطنه…
عندما بلغوا بيت لحم كان الليل قد ألبسَ الأرض وشاحه. وحدها نجمة يسوع كانت تتوهَّج. ودخل الملوك المجوس قصر هيرودس وتظاهروا بأنهم يستعلمون عن مكان ملك أورشليم الجديد كيما يقدموا له الهدايا، والحقيقة أنهم كانوا ينبئون هيروس بأن ساعة الخلاص والانعتاق قد أتت.
ثم قاموا بوضع الهدايا عند أقدام يسوع، الوليد الذي رافقوه على الأرض.
أما وقد أتمُّوا المشيئة الألهية، انصرفوا إلى حيث جاءوا وأصوات الأبواق تدوُّي في الفلك الأزرق مُعلنة تحقيق الحدث الذي استشرفه الأنبياء.
حكايات زينة
حكاياتٌ فريدة في رؤية فكريَّة مُذهلة، ترى فيها أصلُ الأشياء الكامنة في ذاكرة الزَّمن السحيق، هي مُختبرلٌ سرديٌّ يربط مصير الأشياء بجذورها.
أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.
الدكتور داهش








