سجل القمع الأسود في ضمير السُّلطة

جريمة القرن العشرين

قضية اضطهاد الدكتور داهش

 بقلم الأديبة والفنّانة ماري حداد1

(من رسالة الى الصحافي والأديب المعروف “جبران مسّوح” صاحب مجلّة (المختصر) التي كانت تصدر في بونس أيرس في الأرجنتين).

من هو الدكتور داهش؟

نشأ في عائلة نكبها الدهر فذاق من العذاب ومن بطش الأقدار أهوالاً وهو شخصية فذة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها ، عركها الدهر عركاً جباراً ، فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والاحساسات اللطيفة نحو كل ما هو عادل نبيل شريف.

وقد تعرفنا إليه اتفاقاً ، فوجدنا فيه مقدرة روحية ، وعبقرية أدبية جذبتنا إليه مع لفيف من خيار القوم أدباً وثقافة.

وهو صاحب مؤلفات تجاوز عددها السبعين ، رغم سنّه الحديث ، خاض فيها المواضيع الاجتماعية بروح عالية وأفكار سامية تعود بالخير على جميع من يطالعونها ، و بأسلوبه السهل الممتنع الذي أعجب أدباء الشرق ممن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة ، وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبي الآداب.

وها إنني أرسل إليكم شيئاً من هذه المؤلفات لكي تطلعوا عليها ، وربما نالت استحسانكم.

وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مصلح ديني ، واجتماعي عظيم ، صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد ( العدالة ) في عالم طغت عليه المظالم ، يأكل فيه القوي الضعيف ، ويبطش فيه الذئب المفترس بالحمل الوديع .

وهو ينشد ( المحبة) بين الشعوب والأفراد ، تلك المحبة التي أوصت بها جميع الأديان ، والتي تعبث في تحقيقها الغايات الغاشمة .

وهو ينشد الترفع عن ( المادة ) الطاغية ، والاتجاه نحو الفضيلة والمثل العليا .

وهو يتغنى بخلود الروح وما تجره هذه العقيدة من واجبات إصلاحية في كل فرد .

ويرى لأجل تحقيق هذه الأساطير الخيالية – ويا للأسف – أن لا طريق سوى العودة الى ما أوصى به المصلحون و المرسلون والأنبياء الأطهار .

فالأديان قد انقلبت إلى مؤسسة تجارية تُنحر فيها الفضيلة والمبادئ السامية على مذابح المادة والشهوات ، ومنابر النور والهداية قد انقلبت إلى منابر ظلام .

وكم وكم من الاختلافات الوضيعة قد أضافها رجال الدين الى الدين الصحيح مدى الأجيال والقرون .

وكم وكم من البدع ما زالوا يبتدعونها للحصول على ذلك المال الخسيس ، وتلك السيطرة الدنيوية الزائلة الفانية. 

فالدين لم يبق ديناً ، بل أصبح آلة تتلاعب بها يد الغايات ، وقد شوهت هذه المآرب وجهه الجميل ، فجعلته آية ازدراء واحتقار بين الشعوب ، وعنوان الظلام والظُلاّم الغلاظ الرقاب عوضاً من ان يكون شعلة نورانية مقدسة تهتدي بها الجماعات ، وتسير في أثرها الأمم .

وقد وطّد الدكتور داهش العزيمة على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوري ، وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة والى وصايا الأنبياء ، وليس مثلما يعلّمهم إياها رجال الدين النفعيّين .

كما إنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها منزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحض على الصلاح ، وهي إرادة الله عز وجل .

فالتعصّب جريمة بشرية تجرّ عقابها من ورائها ، وما الجرائم والمآثم والمجازر الدموية التي جرت في تاريخ العالم من جراء التعصب النعيم إلّ بيئة صريحة وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .

فرغبة الله جل جلاله لا تتفق البتة مع استعمال الأديان لغايات تعصبية قبيحة . فالأديان جعلت مختلفة اختلاف الشعوب والألوان ( ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ). ولكنها جميعها تأمر بالعدالة والمحبّة الشاملة لا بالأحقاد والضغائن .

أما نحن فقد جذَبنا هذا التعليم الصحيح الفصيح فانضممنا إلى الدكتور داهش، وأصبحنا ندين بأفكاره ومبادئه .

تجريد الدكتور داهش من جنسيته اللبنانية

وقامت قيامة رجال الدين المنتمين إلى الكنيسة الرومانية من موارنة وسريان كاثوليك وأرمن كاثوليك وسواهم ، وفي طليعتهم المطران مبارك ، والقاصد الرسولي الكاردينال تبّوني ، لأنهم شاهدوا ان مبادئ داهش أخذت تسري وتجري في جميع الأوساط .

وقد شعروا أن بهذا التعليم الحق القضاء التامّ على نفوذهم الغاشم ، وعلى تعاليمهم الزائفة التي يجنون من ورائها المغانم . لأن الاعتراف بجميع الأديان واحترامها يعني انتهاء التفرقة بين الفئات ، وحلول المحبة والوئام بين الطوائف المتعددة ، وهذا ما لا يريده الأحبار الذين كانوا دوماً في جانب المستعمرين المستبدين يتعيشون من فضلات موائدهم ، ويأتمرون بأوامرهم لقاء بعض الفوائد الحقيرة.

أما العودة الى تعاليم الإنجيل المقدس ، فهي تعني إبطال (القداديس ) و ( الاعترافات ) وحذف ( الزياحات ) و (الغفرانات ) وتحطيم ( الأصنام )و ( الأيقونات ) وما تجر وراءها من واردات ، وحسنات ، ونذورات .. يقدم عليها الأغبياء من ( المؤمنين ) بأوهام الاكليروس أصحاب الغطرسة والعجرفة الوهمية .

رأينا أنها تعني أيضاً توزيع ( الأوقاف) على البؤساء والمعوزين ، وإنشاء المدارس والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعية من أموال المؤمنين ، تلك الأموال التي يتصرف بها رجال الدين لمنافعهم الشخصية ومآربهم الدنيئة الدنيوية.

إنها تعني كثيراً من الأمور التي يفضّل هؤلاء الأحبار أن تبقى طي الكتمان عن أعين شعب جاهل غافل حيران .

وقد وجد ذئاب الأديرة والقصور الشامخة حلفاء طبيعيين في عيالنا الأرستقراطية الإقطاعية من آل الخوري وشيحا وفرعون وسواهم وسواهم ، وجميعهم من أقربائنا الأقرباء .

وكيف لا يكون الأمر هكذا ! وهؤلاء الأرستقراطيون يظنون أن الدم الملوكي الأزرق يجري في عروقهم ، وأنهم هابطون رأساً من فخذ الإله (جوبيتير ) رب الأولمبوس.

فكيف يرضون على احدى عائلاتهم وهي تسير جنباً إلى جنب مع رجلٍ ديموقراطي لا يدعي الألوهية ؟ وليس في خزائنه أطنان من الرنّان ، وهم الذين لا يقيمون وزناً إلا لأصحاب الرنّان الطنّان.  حقا ان هذا جرم ، وجرم فظيع . .. يستحق الدكتور داهش عليه الشنق..

امّا الطّامة الكبرى فهي انشقاقنا عن رجال الدين .. المطبّلين والمزمّرين باسم صهري بشارة الخوري أثناء الانتخابات … وبشارة هذا يركض وراء الرئاسة منذ عشرين سنة ! .

فكيف ننشقّ عنهم وندعهم يغضبون فيحوّلون مجرى الانتخابات ؟

وأخيراً كيف نغيّر معتقدنا الديني دون الاستئذان من هؤلاء الآلهة العظام ؟

وكيف تعتنق مذهباً ومبدأً هو نقيض ما يدينون به ويعتقدون ، وهم الذين يفكرون أن الدنيا خلقت لأجلهم دون سواهم، ويتمتعون بخيراتها مع من ينسج على منوالهم بحرمان الآخرين ؟ وهكذا من حقارة الى حقارة ، ومن وضاعة الى وضاعة ، اختمرت فكرة الجريمة في رؤوس هؤلاء الأئمة ، وقرروا بالإجماع أن يتخلصوا من الدكتور داهش ، فتخلص هكذا مصالحهم و موارد منافعهم المختلفة فبدأوا بالتهويل ، ولجأوا الى حكومة السيد الفرد النقاش طالبين إبعاد الدكتور داهش عن لبنان …

وقد راجعوا كثيراً وحاولوا كثيراً ، وأقاموا الأرض وأقعدوها. ولكن باؤوا بالفشل الذريع ، اذ رُدَّ طلبهم المجحف بعد أن تبين من التحقيقات أن عملهم هذا لا يبرره أمر ، بل هو اعتداء صريح .

وهكذا اشتعلت حفيظتهم ، وأخذوا يترصدون الفرصة السانحة للقضاء على هذا الرجل البريء الذي أرادوه ضحية شهواتهم الأشعبية ، ورغباتهم المنحطة الدنية .

وإذا بالساعة قد دقت ، وبالفرصة قد أتت … عندما بوأت الأقدار بشارة الخوري صولجان الأحكام في لبنان !

فما كاد يجلس هذا المخلوق على كرسي الرئاسة حتى جعل دأبه دأب الدكتور داهش مؤسس الداهشية . وأخذ يضطهده وينكّل به بشتى الوسائل رغبة منه في أن يلجأ الدكتور داهش الى الهرب والكفّ عن دعوته الجديدة.

فبدأت التحريات البوليسية ، والمناورات الشرطية المعهودة في بلاد مثل بلادنا ترزح تحت نير الإقطاعيين الذين يفرضون إرادتهم فوق القوانين الموضوعة ، فيسخّرون زبانيتهم المتوظفين تحت أيديهم لقضاء لبانات قلوبهم الوضيعة..

وتبعتها محاولات الإرهاب والترهيب . ولكن عبثاً مثّلوا مهازلهم ومناوراتهم الصبيانية . فقد ثبت الدكتور داهش في داره لا يبدي ولا يعيد ، وهو ينظر نظرة الاحتقار العميق لهذه المحاولات التي لها أثرها في نفوس غير نفوس الأحرار الذين لا يقيمون وزناً إلا للضمير ، وللقانون.

وعندما شعر بشارة الأثيم أن هذه المراوغات لا تستطيع أن تنيله مأربه من الدكتور داهش اغتاظ غيظاً شديداً ، واستدعى المدعي العام الاستئنافي يوسف شريل الخاضع الخانع المؤتمر ذلاً بأوامر بشارة ، وطلب إليه أن يخرجه من هذا المأزق ، لأن الجميع عرفوا العداوة الشخصية التي تتأجج في صدر رئيس الجمهورية ضد الدكتور داهش ، وعدم تمكن هذا الرئيس المجرم من الوصول الى بغيته في أذية داهش ، ممَّا عَدَّه في نظره فشلاً ذريعاً أمام الرأي العام. وهذا طبعاً لا يجوز لمن يظن نفسه فوق القوانين ، وفوق المجتمع ، وصاحب الكلمة النافذة الناجزة مهما تضمنته هذه الكلمة من أنواع المعاصي والانحراف عن جادة الدساتير الموضوعة في البلاد .

فأخذ يوسف شريل يحقّق ويدقّق ويلفّق ، ويُغري شهوداً ليشهدوا زوراً ضد الدكتور داهش بأنه يستغل مواهبه لغايات مادية … ولكنه أسقط في يده . ولم يستطع ان يقيم أي دليل ، او أي جرم يدين به الدكتور داهش .

ومضت الشهور ومؤسس الداهشية ثابت في دعوته الجديدة ثبات الجبال . وخصومة اللؤماء تتأكلهم الاحقاد، وتتأجّج في أفئدتهم نيران التشفّي لعدم استطاعتهم النيل من هذا الرجل العظيم العبقري . وهم الوضعاء الأدنياء ، والجهلة اللؤماء .

وأخيراً شاهدوا أنهم كانوا من مشيّعي الدكتور داهش ، ومن النافخين له في البوق ، وان محاولاتهم المجرمة أشهرته ، وافسحت دائرة اخباره ، حتى طغت على لبنان والبلاد العربية والمهجر بينما هم بدوا في ثوب الفشل والخذلان .

وكان هذا الأمر الصدمة الأخيرة التي حطّمت سدود حياتهم المفقود وشرفهم الموؤود ، وجرفت بتيارها الرهيب آخر حاجز كانوا يقيمونه بينهم وبين ارتكاب الجريمة . فقرروا اغتياله دون زيادة أو نقصان …

وهكذا اتفق رئيس الجمهورية ( بشارة ) وامرأته لور – التي كانت شقيقتي – وشقيقها ( ميشال شيحا ) وهنري فرعون وحبيب ابو شهلا ( وزير عدليتهم وقتذاك ) ومدير البوليس عارف ابراهيم ودوائره ورجال الدين وسماسرتهم على ان يرسلوا شرذمة من الرعاع الأشقياء ممن ينتمون في بيروت الى حزب يطلقون عليه اسم ( الكتائب اللبنانية ) ليغتالوا الدكتور داهش وهو في عقر داره ، واعدين هذه العصابة المجرمة بالجوائز المالية ، والعفو عن العقاب وطمس الجريمة.

وهذا بعد أن شنّوا حملات صحافية عنيفة ، بذيئة ، سخيفة، ملأوها بالافتراء الرخيص ، وباختلاقات حقيرة ما أنزل الله بها من سلطان . وكانت غايتهم من تلك الحملات في جرائدهم المأجورة ان يسوّدوا صفحة الدكتور داهش أمام الرأي العام لتبرير ما قد عزموا النية على القيام به . وكانوا يمنعوننا عن الرد على هذه التهجمات الفظيعة اذ كانت دائرة المراقبة الحكومية ترفض التأشير على مقالاتنا والترخيص بنشرها .

وقد فصّلت مراحل هذه المأساة في ( كتبي السوداء ) داعمةُ اياها بالبراهين الماديّة الملموسة التي لا ولن يستطيعوا ان يدحضوها. وشرحت فيها كيف حاولوا تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة وكيف كتب الله لها الفشل الذريع….

وعندما رأوا ان أمرهم قد افتضح ، وان الجميع فهموا ان الرعاع الذين حاولوا قتل الدكتور داهش كانوا موفدين من قبل ( رئيس الجمهورية ) ، أخذ هذا ( الرئيس الأثيم ) يفكر كيف ( يُلفلف) الأمر بعد ان أُخذ بشرك جريمته النكراء فتناول قلمه الرخيص ، وبشطبة واحدة شطب اسم الدكتور داهش من ( سجلّ النفوس) ، وجرّده من جنسيته اللبنانية، مخالفاً بذلك بنود الدستور ، والقوانين الوطنية والدولية ، ضارباً عرض الحائط بكل الاعتبارات الوجدانية ، والروادع الإنسانية ، محطماً على مذبح انتقامه الحقير كل عدالة وضمير.

وبعد أن قام هذا الظالم بعمله هذا أبعد الدكتور داهش الى الحدود التركية حيث أدخلوه خلسة ليلاقي حتفه بعد أن سجنوه وجلدوه وشتموه وجرّدوه … ولم يكتف بشارة المجرم بهذا كله بل تعدّاه فزجّ شقيقة داهش في السجن لأنها طالبته ببرقية أن يعلمها عن مقر شقيقها لكي تذهب وتراه..

ولا يخفى عليكم ما هي حالة رجل بدون جنسية ولا هوية في ظروف الحرب الحرجة . ففي أية مدينة أو في أي بلد قبضوا عليه يزجّونه حالاً في السجن لأنه غريب ولا يحمل هوية هذا إذا لم يقتله حرس الحدود ، عندما أدخلوه خلسة إلى الأراضي التركية.

وقد ترك الدكتور داهش وراءه والدة مسنّة وشقيقة ملتاعة لا معين لهما سواه بعد الله.

ولقد تم هذا الانتقام الوحشي ليس لجريمة ارتكبها الدكتور داهش ، بل بمجرّد الانتقام ، وللأسباب التي شرحتها آنفاً.

 لأنه لو ارتكب داهش أيّة جريرة – مهما كانت طفيفة – لاستغلّها بشارة الخوري وعظّمها ، وضخّمها ، وأحاله إلى المحاكم لترى أمرها معه ، فتدينه ، وتقضي على سمعته الى الأبد ، ولما احتاج الى اللفّ والدوران ، ولما سلك هذا المسلك الأعوج ، واحرج موقفه ، ووضع نفسه موضع المجرم أو المتّهم في قفص الاتهام وهو رئيس جمهورية لبنان ….

فأي ضميرٍ ملوّث بالآثام ، وأيّ وجدان مثقل بأوزار الجرائم يقبل أن يعامَل رجل بريء بمثل هذه المعاملة ارضاءً لشرذمة من الأوغاد والادنياء ؟

هذا ما صنعه بشارة الخوري حامي الدستور ، والمدافع عن ذمار العدالة.

وهذه هي الجريمة الهائلة التي ارتكبها هذا الوصولي الأثيم .

ولكن ثق يا سيدي بأننا لا ولن نصمت ما لم نحاسبه عليها ، ونرجع العدل الى نصابه ، والحق الهضيم إلى أربابه.

لقد فصّلت مراحل القضية الداهشية في كتبي السوداء ، وفي نشراتي التي وزعتها بعشرات الألوف حتى غمرت الشرق بأكمله ، موجّهةً اتهاماتي الصريحة لهذا الوصولي المتعجرف الأثيم.

وكان جوابه الحقير أن زجّني مع زوجي وبعض إخواني الداهشيّين في ظلمات السجون ، ولم يجرأ على محاكمتنا ، لانه يتأكد بأنه سيكون الخاسر المنكسر ، ونكون نحن الظافرين المنتصرين .

وقد انتحرت ابنتي الغالية ماجدا ، وهي في ربيع حياتها ، احتجاجاً صارخاً على ما أتاه أهلنا بهذا الرجل البريء من أمور رهيبةٍ لا يستطيع المرء التفكير فيها الّا والألم يحزّ في قلبه ويقطّع أحشاءه ….

 ولكن عبثاً كانت تضحيتها ، وعبثاً كانت صيحاتنا ! فلا من مستمعٍ ولا من مجيب..

أما مجلس  (نوّاب بشارة ) فهو رَهْطُ من المرتشين المرتكبين الذين لا ضمائر لهم ولا وجدان . إنّهم يصمتون على تصرفات السلطة التنفيذية لكي تصمت هي بدورها عن فضائحهم ومخازيهم التي ضجّت من هول نتانتها الآفاق .

ولكن ثق بأننا سنأخذ حقوقنا كاملة غير منقوصة بعون الله وحقيقتنا البتّارة ، وعزيمتنا الوثّابة الجبّارة.

أما حقّنا الصريح فهو وحده الذي سيحقّق لنا الانتصار المبين ، إذ لا بد للحقّ أن يعلو على الباطل ، مهما طالت الأيام ، وتوالت الأعوام ، إن الباطل كان زهوقاً .

إن هؤلاء الطغام ما خطر على بالهم قط أن القضية ستتطور مثل هذا التطور الخطير ، ولم يفكروا لحظة واحدة بأننا لسنا ممّن ينامون على الضيم ، أو يقبلون بالظلم ، ولم يمر في خاطرهم بأن جريمتهم النكراء سيفتضح أمرها وتنتشر مثل هذا الانتشار الهائل . ولولا ذلك لما أقدموا على ما أقدموا عليه ، ولما تشبّثوا الآن هذا التشبث الأعمى في جريمتهم إنقاذاً لما يظنونه ( وقارهم ) و ( هيبتهم ) أمام الشعب … فإذا خضعوا للحقّ فتحوا عليهم أبواباً عديدةً سيطرقها المظلومون بعنفٍ متى انتصب الميزان ، والمظلومون لا عداد لهم في لبنان .

1: (كتاب الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا، ص. ١٤٩ – ١٥٨).

بدأ مؤامرة الاضطهاد

يقول المحامي خليل زعتر في كتابه” جريمة القرن العشرين “1 :

“بتاریخ ۲۳ آذار سنة ١٩٤٢ تم إعلان الرسالة الداهشية.

 ..في تلك الفترة اتسعت شهرة الدكتور داهش، وسطع نجمه، وأصبح منزله منتدى للأدباء والمثقفين، وسعى إلى زيارته الكثيرون من كل حدب وصوب. فنما عدد المعجبين بعبقريته وظاهراته وأفكاره، وتزايد أصدقاؤه، وتكاثر المعتنقون لعقيدته الداهشية في الطبقة المثقفة خاصة، وكان منهم الدكتور جورج خبصا، طبيب الأمراض الجلدية المشهور وأستاذ الطب في الجامعة اليسوعية في بيروت والدكتور فريد أبو سليمان، والدكتور نجيب عشي، والشاعر حليم دموس.

ويبدو أنَّ ذلك لم يرق السلطات الإكليريكية المسيحية خاصة، ومثلما كان اضطهاد رجال الدين اليهودي للسيد المسيح نابعا من حرصهم الشديد على سلطتهم، ومن خوفهم أن تتقوض تلك السلطة إذا ما استمع له الشعب وتبعه، وهو ما ذكره الإنجيل صراحة، هكذا أيضًا بدأت بوادر الاضطهاد ضد الدكتور داهش تظهر مع تزايد إقبال الناس على تقبل الداهشية، خاصة من بين صفوف الطبقة المثقفة وقادة الرأي العام في لبنان.

وفي بلد يسوده النظام الطائفي كلبنان، عندما تتحرك السلطة المذهبية في اتجاه ما، فالغالب أن تراعيها السُّلطة الزمنية، لأنه لا فصل في الواقع المعيوش بين الاثنين، وهكذا تزامن تحرك السلطة المذهبية الإكليريكية ضد الدكتور داهش مع تحرك النيابة العامة وطلبها التحقيق السري لمعرفة ما إذا كان الدكتور داهش يقوم بما يخالف قانون ٩ أيار سنة ١٩٣٩ المذكور سابقا.”

 

 

وبعد عديدٍ من التحقيقات والإفادات والشهود، تبيّن عدم وجود جرمٍ واعترف المدّعي العام بأن الدكتور داهش لا يمتهن التنويم المغناطيسي أو مناجاة الأرواح.”

ويشرح المحامي زعتر:

“في الثامن من شهر أيلول سنة ١٩٤٢ ، تعرف السيد جورج حداد وعائلته بالدكتور داهش، وقد أقبل هو وجميع أفراد عائلته وصهره جوزف حجار على اعتناق العقيدة الداهشية بعد أن شاهدوا العديد من ظاهرات الدكتور داهش الروحية الخارقة لنواميس الطبيعة الأزلية، وبعد أن تحققوا منها وفهموا أبعادها ومعانيها، ودرسوا الرجل المعجزة وأفكاره ومبادئه السامية، وشاهدوه في حياته اليومية تجسيدا لها .

كان لإيمان هذه العائلة الكريمة بالعقيدة الداهشية صدى بعيدا في جميع الأوساط، وخاصة الكهنوتية، نظرًا للعلاقات والروابط العائلية والاجتماعية السابقة وامتداداتها على صعيد الطبقة ذات الشأن في الحقل اللبناني العام.

فالسيد جورج حداد رجل أعمال معروف تولى منصب قنصل فخري لرومانيا في لبنان.

أما عقيلته السيدة ماري، فهي أديبة مرموقة باللغة الفرنسية، وفنانة على مستوى عالمي أقامت للوحاتها الزيتية معارض خاصة في باريس وبيروت، وإحدى لوحاتها معروضة في متحف اللوكسمبورغ في باريس. وقد تولت رئاسة نقابة الفنانين في لبنان.

هذه السيدة الأديبة الفنانة الموهوبة هي شقيقة ميشال شيحا ولور، زوجة بشاره الخوري، ونسيبة هنري فرعون، شقيق زوجة ميشال شيحا.

لم يرق إيمان عائلة جورج حداد بالداهشية جميع الأنسباء، كما لم يرق اليسوعيين الذين كانوا على علاقة جيدة بآل حداد حتى أنهم عقدوا اجتماعاً لخريجيهم في دارتهم قبل اعتناقهم الداهشية.

وقد حاول هؤلاء جميعًا أن يُقنعوا آل حداد بالعدول عن إيمانهم الجديد والتخلي عنه. لكنهم باؤوا بالفشل الذريع، واصطدموا بإيمان راسخ لا يتزعزع، وبإرادة لا تلين.

ولذلك، فالتحالف المؤلف من المثلث شيحا – خوري – فرعون، العامل آنذاك على إيصال بشارة الخوري إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية، رأى في اضطهاد الدكتور داهش عاملاً من العوامل التي تعزز مكانتهم وتقربهم من اليسوعين وبالتالي من الوصول إلى الرئاسة.

وهكذا، فقد عقدوا العزم على إقصاء الدكتور داهش، لا عن آل حداد فحسب، بل عن المجتمع اللبناني بشكل عام، وذلك بالزج به في غياهب السجون، أو بإخراجه من الأراضي اللبنانية. وفي كلتا الحالتين، يكون قد تم منعه من إجراء ظاهراته الروحية ونشر عقيدته في المجتمع اللبناني.

وهكذا ، ابتداءً من ٢٣ أيلول ١٩٤٢ ، قادت جريدة «البشير» اليسوعية حملة صحفية ضد الدكتور داهش، وراح أنسباء آل حداد المذكورون أعلاه يجرون اتصالاتهم وسعاياتهم لدى المسؤولين على جميع الصّعد تحقيقا لغاياتهم التي رسموها للتخلص من الدكتور داهش، وإذا بالتحقيقات تُفْتَحُ مجددًا، وتأتي الأوامر بها من مراجع مختلفة.

..ومن جهة أخرى، فقد ذهب بشاره الخوري برفقة زوجته وشقيق زوجته ميشال شيحا وهنري فرعون وقابلوا رئيس الجمهورية الفرد نقاش، وطلبوا منه بإلحاح القبض على الدكتور داهش وإخراجه من البلاد. فاستغرب الفرد نقاش هذا الطلب. وبسبب إصرارهم الشديد، وعَدَهم بإجراء تحقيق جديد عن سيرة الدكتور داهش.

وبالفعل كلف رئيس الجمهورية مدير التحري عز الدين العمري بالاستقصاء والتحقيق واستجواب الدكتور داهش، وموافاته بتقرير شامل عن النتيجة.

وبعد أن قام العمري بالتحري والاستقصاء والتحقيق مع الدكتور داهش في مفوضية الأمن، قدم تقريره، وخلاصته أنه لا يمكن القبض على الدكتور داهش لأنه لم يرتكب أي جُرم، ولم يثبت أنه يقوم بأعمال مخالفة للقوانين. وفي جميع الأحوال، لا يمكن إخراج داهش من لبنان لأنه يحمل الجنسية اللبنانية.

وبتحريض من المثلث شيحا – خوري – فرعون، استُدعيَ الدكتور داهش مرتين إلى دائرة الأمن العام الفرنسية، إحداها كانت في الرابعة فجرا. وهناك جرى التحقيق معه، وأعلم أن ميشال شيحا وراء هذه التحقيقات. وقد هددوه بأن يضعوه في زنزانة، وأمروه، ظلما وعدوانًا، أن يغادر البلاد، وإلا أرسلوه إلى معتقل ‘المية ومية’ قرب صيدا، كما جرى تفتيش منزله.”

وكانت خلاصة التحقيقات مرّة أخرى أن الدكتوربريء من جميع الاتهامات ولا جرم عليه.”

ويضيف المحامي زعتر: “ولكن الشيخ بشاره مع ذلك، لم ييأس. فأعاد الكرة، للمرة الثالثة، وذهب إلى الأمير خالد شهاب في السراي – وكان، إذ ذاك، رئيسا للوزراء – ورجا منه أن يُخرج داهش من البلاد. فدهش الأمير خالد، وأعلم بشاره أنه صديق الدكتور داهش، وأنه يعرفه حق المعرفة، وهو لم يأتِ أي عمل يُؤَاخَذُ عليه. ولكن بشاره لم يقتنع، بل ذهب للمرة الثانية، إلى بيت رئيس الوزراء عله يستطيع إقناعه. ولكنه، أيضا، هذه المرة رجع بصفقة الخاسر المغبون.

 

وهكذا أسقط في يده، ولم يستطع، رغم نفوذه ونفوذ شقيق زوجته وهنري فرعون، أن يظفروا بفريستهم، فنامت الذئاب على الطوى، والحقد الدفين المستعر ينهشها. كيف لا … وعدوهم اللدود داهش حرّ طليق .

إن الرغبة التي اعتملت في نفس بشاره الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا ونسيبه هنري فرعون، والفكرة التي انبثقت عنها، والتي وظفوا نفوذهم الشخصي وسعوا لدى المسؤولين إلى تحقيقها، كانت تقضي بوجوب تجريم

الدكتور داهش وسجنه وإبعاده عن الأراضي اللبنانية.

أما السجن والتجريم، فلم يفلحوا في تحقيقهما، لأن جميع التحقيقات جاءت لتثبت براءته، وأنه لم يأتِ عملاً يمكن أن يُحال به على القضاء.

وأما الإخراج من الأراضي اللبنانية، فقد أخفقوا في تحقيقه أيضًا، لأن هذا المشروع يصطدم بجنسية الدكتور داهش اللبنانية.

ودارت الأيام دورتها، وإذا بالشيخ بشاره الخوري ينتخب رئيسًا للجمهورية اللبنانية في ٢١ أيلول من عام ١٩٤٣، وبعد شهرين، نال لبنان استقلاله، فأصبح الشيخ بشاره أول رئيس لدولة الاستقلال، فوجد الفرصة سانحة لتنفيذ ما عجز عن تنفيذه قبل وصوله إلى سدة الرئاسة، كيف لا ، وهو الأمر الناهي، والجميع يخطبون وده ورضاه، وزوجته لور (الرئيسة الأولى) تُحرّضه، آناء الليل وأطراف النهار، على اعتقال داهش وإبعاده.

وفُتح ملف داهش من جديد…..”.

 

1-  كتاب” جريمة القرن العشرين ” ، المحامي خليل زعتر،  ص.31-47

-  إفادات وشهادات 

انتُخب بشارة الخوري رئيساً للجمهورية اللبنانية في ٢١ أيلول عام ١٩٤٣. فابتدأت التحقيقات والاستجوابات مجدّداً مع الداهشيين بأمرٍ مباشر منه لمدير البوليس العدلي إدوار أبو جوده، والغاية منها إيجاد تهمة أو جرم بحق الدكتور داهش. 

 

وها هي نصوص بعض هذه الإفادات والشهادات التاريخية:

 

إفادة الأستاذ حليم دموس1

 

بتاريخ ٣١ كانون الثاني ١٩٤٤ ، ذهب الأستاذ الشاعر المعروف حليم دموس الى رئاسة البوليس العدلي وقدم إفادته إلى رئيسها ادوار أبي جودة الذي سأله عدة أسئلة تتعلق بالدكتور داهش، ومعرفته به، ومهنته، وماليّته، وما هي معلوماته عنه ورأيه فيه فأجابه بالبيان التالي:

 

أوّلاً – سبق وأدليتُ بمعلوماتي عن الدكتور داهش في التحقيق الأول الذي أجراه المفوض العدلي فاضل عازوري منذ سنة خَلَتْ .

وأظنّ أن تلك الأوراق قد تحوّلت في حينها إلى المدعي العام الأستاذ ديمتري الحايك .

فإذا شئتم مراجعتها ففيها الكفاية .

ثانياً – أما معرفتي بالدكتور داهش فتمتدّ إلى عام ١٩٣٦ . وليس له من مهنة سوى تأليف كتب أدبية اجتماعية صدر منها كتاب ( ضجعة الموت ) و ( كلمات ) و ( الإلهات الست).  وقريباً يظهر ( عشتروت وأدونيس ) و ( نشيد الأنشاد ) و ( جحيم الدكتور داهش ) و ( بروق ورعود ).

 

وهناك كتب أخرى مذكورة بتفصيل في مؤلفاته المطبوعة ، ولا سيما في كتبه الأخيرة (الإلهات الست ، ونشيد الانشاد، والجحيم ) . وهو ملهم ويجترح المعجزات والخوارق.

وكان قد سافر إلى العراق ومصر وفلسطين وأفريقية وأوروبّة ، وشهدت خوارقه المحافل العلمية ، ثم انصرف الى المطالعة والتأليف .

ثالثاً – أما سؤالكم عن أمواله ، وأين هي ؟ فهذه أمور شخصية يمكنكم أن تسألوه عنها رأساً .

رابعاً – هو يعيش بكل بساطة، وأعرف تمام المعرفة أنه مستغن عن جميع الناس ، ويُفرّق الزائد عنه في كل شهر على عائلات مستورة ، وأحياناً يفرّق ذلك في كل أسبوع . ولو شاء الثروة بما عنده من مواهب وقوى خارقة لأصبح في مدة قصيرة روكفلر لبنان ، بل قارون هذا الزمان.

خامساً – لقد شاهدت منه ظاهرات روحية خارقة بحضور بعض أعوانه وإخوانه – ولي الشرف أن أكون منهم – وما ذلك إلا طلباً للحقيقة ، ورغبة في معرفة أسرار الكون العجيب الغريب ، ووصولاً لإدراك كل مجهول كما يفعل كل باحث أو عالم ، وكل مكتشف أو مخترع اتسعت دائرة علمه وفنّه .

وإن من ينشد (الحقيقة) السامية كالدكتور داهش يجب تنشيطه لا تثبيطه ، خصوصاً أن كثيرين من رجال ونساء كانوا منغمسين في حمأة الرذيلة ، فأصبحوا اليوم ، بفضل تعاليمه السامية الجليلة ، سالكين طرق الصلاح والفضيلة .

سادساً – لم أجده تناول بارة واحدة أو قبل هديّة تذكر من أحد ؛ بل بالعكس إنه يرفض الهدايا ويكرهها .

وأنا ، منذ عشرين شهراً ، متّصل به لتبييض عدّة كتب أدبية له جاهزة وماثلة للطبع . وطالما أرسل من ماله الخاص هدايا إلى كثيرين ، ممن دعوه إلى وليمة عائلية أو حفلة أدبية ، وطالما ألبس العراة ، وأطعم الجياع ، وخدم البائسين سراً ، وهداهم إلى الطريق القويم … إنه رجل صلاح ، وتعاليمه روحية بحتة . وهي تعاليم شريفة عالية تستند على الكتب المنزلة ولا سيما الأناجيل (الأربعة) التي يعتبرها الدكتور داهش زبدة ( الكتاب المقدس ) وروح الكتب الإلهية المنزلة ، خصوصاً أنها من أقوال السيد المسيح وتعاليمه السماوية .

 

سابعاً – الدكتور داهش يعيش مع عائلته على نفقته الخاصة ومن ماله الخاص. أما الذين يعتقدون بأعماله الروحانية ويؤمنون بها فإنهم يستفيدون منه ومن تعاليمه دون أن يفيدوه .

 

فأنا مثلاً كنت مادياً محضاً ، فأصبحت روحانياً محضاً .

وما ذلك إلا بفضل الدكتور داهش وروحانيته الممتازة.

فقد تكشّفت لي حقائق سماوية عظيمة لا يستطيع هذا القلم الضعيف وصفها .

ثامناً – وأخيراً … إن شهادتي هذه بالدكتور داهش مجرّدة عن كل غاية .

فهو إنسان صالح ، طاهر السيرة ، عن اليد واللسان ، يعيش عيشة السيد المسيح وتلامذته ، والنبي محمد وصحابته ، ويعمل الخير حباً بالخير ، وقد أتى أمامي بمعجزات خارقة :

فمن نقل أشياء ، وشفاء أمراض ، وكتابة مؤلّفات ملهمة ، وسواها من نبوءات عن حوادث تمّت في أوقاتها تماماً.

واعتقد كل الاعتقاد أن ما قام به الدكتور داهش من الأعمال الحسنة والظاهرات الروحية الخارقة يساعد الحكومة والشعب على تهذيب الأخلاق ، وتقريب النفوس البشريّة الى المبدع الخلاّق.

فهو في نظري يستحقّ إعجاب لبنان وتمجيد الإنسانية لعبقريته النادرة ، ومعجزاته الروحية الباهرة ، التي تسيّرها قوّة خفيّة إلهية قادرة ….

فليدرسْها كل عاملٍ أمين ،

رحمةً بعشاق الحقيقة وطلاب النور واليقين ،

وخدمة خالصة لأبناء الأرض المساكين .

بيروت – حليم دموس

 

 

 

رسالة الدكتور فريد أبو سليمان2

 

وفي التاريخ نفسه ، أي في ٣١ كانون الثاني ١٩٤٤ ، ذهب الدكتور فريد أبو سليمان إلى دائرة البوليس العدلي ، وسلّم إلى رئيسها السيد ادوار أبي جودة العريضة التالية :

حضرة الأستاذ إدوار أبو جوده :

رئيس القسم العدلي في دائرة الشرطة المحترم ،

سبق وحضرت إلى دائرتكم يوم السبت الواقع في ٢٢ الجاري ، وبلّغتكم أن والدي ( عبده أبو سليمان ) يُريد أن يتّفق مع امرأة أو أكثر كي يُعطينه إفاداتٍ كاذبة عن الدكتور داهش، وذلك بقصد تسويد صحيفته .

وقد سبق وحصل بيني وبين والدي عدّة محاورات عنيفة ، بسبب ذهابي إلى منزل الدكتور داهش.

فأضمر والدي في نفسه الشر ، وتحيّن الفرص السانحة للانتقام . وهكذا ذهب إلى دائرتكم وأعطاكم إفادةً لا شكّ أنّها غير صادقة.

ولم يكتف والدي بهذا ؛ بل حرّض ( لوريس ) زوجة السيد بولس فرنسيس ، كي تذهب إليكم وتدلي بإفادتها في دائرتكم.

ولمّا بلغني هذا الأمر ، اجتمعت بوالدي ، وأفهمته مغبّة عمله الغير القانوني والغير الحقيقي . فأنكر أنّه حرص زوجة بولس على الذهاب وإعطاء إفادةٍ ما .

وهذا غير صحيح مثلما تتأكّدون .

ولمّا كنت أريد أن أبرّىء ذمّتي ، لأنني مطّلع على هذه الحقيقة – وصاحب البيت أدرى بالذي فيه –  لهذا أتيتكم بإفادتي هذه كي أطلعكم على هذه المؤامرة المؤسفة التي حيكت من أقرب المقربين إلي .

 

وبعملي هذا أراني قد قمت بالواجب الذي يفرضه علي ضميري وواجبي . والسلام .

 

الدكتور فريد أبو سليمان

 

إفادة المؤمن الأول يُوسف الحاج الداهشي3

 

قبل ظهر اليوم ، (٢ شباط ١٩٤٤)، استدعى الأستاذ إدوار ابو جودة رئيس القسم العدلي المؤمن الأول الأستاذ يوسف الحاج ، وطلب إليه أن يدلي بمعلوماته التي يعرفها عن الدكتور داهش، فأعطاه إيّاها في غرفته بدائرة البوليس، وهذه هي في سؤال وجواب :

سؤال الرئيس العدلي – متى تعرّفت بالدكتور داهش ؟

جواب يوسف الحاج – تعرفت بالدكتور داهش ، منذ ثلاث سنوات تقريباً . وكان الدافع إلى هذا التعرف شهرة الدكتور في البلدان العربية كافة ، فضلا عن البلاد الأوروبية ، مما كان يأتيه فيها من الظاهرات الروحية .

 

س – هل يتقاضى الدكتور داهش بدلاً عن أعماله وتعاليمه ؟

ج – كلا ، بل إنه يوزّع ما يفيض عن النفقات التي يدفعها على طبع كتبه من ماله الخاص إلى الفقراء على أيدي عديدين ، منهم الجرّاح المعروف الدكتور توفيق إبراهيم رزق صاحب مستشفى رزق ، وسواه .

 

س – من أين يعيش الدكتور داهش ؟

ج – ممّا لاحظته ، كل هذه المدة ، أنه يعيش من أمواله الخاصة .

س – أذكر لي شيئاً من عجائبه .

ج – أذكر لك ثلاث حوادث أو ثلاث ظاهرات ( وهنا ذكرت له مفصّلاً ظاهرة الدكتور شاهين الصليبي وشجرة الليمون ، وظاهرة المستر أوليفر والمال والدبّوس ، ورسالة السيد جورج النجّار ، وكذلك موت العصافير الثلاثة أمام صاحب جريدة ( الصحافي التائه ) الأستاذ اسكندر الرياشي والشيخ منير تقي الدين والأستاذ حليم دموس ، ثم إحياء تلك العصافير بعد الظهر بوجود الأستاذ إدوار نون وبعض الإخوة الداهشيين .

وفضلاً عن ذلك فقد أتيتُ على ذكر مؤلفات الدكتور داهش التي بلغت التسعين تقريباً بين أدبية وروحية. وذكرت في إفادتي كيف يعيش الدكتور داهش، وكيف يصوم ويصلّي . فإنه يعيش قدّيساً ، ويصوم ويصلي صدّيقاً.

وصرّحت ، في إفادتي ، أن كل من تقرّب الى الدكتور داهش شعر بتجرّد كلي ، وراحة نفس تامة ، وأن جميع تعاليمه وصلواته التي تعلمناها تنفرنا من المال ومن الحياة المادية القلقة القذرة .

وهنا قدّمت للمحقق عدداً من جريدة ( العالم العربي ) المصرية ، وفيه مقالتان ممتعتان عن الدكتور داهش وأعماله الخارقة :

الأولى بلسان الجريدة .

والثانية نقلاً عن جريدة ( الأهرام ) المصرية

وهكذا انتهى الاستنطاق عن مفاخر الدكتور داهش وروحانيّته اللامعة .

وقد أكّدت له في الختام أن الحكومة اللبنانية الوطنية إذا درست بتدقيق مميزات الدكتور داهش ومواهبه الخارقة وجب أن تستفيد منها عاجلاً أم آجلاً .

 

يوسف الحاج

بیروت ۲ شباط ١٩٤٤

 

إفادة السيدة ماري حدّاد4

 

لم يشأ السيّد إدوار أبو جوده أن يأخذ إفادتي ؛ وذلك نزولاً على الوحي الذي تلقّاه من سيّده بشارة الخوري الذي وجد أن مقاومةً شديدة تقف بوجهه وتمنعه من إتمام مقصده المجرم باضطهاد الدكتور داهش .

وقد طلبتُ إلى السيد أبي جوده ، مراراً عديدة ، سواء أكان شفهياً أم بواسطة التلفون ، أن يأخذ إفادتي ؛ فكان يُسوّف ويُماطل ، وينتحل أعذاراً سخيفة واهية ، وما ذلك إلا تنفيذاً لأوامر (لور) وزوجها بشارة ، وميشال شيحا وزوجته مرغريت ، وهنري فرعون ، ومن لفّ لفّهم . وكل ذلك خوفاً من ورود اسمي واسم زوجي في ملفّات تحقيق البوليس .

وهذا ما يريدون تحاشيه خوفاً من ظهور الحقيقة ، فيعلم الشعب أن اضطهاد الدكتور داهش هو لأجل علاقة صداقته معنا ، وهذا ما يريدون أن يسدلوا الستار عليه ..

ولمّا كنت أعرف نيّاتهم الخبيثة ، وقلوبهم الأثيمة العامرة بجراثيم الجريمة ، والطافحة بشتى أنواع الموبقات والمكر الملوَّث … ذهبت ، وبرفقتي زوجي ، إلى دائرة البوليس ، ودخلت على إدوار أبي جوده ، وقلت له :

“كفاكم هذه المؤامرات المحبوكة التي لم تعد خافية على أحد . فقد ماطَلْتني وداورْتني ، منذ شهر ، وأنت تقول : ‘اليوم سآخذ إفادتك ، وغداً سأحضر لأستلمها منك’ . وهكذا مضت الأيام على لا شيء.

ولمّا كنتُ أعرف أنك تسير مرغماً بأوامر رؤسائك الأدنياء الذين لا يعرفون من الشرف سوى اسمه ، وجدت أن من العبث انتظار تحقيق وعدك العرقوبي ، لهذا جئتكَ بنفسي أحمل إليك إفادتي عن صديقنا الدكتور داهش كي تدوّنها .

‘وإذا كنت ترفضها بالنسبة إلى الأوامر المعطاة لك من طغمة الأشرار ، فإنني أبلغك أنني سأضطر لأن أرسلها إليك مسجلة بواسطة كاتب العدل ، وسأنشرها على صفحات الجرائد ، وأقصّ الحكاية ، وأدلي بالمعلومات للقرّاء ، ليروا عدل القائمين بالأحكام بينهم..”

ولما كان أبو جوده غير متوقّع قدومي إليه ، فجأةً ، أُسقط في يده ، وأُرغم على تسلّم إفادتي.

 

وقد أنهيت حديثي معه قائلةً له :

“بلّغ عصابتك من الرؤساء المستبدّين المجرمين أنّ ( ماري حدّاد الداهشيّة ) مستعدّة للنزول إلى المحاكم ، وكشف الستار عن جرائم فظيعة يريدون كتمانها . وهذا سيتمّ عاجلاً أم آجلاً ، إذا مكثوا مصرّين على غيّهم وإفكهم الدنيئين”.

أمّا إفادتي التي أدليتُ بها ، فها هي :

إفادتي في دائرة رئيس البوليس العدلي

سمعتُ الناس يتحدثون عن الدكتور داهش وعن معجزاته .

وسمعت ذلك من أشخاص يستحقّون كل الثقة ، فذهبنا لزيارته.

وكنت أعتقد ، وفي الوقت نفسه كنت على حذرٍ وشكّ :

كنتُ أعتقد لأنّ كل شيءٍ في الحياة معجزة ، إذا فكّرنا قليلا بالحبّة التي تنمو في الأرض ، وبالكهرباء ، وبالاختراعات العلمية ، وبالولادة ، والحياة ، والموت ، وما شاكل.

وكنت على حذرٍ وشكّ لأن الحذر والشكّ ، وفكرة افتراض الشرّ قبل الخير هي نتيجة ضرورية للاختبار. ولا سيّما في هذا العصر الذي نجد فيه ( المال ) هو سيّد العالم ، حتى إن أدنى وأخسّ إنسان غني يكون محترماً من الجميع … فهل هناك شخص فوق ( المال ) ، وفوق ( الوجاهة ) ، وفوق (المقامات العالية ) ؟ كلا ، لم أعرف أحداً كهذا .

إنّ الجهة الروحية في الحياة ، والاتجاهات العالية نحو المثل العليا يظهر أن وجودها ضئيلٌ جداً.

وكذلك وجود الأشخاص الذين عندهم الفكر العاقل الكامل .

ولكنّني وجدتُ نفسي أمام حادثٍ فريدٍ وغريبٍ في بابه :

إنّ الدكتور داهش ( الذي تسألونني عنه ) هو أعجوبة هذا العصر ؛ لأنه يضع كل شيء في مكانه ، ويُعطي كل شيء قيمته الحقيقية .

 

وهذا أمرٌ غير منتظر ، ولم يُسمع بمثله ، ولا يُصدّق ؛ ولكنه صحيح وواقعيّ.

هو يرتكز على إنجيل ( السيد المسيح ) ، له المجد ؛ هو الشخصيّة العليا لهذا الإنجيل.

كنّا نعرف هذا ( الكتاب المقدس ) ، ونعتبره عملاً إلهياً عبقرياً نُعجب به . ولكنّ معرفتنا إيّاه غير كافية لتجعل حياتنا مطبّقة عليه تماماً.

إذن ، نحن مطمئنّون بأن الدكتور داهش هو رجل الإنجيل .

وبعد ذلك ، وجدنا أنفسنا ، فجأةً ، أمام قوّة فوق الطبيعة ؛ لأننا شاهدنا ، ثانية ، عودة المعجزات الإنجيلية.

فالماء يتحوّل إلى خمر كما في ( قانا الجليل ) – وهي أوّل معجزة للسيد المسيح – وعندها آمن به الجميع .

ثم تعداد الخبز ، وتكثير السمك.

وكذلك نظرنا مضاعفة أشياء أمامنا .

وشاهدنا أيضاً شفاء أمراضٍ وتحقيق نبوءات.

وهنا لا شيء يكون مخبّأ ؛ فلا الفكر ولا الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل .

ولا توجد أيضاً مسافات ، ولا صناديق حديديّة مقفلة .

وشاهدنا ، أيضاً ، كيف تنزل العقوبات بالذين يتهجّمون أو يعتدون على الدكتور داهش .

و شاهدناه يأمر عناصر الموت والحياة ، فتطيعه للحال .

وعرفنا الدكتور داهش كيف يتكلّم .

و عرفناه بكتاباته ، وبتأليفه ، وبمعجزاته ، وبصِلاته مع الناس . فهو عندما يتكلّم فليس من حجّة مهما كانت بليغة وقويّة تقف أمام حجّته.

لقد شاهدناه بين كبار الرجال ، والكتبة والصحافيين ، وجماعات من ذوي الثقافة العالية . فكانوا كلّهم معجبين به حتى إنهم يصبحون بتفكيرهم أمامه صغاراً .

وكانوا كلّهم يطلبون منه إرشادات وتعاليم ، فكان يعطيهم إيّاها ببساطة كاملة ووداعة متناهية .

هو أكمل تعبير للعبقرية من حيث سموّ وجهة نظره ، ونبْل فكره وصفائه .

هو أيضاً الشخص الحقيقي لاستعمال الأشياء العملية الراهنة التي يمكن وجودها ؛ لأنه يعلّمنا ويتركنا نقدّر الأشياء وحدها كما تستحق ، تلك الأشياء الأزلية وليس الأشياء الفانية.

أما تعاليمه فيتركنا نلمس بها بالإصبع حقيقة الروح ، ويفتح لنا نافذة واسعة على العالم الثاني الذي لم يتمكّن أحد من اختراقه واجتيازه حتى الآن .

وإذا كنّا آمنّا به ، فلأننا وجدنا براهين ملموسة لا تُنْكر عن رسالته الروحية وإلا فلماذا لم نكتف بالكهنة والأحبار الذين ينتسبون إلى الانجيل ؟

لكنّ هذا الستار ، ولو كان جميلاً جداً ، فإنه لا يمكنه تغطية أكاذيبهم وأعمالهم التي تضرّ بالعقيدة أكثر مما تنفع ….

 

فقد تعوّد الناس المعاملات والدفع في المسائل الدينية ….

فالكنيسة – وخصوصاً كنيسة رومية – كل شيء عندها يُدفع ثمنه : كالغفرانات ، والألقاب ، والتحليلات ، وما شاكل .

ولذلك ، فكلّ حذرٍ يزول ، وكل شكّ يسقط من تلقاء نفسه عندما تتعرّف إلى شخصية الدكتور داهش. ونجد أنفسنا مخجولين من الأفكار الدنيئة التي تساورنا .

إن الدكتور داهش هو معجزة هذا العصر.

ومنذ ( السيد المسيح ) لم يوجد تجسّد إنسانيّ بهذه العظمة.

إن الدكتور داهش قضى بضعة أشهر فقط من حياته في مدارس بسيطة وصغيرة ، وذلك في غزير وصيدا ، ولم يتلقّن العلوم . وهو يقول عن نفسه : أنا ابن الحياة …

أما مؤلّفاته فتناهز التسعين ؛ وستكون بناءً عظيماً لشرح شخصيته ؛ وكلها كُتبت بسرعة لا تصدّق .

 

وأنا شاهدته مراراً في ساعات إلهامه وكأن القلم بين يديه يطير على الورق .

وقد شاهدنا حياته اليوميّة (ونحن كثيرون نشهد بذلك ).

وقد عاشرناه ، و درسناه ، واطّلعنا على كل شيء يخصّه ، منذ ساعة ولادته إلى اليوم .

أمّا ( المعجزات ) فكانت دائماً تحتاطه ، وكلّ ما له علاقة به مدوّن من عامه الثاني عشر ؛ حتى إن كلّ دقيقة من حياته مكتوبة يوماً بعد يوم .

أمّا نتائج تعاليمه فليس فيها ظلّ من الشكّ ؛ بل كلّها حقائق واطمئنان وثقة بكلّ ما ينتظرنا بعد الموت .

إنّنا بتعاليمه نترفّع عن الصغائر، والأشياء التي كان لها قبلاً في نظرنا أهمية ، أصبح لا أهمية لها على الإطلاق .

وليس هناك من همومٍ تساورنا ، بل حياةٌ سعيدة ، وكفى.

هذه هي المدرسة الوحيدة التي توحي إلينا أشياء عظيمة في مختلف العلوم : كتاريخ الأرض ، وعلم الفلك والنجوم ، والطب ، وأسباب الأمراض وكيفية شفائها ، وأسرار الولادة ، والموت ، والخلود ، وأشياء أخرى لم نكن نعرف عنها شيئاً . ولكن ساعة نشر هذه الأمور لم تأت بعد … ولو كان عندنا حكومة حكيمة متنوّرة ، لأدْرَكت أن في شخصية الدكتور داهش ينابيع لا تنضب ولا تُثمّن ، ولكان بإمكانها الاستفادة منه قبل أن تسبقها الشعوب التي ترغب في تجديد قواها بمثل هذه القوة العجيبة التي لا يمكن العاقل أن يشكّ فيها. إنها قوة ينحني أمامها كل شيء بدون استثناء ، لأنها قوّة (الله ) .

 

أنا لا أشفق على الذين يُحاربون الدكتور داهش ، ولكنّي أشفق على أولئك المتحايدين الذين لا يتدخلون الدرس هذه القوّة الخارقة .

ولكن ليس من كرامةٍ لنبي في وطنه.

 

ونحن سنكذّب يوماً هذا المثل..

وهنا تسألونني : ( وكيف يعيش الدكتور داهش ) ؟

فالجواب :

إنّني شاهدت عنده من الدراهم أكداساً مكدّسة . ولا يوجد عند ( بنك ) ما يوجد عنده من المال.

وقد شاهدته يعطي الفقراء بدون حساب ؛ ولكنّه لنفسه بكل دقة يعمل الحساب.

فعسى أن يرى الناس هذه القوة العجيبة التي ستبدّد أنوارها ظلمات الجهل من سماء بلادي .

 

بیروت ۲۳ شباط ١٩٤٤

ماري حداد

***

وهكذا ، قُدِّمَتْ أيضاً عدة إفادات من قبل بعض الإخوة والأخوات وجميعها مدونة بتواريخها في مجموعة “الوقائع الداهشية” ، وستُنشر في حينها .

 

وأُسدل الستار على التحقيقات بعد أن باءت بالفشل ولم تفضي الى إثبات أيّ تهمة قانونيّة أو جرم بحقّ الدكتور داهش.

 

1: ” معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة “، ماري حدّاد. ص.43-45

2: ” معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة “، ماري حدّاد. ص.47-48

3: ” معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة “، ماري حدّاد. ص.51-53 

4: ” معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة “، ماري حدّاد. ص.58-66

-  حملاتٌ صحافيّة ومشروع "منع المعجزات والظاهرات الروحية" 

“عندما تحطّمت جميع المحاولات التي بذلها الشيخ بشارة الخوري وأعوانه المجرمون على قدمي الدكتور داهش، وتبعثرت مكائدهم أمام عناد الدكتور وإصراره ، إذ ذاك حلّت الوجيعة في أعماق قلوبهم نظراً للفشل الذي أحدق بهم من كافة الجهات ؛ إذ لم يستطيعوا تقديم بيّنةٍ واحدة يمكنهم بواسطتها تقديم الدكتور داهش للقضاء.

وأمام هذا الفشل الذريع الذي جرفهم جرفاً ، واكتسحهم اكتساحاً ، فتقَت لهذه الطغمة المجرمة فكرة تبني مشروع يقضي بمنع مناجاة الأرواح .

وللحال تقدّم سيد المجرمين ( بشارة ) ، وتبنّى هذا المشروع ؛ وقدّمه الى المجلس النيابي بواسطة حكومته الصلحية ، وذلك في اليوم الأول من شهر آذار عام ١٩٤٤ .

وكان يرمي من وراء هذا المشروع أن يُصادق عليه المجلس النيابي ؛ حتى إذا صدّقت عليه أكثريّة النواب ، إذ ذاك ، يكون بإمكان النيابة العامة أن تصدر مذكّرة توقيف بحق الدكتور داهش، وتُدخله في السجن ، بحجّة سلامة التحقيق .

وقد مهّدت الحكومة ، بايعاز من الشيخ بشارة وزوجته ، بأن طبعت ( مشروع القانون ) ، وملأته بالذمّ والتقريع ضدّ الدكتور داهش ، وزعمت مزاعم خيالية وهمية خُرافية غير حقيقية ، وذلك بقصد التأثير على النواب واستمالتهم ، وجعلهم يتأثّرون قبل انعقاد المجلس ؛ حتى إذا عُقدت جلسة نيابية يكون التأثير مما قرأوه حافزاً لهم على التصديق على مشروع قانون منع “مناجاة الأرواح”.

وقد أُطلق على المشروع هذا اسم “مشروع قانون داهش” !

وأكثر من هذا ، أيضاً ، فإنّنا ، لكي نعطي القراء فكرة حقيقية عن مبلغ اهتمام بشارة ليُصدّق النوّاب على مشروعه المجرم هذا ، وعن عدم استقامة شرفه وضميره المفقودين ، نقول لهم : إنه استدعى إليه النوّاب على دفعات متوالية الى قصره الجمهوري ، ورجا منهم رجاءً خاصاً أن يُصدّقوا على المشروع الذي يهمه ( شخصيّاً ! ) ، وذلك كي يضمن نجاح التصديق عليه ، وقصده من هذا الانتهاء من أمر داهش ، والقضاء عليه .

وقد مهّد بواسطة النيابة العامّة بحملة صحفيّة مُغرضة مملوءة بأسفه الاختلاقات ، وأحطّ المفتريات ..

كلّ ذلك كي يُحمّس الرأي العام ضد الدكتور داهش ، عندما يقرأون مثل هذه التهم التي لا تزخر إلاّ تحت سقف منزله ، وبين زوجته وكريمته ووالدته وشقيقته ( يُمنى ) وكل أنثى تلوذ به . وهذا قد أصبح معروفاً ، وبات أمره مفروغاً منه بين جميع اللبنانيين.

ولكنّ جميع هذه المحاولات العدائية لم تنفعه بشيء على الإطلاق ؛ حسبما سيأتي بيانه مفصلاً، ومنه يُعطى الجميع صورةً صحيحة عن لؤم هذه العصابة الموغلة في الجريمة ، وعدم تمكينهم إيّانا من دحض ما كانوا يكيلونه للدكتور داهش من تهمٍ حقيرة .

فما إن اطّلع الدكتور داهش على ما نشرته النيابة العامة من وراء الستار ، وما ملأت به الصحف المأجورة بالنقود السريّة التي بذلها بشارة وعائلته ونيابته العامة في سبيل إدراج الأخبار السامة – حتى دبّج عشرات الردود القويّة التي تدحض إفكهم ، وتجندل مكرهم الخبيث.

وهنا تصدّت له دائرة قلم المطبوعات ، ولم تشأ أن تسمح لأيّة صحيفة لبنانية أن تنشر ما أرسله الدكتور داهش، أو أحد أتباعه من براهين ماديّة قاطعة وحجج ثابتة لا تقبل جدلاً.

وهكذا سارت سفينة الشرّ تقطع مراحل التدجيل ، وهي تنتظر الجلسة النيابية ، كي يُصدّق على القانون ، ويُنتهى من أمر داهش الذي هو سيف في صدورهم ، وحربةٌ في خواصرهم ، وخنجرٌ في حناجرهم ..

ولكنّ مقدرة الدكتور داهش حطّمت لهم مفترياتهم ، إذ وطئها بنعله القوي ، فهشّمها لهم وبدّدها ؛ ثم جعلت الرياح تبعثرها وتنشرها .

وإليك نبأ فشلهم الذريع الفاضح :

في تاريخ ۲۰ آذار من عام ١٩٤٤ ، عقدت لجنة الادارة والعدليّة في المجلس النيابي جلستها ، وطرحت مشروع قانون الحكومة ، وبالأحرى ( مشروع بشارة ) ، على بساط المناقشة ؛ فلم توافق على ما سعى إليه بشارة الخوري وزمرته الشرّيرة .

وفي اليوم التالي صدرت الصحف وهي طافحة بنبأ الخذلان الذي لاقاه المشروع الذي لم يكد يرى النور ، حتى التجأ إلى أعماق القبور !”1

1: “معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة “، ماري حدّاد، ص. 68-70

6-  جريمة القرن العشرين- محاولة اغتيال الدكتور داهش وسجنه 

 

يشرح المحامي خليل زعتر في كتابه “جريمة القرن العشرين ” كيفيّة انتقال السلطات اللبنانية بعد فشلها في إلصاق أيّة تهمة بالدكتور داهش قانونيّاً الى اتّباع الطرق اللاقانونية:

“إذا، بعد فشل رئيس الجمهورية في إلقاء القبض على الدكتور داهش بالوسائل التي مرّ عرضها، قرّر، بالاتفاق مع وزير عدليته حبيب أبو شهلا، استعمال وسائل لا يُقرها القانون في سبيل القضاء عليه. فما كان من وزير العدلية – تنفيذاً لرغبة رئيس الجمهورية – سوى البحث عن أشخاص يقومون بتنفيذ هذه الجريمة، فوقع الاختيار على منظمة “حزب الكتائب اللبنانية”. وتمّ الاتفاق معها على قيامها بالاعتداء على داهش تنفيذا للمخطّط الموضوع.

وابتدأت المرحلة الأولى بتهيئة الرأي العام وشحنه ضد الدكتور داهش عن طريق نشر سلسلة مقالات بذيئة تشهيرية في الجرائد تتناول داهشاً بالطعن والتجريح، وإثارة الرأي العام عليه بتصويره “راسبوتي”» لبنان، تسهيلاً للمؤامرة الجرمية بالخلاص منه والإجهاز عليه رحمة بالعائلات الشريفة.

وهكذا بدأت صحيفة «العمل»، لسان حال حزب الكتائب اللبنانية، بإطلاق التهم جزافاً على الدكتور داهش والداهشيين، وبأسلوب رخيص، وكلمات سفيهة تافهة. فكان الداهشيون يكتبون الردود المفحمة على جريدة «العمل» الكافية، ولكن قلم الرقابة التابع للحكومة كان يرفض الترخيص بنشر هذه المقالات، لأن تعليمات وزير العدلية تقضي بعدم السماح بنشر أي شيء مؤيّد للدكتور داهش أو دفاعا عنه، فتمتنع الصُّحُفُ لذلك عن النشر، وإلا تعرضت للتوقيف الإداري إلى أجل غير مسمّى. “1

كما انتقلت الحملة الصحفيّة الغاشمة من الذمّ والتجريح الى التهديد والدعوة الى الاعتداء على الدكتور داهش وإخراجه من لبنان.  كما تمّ الاعتداء الجسدي بالضرب والشتم والتهديد والترويع على أتباع الدكتور داهش ومنهم السيد بولس فرنسيس والدكتور فريد أبو سليمان والدكتور جورج خبصا وغيرهم.

 

 

 ٢٨ آب ١٩٤٤

 

في هذا اليوم الأسود المشؤوم، جرت محاولة اغتيال الدكتور داهش، ويروي تفاصيلها السيّد جورج حدّاد الذي كان مع الدكتور داهش أثناء الاعتداء والتوقيف2:

“في الساعة الثامنة من صباح اليوم (۲۸ آب)، عندما غادرنا المنزل، ركبنا السيارة، أنا وصهري جوزف حجار، برفقة الدكتور داهش.

وعند وصولنا إلى منزله، وجدنا حوله ثمانية أشخاص من “الكتائب”، أحدهم المدعو جورج عشّي. فترجّل جوزف لمراقبتهم، بينما تابعنا نحنُ سيرنا إلى مخفر البسطة، وأعْلَمنا رجال البوليس هناك بوجود المجرمين، وطلبنا إرسال قوة لاعتقالهم، فرُفض طلبنا، مما أكّد لنا أنها مؤامرة حكوميّة مجرمة مديدبّرة.

وهكذا غادرنا المخفر، وذهبنا إلى منزل الكوميسار محمد علي فياض الذي كان يهبط درج منزله، فأعلمناه بواقعة الحال، لكنه رفض أيضا الذهاب مُبْدِيًا أَتْفَه الأعذار . فقلنا له: إنّ واجبك المقدّس يُحتّم عليك الذهاب معنا حالاً لإلقاء القبض على هذه الطغمة الأثيمة، والاّ تضطرّنا إلى نشر بيانٍ بالحادث، وبأنّك رفضت الذهاب، فيفهم الرأي العام حقيقة المؤامرة المدبّرة بإيعاز من لور وزوجها بشاره ووزير عدليّته الأثيم.

وبعد محاورةٍ شديدةٍ بينه وبين الدكتور داهش، انصاع للواقع مكرهاً على أمره، وركب درّاجة نارية يقودها أحد رجال البوليس، وتبعناه بالسيارة. وعندما بلغنا منزل الدكتور داهش حيث كانت ترابط الطغمة المجرمة شاهدنا بعين العجب الشديد أنّ كوميسارنا الفاضل يرفع يده الطاهرة محيّياً هذه العصابة عوضًا عن إلقائه القبض عليهم !

وسرعان ما تكشّفت لنا الحقيقة التامّة، وتمزّقت ستائر الغشّ والتدليس، وفُضح أمر هؤلاء الأثمة الأوغاد الذين يتبوّأون المناصب العليا في البلاد الرازحة تحت وطأة الظلم والاستبداد.

فدخل الدكتور داهش إلى منزله. وفي هذه اللحظة، تقدّم صهري جوزف من الكوميسار ليحدّثه، وإذا بسيارة ظهرت، ونزل منها مجرمٌ مفترسٌ هو المدعوّ إلياس الصوري، وأهوى على جوزف يضربه ضرباً قاسياً عنيفًا بهراوة غليظة على أمّ رأسه حتى تفجّرت الدماء الغزيرة على وجهه وثيابه، ثم حاول المعتدي الأثيم أن يشهر سلاحاً كان يُخفيه في جيبه. وكان الكوميسار ومرافقه ينظران إلى تنفيذ مؤامرة حكومتهم دون أن يأتيا بأيّة حركة لحماية المعتدى عليه.

فسحب جوزف، عندئذٍ، حربةً كانت في جوف عصاه، وغرس نَصْلَهافي صدر المعتدي الأثيم دون أن يُشدِّدَ الضَّرْبَ شفقةً عليه، فجرحه جرحًا طفيفاً.

وهنا اضطرب الكوميسار، واضطُرّ إلى التدخّل، وتجمهر الناس بكثرة. أمّا عصابة الكتائب فلم تكتف بعملها الشنيع هذا، بل هجمت عليّ ومع أحدهم حربةٌ … ولكن الجماهير منعت وصول الحربة إلى جسمي.

وإذا بهم ينقضّون كالذئاب الضارية على منزل الدكتور لكسره، واغتياله في عقر داره. إلاّ أن الشرطة منعتهم مرغمةً على أمرها بعد أن ظهرت المؤامرة للجماهير المحتشدة. وعلى الفور طلب المفوّض قوّةً كبيرةً فحضرت سيارة ضخمة وفيها اثنا عشر رجلاً من البوليس، وطلبوا إلي وإلى الدكتور داهش الذهاب معهم فيها إلى الدائرة في ساحة البرج. فمانع الدكتور . فقال له محمد علي فياض: “إنَّ ذهابك ضروري كي نأخذ إفادتك ونؤدّب هؤلاء الأوغاد.”

أمّا سيارة المعتدين، وهي ذات الرقم ٩٧٩٤ ، فقد تركوها حرّة تسير ورائنا بأولئك الأثمة المعتدين وهم يهدّدوننا بقبضات أيديهم.

وأمّا صهري جوزف فقد جاؤوا به إلى الدائرة والدم يسيل من رأسه وثيابه ملطّخة به.

وعند وصولنا إلى دائرة الشرطة، وضعونا في غرفةٍ، وحضر المفوّض أحمد منيمنه، وأخذ استنطاق الدكتور داهش واستنطاقي.

ثم أوقفونا في غرفةٍ ثانيةٍ حيث اجتمعنا بصهري جوزف.

أمّا المجرمون المعتدون علينا، فقد أَطلقوا سراحهم بدون سؤالٍ ولا جواب.

وعند الساعة الرابعة بعد الظهر، حضر إلى دائرة القسم العدلي الأستاذ يوسف شربل مع المستنطق والمدّعي العام، وطلبوا، أولاً، الدكتور داهش وحقّقوا معه أكثر من ساعة، وسألوه أسئلة لا تتعلق بالحادث؛ كل ذلك ليتمكنوا من عمل “مذكّرة توقيف” كَيْدًا وانتقامًا.

فهل من العدل والشرع والقانون والضمير والوجدان والشَّرَف أَن يُوقَفَ المعتدى عليهم، بينما المعتدون في خارج الدائرة يسرحون ويمرحون ويضحكون ويهزأون ؟!

وبعد فروغهم من الدكتور داهش، طلبوني، وحقّقوا معي أكثر من نصف ساعة.

وبعد أن شرحت لهم حادثة الاعتداء، سألوني عن الدكتور داهش وأعماله، فذكرت لهم ما يجب ذكره، وقلت لهم: «كل إنسان عاقل عليه أن يفتّش عن الحقيقة بواسطة الدكتور داهش.

بعد ذلك أَفْهَمُوني أنّني حرّ، وأنّه يُمكنني الذهاب، فخرجت، ورجعت إلى الغرفة التي فيها الدكتور وصهري جوزف. وفي الحال استدعوا جوزف وحقّقوا معه أكثر من ساعة.

وعلى أثر ذلك، صدرت بحقّه وبحق الدكتور داهش مذكّرة توقيف غير مؤقّتة. وهذا ما كانوا يُحاولون ويتمنّون إنجازه ليل نهار. وها إنَّ أُمنيتهم قد تحقّقت، فظهرت أكاذيب محمد علي فياض. أمّا توقيفهم لجوزف فما كان إلا ذرّاً للرماد في العيون تجاه الرأي العام، وكي لا يُقال إن الدكتور داهش قد أوقف بمفرده. فيا لمهزلتهم الدنيئة!”2

 

 

ويقول الدكتور داهش في كتابه “الكتاب الأسود” الذي كان يطبع ويوزّع بإمضاء السيدة الأديبة ماري حدّاد في الصفحة 19:

“يا بشارة …. أنت أنت

وهنا يا بشارة! …. أخذ البوليس – وهم رجالك والمؤتمرون بأمرك – يرهقون الدكتور ويطيلون عذابه . ثم ساقوه الى النظارة فأقضى ليلته فيها . وفي اليوم الثاني كبّلوه في الحديد . وبعد أن صوّروه كالمجرمين أركبوه سيارة السجناء وزجّوه في اعماق سجن الرمل..

وفي كل ثلاثة أيام كانوا يكبّلونه بالحديد ، ثم يركبونه مع المجرمين ويساق إلى دار العدل الذي كان الأحرى بهم أن يطلقوا عليه إسم ( دار الظلم ) حيث استجوبه المستنطق المجرم .

وبعد سجن ثلاثة عشر يوماً كاملة فشلت مساعيهم ووجدوا أنهم لا يستطعون تقديم الدكتور داهش الى المحاكمة اذ لا غبار عليه ولأنّ جريمتهم ستفتضح وستدينهم المحكمة ويشهر أمرهم امام الرأي العام فيُعرف أنهم هم المجرمون .

فخشوا العاقبة وخافوا أن يُعرف أن الشيخ هو الدافع الحقيقي لمثل هذه الجريمة .”

1: كتاب “جريمة القرن العشرين “، للمحامي خليل زعتر. ص. 103-104.

2: كتاب “جريمة القرن العشرين “، للمحامي خليل زعتر،  ص. 127-130.

جريمة القرن العشرين- محاولة اغتيال الدكتور داهش وسجنه 

يشرح المحامي خليل زعتر في كتابه “جريمة القرن العشرين ” كيفيّة انتقال السلطات اللبنانية بعد فشلها في إلصاق أيّة تهمة بالدكتور داهش قانونيّاً الى اتّباع الطرق اللاقانونية:

“إذا، بعد فشل رئيس الجمهورية في إلقاء القبض على الدكتور داهش بالوسائل التي مرّ عرضها، قرّر، بالاتفاق مع وزير عدليته حبيب أبو شهلا، استعمال وسائل لا يُقرها القانون في سبيل القضاء عليه. فما كان من وزير العدلية – تنفيذاً لرغبة رئيس الجمهورية – سوى البحث عن أشخاص يقومون بتنفيذ هذه الجريمة، فوقع الاختيار على منظمة “حزب الكتائب اللبنانية”. وتمّ الاتفاق معها على قيامها بالاعتداء على داهش تنفيذا للمخطّط الموضوع.

وابتدأت المرحلة الأولى بتهيئة الرأي العام وشحنه ضد الدكتور داهش عن طريق نشر سلسلة مقالات بذيئة تشهيرية في الجرائد تتناول داهشاً بالطعن والتجريح، وإثارة الرأي العام عليه بتصويره “راسبوتي”» لبنان، تسهيلاً للمؤامرة الجرمية بالخلاص منه والإجهاز عليه رحمة بالعائلات الشريفة.

وهكذا بدأت صحيفة «العمل»، لسان حال حزب الكتائب اللبنانية، بإطلاق التهم جزافاً على الدكتور داهش والداهشيين، وبأسلوب رخيص، وكلمات سفيهة تافهة. فكان الداهشيون يكتبون الردود المفحمة على جريدة «العمل» الكافية، ولكن قلم الرقابة التابع للحكومة كان يرفض الترخيص بنشر هذه المقالات، لأن تعليمات وزير العدلية تقضي بعدم السماح بنشر أي شيء مؤيّد للدكتور داهش أو دفاعا عنه، فتمتنع الصُّحُفُ لذلك عن النشر، وإلا تعرضت للتوقيف الإداري إلى أجل غير مسمّى. “1

كما انتقلت الحملة الصحفيّة الغاشمة من الذمّ والتجريح الى التهديد والدعوة الى الاعتداء على الدكتور داهش وإخراجه من لبنان.  كما تمّ الاعتداء الجسدي بالضرب والشتم والتهديد والترويع على أتباع الدكتور داهش ومنهم السيد بولس فرنسيس والدكتور فريد أبو سليمان والدكتور جورج خبصا وغيرهم.

 

 

 ٢٨ آب ١٩٤٤

 

في هذا اليوم الأسود المشؤوم، جرت محاولة اغتيال الدكتور داهش، ويروي تفاصيلها السيّد جورج حدّاد الذي كان مع الدكتور داهش أثناء الاعتداء والتوقيف2:

“في الساعة الثامنة من صباح اليوم (۲۸ آب)، عندما غادرنا المنزل، ركبنا السيارة، أنا وصهري جوزف حجار، برفقة الدكتور داهش.

وعند وصولنا إلى منزله، وجدنا حوله ثمانية أشخاص من “الكتائب”، أحدهم المدعو جورج عشّي. فترجّل جوزف لمراقبتهم، بينما تابعنا نحنُ سيرنا إلى مخفر البسطة، وأعْلَمنا رجال البوليس هناك بوجود المجرمين، وطلبنا إرسال قوة لاعتقالهم، فرُفض طلبنا، مما أكّد لنا أنها مؤامرة حكوميّة مجرمة مديدبّرة.

وهكذا غادرنا المخفر، وذهبنا إلى منزل الكوميسار محمد علي فياض الذي كان يهبط درج منزله، فأعلمناه بواقعة الحال، لكنه رفض أيضا الذهاب مُبْدِيًا أَتْفَه الأعذار . فقلنا له: إنّ واجبك المقدّس يُحتّم عليك الذهاب معنا حالاً لإلقاء القبض على هذه الطغمة الأثيمة، والاّ تضطرّنا إلى نشر بيانٍ بالحادث، وبأنّك رفضت الذهاب، فيفهم الرأي العام حقيقة المؤامرة المدبّرة بإيعاز من لور وزوجها بشاره ووزير عدليّته الأثيم.

وبعد محاورةٍ شديدةٍ بينه وبين الدكتور داهش، انصاع للواقع مكرهاً على أمره، وركب درّاجة نارية يقودها أحد رجال البوليس، وتبعناه بالسيارة. وعندما بلغنا منزل الدكتور داهش حيث كانت ترابط الطغمة المجرمة شاهدنا بعين العجب الشديد أنّ كوميسارنا الفاضل يرفع يده الطاهرة محيّياً هذه العصابة عوضًا عن إلقائه القبض عليهم !

وسرعان ما تكشّفت لنا الحقيقة التامّة، وتمزّقت ستائر الغشّ والتدليس، وفُضح أمر هؤلاء الأثمة الأوغاد الذين يتبوّأون المناصب العليا في البلاد الرازحة تحت وطأة الظلم والاستبداد.

فدخل الدكتور داهش إلى منزله. وفي هذه اللحظة، تقدّم صهري جوزف من الكوميسار ليحدّثه، وإذا بسيارة ظهرت، ونزل منها مجرمٌ مفترسٌ هو المدعوّ إلياس الصوري، وأهوى على جوزف يضربه ضرباً قاسياً عنيفًا بهراوة غليظة على أمّ رأسه حتى تفجّرت الدماء الغزيرة على وجهه وثيابه، ثم حاول المعتدي الأثيم أن يشهر سلاحاً كان يُخفيه في جيبه. وكان الكوميسار ومرافقه ينظران إلى تنفيذ مؤامرة حكومتهم دون أن يأتيا بأيّة حركة لحماية المعتدى عليه.

فسحب جوزف، عندئذٍ، حربةً كانت في جوف عصاه، وغرس نَصْلَهافي صدر المعتدي الأثيم دون أن يُشدِّدَ الضَّرْبَ شفقةً عليه، فجرحه جرحًا طفيفاً.

وهنا اضطرب الكوميسار، واضطُرّ إلى التدخّل، وتجمهر الناس بكثرة. أمّا عصابة الكتائب فلم تكتف بعملها الشنيع هذا، بل هجمت عليّ ومع أحدهم حربةٌ … ولكن الجماهير منعت وصول الحربة إلى جسمي.

وإذا بهم ينقضّون كالذئاب الضارية على منزل الدكتور لكسره، واغتياله في عقر داره. إلاّ أن الشرطة منعتهم مرغمةً على أمرها بعد أن ظهرت المؤامرة للجماهير المحتشدة. وعلى الفور طلب المفوّض قوّةً كبيرةً فحضرت سيارة ضخمة وفيها اثنا عشر رجلاً من البوليس، وطلبوا إلي وإلى الدكتور داهش الذهاب معهم فيها إلى الدائرة في ساحة البرج. فمانع الدكتور . فقال له محمد علي فياض: “إنَّ ذهابك ضروري كي نأخذ إفادتك ونؤدّب هؤلاء الأوغاد.”

أمّا سيارة المعتدين، وهي ذات الرقم ٩٧٩٤ ، فقد تركوها حرّة تسير ورائنا بأولئك الأثمة المعتدين وهم يهدّدوننا بقبضات أيديهم.

وأمّا صهري جوزف فقد جاؤوا به إلى الدائرة والدم يسيل من رأسه وثيابه ملطّخة به.

وعند وصولنا إلى دائرة الشرطة، وضعونا في غرفةٍ، وحضر المفوّض أحمد منيمنه، وأخذ استنطاق الدكتور داهش واستنطاقي.

ثم أوقفونا في غرفةٍ ثانيةٍ حيث اجتمعنا بصهري جوزف.

أمّا المجرمون المعتدون علينا، فقد أَطلقوا سراحهم بدون سؤالٍ ولا جواب.

وعند الساعة الرابعة بعد الظهر، حضر إلى دائرة القسم العدلي الأستاذ يوسف شربل مع المستنطق والمدّعي العام، وطلبوا، أولاً، الدكتور داهش وحقّقوا معه أكثر من ساعة، وسألوه أسئلة لا تتعلق بالحادث؛ كل ذلك ليتمكنوا من عمل “مذكّرة توقيف” كَيْدًا وانتقامًا.

فهل من العدل والشرع والقانون والضمير والوجدان والشَّرَف أَن يُوقَفَ المعتدى عليهم، بينما المعتدون في خارج الدائرة يسرحون ويمرحون ويضحكون ويهزأون ؟!

وبعد فروغهم من الدكتور داهش، طلبوني، وحقّقوا معي أكثر من نصف ساعة.

وبعد أن شرحت لهم حادثة الاعتداء، سألوني عن الدكتور داهش وأعماله، فذكرت لهم ما يجب ذكره، وقلت لهم: «كل إنسان عاقل عليه أن يفتّش عن الحقيقة بواسطة الدكتور داهش.

بعد ذلك أَفْهَمُوني أنّني حرّ، وأنّه يُمكنني الذهاب، فخرجت، ورجعت إلى الغرفة التي فيها الدكتور وصهري جوزف. وفي الحال استدعوا جوزف وحقّقوا معه أكثر من ساعة.

وعلى أثر ذلك، صدرت بحقّه وبحق الدكتور داهش مذكّرة توقيف غير مؤقّتة. وهذا ما كانوا يُحاولون ويتمنّون إنجازه ليل نهار. وها إنَّ أُمنيتهم قد تحقّقت، فظهرت أكاذيب محمد علي فياض. أمّا توقيفهم لجوزف فما كان إلا ذرّاً للرماد في العيون تجاه الرأي العام، وكي لا يُقال إن الدكتور داهش قد أوقف بمفرده. فيا لمهزلتهم الدنيئة!”2

 

 

ويقول الدكتور داهش في كتابه “الكتاب الأسود” الذي كان يطبع ويوزّع بإمضاء السيدة الأديبة ماري حدّاد في الصفحة 19:

“يا بشارة …. أنت أنت

وهنا يا بشارة! …. أخذ البوليس – وهم رجالك والمؤتمرون بأمرك – يرهقون الدكتور ويطيلون عذابه . ثم ساقوه الى النظارة فأقضى ليلته فيها . وفي اليوم الثاني كبّلوه في الحديد . وبعد أن صوّروه كالمجرمين أركبوه سيارة السجناء وزجّوه في اعماق سجن الرمل..

وفي كل ثلاثة أيام كانوا يكبّلونه بالحديد ، ثم يركبونه مع المجرمين ويساق إلى دار العدل الذي كان الأحرى بهم أن يطلقوا عليه إسم ( دار الظلم ) حيث استجوبه المستنطق المجرم .

وبعد سجن ثلاثة عشر يوماً كاملة فشلت مساعيهم ووجدوا أنهم لا يستطعون تقديم الدكتور داهش الى المحاكمة اذ لا غبار عليه ولأنّ جريمتهم ستفتضح وستدينهم المحكمة ويشهر أمرهم امام الرأي العام فيُعرف أنهم هم المجرمون .

فخشوا العاقبة وخافوا أن يُعرف أن الشيخ هو الدافع الحقيقي لمثل هذه الجريمة .”

1: كتاب “جريمة القرن العشرين “، للمحامي خليل زعتر. ص. 103-104.

2: كتاب “جريمة القرن العشرين “، للمحامي خليل زعتر،  ص. 127-130.

-  تعذيبٌ وتجريدٌ ونفيٌ وراء الحدود

يفصّل الدكتور داهش مراحل الجريمة من تعذيبٍ وتجريدٍ ظالمٍ من جنسيته اللبنانية ونفيٍ وراء الحدود في رسالةٍ بعثها الى المحامي إدوار نون.1

 

 أخي الاستاذ إدوار نون حفظك الله .

 يا أخي انّ ما حدث لي ، وما سأرويه لك لهو أشبه بالأساطير اليونانية .

 ومن يقرأ حكايتي يظنّني روائيّا بارعاً لفداحة ما أصبت به من الحكومة اللبنانية في عصر الحريَّة والنور ، والتبجّح بالتمسّك بنصوص القوانين الموضوعة .

 والآن أصغ الى قصّتي الواقعيّة ، وبلّغها لآذان الرأي العامّ وللمراجع الرسميّة ، علّك تستطيع انتزاع حقّي السليب من هؤلاء الذين لم يتورّعوا عن دفعي الى الموت لغاياتهم الوضيعة . فشاء لي الله الخلاص ، وأنوفهم راغمة .

 بتاريخ مساء السبت الواقع في 9 أيلول 1944 قدم الى سجن الرمل كلّ من مدير البوليس عارف ابراهيم وعمر طبارة ، رئيس دائرة التحرّي ، ومحمّد علي فياض ، كوميسار منطقة البرج ، وطلبوا من الجاويش قيصر الذي كان دور حراسته في ذلك المساء أن يبلّغني أنّ مذكّرة اخلاء سبيلي قد صدرت بحقّي ، وأنّ ادارة السجن ستخلي سبيلي في هذا المساء بشرط أن لا أخبر أيّ سجين أو أيّ شخص آخر من الحرس عن هذا الأمر . وبالفعل حضر قيصر وبلّغني عن هذا الأمر ، وأقسم عليّ ان لا أبلغ أحدا عمَّا سمعته . وهنا داخلني الريب وقلت له :

 • اذا كان حقيقة ما تقول ، فلماذا هذا التكتّم ؟ ولماذا لا أخرج الآن ؟

 أجاب : ” لأن المذكرة لم تصلنا حتى الان ” .

 قلت له :

 • وكيف عرفت بها اذاً ؟

 قال : ” هذا لا يهمّك معرفته ، والمهمّ أن أشخاصاً سيحضرون في الساعة العاشرة ليلاً ويوصلونك . فقط أكتم هذا كلّ الكتمان ” .

 أجبته : ” اعلم يا قيصر أنَّني لا أخطو خطوة خارج السجن الاّ اذا حضر كلّ من الدكتور خبصا والاستاذ ادوار نون ، فعندها يتأكّد لي صدق كلامك فأذهب برفقتهم . أمّا اذا حضر سواهم فانَّها مؤامرة للتخلّص منّي ” ….

 وغادرته وأنا في أشدّ حالات الانفعال .

أمّا هو فعاد يرجوني ويكرّر عليّ كتمان الأمر . وبطبيعة الحال دخلت الى غرفة السجن ، وبلّغت المساجين قائلاً لهم : ” توجد مؤامرة خطيرة على حياتي ، فانهم يريدون ، مثلما يزعمون ، أن يخلو سبيلي بشرط أن أكتم هذا الأمر ، وقصدهم الحقيقي من هذا الكتمان أنه عندما أخرج ، أو بالأحرى عندما يخرجونني ، اذ ذاك يطلقون عليّ النار ، ويدّعون قائلين : ” انّه حاول الهرب وتمكّن من الخروج ، فاضطررنا لأن نطلق عليه النار ” ، ويسدل الستار على هذه الجريمة . والآن اعلموا جميعا أنّ هذا الأمر ، اذا وقع ، فواجبكم ان تبلّغوا أهلي وأصدقائي كي يذيعوا للرأي العامّ تفاصيل هذه الجريمة الرهيبة ” ….

وقد عرف قيصر بأنني بلّغت السجناء فلم يكن راضياً . وللحال بلّغ بدوره مدير البوليس وزميله عن معرفة جميع السجناء بتفاصيل الحادث ، فأسقط في أيديهم ولم يكونوا ممتنّين .

وفي الساعة العاشرة ليلاً فُتحت غرفة السجن ، وتقدّم مني قيصر وبرفقته دركيّان ، وقالوا لي : ” انهم ينتظرونك كي تذهب برفقتهم ” . فمانعت جدّا ، لأنني عرفت بالمكيدة . ولكنّهم أصرّوا الاصرار كلّه . فلم أقتنع وطلبت منه المذكّرة التي تقول باخلاء سبيلي ، وقرأتها .

 ثم بالرغم عنّي أُخذت الى غرفة المدير . وهناك وجدت من ذكرتهم لك ، أي مدير البوليس وعمر طبارة ومحمد علي فياض ينتظرونني . فطلبت منهم استدعاء أصدقائي ، فمانعوا وقالوا : ” نحن نوصلك ” . وقد ذهبنا أوّلا الى منزلي ، فشاهدته مطوّقا بعشرات من رجال البوليس ، فدُهشت جدّا .  ومن هناك قصدنا منزل الأخ جورج حدّاد ، عديل صديقك سابقاً ، كي آخذ بعض النقود من شقيقتي ، لأنهم أخبروني أنهم ينوون أخذي الى طرابلس الشام لأمكث فيها مدّة شهر ، ثم يعيدونني الى بيروت .

وعندما وصلنا الى منزل الأخ جورج قرع محمّد علي فياض جرس المنزل ، وأطلّت علينا شقيقتي أنطوانيت . فاستدعيتها للنزول ، ففعلت . ونزلت معها ماجدا ابنة جورج حدّاد . وما شاهد محمد علي نزؤلهما حتى جذبني بشدّة عظيمة ، فحاولت التخلص من جذبه العنيف . وهنا دارت رحى معركة رهيبة استعمل فيها عمر طبارة اطلاق أربع أو خمس طلقات نارية من مسدسه .

 وما لبث أن شعرت بضربة من مسدّس محمد علي فياض على أم رأسي ، فهويت الى الأرض لا أعي شيئاً من هول الرطمة التي نالتني من يد هذا الوحش الأثيم .

والغريب أنني كنت أسمع الضوضاء والصيحات والأحاديث التي كانت تدور بين المجتمعين ولكنني لا أستطيع أن أتكلّم ، فقد عقد لساني من هول الضربة . وأخيرا وضعوا القيد الحديديّ في يدي ، وحملوني ، ثم ألقوني بسيّارة مدير البوليس الشهم ، بارك الله بأصله السامي .

 وأقسم لك يا أخي العزيز بربّ السماء ، وبدم يسوع المسيح الطاهر ، أن الوغد الهمجيّ محمد علي فياض منذ القاني في السيّارة حتى بلغت الى مركز البوليس على البرج ، وهو ينهكني بلطمات عنيفة جدّا على وجهي وفكّي وصدري ورأسي وكافّة أعضائي ، وهو يشتمني بشتائم لم أسمع طوال عمري أحطّ من عباراتها .

وعندما بلغت الى المركز العامّ الذي تعرفه جيّدا ، طلب إليَّ أن أنزل ، فحاولت النزول ، ولكنّني لم أستطع من عظم ما لاقيته من ضرب مبرّح ، واذا بهؤلاء الوحوش الثلاثة يهوون عليّ بقبضات أيديهم . وانبرى محمد علي يركلني بقدمه بكلّ ما أوتيه من قوّة لأخرج ، فتحاملت على نفسي ، فما استطعت الى ذلك سبيلا ، بل سقطت من الاعياء ، ولم أستطع السير على قدمي . وهنا كان على درج المركز عشرات من البوليس ، فحملوني وأدخلوني الى غرفة رجال التحري التي تقع بالقرب من غرفة عمر طبارة !

 وهنا نعم هنا أمسك الوغد محمد علي فياض سوطا غليظا وراح يهوي به على جسمي بصرامة رهيبة خلت معها أنّ روحي قد خرجت من بين جنبيّ ، وتشقّق اللحم متفسّخا ، وانبثقت الدماء من جسدي . وبالرغم من هذا ، فانّه لم يكفّ عن متابعة سوطي بقوّة ، حتى تصبّب العرق منه ، وأصبح يلهث كالحيوان الذي قام باعماله الشاقّة طوال نهاره وليله .

 وهنا ألقى السوط من يده ، فأمسكه عمر طبارة وأكمل جلدي بقوّة عظيمة . وعندما تعب من كثرة الجلد تناوله آخر ، فآخر ، فآخر …حتى ظننت أنهم يريدون اماتتي بواسطة الجلد .

وأخيرا تقدم مني عارف ابراهيم مدير بوليس بيروت الفائق الرقّة والتهذيب وذو الأخلاق الكريمة …وراح يصفعني صفعات متتاليات بكلّ ما لديه من عزم وجبروت ، فانبثق من فمي الدم ، وما عدت أعي شيئا ، لأنّ الأرض دارت بي ، أو درت بها ، وغاب الوجود من أمامي …وعندما استيقظت كانت يقظتي على مياه باردة سكبها هؤلاء الجلاّدون عليّ ، وأعادوا الكرّة للمرّة الثانية من جلد وتعذيب ، ثم حملوني الى السيارة ، والشتائم المبتذلة التي يخجل السوقة من التلفّظ بها تنصبّ على رأسي من فم الشريف والحسيب النسيب محمد علي فياض كوميسار منطقة البرج ، هذا الرجل المؤتمن على الأخلاق ، وعلى المحافظة على الأمن العام . فيا للعار !

والويل لك ايتها الأمّة المنكوبة بمثل هؤلاء السفّاحين الأجلاف !

وفي السيارة ، نعم في السيارة يا أخي ادوار ! ….أركبوني فيها وأنا مكبّل بالحديد ، وجلس عن يميني رجل التحري المدعوّ عبد السلام عيتاني ، والذي جلس عن يساري اسمه سيزاك ستراك ، أمّا السائق فاسمه محمد المكّي وهو ابن الشيخ حسن مكّي ، وهو بوليس تحرّي أيضا ، وقد جلس بجانبه المفوّض عمر طبارة .

وهنا أيضا – بكلّ أسف يا أخي ادوار – أمسك عمر هذا بسوطه ، وراح يسوطني به ، والسيّارة سائرة بنا ، ووجهتها طرابلس ، فتألّمت جدا ، وقلت له : ” أليس من العار أن يجلد رجل لم يسىء الى أحد من الناس ، ولم تثبت عليه تهمة ، لا من النيابة العامة ولا من رجال الشرطة الخفية ؟ وهب ( لا سمح الله ) أنّ أيّة تهمة ثبتت عليّ ، فهناك محاكم كي تحاكمني بموجب قوانين البلاد ، ثم تحكم عليّ بالسجن …أمّا الضرب والجلد والارهاق والتعذيب فهذا ممّا لا تستعمله سوى الشعوب الهمجيّة البربريّة ” .

 وكأنّ كلامي هذا كان حافزا له لتجديد جلدي ، ففعل ، واذا بضربتين من سوطه تقعان على قلبي ، فشعرت أنه قد توقّف عن الخفقان . وسوط آخر هوى به على يدي اليسرى عطّل لي ثلاثة أصابع منها ، فعدت للغياب عن الوعي . وعندما عاد إلي شعوري في الطريق وجدت السيّارة ما زالت تنهب بنا الأرض نهبا ، أمّا أنا فقد كانت هيئتي على الصورة الآتية :

 كنت أرتدي قميصا ممزّقا من تأثير المعركة دون جاكيت ، لأنّ محمد علي جذبني منها وخلعها عن جسمي ، ثم ألقاها أرضا وداسها بقدميه . وكان البنطلون ممزّقا أيضا ، ورأسي مورّماً من هول اللطمات التي أصابتني ، وجسمي معجونا بعضه ببعض من مئات السياط التي نالتني على أيدي هؤلاء الأجلاف . ووجهي لو شاهده أقرب الناس إليَّ لما عرفه ، فقد كنت مورّم الوجه ، أعمش العينين ، أشعث الشعر ، وبحالة مؤسفة جدّا يتألّم لها حتى العدوّ .

 ولم يكفني كلّ ما لقيته من اضطهاد مثلما يظهر لأنّ عمر طبارة أكمل قذفي بشتائمه المُخجلة . ودهشت كيف تقبل حكومة تحترم نفسها بتوظيف مثل هذا المخلوق وأشباهه …وأكملت السيّارة سيرها وأنا أقول في كلّ لحظة انهم يريدون الآن اطلاق النار عليّ ، والانتهاء من أمري .

 وفي الساعة التاسعة صباحا بلغنا حلب ، وهناك رأسا أصعدوني الى دائرة الامن العامّ الافرنسيّة للجيش .

 ولمّا كان الوقت باكرا ، لم يكن بعد قد حضر الاَّ موظّف واحد سلّموني له ، فأدخلني الى غرفة النظارة المُخيفة ، ثم أغلق عليّ الباب . وبعد نصف ساعة تقريبا فتح عليّ الباب ، وطلب إلي الخروج ، ففعلت ، وأدخلت الى غرفة ثانية ، واذا بي وجهاً الى وجه مع الحاج توما ، وهو رئيس الدائرة ، وكنت قبل عامين أو أكثر قد اجتمعت مرة واحدة معه بدائرة الامن العام في بيروت ، فدُهش عندما شاهدني الدهشة الكليّة ، واستفسرني عن الأسباب ، فأخبرته أن الحكومة اللبنانيّة تريد هكذا ، والسبب هو صداقتي لعائلة جورج حدّاد ، فدُهش جدّا .

وهنا تعرّيت ، ودعوته يشاهد آثار الضرب العنيف الذي نالني على يد هؤلاء الأوغاد ، اذ كان ظهري ومؤخرتي وصدري قطعة واحدة من لطخة سوداء ، فذعر الحاج توما ولم يصدّق ما شاهدته عيناه . انّها وحشيّة لم يجرِ على غرارها الا في تلك العصور المُظلمة السحيقة ، عصور محاكم التفتيش الرهيبة . وما لبث أن حضر الجلاّدون الأربعة وسلّموا الحاج توما رسالة بخصوصي ، فقرأها ، وقال لهم : ” انّها غير رسميّة ” . فقالوا له : ” اذن دعه يذهب معنا ” … فاستلموني وذهبوا بي الى سراي الحكومة ، وهناك أصعدوني برفقتهم ورفقة مدير بوليس حلب الى غرفة المحافظ احسان الشريف ، في الطابق العلوي ، وسلّموه رسالة مختومة ففضّها وقرأها . وهذه الرسالة أظنّها رجاء من حكومة لبنان كي تُبعدني من سوريا أيضاً ، ولا تسمح بسكني في حلب أو سواها من الأراضي السوريّة ؛ فهذا ما فهمته من أشخاص بعد خلاصي من التهلكة التي حفروها لي كي ألاقي بواسطتها حتفي .

وبعد أن تلا المحافظ الرسالة ، ناوله طبارة مرسوم اخراجي من الأراضي اللبنانيّة ، ولم يكن لي أي علم به الاّ في هذه اللحظة . واليك ما جاء في هذا المرسوم الذي لا يستند على قانون ، والذي لا يسمح به الدستور ولا النصوص الصريحة بخصوص الجنسيّة .

       مرسوم رقم 1842 K

ان رئيس الجمهورية اللبنانية – بناء على الدستور اللبناني – وبما أن وجود السيد سليم موسى عشي المعروف بداهش في الأراضي اللبنانيّة من شأنه احداث اضطراب واخلال في السكينة العامة ، وبناء على اقتراح مجلس الوزراء ووزير الداخلية – يرسم ما يأتي :

 المادة الأولى – يخرج السيد سليم موسى عشي المعروف بداهش من أراضي الجمهورية اللبنانية .

 المادة الثانية – يبلّغ صاحب العلاقة مآل هذا المرسوم بموجب محضر ينظّم حسب الاصول .

 المادة الثالثة – على وزير الداخلية تنفيذ هذا المرسوم .

 بيروت ، في 8 أيلول 1944        الامضاء ( بشارة خليل الخوري)

 صدر عن رئيس الجمهورية –

 رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية ( رياض الصلح ) .

 يبلّغ الى رئاسة الجمهورية – رئاسة الوزارة – وزارة الداخلية – وزارة العدلية – صاحب العلاقة .

 

 وعندما انتهى المحافظ احسان الشريف من تلاوته قال لعمر طبّارة :

 ” نحن لا نستطيع قبوله في أراضي سورية ما دامت حكومة لبنان لا تقبل به . وكان الأحرى بحكومة لبنان ، ما دام الرجل لبنانيّا ، ان لا تخرجه خارج حدود بلاده ، بل تبقيه في قرية لبنانية لمدّة تحدّدها له ” .

 فأجابه عمر طبارة :

 ” انّ الرجل غير لبناني مثلما يزعم ” .

 فأجبته للحال :

 ” أنت تتكلّم بغير الحقيقة لأنني لبناني ، وتذكرتي التي تؤكّد لبنانيّتي يعود تاريخها الى عام 1923 ” .

 فأجابه المحافظ :

 • انه لم يجرم في بلادنا ، والقانون لا يساعدني على وضعه في السجن دون جريمة ارتكبها .

 • فأجابه عمر : ” انني أضعه على مسؤوليتي ” .

 وهنا انتهت المقابلة ، فرافقوني الى غرفة رئيس فرقة التحرّي في حلب . وهناك جلس عمر المذكور وكتب ورقة قال فيها انه يضعني في نظارة حلب على مسؤوليّته حتى تبتّ الحكومة اللبنانية في أمري .

 وللحال اقتادوني الى السجن المُخيف ، وهو تحت السراي ، وينزلون اليه بعشرين درجة تحت الأرض . وقد مكثت فيه مدّة ثلاثة أيّام بلياليها . وكان قصدهم أن يميتوني ولا ريب.

أمّا اذا حدّثتك عمّا لاقيته في سجني من ضروب العسف والجور ، وما قاسيته من الجوع والعطش والعري والشتائم ، فان نفسك ستتألّم جدا ، لهذا أجتازه ، وأقول : في صباح يوم الثلاثاء أخرجوني من السجن ، وأصعدوني الى الطابق العلويّ . وبعد أن عرضوني للمسؤول عن أخذ البصمات والعلامات الفارقة ، قام بمهمّته وأخذ بصماتي وعلاماتي الفارقة كأنّني مجرم مزمن ، ثم اقتادوني الى المصوّر ، فأخذ صورتي وأنا بتلك الحالة المُحزنة ، ثم أعادوني ثانية الى السجن المُظلم الرهيب .

وفي الساعة الحادية عشرة ، أو أزيد ،  من صباح يوم الاربعاء أخرجوني من السجن ، وأنا بحالة أقرب فيها الى الموت منه الى الحياة ، وأركبوني بالسيارة التي أوصلوني بها من بيروت الى حلب ، وذهبوا بي الى قرية سورية تبعد عن حلب مسافة 45 كيلومتر على وجه التقريب اسمها اعزاز . وعندما بلغناها اقتادوني الى مخفر الدرك ، واختلوا بقائد الدرك ، ولفّقوا عليّ ما شاء لهم التلفيق ، وأعطوه التعليمات التي زوّدهم بها رؤساؤهم ، ثم عادوا وطمأنوني بأن مصيري قد بتّ فيه ، وبأنني سأمكث مدّة شهر في اعزاز في أي مكان أختاره ، ولكن يجب علي أن أثبت وجودي في كلّ يوم أمام مخفر الدرك .

 ثم ودّعوني بعد أن طبع عمر طبارة الخبيث على جبيني ، ويا للسخرية !…قبلة سبق وطبعها يهوذا الاسخريوطي على جبين سيّده قبل تسليمه ليد أعدائه

 .

 أمّا أنا فما كدت أذهب لاسأل عن فندق لآخذ فيه قسطا من الراحة ، وأتناول بعض الطعام ، بعد أن كادت روحي تزهق من شدّة التعب والجوع والعطش طول مدة سجني في بيروت وحلب ، اذا باثنين من رجال الدرك يغذّون السير في أثري , وللحال وصلوا إلي ، وألقوا القبض عليّ ، وأفهموني أني بتّ أسيرهم ، وأنّ سيارة تنتظرني لتقودني الى الحدود التركية .

فدُهشت جدّا ، وأبيت أن أصدّقهم . فاقتادوني الى المركز ، وهناك أطلعوني على قرار رقمه ( 413 ) أصدره عليّ ، على ما يظهر محافظ حلب ، وهو يقضي باخراجي من الحدود السورية ، وادخالي ضمن الحدود التركية  التي لا تبعد عن اعزاز أكثر من خمسة أو ستة كيلومترات .

 فذعرت ، وعرفت بالمؤامرة الرهيبة ، ورفعت عيني الى السماء أستمطرها اللعنات على أصحاب الضمائر الميتة .

 وهذا القرار يقول في فقرة من فقراته : ” اذا وجد في أي وقت من الأوقات الدكتور داهش ضمن الأراضي السورية فانه يُلقى القبض عليه ، ويحاكم ، ثم يسجن عملا بقانون قمع الجرائم ” .

وبعد توسّلات عديدة قبل القائد أن أمكث ليلتي في اعزاز ، فأدخلوني السجن أيضا فبتّ ليلتي بضيافته . وفي الصباح الثاني ، وبعد الظهر منه ، اقتادوني الى الحدود التركية ، ليدخلوني فيها .

أمّا قصد الحكومة اللبنانية ، من وراء اتّفاقها مع الحكومة السورية على ابعادي من بلادها السورية وادخالي الى الحدود التركية ، فهاك أسبابه :

 عندما يشاهدني الحرس التركي سيُطلق النار عليّ ولا شكّ ، أو أنهم يحاكمونني ، ثم يحكمون عليّ بالاعدام كجاسوس نظراً لظروف الحرب ، وخصوصا لأنهم سيدفعون بي الى داخل الحدود دون أن يسلّموني للحكومة التركية تسليم اليد .

ولو فرضنا المستحيل ونجوت من الاعدام ، فالقانون التركي يقضي بأن يسجن من يلقى عليه القبض ضمن حدوده مدّة ثلاثة أشهر ، ثم يخرج الى خارج الحدود . وهكذا ان نجوت من الاعدام فانهم يحكمون علي بالسجن مدّة ثلاثة أشهر ، ثم يخرجونني الى الحدود ، فيُلقي رجال الدرك السوريّ عليّ القبض ، ويسجنونني المدَّة التي سيُحكم عليّ بها ، وفي نهايتها يبعدونني الى الحدود التركية ، فيعاد تمثيل هذه المأساة الى ما شاء الله ، ويُقضى عليّ في السجن .

والآن انني أطلب منك يا أخي ادوار أن ترفع قضية على (الحكومة اللبنانية ) لعملها الغير القانوني ، وترفع قضيّة على من اعتدى عليّ منهم ، وأن تدع الأستاذ حليم دمّوس ينقل رسالتي هذه على نسخة ثانية ، ويرفع بواسطتها بدوره قضية على الحكومة وعلى المعتدين ، وأن تجري اللازم مثلما يخوّله لك القانون كموكّلي .

وفي الختام سلام من المتألّم .

حلب في 12 تشرين الاول 1944

                                                                  صديقك

                                                                  الدكتور داهش

 

 

 

ويشرح المحامي خليل زعتر عدم مشروعية هذه القرارات في كتابه “جريمة القرن العشرين”: 

“في السادس من أيلول ١٩٤٤ ، بينما كان الدكتور داهش موقوفا في سجن الرمل، أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً يحمل توقيعه وتوقيع رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية رياض الصلح، رقمه ۱۸۲۲ /K ، تحت ستار إضافة فقرة إلى المادة ٢١ من المرسوم ۸۸۳۷ ، تاریخ۱/١٥/ ۱۹۳۲ ، تعطي رئيس دوائر النفوس حق شطب القيود المدرجة في السجلات. 

وفي ما يأتي النص الحرفي للمرسوم K/۱۸۲۲

وزارة العدلية

مرسوم رقم ۱۸۲۲ K

 

 

بإضافة فقرة إلى المادة ٢١ من المرسوم رقم ۸۸۳۷

إن رئيس الجمهورية اللبنانية

بناءً على الدستور اللبناني

وبناءً على اقتراح وزيري العدلية والداخلية

يرسم ما يأتي

 

المادة الأولى – أضيف إلى المادة ٢١ من المرسوم رقم ٨٨٣٧ الصادر بتاريخ ١٥ كانون الثاني ۱۱۹۳۲ الفقرة الآتية:

 لرئيس دوائر النفوس أن يشطب القيود المدرجة بغير حق بعد إجراء التحقيق وأخذ موافقة وزير الداخلية.

تبقى المحاكم المدنيّة صالحة للنظر بتابعية الشخص المشطوب قيده إدارياً.

المادّة الثانية – يُنشر هذا المرسوم أو يبلّغ حيث تدعو الحاجة.

بيروت في ٦ أيلول ١٩٤٤

صدر عن رئيس الجمهورية

الإمضاء: بشاره خليل الخوري

رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، نائب رئيس مجلس الوزراء

الإمضاء: رياض الصلح

وزير العدلية

الإمضاء: حبيب أبي شهلا

 

لقد صدر هذا “المرسوم” بتاريخ ٦ / ١٩٤٤/٩ ، ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ ١٣ / ١٩٤٤/٩ . ومع ذلك، فقد طبّق بحق الدكتور داهش، بصورة سرية، في اليوم التالي لصدوره، أي في ١٩٤٤/٩/٧ ، وبالتالي قبل نشره، ونفاذه حتى على الصعيد الشكلي البحت. ومثلما كان “مشروع قانون منع مناجاة الأرواح” الذي تقدمت به الحكومة

 

إلى المجلس النيابي يستهدف فردًا بالتحديد هو الدكتور داهش، كذلك هي الحال بالنسبة للمرسوم ۱۸۲۲ الذي صَدَرَ بصيغة عامة. إنَّما الغاية من إصداره هي تطبيقه بحق الدكتور داهش مثلما تمّ بالفعل في اليوم التالي لصدوره، بصورة سريّة تامة، وقبل نشره ونفاذه.

 

هذا المرسوم هو عمل غير شرعي على الإطلاق. فهو مخالف مخالفة صريحة للمادة السادسة من الدستور اللبناني، ومخالف لمبدأ فصل السلطات ويُشكل اغتصاباً لصلاحية السلطة الاشتراعية. كما إنه مخالف لمبادئ أساسية في الدول الحديثة التي تجعل حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية في حمى القانون والقضاء، ومخالف لقوانين الجنسية اللبنانية، ولقوانين الأحوال الشخصية، بما فيها القوانين والأنظمة الشرعية التي ترعى مناعة قيود سجلات الإحصاء والأحوال الشخصية.2

 

1: “كتاب الرسائل المتبادلة بين الدكتورداهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا “، ص. 131-141

2: كتاب “جريمة القرن العشرين”، المحامي خليل زعتر، ص.165-170

إضطهاد الدكتور داهش

لكن أن يكونَ الخصمُ نبيَّاً، يُشعلُ بنوره الفطرة والحقّ، يُبددُ ظلام الجهل في ليلِ الشَّك، يُطلُّ كالفجر المُتجسِّد من صميم العتمة، يُشرقُ من ذاته نوراً يُضيءُ الحقيقة المتألقة دوماً في جوهر الوجود، يهزُّ البُنى العميقة للإدراك ويَمْلىء النُّفوس قدرةً على المعرفة الكونيَّة.

جريمة القرن العشرين

منذ فجر الخليقة حتى اليوم و الفضيلة ما تزال تائهة في منعطفات هذا العالم، دون ان تجد المكان الذي تحط فيه رحالها، و عبثاً سيكون جولانها، لأن الفضيلة لا تستطيع أن تحيا في هذه الأرض الرجسة.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!