سجلْ الذكريات
ذلك الرصيد الأبديّ من التجارب الروحيَّة واللحظات الصَّادقة التي تتجاوز حدود الزمن الماديّ. هي ليست مجرَّد ذكرياتُ أحداثٍ ماضية، بل هي سيالات نورانية محفورة في عمق الوجدان، هذه الذكريات هي مرآة الحقيقة الداخلية التي لا يطالها التزييف أو النسيان، وهي مصدر القوة والإلهام لمن يسعى إلى الارتقاء الروحي.
ذكرى الأحبَّة
- فريد أبو سُلَيمان (1908-2003)
- يوسف الحاجّ (تُوفِّيَ 1956)
- جوزف حجّار (تُوفّيَ 1983)
- جورج إبراهيم حدّاد (1886-1969)
- ماري حدّاد (1884-1973)
- جورج خبصا (1905-1969)
- حليم دمُّوس (1888-1957)
- ماجْدا حدّاد (1916-1945)
- أنطوانِت أَليشي (العَشّي) (1911-1996)
- الأمّ شموني مراد كانون (1987-1949)
- مُطلَق عبد الخالق (1910-1937)
- زينة حدّاد (1922-2014)
في ذكرى الأحبَّة
بقلم ماجد مهدي
الدكتور فريد أبو سليمان وجهٌ محبَّب غيَّبه الموت. وبغيابه رحلَ آخر عملاق من عمالقة الرعيل الداهشيّ الأول ليلتحقَ بقافلة الرفاق الذين سبقوه إلى دار الخلود بعد أن ثبتوا على المبادئ الداهشية، وأوفوا لها ولمؤسسها العهد والميثاق، باذلين من أجلهما عظيم التضحيات.
عرفته في منتصف الستينات من القرن المنصرم؛ وكنتُ قد خطوتُ خطواتي الأولى في ظلال العقيدة الداهشية بعد أن عاينتُ معجزات الدكتور داهش، وتيقنتُ من مصدرها العلوي، وأدركتُ مغزاها الروحيّ البعيد، وبعد أن حزمتُ أمري على انتهاج سبيلٍ جديد في الحياة في نور هداها. يومذاك كان قد مر على إعلان تلك العقيدة السامية قرابة ربع قرن، وكان الدكتور فريد أبو سليمان وهو المؤمن السادس بها – من أكثر الداهشيين تواصلاً بالدكتور داهش، تواصلاً يكادُ يكون يوميًا.
كنتُ يومها طالبًا في الصفوف الثانوية، وكان الدكتور فريد طبيبًا معروفًا في معظم الأوساط اللبنانية، نظرًا لحضوره المتميِّز على صفحات الجرائد والمجلات اللبنانية والعربية، إلى جانب الدكتور داهش تارةً وبمفرده طورًا، للتعريف بالظاهرات الروحيّة الداهشيَّة والمبادئ السامية الكامنة وراءها، ولسرد وقائع الاضطهاد الظالم الذي تعرضت له العقيدة ومؤسسها ومعتنقوها في عهد بشاره الخوري، رئيس الجمهورية اللبنانية (1943 – 1952). وبرغم فوارق السنّ والمكانة الاجتماعية والمعرفة الروحيَّة، فقد جمعت بيننا روابط أخوَّة صادقة، عابقة بعطرِ الإيمان، فزالت في ضوئها جميعُ الفوارق. كنتُ ألتقيه في منزل الرسالة ببيروت، أو في مقر عيادته الطبية القائمة في “ساحة الشهداء”. وكان معظم الداهشيين يزورونه فيها، فضلاً عن مرضاه أو من شاقَهم التعرف، من خلاله، إلى الدكتور داهش وحقيقة أهدافه.
وما أكثر ما دار في تلك العيادة من نقاشاتٍ هادئة في موضوع الداهشية ومؤسسها وظاهراته الروحية والظلم الذي تعرض له، وحو حقيقة الأديان في جوهرها، وأسباب نهضة الشعوب والحضارات أو تقهقرها واندثارها، وأهمية السلوك البشري، الفردي والجماعي، وتأثيره في حاضر الأفراد والجماعات ومستقبلهم. وإنني أجيز لنفسي القول إن تلك العيادة المتواضعة كانت، في واقع الحال، عيادتين: واحدةً لأمراض الجسد، وأخرى لأمراض الروح! وعندي أنه لو خيِّر الدكتور فريد بينهما، لآثر الثانية على الأولى، وذلك من منطلق إيمانه الداهشيّ بأنَّ ما يصيب الإنسان من أمراضٍ جسدية له أسبابه الروحيَّة العميقة البعيدة، وأنه رهنٌ بارتقائه الروحي أو سقوطه في حياته الحاضرة وتقمُّصاته السابقة. وكانت التعاليم الداهشية المدعومة بالمعجزات الإلهيَّة، في منظوره، الدواء الشافي الوحيد للعلل المستشرية في الكيان الإنساني. لذلك رأيناه يؤثر التضحية بوظيفته الطبية الرسمية حين خيّرته السلطة اللبنانية، في عهد الرئيس الخوري، بين بقائه في الوظيفة أو بقائه على إيمانه بالداهشية. ولم يتردَّد لحظةً واحدةً في اتخاذ موقفه، إذ شتَّان ما بين الخيارين!
وإنني لأستذكر بإعجاب تلك العيادة وما كان يدور فيها كَّلما أطلت عليَّ، اليوم، أحداثُ العالم المفجعة، وقامت الدعوات الملحاح إلى الإنطلاق بحوار الحضارات وحوار الأديان لتجنب الأرض والإنسان، أي إنسان، كوارث لا تحمد عواقبها. ففي تلك العيادة، وعلى مدى ثلاثة وثلاثين عامًا، تلاقت الحضارات وتعانقت الأديان في ظلِّ المبادئ الداهشيَّة العظيمة. وفيها كان الدواء للداء الإنساني الأخر؛ دواء لم تكن فيه لبشر يد. ذلك أن اليد التي جاءت به يد انطبقت راحتها على أسرار الأبد والمجهول؛ يد امتدت من دوائر النور العليا بغية إنارتنا وهدايتنا وإنقاذنا قبل السقوط الشامل المروّع. وما كان يتردَّد في تلك العيادة لم يكن غير أصداء لكلام الرجل الكبير، الدكتور داهش. وكم كان أجدى للإنسانية – إذا صحَّ أنها صادفةٌ في ما تدعو إليه اليوم من حوار – لو أنها أصغت، بالأمس، إلى ذلك الكلام المنزَّه عن كل غايةٍ، وفتحت مغاليق قلبها للشمس الآتية من البعيد البعيد!
لقد وجدتُ في الدكتور فريد أبو سليمان، منذ عرفته، أخًا مُحبًا، مثالاً في إيمانه، وفي حماسته المتوقِّدة لنشر المبادئ السامية التي كان يستقيها، مباشرةً، من مصادرها. وكان، في كل ما يقوم به من أعمالٍ ونشاطاتٍ، طيِّبًا الطيبة كلّها، صادقًا الصدق كلّه، متواضعًا إلى حدٍّ لا تواضعَ بعده! وكان يواجه الإساءة بمحبَّته المعهودة وطيبته الفريدة، لكنه كان يتحوَّل إلى نمرٍ شرسٍ متحفزٍ للانقضاض إذا ما أُسيء إلى عقيدته ومؤسسها، فلا يحسبُ عندئذٍ أي حساب لمن أساءَ أو اعتدى، مهما عظم شأنه. وقد تعرَّض، في خلال الاضطهاد، إلى اعتداءات متكرِّرة من قبل رجال السلطة وشراذم إحدى العصابات المنضوية تحت لوائها، لم يكنْ أقلّها السجن والاستهداف بمحاولة اغتيال فاشلة على يدِ واحد من أشهر قناصي رجال الأمن العامّ اللبناني. لكنها جميعًا لم تلوِ من عزيمته، بل شحذتها وزادتها مضاء، ودفعته إلى مقارعة الطغيان والانتصار للحقّ والعدالة حتى أذن الله بسقوط الباغية وانذثار عهده.
إن بعضًا من عظمة هذا الطيِّب الراحل أنه كان واحدًا من قلَّةٍ قليلة اختارت لنفسها أن تتعمَّد بأنوار تلك الشمس، وأن تتعلَّم في ظلِّها حروفَ الهجاء المضيئة. وقد وقع عليه الاختيار ليدوّن وقائع الجلسات الروحيّة، مواصلاً ما كلِّف به روحيًا عملاقُ الشعر والروح، الشاعر حليم دموس (1888 – 1957). وقد أخرج إلى النور، نتيجة مواظبته على التدوين، كتابين ضخمين فيهما من أسرار الحياة والموت والتقمُّص والعوالم الأخرى… ما لا تحلمُ الإنسانية بأن تقرأ مثيلاً له. وقد صدر له منهما كتابٌ أطلق عليه اسم: “في رفقة الهادي الحبيب” (نشرته الدار الداهشية في نيويورك عام 1997).
لقد تعلمتُ كثيرًا من هذا الأخ المُحبّ، الوفي كل الوفاء في إيمانه، والمُضحِّي حقًا في سبيل الحقيقة الروحية الخالصة. لكن أعظم ما تعلمته منه إفناؤه ذاته أمام تلك الحقيقة التي وعى، كل الوعي، أبعادَ عظمتها وقدسيتها، وسعيه الدائم لأن يكون ظلاً لها ولحاملها عن استحقاق وجدارة. ولقد قدَّم ذاته كلّها، لا بعضها، على مذبحهما. ومن قدَّم ذاته في أمرٍ جلل، هانت في عينيه كل التضحيات الأخَر.
قبل أسبوعٍ من غيابه، زرتُه في بيروت للاطئمنان على صحَّته. كان وجهه مشعًا بالنور، كما عهدناه، والبسمةُ تعلو ثغره. فخاطبني بكلماتٍ ودية مُسجَّعة، كما كان يحلو له أحيانًا أن يخاطب إخوانه. ثم قبَّلته مُودعًا، من غير أن أعلمَ بأن لقاءنا سيكون الأخير في هذا العالم بعد مضي تسعةٍ وثلاثين عامًا على تعارفنا.
وقبيل انتقاله في العشرين من نيسان 2003، هاتفت الأخت زينا حداد أطمئنُ عليه، فأبلغتني أن صحته مُستقرة. ولكن ما إن انقضت نصفُ ساعة حتى اتصلت بي هاتفيًا تُعلمني بخبر انتقاله المُفاجئ! فشخصتُ، من فوري، إلى مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت، حيث وضع جثمانه لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه. فقبَّلته، وشكرتُ له مثاليته وتضحيته ومحبَّته، وهنَّأته بعالمه الجديد البعيد السعيد، “مدينة الأحلام الفتانة”، حيث أوصل نفسه، ولا شكّ.
لقد غاب الدكتور فريد أبو سليمان، لكنَّ عطر محبَّته باقٍ، والمصباح الذي حملته يمنيه لن يغيب نوره إلى الأبد!*
أشعل المحبة في ترابها ورحل
بقلم ياسر بدر الدين
تتذكَّره فتحسُّ كأنك مسافر في الطيبِ على أجنحة الفراش. اسم عطري كأن حروفه أغصان ندٍّ ومُرٍّ وبان، تنضفرُ وتنثر حبًا وزهرَ أمان.
توقَّف قلبه عن الخفقان لكنه ما يزال يخفق في القلوب. فريد أبو سليمان، بوجهه المورِّد ككومة من أزاهر الأصيل، وقوامه الذي لا يمشي في الأرض مرحًا، لم يمت، وإنما غاب كما يغيب نجم أو قمر، ليعود فيبزغ في سماء ليلٍ جميل.
فريد أبو سليمان لم يمت، فقط نزع عنه قميص التراب، وها هم الملائكة يخيطون له قميص النور. الذي مات هو الجسد، أما فريد الروح والأصالة والقيم فهيهات أن ينال منه الفناء.
فريد أبو سليمان وجهٌ ضوئي كأنه انبلاج فجر، وعائق لم ينؤ بثقل الأمانة، وهامةٌ انحنت تواضعًا أمام الناس وخشية وخشوعًا أمام العلّي العظيم.
وأنت تنظر إليه تكادُ لا ترى بشرًا، فقد أخذت ملامح وجهه شكل الطيبة والنقاء والنبل والمروءة، فكأنه امتدادٌ للطهر والصدق في عالم الرجس والأضاليل.
تتحدّث إليه كأنك تسامر الحلم وتخاصر النَّسَم. تصافحه كأنك تصافح الإيمان وتعانق المحبَّة.
فريد أبو سليمان، والاسم والصفةُ حفر وتنزيل؛ فريدٌ في طيبته ومحبته، فريدٌ في نظرته إلى نفسه وإلى الحياة. محب لغيره بقدر ما هو كارِهٌ لهواه. متشددٌ مع نفسه بقدرِ ما هو متسامح مع الآخرين؛ فالعثور على ذرةِ حقدٍ واحدةٍ في دمه ضربٌ من ضروبِ المُحال.
لو سألتم كواكب البهاء والسناء عن شكلِ سُكانها لأشارت إليه.
راضٍ مَرضيٌّ برزَتْ له الحياةُ بأحلى مفاتنها، فأشاحَ بوجهه عنها قائلاً لها: “غري سواي”.
لو سألتم كواكب البهاء والسناء عن شكل سكانها لأشارت إليه.
راضٍ مرضيٌّ برزتْ له الحياةُ بأحلى مفاتنها، فأشاح بوجهه عنها قائلاً لها: “غري سواي”.
رفيقٌ رقيقٌ ليِّن، قلّما عرفت النفسُ البشرية رجلاً أقسى منه عليها؛ جاهدها جهاد الجبابرة، وانتصر في الحربين: حربه على الذات، وحربه على الطُّغاة، فاحتفلت به الفضائل، وخلعت عليه طباعه الزهور، فكان عزيزًا كالورد، متضعًا كالبنفسج، طاهرًا كالياسمين. حتى إذا سار في الشمس خلُته واحدًا من أسرة الطبيعة: طيرًا أو زهرةً أو نغمًا.
عاشقٌ للحقيقة مُتعبد. خفيفًا أتى إلى الحياة وخفيفًا مضى. لكنه لقَّنها دروسًا، وترك فيها آثارًا لا تندرس.
فريد أبو سليمان ما مال إلى جاه أو رفاه. ما غره زخرفٌ ولا انغمس في ترف. تخلَّى عن منصبه حين نُصبَ له شركًا للإيقاع بينه وبين رسالته. ولطالما ردَّد على مسامعنا: “الرسالة، الرسالة هي كل شيءٍ، ولولاها لكانت الحياة أتفه من التفاهة”.
اعتنق الرسالة الدهشية ورافق مؤسسها الدكتور داهش زهاء أربعين عامًا ملأها جهادًا وتضحية وفداء. اضطُهد وعُذِّب ودخل السجون ونجا من رصاص؛ فما جّبَنَ أو هان، ولا تخاذل أو استكان.
أحبُّ الرسالة الداهشية حتى العبادة فملأت عليه كيانه. أحبَّها وذاب فيها كما تذوب غيمةٌ بغيمة، أو كما تذوبُ في زُرقة الفجر عتمةُ السحر. أعطاها كله مجاهدًا بماله ونفسه, مؤمنًا بأن الرساليّ الحقّ يُضحِّي بنفسه من أجل رسالته، ولا يُضحِّي برسالته من أجل نفسه. لم يفكر لحظةً في كسب، فما وزنت موازينهُ ربحًا أو خسارة؛ كانت تزنُ الحقّ فتحقّه والباطل فتزهقه.
فتشتُ عن ملامح لحياته الخاصة فما وجدتُ. كل ما فيه كان عامًا حتى المشاع، كالأوقاف، كجمعيات البرّ، كغاب من الزهر والشجر يوزّع العطر والخضرة على الجميع. وجدتُ حياته جدولاً يصبُّ كل مائه في بحر الحياة، ولا ينقصُ منه إلا ما تشربه السابلة وعطاشُ الطريق.
كانت حياته العطاء، وكان لا يأخذ من دُنياه إلا كما تأخذ قوتها زهورُ الحقول وطيور الفضاء. وجدتُ شخصيةً فذَّة بين هوامٌ، وسوسنةً رائعةً بين عليق.
شخصيةٌ نيِّرة صاغ هالتها الصدقُ، ورسم شموخها التواضع، وكثفَ أضواءها البعدُ عن الأضواء، وأعلى مكانتها الغوصُ إلى عُمق الحقيقة والتعلّق بأهدابها، وتحمَّل تبعاتها الجسام.
وجدتُ هالةً احتاطته وما طلبها، ومكانةً احتضنتهُ ورفعتهُ وما سعى إليها، كما يسعى كياذبةُ هذا الزمان.
فللَّه، أيها الغائبُ، كم أنت قويٌّ الحضور!…
كم نتذكرُ رفعتكَ وسموك في سقوط هذا العصر! كلما اشتدَّ لهيبُ حرب نتذكرُ وداعتك وتسامحك، وكلما غلى حقدٌ في مرجل شهوة نتذكرُ محبَّتك وسماحتك، وكلَّما فحَّ غدر نتذكر وفاءك، وكلَّما فاحت رائحةُ سياسة نتذكر نظافة قلبك وكفك.
لله… لله كم عاكستَ خصال أهل هذا الزمان!…
ستٌّ وتسعون فلةً عشتها على هذا التراب، ما زال عطرها يملأُ صدرَ الفضاء، رغم ذبولها وأفولك. لقد تحوَّلت مواقف وبطولات وكلماتٍ مضيئة “في رفقة الهادي الحبيب” كتابك الخالد، الذي لا يُضاهيه بروعته إلا كتابُ حياتك وسيرتك، كتابُ الياسمين.
فريد أبو سليمان ذهب إلى حيث ينتظرهُ رفاقُ طريق الحبيب: حليم دموس وجورج خبصا وجورج وماري حداد…
ولسوف تذكرُ الأرضُ يومًا – ويا للمرارة – كيف نُصِبتْ على سطحها أعمدةُ النور، وكيف تأخذُ النبالةُ شكل البشر. سوف تذكرُ ونذكرُ ماردًا من طهرٍ مشى عليها بأقدامٍ من نار، وأشعلَ المحبَّة في تُرابها ورحل*.
هو من عائلةٍ عريقةٍ من عائلات لبنان, طبيبٌ مُتخصِّصٌ, درس الطبَّ في أشهر جامعات فرنسا, وله باعٌ طويل في تشخيص الأمراض والنفوس, وهو على دراية لا يستهان بها للتمييز بين السحر والشعوذة والمعجزات الروحيَّة, تعرَّف الى ذلك الفتى, فرأى نور الحقيقة يشعُّ من وجهه, وخوارق القوانين الطبيعيَّة تُخرَقُ أمام عينيه, والمعجزات الروحيَّة تُجترّح على يديه, آمن به وبرسالته الألهيّة, غير عابءٍ برجال دين أو دنيا, ولا بمناصب رفيعة أو أغراءات ماديّة من رجال سلطة, ولا من تهديدٍ أو وعيد. وأعلن ايمانه على الملاء, فكان المؤمن السادس.
سار على درب الحبيب, حتى لازمه, دافع عنه حتى اضطُهِدَ من أجله, سُجِنَ مع من سُجِنَ من أصحابه وأخوته, ليخرج من سجنه مرفوع الرأس, ثابتاً في ايمانه, راسخاً في عقيدته, مُحتَقِراً سجَّانيه وزبانيتهم, منقضّاً انقضاض النسور على جلاَّديه, المتمثليين بصحافةٍ مأجورة, ورجال دين مُتغطرسين, وحكّامٍ ظالمين, مستمدّين من سلطاتهم سلطاناً لجورهم وتعسّفهم, وتشويه الحقائق, مدفوعين بأحقاد الباطل, وطغينة الرذيلة, غير آبهين بحريّةٍ فرد أو فكرٍ أو مُعتقد, رغم حماية الدستور لتلك الحرّية المقدَّسة, والمستمدّة من السماء.
زَهُدَ بمن حوله من أقارب وأترابٍ , ومن خلاَّن وأصحاب, والتفَّ مع من التفَّ حول مؤسِّسَ الداهشيَّة آنذاك من عليَّة القوم واصفاهم نفساً, وترفعهم خُلقاً. تفانى في حبّه واخلاصه, واضعاً نفسه بتصرّفه, في أي زمانٍ ومكان, وفي السرّاء والضرّاء, حتى عُرِفَ ب رفيق النبيِّ الحبيب الهادي.
تخلى عن حياة الرُغدِ والبذخِ, وهو ابن الحسبِ والنسب, ومالك الجاه والمال ,وصاحب الرفعة والشان, خرج على التقاليد والعادات التي أورثوها له كما لغيره, أبى الاَّ أن يكون حراً بتصرفاته وأفكاره حتى خرج على الكنيسة والرعيّة, لم يأبه من غدر الزمان, ولا من تهديد بالحرمان, ولا من تهويل والد او راهبٍ أو سلطان.
كان لديه من القوَّة الفكريَّة والعقليَّة ما لم تُنْعمَ به السماء على الكثير من أترابه, حتى أصبح مثالاً يُحتذى به, في انفته وعزَّته, في جهاده وتضحياته, في اخلاصه ووفاءه, في تواضعه وترفُّعه عن الصغائر والكبائر , ملتزماً أخلاقاً حميدة, متخلِّياً عمَّا هو دون السماء, فما دونها فهو باطل. مُسيطراً على شهواته ورغباته, نابذاً ايَّاها وما لها. مبشراً بمبادىء روحيَّة تهدي الأنام الى الخلاص , مجاهداً في سبيلها حتى الرمق الأخير, مضَّحياً بكل ما له في الحياة الدنيا , ومستمدَّاً قوَّةً لا يستهان بها من قوّة ذلك الفتى. حتى أصبح التكلّم بالرسالة الداهشيّة دأبه الدائم, في حلِّه وترحاله, مُحدِّثاً بالتعاليم الألهيّة, وبالمعجزات الروحيَّة التي تمَّت على يديّ الحبيب داهش,. كما هاجم السحرة والمشعوذين أينما حلّوا, وعلى مسارحهم, وفي عقر دارهم. وكشف كذبهم وتدجيلهم وخزعبلاتهم, التي لا تنطلي الاَّ على الجهلة والأغبياء من الناس. وكان له في ذلك صولات وجولات.
لقد كان الدكتور داهش مثله الأعلى في الأرض كما في السماء. حتى انتقاله الى عالمه البعيد السعيد, ولقاءه حبيبه وهاديه ومُرشده, وكانت الفرحة العظمى.
فسلامٌ الى روحك الطاهرة في ذكرى انتقالك, على أمل اللقاء بك باءذن الله .
حسين يونس الداهشيّ
كوانزو 20 نيسان 2015 .
(مُهداة إلى روحِ الأخ المُجاهد الدكتور فريد أبو سليمان)
شعر على جمعة
ساعيًا في الأنجم الزهر،
إلاهيَّ السَّنا،
يختالُ زهوًا في معاريجٍ السماء.
دفتر الماء، أُتمحى النسمة السَّكرى؟
أتحني الريحُ شلاَّلَ الضياء؟
ها أنا الدَّمع!
أيبكي المُبصرُ المفتونُ، ما جدوى البكاء!
آتيًا في موته المرئيِّ،
يجري مُطمئنًا، داهشيَّ المعجزات.
ها أنا ألمسُ سيلَ الكلمات.
لفتة الموت تواخي حزمة الضوء،
تلاقيها أكفُّ الشمس،
سافر في الرؤى، إن شئتَ،
أو في الغيم أحيانًا،
أضيء، تَفرشْ سرير البحر،
سافر في حنايا الفلك، إن شئت،
ألم تُرخِ بساط الأنجم الأخرى على خيط الحياة؟
كان حزنًا، فهو منّي،
أتركوا قلبي يغنّي،
هكذا أسميتُ وجدي أدمُعًا، حبرَ رمادْ.
فاتركوني لمُنىً خبأتها في أضلُعي،
أسكنتُها طي الفؤادْ.
حاملاً أشياءَ دهري،
ويمرُّ الوجعُ الآتي ببالي،
قلتُ: مِن أين نَفرنا؟ أو مشَينا،
لم يُعدْ للحبِّ معنًى أو صدًى،
ها نحن أمسَينا حُفاةْ.
دمعتي حرى، وقلبي أصبحَ الآن ضلوعَ الأمنياتْ.
كيف نحيا!
كيف تسمو النفس، تمتصُّ عويلَ الوقتِ،
ليت الليل يجري في أخاديد الحكاياتْ.
***
تائهًا يبحثُ عن وجد، مليء اللون، آنيَّ الحنان.
لم يعدْ في البال إلا همسةُ الراحلِ في أنسامِ نيسانْ.
حالمًا أبصرتُ أن الطيرَ تسعى في الرُّبى خلفَ جناحيه،
ويرقى الشجرُ الحاني إلى نظرة حُبّ تثني من مُقلتَيه،
أيحنُّ الكونُ ولهانَ إلى أرجوحة الضوءِ لديه؟
شاعرًا ناجيتُه، كان تقيًا، نبوي البوح، روحي البيانْ.
عاشقًا ناديتُه، كان مُحبًا،
صَيَّر القلب شموعًا،
ظلّه الظلُّ، ضفافٌ تشتهى في كل آنْ.
ليتني أُدركُ أن الوقتَ حزنٌ
والكرى الوسنانَ برهانْ.
ليتكم كنتم تفيئون إلى ظلِّ يديه،
أنفيءُ الآن ساعين إليه؟
قلتُ: غفرانًا، أُخيَّاهُ، وغفرانْ.
***
(آتيًا من كوخه الغربي)
يمشي، داهشيُّ الوجه، شفاف السِّماتْ.
قمر الموت، حنانيك!
فما أعجب أن تأتي فتيًا في رفيفِ الفجر،
أو في لمحة العين، أيمحى العمر في رفَّة أجفان؟
قلتُ: يا بحر وداعًا، كان طيفًا ومضى،
ما أعجب الطيف يؤاخيه الندى!
يلثمُ مجراه، ويغفو ساكنًا دمعة تحنانْ.
أيها النهر وداعًا،
ما أحَيلى السفر الميمون! ما جدوى البقاء؟
قلت: ما أعظم أن ترحل في موكبِ أضواءْ.
أيُّها الراحل، كم عزَّ اللقاء!
رحمة الربِّ وغفران!
***
كان وحيًا، واثق القلب، سنيَّ الدرب، يمشي صامتًا،
في وجنتيه راحةُ البال، وفي كفية آياتُ المساء.
داهشيًا كان
يطوي أضلع الوقت، جريء العدل، سيفًا يقطع الظلم،
ويبني معبد الربّ، وأفياء البهاء.
قلت: يا أنبل مخلوق!
أيُمحى ورقُ الأسماء أم يبقى ضبابُ الأمسيات!
داهشيًا كان،
في خارطة الوجد أحاكيه أخًا،
ألمحُ في المرآة أسماء الصفاتْ،
يا أعزَّ الناس! سافر، إن تشأ، في الفرح الآتي،
وسافر في فراديس المسافاتْ.
داهشيًا كان، ما أبدع أن يكسرُ نهرٌ ضفَّتيه!
تاركًا مجراه ينداحُ على أكتاف إنسان.
داهشيًا كان،
ينأى باسم اللمحِ، عَصيَّ البوح، ضوئي المكان.
نَمْ هنيئًا، أيها الناسكُ،
نَمْ في خمرة الوديان، أو في هدأة الشطآن،
لم ندرِ، كأن الساعة الأخرى تؤاتي رحلة الدرب.
ألم ندرك، كأن الموج حزنٌ
يبحثُ الساعة عن جدول وجدانْ.
قلتُ: بتنا الآن في مركب أحزان!
أيها الآثر، غفرانًا وغفرانْ.
قد طوانا الوقتُ، صرنا نُشبه اللون بلا طعمٍ، نسينا،
شغَلَتنا في الرُّبى عنا عباءاتُ الزمان.
***
(آتيًا من كوخه الغربي)
يمشي مشية الظلِّ الهويني،
وارفَ الطلع، خفيف اللمساتْ.
ألمحُ الصوت نقيًا:
جاهدوا أنفسكم، صلُّوا… تفوزوا، تفرحوا.
(هل تحرقون الرمزَ دومًا؟)
(أرضنا دارُ ممر، إفتح الباب تفزْ، تفرحْ كثيرًا،
نَفسُكَ المرآةُ، إن تمسحْ غبار الوقت عنها
تستطعْ أن تكشفَ الأضواءَ منها).
أيها الراحلُ، غفرانًا رحيمًا، ليتنا حقًا عرفناك كثيراً
ليتنا حقًا عرفناك أخيرًا. * 30/4/2003
بقلم الشاعر ياسر بدر الدين
اللقاء
في لقائي مع مُطلق عبد الخالق (1910-1937) لا تنتظروا مني كثيرًا. لستُ مستعدًا، بهذا اللقاء، لأن أحمل معي المقاييس والموازين وأدوات المختبر فأقوم بعملية فرزٍ للألوان في القصيدة، وأظهر صورها، وأقيس أشكالها وأبعادها، فلا أنا بالمحلِّل الكبير، ولستُ أملك موهبة النقد. حسبي أن أنقلَ ما أحسُّ به نحو هذا الشاعر الفذّ بكلماتٍ أتمنَّى لها أن لا تكونَ كالنشاز الذي يخدش روعة النغم، أو كالضجيج فوق رأس الطفلِ النائم الجميل.
مُطلق عبد الخالق، لكم شعرتُ بالرهبة أوانَ دخولي إلى محراب شعره. كم توتَّر القلم، واهتزَّت المشاعر!… إننا في حضرة الجمال، وأيَّة سطوة للجمال!
كيف أبدأُ معه الحديث؟ وماذا أقولُ عنه؟ وبماذا أشبِّهه؟ وهل نجدُ شبيهًا للوردة؟ أو صنوًا للشمس؟… إنه الشاعر مُطلق عبد الخالق. يشبه نفسه، ولا يشبهه أحد.
أيةُ حسرة يخلفها شاعرٌ قضى في ريعان شعره؟… مُطلق عبد الخالق، أبو القاسم الشابي، إبراهيم طوقان، إلياس أبو شبكة، فوزي المعلوف… كأنها سمةُ العصر أن لا يعمر الشعراء.
مُطلق عبد الخالق، ضيفًا خفيف الظل أتى إلى الحياة مُحمَّلاً هدايا وضعها بين يديها ورحل، دون أن يسمعَ من فمها شكرًا أو ثناء. قصيرًا كان عمر مطلق كنهر نبعه قرب مصبه. خريفًا كان، لكنه كثيرُ الزهر والعطر والخضرة والجنى. سريعًا كالبرق، لكنه شديدَ الضوء والوهج. قصيرًا كان عمره كاللحظة، وكم تمنيتُ له أن يكون كالأبد… وأن يطول كحزنه فألتقي بمُطلق الإنسان، كما التقيتُ بمُطلق الشاعر والفنان.
كان ذلك في العام 1963 في منزل الدكتور داهش ببيروت، عندما أهدى الدكتور إليَّ نسخة من كتابه “ضجعة الموت”، وقد نقلها إلى الشعر وقدم لها مطلق عبد الخالق.
فتحتُ الكتاب، فأطلَّ عليَّ من الصفحة الأولى وجهٌ مشرق ذو أشعةٍ سمراء متَّصل بقلب شديد البياض. وجه طفلٌ لم ألمح عليه أي قناع، لكنه قناعُ نفسٍ رقيقةٍ نقية كالطهر، رائعة كالشعر، عليه نظارتان شفافتان كأنهما تكشفان نفسه الصادقة لمن يشاء، ولا تكشفان له الأشياء.
في عينيه بريقٌ من شمس فلسطين، وسواد عنب الجليل، وبياض حجارة الناصرة.
كان شعرُ “ضجعة الموت” رائعًا كنثره، بالرغم من الصعوبات الجمَّة التي تواجه ناقل النثر إلى الشعر، والتي ذكر مُطلق بعضًا منها في مقدمة الكتاب، ويدركها كل من يتعاطى هذا الشأن.
إن نقل النثر إلى الشعر مُستحيل كنقل الجبل من مكان إلى مكان؛ من هنا ندرك المستوى الذي بلغه مطلق في نطاق النثر والشعر معًا.
إن ما قرأت من شعرٍ في كتاب “ضجعة الموت” يكشفُ عن عبقرية نادرة، فقد استطاع مطلق أن يعوضَ عن صغر السن بعظمة الموهبة.
ما سمعتُ بمطلق قبل هذا اللقاء، فقد كان نصيبه قليلاً من الأضواء، أو كان نصيبي قليلاً من الإطلاع. وحكايةُ الضوء هذا طويلة، ولا سيما في عصرٍ تكثف فيه الظلام. أولُ ما يستفاد من الحكاية ن الشهرة ليست بالضرورة موازية للكفاءة، وأن عوامل كثيرةً تقف وراء الأصابع الضاغطة على أزرار الإضاءة. فكم من جوهرةٍ غمرها ترابُ عصرها كسفت بتوجهها الأبصار حين تسنَّى لها يد ترفع عنها التراب!
الأسطورة
لستُ مولعًا بتجزئة الشاعر وتقسيمه؛ فهذا شأن الحساب. ولن أجرؤ على دخول غرفته، بدون إذنه، لأفتش بين أشيائه الخاصة وأنبش خزانته وجواريره؛ فهذه مهمة رجل المباحث. ولا أستسيغُ الدخول إلى أعماقه وتشريحه؛ فهذه مهمة الطبيب.
أحبُّ الشاعر كأقحوانة الصباح أرشفُ منها اللون والعطر والروعة دون أن ألعب بأوراقها لعبة الحظ. أحبه غامضًا قليلاً، وشاحبًا قليلاً كالفجر ، لا واضحًا كالنهار. فالأضواءُ الكثيفة كالظلمة الكثيفة كلتاهما تُسيءُ إلى الشعر.
أحبه قريبًا إلى الأسطورة، وكم في الأسطورة من جمال وشعر! وما أشبه حياة مُطلق بالأسطورة، لما فيها من الغرابة والغربة والخيال. إحساسهُ بالموت كان رفيقه الدائم في رحلة حياته. ذكره كثيراً، خاطبه، ناجاه، تغزَّل به، تاق إليه. وقد وجدت في جيبه، يوم وفاته، ورقةٌ كتب عليها بخط يده؛ “أنا الآن في غرفة… والساعة الخامسة والدقيقة 15؛ أفكر في مُبهمات الحياة، وأُقايس بين ما غَبَر وبين ما أنا عليه في ساعتي هذه وبين ما سيأتي. أيها القدر القاسي؛ تُرى، ماذا تخبئ لي في القريب بين طياتك؟!”
وشاءت الأسطورة أن تتمَّ فصولها، فقد اصطدمت السيارة التي تقله – وهو في طريقه ليطالب بالإفراج عن بعض المُعتقلين – بقطار، فتحطَّمت، وأصيب مُطلق بجروحٍ بالغة نقل عن أثرها إلى المستشفى حيث فارق الحياة. كان ذلك في التاسع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1937.
وشاء القدر، أيضًا أن يكون سائقُ القطار ابن عم مطلق، فأذهلته المفاجأة، وبكى عليه بكاءً مرًا.
فما هو السر في كل ما حدث، وما هو سر تلك النفس الفائقة الرقة والشفافية التي تحسُّ بالزلازل قبل وقوعها كالعصافير؟!
ليس لهذه الأسئلة من أجوبة، ولكن لا بد من رسم علامة السؤال بوضوح، وترك فسحةٍ من بياض الورقة أمامها. فمن يدري؟” لعل المسقبل يعثر لها على جواب.
مُطلق عبد الخالق يعيش للأدب
قبل أن أتصدى للكتابة عن مطلق عبد الخالق، لم أكن أعلم عن حياته وشخصه إلا القليل. أحببتُ شعرَ مطلق، ولما تعرفتُ إلى مطلق الإنسان، من خلال ما ذكر عنه، شغلتُ به عن مطلق الشاعر، ولم أدرِ أي الرجلين كان أقرب إليَّ من الآخر.
كان مُطلق الإنسان مُنسجمًا أشدَّ الانسجام مع مُطلق الشاعر، يعيشان ضمن نفس واحدة، يترقيان بها، ويبعدانها عن شقاء الأرض. وكأن مُطلق يطبق على نفسه ما خاطب به الدكتور داهش في مقدمتهِ الشعرية لكتاب “ضجعة الموت”.
يا باسمًا للعوادي وساخرًا بالزمان
يا هازئًا بالحياة وزاهدًا في الغواني
يا داهشًا جئت أرضًا محفوفةً بالهوان
وفي مقدمته النثرية: “هي إن شئت حسرات، وهي إن شئت زفرات، وهي إن لم تشأ هذا ولا ذاك، نفثاتُ مصدور وأناتُ موتور سئم الحياة وعاف الناس، واتجه بكليته إلى عبادة المبادئ السامية، وتقديس المثل العليا”.
لم يشأ مُطلق أن يسخّر الكلمة، ويستغل مواهبه من أجل فائدة دنيوية، بل على عكس ذلك، فقد سخَّر نفسه وأنفق عمره من أجل إعلاء كلمة الحقّ، وخدمة المبادئ والقيم. ويا لها من وقفةٍ رائعة، يوم تخلّى عن وظيفته في البنك العربي، كما يتخلّى الإصبعُ عن قُلامة ظفره. وموجزُ القصة أن مطلق كان قد نظم شعرًا قطعة “يا مال يا مال” للدكتور داهش، ونشرها في جريدة “الدفاع”. ولما قرأها مدير البنك السيد أحمد حلمي باشا، سأل مُطلق، بشيء من السخرية: “كيف تذم المال وأنت تعمل عندنا في مؤسسة مالية؟” فما كان من مطلق إلى أن قدَّم استقالته من عمله إلى المدير قائلاً: “نعم سأريك كيف احتقرُ المال”. ولم تنفع، وقتذاك، جميعُ المحاولات لثنيه عن الاستقاله.
أضواء
– وُلِدَ مُطلق عبد الخالق في مدينة الناصرة سنة 1910، هذه المدينة الهاجعة بين أحضان التلال، والمعروفة بحجارة مبانيها البيضاء التي تلمع كالمرايا تحت شمس الجليل.
تلقى علومه الابتدائية فيها، بمدرسة أمين فارس، ثم انتقل إلى مدرسى المعارف (وكان متفوقًا ومشهودًا له بعلامة الامتياز). وأنهى دروسه في كلية الروضة بامتياز أيضاً.
- كتب الشعر في سن مبكرة، وكان قارئًا كبيرًا، أدى شغفه ومطالعته الكثيرة باللغتين العربية والإنكليزية بشكسبير وملتن وبايرن وغوته ونيتشه الذي كان مُطلق يترنّم بقوله: “ليس بالأماني والأحلام تبنيى الشعوب، وإنما بالحديد والنار”.
- كاتب الصحف العربية والإنكليزية والأدباء العرب والإنكليز شارحًا قضايا وطنه.
- له محاولات في نظم الشعر الإنكليزي.
- أصدر مجلةً باللغتين العربية والإنكليزية، بالاشتراك مع رئيس فرقة كشافة الصحراء.
- عام 1930 عمل في جريدة “النفير” (صاحبها سهيل زكا)، وجريدة “اليرموك” (صاحبها رشيد الحاج إبراهيم). وكان يعمل، في الوقت نفسه، في البنك العربي، وقد رشِّح إلى عضوّة المؤتمر الاقتصادي العربي الذي عُقد في القدس برئاسة أحمد حلمي باشا، مدير البنك، والذي أصبح فيما بعد رئيس حكومة عموم فلسطين عام 1953.
– وضع مسرحية شعرية في ستين صفحة عنوانها “رموز التضحية” مثلت في حيفا مرارًا؛ وله كتاب نثري ضخم بعنوان “خواطر وآلام”.
– جرت مساجلات بينه وبين وديع البستاني.
– وضع قبل وفاته محاضرةٌ قيمة في 48 صفحة عن الزعيم الروحي السياسي المهاتما غاندي، وألقاها في رابطة الشبيبة العربية في حيفا.
– تميّزت كتاباته النثرية بأسلوبٍ نقدي شديد السخرية برز في مقالٍ له بعنوان “الفلاكة والمفلوكون” نشر في جريدة “الدفاع” الفلسطينية في 15 تموز 1935، كما برز أسلوبه الساخر في غير قصيدة من شعره الوطني والسياسي والاجتماعي.
– تعرَّف إلى الدكتور داهش في العام 1932، واعتنق أفكاره.
وقد قرظت أشعاره مجلة “الرسالة” الأدبية (صاحبها الأديب الكبير أحمد حسن الزيات)، وعقد الزيات فصلاً عن مُطلق في جريدة “السياسة” الأسبوعية. كما تناوله إبراهيم عبد الستَّار في كتابه “شعراء فلسطين العربية في ثورتها القومية”، والدكتور عبد الرحمن الكيالي في كتابه “الشعر الفلسطيني في نكبة فلسطين”، والدكتور عبد الرحمن ياغي في كتابه “حياةُ الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة حتى النكبة”.
موهبة الصدق
لم تنسجم الكلمة والحياةُ العملية يومًا، كما انسجمتا مع مُطلق عبد الخالق، فكأنهما توأمان لا يفترقان. تلك هي العبقرية الصدق التي كان يملكُها مُطلق بفطرته النقيَّة.
إن الصدقَ والعفوية يختبئان وراء كل كلمة من كلماته، فلا رائحة فيها لمطلبٍ أو مأرب… لا رائحة لها إلا رائحة الحبر والشعر.
وهكذا فقد حقَّق مُطلق أمنيةً طالما راودت بعض من سبقه من الشعراء، بانتزاع الشعر من حضن المناسبة والتقليد.
لقد تحرّك صدقُ مُطلق في اتجاهين متقابلين: صدقِه في حياته الخاصة وعلاقاته مع الآخرين، وصدقه في شعره. أما صدقه في حياته الخاصة فتشهد به سيرته النقية، وكلام أصدقائه وزملائه وعارفيه؛ فقد أجمعت كل الآراء، لا سيما تلك التي برزت في خطب التأبين والذكرى الأربعين لوفاته، على صفاتٍ له نادرة في عصره، فكأنه ملاك هبط من السماء لا إنسانٌ يعيش على الأرض: “كان للزميل الراحل أخلاقُ الملائكة”… “لا نعلمُ له عدوًا غير الباطل”… “روحانية علوية تعلو عن مراتب البشر”… “كان، وهو فيها، في عالمٍ روحاني غير عالمها، ولا شك أن التعجيل بالخروج منها كان من أمانيه”… “دخل العالم بريئًا وخرج منه بريئًا”.
ومما جاء في نعوته في جريدة “الدفاع”، أوسع الصحف الفلسطينية انتشارًا يومذاك:”ها هو الشاب المتسامي في حياته الخاصة وحياته العامة يُسلم الروح… ها هو مُطلق الذي ما ترك على هذه الدنيا شخصًا في نفسه أي كرهٍ له يودع هذه الدنيا… لم تكن أهلَ دنيا، أيها الشابّ المكون من روحٍ ونور”.
وصدقُ مُطلق في شعره يتجلَّى في عدم إكراهه أو تسخيره الشعر للتكسب. الشعر هو الذي يختار ساعة الولادة ومكانها وطبيعة الموضوع، وليس لمطلق يدٌ فيه. فكأن القصيدة هي التي تكتبُ مطلق، وليس مُطلق هو الذي يكتبها. كانت تمر أشهر، ولا ينبس قلمه ببنت شفَّة، وأحيانًا، كان لا يمر يومٌ إلا وله فيه شعرٌ كثير. وعندما كان يسأل عن سبب هذا التبايُن، كان يجيب: “إن الشعر قطعة من دمي وهجسةٌ من خاطري، يأتيني من حيث لا أدري”.
آفةُ الشعرِ الكبرى
كان مُطلق صادقًا مع نفسه وصادقًا مع الشعر، فلا عجب إذا رأينا في شعره ملامح جدية للتغيير، ودعوةً صادقة للخروج على كل ما هو مألوف، والانطلاق بالكلمة من محارتها الضيقة إلى شواطئ المحار والدفء والضوء وصفاء الروح. لقد خرجت عبارته عن المألوف، وسلكت طريقًا جديدة ذات أبعاد روحية واجتماعية لم يألفها الشعر في كثير من مراحله.
تمثَّل جديدُ مُطلق في خروجه على المواضيع التقليدية التي عالجها الشعر القديم كالهجاء والرثاء وآفة الشعر الكبرى، المدح، الذي يكاد لا ينجو من شركهِ أيُّ شاعر، والذي بلغ مستوًى خطرًا في عصر مُطلق ومحيطه. فقد كانت رائحته في شعر شوقي وحافظ تزكمُ الأنوف.
ويزيد بنا الخوف عندما نعلم أن طه حسين وعباس العقاد مدحا الملك فاروق. ولم يقصّر عنهما عبد القادر المازني وتوفيق الحكيم، وكثيرٌ من أدباء العصر وشعرائه.
أما في عصرنا الحديث فإن المديح، وإن كان قد اختفى بشكله التقليدي المعروف، قد ظهر بأشكالٍ جديدة كالتقرّب من الأنظمة الحاكمة ومصادر النفوذ، أو بتملّق الشعب، والعزف على أوتارٍ جاهزة ومألوفة أنغامًا يستأنس بها القطيع، لا تخدش الأذن ولا تجرح الشعور. إنه الشعر الذي يلبس لكل حالةٍ لبوسها… وقليلٌ هو الشعر الذي يسير بناظمه إلى الجلجلة
التحول وظلال الرومنسية
ولد مُطلق عبد الخالق في مطلع القرن، وفي مطلع القرن عمالقه شعرٍ وأدب، وعاش في ثلثه الأول (1910 – 1937) والمنطقةُ على تقلّباتٍ شتّى، سياسية واجتماعية، تمثَّلت بانحلال الإمبراطورية العثمانية وقيام نظام الانتداب، وصدور وعد بلفور الشهير (1917).
وفي موازاة هذا التحوّل السياسي والاجتماعي، كان لا بدَّ من تحولٍ على صعيد الأدب. فقد دأبت جماعةٌ من الأدباء على إحياء الأشكال القديمة للوصول إلى ما أسموه بالكلاسيكية المُستحدثة. ولكن فريقًا آخر آمن بضرورة التجديد، بعد إطلاعه على الآداب الأوروبية والتعرف على مذاهبها المختلفة.
وفي هذه الأثناء كان الشعرُ المهجري يبعث برسائله الرقيقة إلى أرض الوطن، ودفؤه وعذوبته يملآن الآفاق. فقد تمكَّن المهجريون، وعلى رأسهم جبران خليل جبران، من تمثل الحركة الرومنسية الأوروبية، وابتكار رومنسية عربية أخاذة لم تزل إلى الآن ترفد الشعر العربي بعذوبة لا تنضب.
وإن نظرة متأملة لأعمال شعراء الثلث الأول من القرن العشرين تظهر لنا الرومنسية وقد تسربت إلى مسام شعر الجميع، ومعهم مطلق عبد الخالق، إذ غابت عن شعره الموضوعاتُ القديمة بأشكالها التقليدية المعروفة، وحضر بقوةٍ شبحُ الموت، والحب والطفولة، وانطلق الخيال، وانسابت النفسُ في أجسام الحروف، ومثلت الطبيعةُ بأجمل صورها وأعذب انفعالاتها وأغرب أمزجتها.
في رحاب الطبيعة
كانت الطبيعة وما تزال مُلهمة الشعراء على اختلاف مذاهبهم وأمزجتهم، لكن علاقتها بالرومنسيين أخذت أشكالاً وأبعادًا مختلفة، فقد انتشرت ألوانها وظلالها وأصواتها وصورها في شعرهم، كما نشر الشعراء في جمالاتها أحاسيسهم وأفكارهم، وأطلقوا خيالاتهم في أجوائها الرحبة.
وبعد أن كان الشاعرُ القديم يكتفي برسم صور الطبيعة والاستماع إلى موسيقاها العذبة، أصبح الشاعر الرومنسي يستمع، من خلال أصوات الطبيعة، إلى موسيقى الإنسانية الكئيبة الهادئة، كما قال الشاعر الإنكليزي وردسورث.
أما مُطلق عبد الخالق فقد كتب الطبيعة كلماتٍ تذوب عذوبةً بين شفاه السطور، إذ رأى في براءتها وطفولتها وسحرها وجهًا آخر مناقضًا للوجه البشري الناطق بالشرور، رأى فيها السكينة والسعادة، إذا كان ثمة وجود للسعادة في الأرض! ففي قصيدة “نيسان” (ص 155) يحشد مُطلق الطبيعة بكل عناصرها في مهرجان الضوء والظلِّ والصوت واللون محتفلاً بولادة الصحو والزهو والزهر والثمر:
الغصن يحدبُ في الغداة وفي العشي على الكثيب
حدب الأديب على الطبيعة والمُحبِ على الحبيب
والزهر يلثمه النسيم وليس ثمة ما يريب
والطير يشجيه الصداح ولا يهدهده النحيب
وسوارحُ النسمات تحيي ميت النبتِ الجديب
فإذا الطبيعة والحياةُ هنا على وفقٍ وطيب
وإذاغ السعادةُ والسكينةُ والحياة هنا تطيب
وفي خلوده إلى الطبيعة لجأ مطلق إلى الغاب كرمز أكثر دقَّة وإيحاءً ودلالة على ما يريد قوله. فالطبيعة. بمفهومها الواسع، قد يخالطها بشر، أما الغاب فلا وجود فيه إلَّا للطبيعة ولا يُذكّرُ إلا بخالق الطبيعة والأكوان.
على أن الهروب إلى الغاب لا يعني بالضرورة أن يبني الشاعرُ بيتًا له من عيدان الصفصاف والقصب، ولكنه الرفض والفرار إلى داخل النفس، والاحتجاج على مساوئ الحياة ودناءة البشر.
ومن هذه الناحية فإن غابة مُطلق كثيفة الشجر والرموز والدلالات الإنسانية. وكأنها، بما تحمل من جمال ألفاظها وسمو معانيها، قطعة من السماء؛ فشجرُ السرو فيها “غريقٌ في ندى الفجر”، والزهر يفوحُ شذاه نفيًا رقيقًا “لا تدنسه يدٌ صيغت من العهر، فيها يقفُ الشاعرُ وجهًا لوجه مع الطبيعة في هدأة الليل، يُراقبُ الدنيا “بعيدًا عن أذى الناس”، وعن العالم وما فيه من سفهٍ وسخر، لا يكدرُ صفوَ تأملاته بشريٌّ من عبدةِ المال والمرأة والجاه والشهرة (ص 145)؛:
هنا لا عابدُ المال يُرى في شكله المُزري
ولا مستعبدُ المرأة في السر وفي الجهر
ولا الولهان في الصيت ولا الهيمان بالذّكرِ
في غاب مُطلق تذوب الفروق بين الناس والامتيازات، فلا وجود لذلّة العبيد ووطنية الحرّ وبسمات الإغراء، فالأحلام ساجية، والآمال هادئة، والسرو يوسوس، وأغرودة البشر على كل لسان. والحبُّ والحسنُ والسحر في كل مكان:
هنا أغرودةُ البشر تناجي نفحةً الطهر
هنا الحسنُ هنا الحبُ هنا “منطقة” السِّحر
هنا الله هو الأعلى هنا الإغراق في الخير
وفي قصيدة رائعة غريبة الخيالات والصور عنوانها “بين أشباح الظلام” (ص 35): يبدو الغابُ عند مطلق أكثر عمقًا واتساعًا ورهبة؛ إذ يصوره في ظلمة الليل مُلقيًا بعض الأضواء على أشباحه التي تغمره بالوحشة والرعب، ثمَّ يقيم حواراً بين أشباح نفسه وأشباح الليل فتعتنق الاشباح، وتختلطُ الرؤى، وتمتزجُ نفسًا الليل والشاعر في أجمل لوحات الرومنسية والرمزية وأكثرها روعة وغرابة:
رأيتُ اشباحَ ليلى قد بدت صورًا. من العفاريتِ… في آلاف أشكال
تسيلُ في عرصات الغاب راقصةً على عزيفٍ وتنعابٍ وتصهال
وتنجلي تارةً في شكلِ صلصلةٍ وتارةً تنجلي في لونِ صلصال
وتارةً تختفي عن ناظري فأرى فيها طيوفًا لآلامي وآمالي
ولا ينسى مُطلق أن يظهر في هذه القصيدة
تعالي نفسه، كتعالي الأشباح، على الدنيا ورغبته الجامحة في تحطيم أغلالها:
أشباح ليلي، تعالي إنني شبح على مثالك أشكالي وأحوالي
أحيا شبيهكِ طيفًا بين أخيلةٍ من الهواء ومن ماءٍ وسلسالِ
ومن تسامٍ عن الدنيا ومن صلفٍ ومن حنينيٍ إلى تحطيم أغلالِ
هكذا ظهرت الطبيعةُ في شعر مُطلق عبد الخالق بشكلها المميَّز؛ وهو، وإن لم يعطها بمقدار ما أعطاها بعضُ زملائه من اهتمام – كأبي القاسم الشابي وعلى محمود طه ومحمود حسن إسماعيل – فلأن “ما وراء الطبيعة” كان هاجسه الأول، والمحور الأهم الذي تدور حوله أفكاره وأحاسيسه وتأملاته.
الموت
قال الدكتور خالد سليمان: “والظاهرةُ الواضحة لكل من يتصفَّح آثار هذا الشاعر هي سيطرة فكرة الموت على نفسه بشكلٍ فريد من نوعه. فهل كان الشاعر تحت سيطرة حدسٍ قوي ومستمر بأن حياته جد قصيرة، وأن هذا الموت الذي تغنَّى به في الكثير من القصائد بل وطلبه بإلحاح في بعضها، هو على وشكِ طرق بابه؟”.
أجل لا بد لكل قارئ لشعر مُطلق عبد الخالق من أن يشعر هذا الشعور. لقد كانت نظرته للموت فائقةَ الغرابة، وإحساسُه به مرهفًا وحادًا. فهو لم يكتف بعدم الخوف منه، بل أحبَّه وتمنَّاه وطلبه بإلحاح، فكأنه يعمل بقول الإمام علي “استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه”، ويزيد عليه.
والموتُ كان وما يزال لغز الكون الأول وسرّ الحياة الأعظم. قاهرُ العباد ومحيّر الفلاسفة. يفر منه كل حيّ، ويرتعد حتى من ذكر اسمه، ويرفضُه حتى لو كان منه على قاب قوسٍ واحد. فالإنسانُ يخشى الموت ذلك المجهول، ويتعلّق بالحياة رغم مرارتها؛ وهذا ليس غربيًا، فمن الطبيعي أن ينجذب الترابُ إلى التراب.
أبو العلاء المعري يشير إلى ذلك بقوله:
ومن العجائب أن كلاً راغبٌ في أمِّ دفرٍ وهو من عُيَّابها
ومثله قال مطلق (ص33):
نذمُ الحياة وإنَّا بها لأصبي من الزاني والزانية
ونطلب الموت فإن يقترب نُلاقيه بالأدمع القانيه
ربما يطلب بعضُ الناس الموت إذا كانوا في ضيق، ولكن أكثرهم “كحطاب لافونتين” الذي وقع حِملُ الحطب عن ظهره، وهو في غاية التعب، فنادى الموت عسى أن يريحه من هذا الشقاء، فلما مثل أمامه وسأله عما يريد، ذُعر الحطاب وقال له: “لا شيء، أرجوك أن تساعدني في رفع هذا الحمل إلى ظهري”.
لا شكَّ بأن كثيرًا من الشعراء طلبوا الموت وتغنّوا به؛ فالحياةُ قاسية ومريرة، ومشاكلها مُعقدة، ونفوسُ الشعراء رقيقة لا تطيق المجابهة. فنراهم تارةً يهربون إلى الغاب وتارةً أخرى إلى الموت، ولكن تغنيهم بالموت كان يقابله في حب الحياة غناءٌ كثير. حتى لنراه يخفتُ ذلك الصوتُ الداعي إلى الموت في صخب الأصوات الداعية إلى الحياة.
أما مُطلق عبد الخالق فينشدُ الموتَ ويدعوه، لا برغبةٍ أو إلحاحٍ وحسب، وإنما بتشوقٍ وتحرقٍ ولهفة (ص 41)4:
أُؤثِرُ الموتَ إثرةً لا تُجارى. وأرى في الحياة داءً وبيلا
أطلب الموتَ وهو ينفرُ مني يا لتعسي هل أطلقُ المستحيلا؟
إن الحديث عن الموت في شعر مُطلق يسلكُ بنا طرقًا متعدِّدة صعبة، ويقودنا إلى مسائل في غاية الأهمية كان لها تأثيرها الكبير في شخصه وشعره، ربما كان أهمها تعرفه إلى الدكتور داهش عام 1932، واستقاؤهُ من معين تعاليمه الثرَّة بالمفاهيم الروحية وبما وراء الحياة؛ ففي ضوئها يتَّضح لنا السر الذي ألبس شعره الشاب ثيابَ الحكمة والفلسفة والنضج، وأبعده عن التقليد، ورفَعه، لا إلى شعر مرحلةٍ يموتُ بموتها، بل إلى شعر قضيةٍ يبقى ما بقيت الحياة ويرتفع بصاحبه إلى السماء.
إن حب الموت وكره الحياة يتقاسمان السطور في كثيرٍ من قصائد مُطلق؛ فأنَّى تأملنا صفحات ديوانه “الرحيل”، نرى عبارات الذم والاحتقار للحياة تخترق جسدها كالسهام. فألقها حُباب، وأمانيها سراب، وكل ما فيها أباطيل وأوهام. وإننا لنعجب أشد العجب من شاب في عزِّ الشباب كيف ينعى شبابه في قصيدته “تأملات مضطربة” (ص 28)4 فيقول:
ليت شعري عفت الذكرى وآمالٌ عذابْ
وعفا ما كان يعتز به هذا الشباب
وانطوت صفحةُ أيام وعهدٌ مستطاب
ويزداد عجبنا عندما نعلم أن هذا الشاب المسكون بفكرة الموت قد اختار بنفسه عنوان ديوانه “الرحيل” قبل رحيله من هذه الدنيا بقليل.
وبالرغم من قصر عمره، وقصر تجربته، فقد خبر مُطلق الحياة خبرة المُسنّ الطاعن في الحكمة؛ فقد كان له رأيه ورؤياه ونظرته الثاقبة التي تضمن لشعره الاستمرار والصمود في وجه التحولات القادمة مع العصور. لقد أدرك مُطلق أن الحياة نعمةٌ من الإله، وفرصةٌ لا تعوَّض، يجب الاستفادة منها في تهذيب النفس وارتقائها. فهو يخشى الموت، لا لقسوته وجبروته، بل لأنه يحرمه من خدمة رسالته، ويمنعه من محاربة شهواته وعيوبه، وتنقية نفسه وتطيرها (ص 53)4.
أموتُ وفي أرضي علي رسالة إذا خفيت يومًا، فسوف تبين
أموت وفي نفسي عيوبٌ كثيرة أحاول تطهيرًا لها فتشينُ
أموتُ وروحي حائرٌ كيف يتقي جحافل شهوات عليه ترين
ومرة أخرى تشف العبارة عند مُطلق حتى النبوءة، فيخبرنا عن قرب أجله، ويخاطب الموت وكأنه واقفٌ بقربه، وهو إذ يستمهله قليلاً، لا ليتمتع بالحياة، ولكن ليكمل انتصاره عليها مذكرًا برغبته بالابتعاد عن الدنيا، ولهفته وحنينه للموت:
ألا أيها الموتُ الذي أنتَ وافدٌ أشكٌّ أرى أم ما أراه يقين؟
ألا أيها الموتُ الذي أنتَ ساخرٌ بضعفي، تأخرًا في الفؤاد شؤون
وما كنتُ أخشى الموت لولا صحيفة لو انقلبت بيضاء ساد سكون
وفارقت دنيا كم تمنَّيت بُعدها وللموت منّي لهفةٌ وحنين
إنَّ حبَّ مُطلق للموت يزداد بقدار كرهه للحياة. وإنَّنا لنعجب كيف استطاعت هذه النفس الشاعرة أن تتجاوز ذاتها وتسمو الى ما سمتْ إليه!… لا شكَّ بأنَّ في يده مفاتيحَ خطيرة، وفي قلبه طهراً، وفي فكره ترسَّخت حقائق صغرت في نظره شأن الحياة، وأزالت من قلبه مخاوف الموت وحوَّلته يدَ حنانٍ وأمان وطريق محبَّة ورحمة. ففي قصيدة ” حياةُ قلب ” (ص 21) يقول:
فما لك، قلبي، تروم الحياة وتبكي الأماني بدمعٍ ودم
وأنت تحس وراء الحياة حفيف السعادة فوق السدم!
وفي قصيدة أخرى يقول:
يا حبيبي الموت زُرني، إن نفسي عافت الأرض وتاقت للأعالي
وفي قصيدة “نزواتُ قلب” (ص 63) يناجي مُطلق مُلهمة ومعلمه وهاديه, رجل الروح الدكتور داهش( الذي كان في أواسط العقد الثالث من عمره)، فيكشف لنا بنفسه عن سرّ إلهامه البيان ولغةَ الحياة وأسباب التحولات الكبرى في نفسه وشعره:
يا مُلهمي سحر البيان بكورةً وملقِّني لغة الحياة غروبًا
ومطهرًّا روحي الأثيم وباعثًا فيَّ المنى ومعلمي التهذبيا
ومجاهدًا في الله حق جهاده ومجليا ساع الخطوب كروبًا
لا يسع القارئ إلا أن ينظر بعين الدهشة للتحول الذي طرأ على شعر مُطلق عبد الخالق بعد تعرفه إلى الدكتور داهش، فقد فتحت تعاليمه أمامه آفاقًا رحبة، وانطلقت به في عوالم الغرابة والمفاجأة المستمرّة والمعرفة وكل الحقائق الجميلة التي ضيَّعها الشعراء والفلاسفة في عالم الأرض وما زالوا يفتشون عنها دون جدوى. وهل الشعر شيءٌ آخر غير الغرابة والدهشة وتتبع خطى الحقيقة المتغلغلة في قلب الأشياء واقتفاء آثار الجمال؟..,., تحوُّلٌ مهمٌ طرأ على شعر مُطلق جمَّل الشكل وعمَّق المعنى فأصبح أكثر شمولاً ونضجًا وأوثق صلةً بالفلسفة والجمال.
من حُبِّ المرأة إلى حُبِّ الروح
إتَّسعت الرؤيا وتعمَّقت وصفت وتجاوزت ما تراه العين، وراحت تمتدّ الجسور بين المنظور واللامنظور، وبين الواقع والحلم، والمعروف والمجهول، وأكثرث هذا التحول عند مُطلق كان في شعره الغزلي؛ فبعد أن كان يدور، في معظمه، حول أحاسيس الحُبِّ السطحية والتقرّب من المرأة، أصبح من خلال المنظار الداهشي يسبحُ ويسبح ويذوبُ وجدًا للاندماج بالحبيب والتقرّب من المُوجد. ففي ديون “الرحيل” قصائد غير قليلة من جميل الغزل. ومع أن تواريخ نظمها غير مدوَّنة ليسهل علينا تصنيفها، فإن هذه القصائد تصنّفُ نفسها بنفسها من خلال الفارق الكبير بينها، حتى لتبدو، في قديمها وجديدها، كأنها لشاعرين مُختلفين لا يجمع بينهما سوى قرابة الشعر.
يدور غزله الأول حول مشاعر الحُب المختلفة من رغبةٍ في لقاء الحبيبة، ووصف هذا اللقاء إذا حصل، وتذكّره في حالة الفراق، ومحاولات ردّ الاعتبار في حالة الهزائم.
ففي قصيدة “بنتُ الدلال” (ص 118)3، وهي أول قصيدة غزلية نظمها، يصور الشاعر جراحه الدامية ومشاعره المُلتهبة، ويطلب ثمنًا لذلك الوصال:
هلا نظرت دمي يسيلُ صبابةً والله لولا حبّه ما سالا
صوبت نُجْلَ لواحظٍ فتاكةٍ هي كالسهام تقصر الآجالا
رفقًا – هُديتِ – بعاشقٍ متدلِّةٍ يصبو إليك لكي ينال وصالا
وفي قصيدة “كاهنة الهيكل” (ص 120)؛ ولعلها من بواكيره ايضًا، يصف الشاعر ألم الهجر والذكرى، لكنه يفاجئنا، في مطلعها الساحر، بلفتةٍ عذبة ووقفةٍ لطيفة مُحبَّبة على طلل الحبيبة، فيحملنا بسرعة عفريت الجن إلى ديار امرئ القيس وعروة بن الورد وعنترة… إلى المنازل التي لها في القلوب منازل، ويعيدنا إلى منازلنا ونحن لما نزل في حالة الانخطاف.
وما أعذب وأنعم تذكرهُ لصوتها الناعم ونبراته الحلوة في الهيكل، فكلاهما مقدَّس ومُنزَل في نظره.
وفي قصيدة “ذكريات نيسان” (ص 124) تشتد الحالة فيرق الوصف ويرقى الشعر فيتحرَّر من قيود العالم وتتسع رؤياه ليصب بجحم الكون ويتلاشى الزمان والمكان في العناق اللذيذ وخفقان القلوب وهيمان الأرواح.
وفي قصيدة “كبرياء الحب” (ص 75) يتجلَّى عنفوان الشاعر وكبرياؤه وتعنيفه للحبيبة المُعرضة كردٍّ على موقفٍ سابق له موغلٍ في الثناء:
ما أنتِ حتى تسفكي أدمعي أو تعبثي بالشاعر المبدع؟
حول هذا المحور كان يدور شعر الحب عند مُطلق عبد الخالق: وصال، فراق، نجوى، عذاب، تلك المشاعر المباشرة التي يولدها حب المرأة في نفسه. وبعد إيمانه بتعاليم داهش صار ينظرُ إلى الحياة بمنظار آخر، فانكشفت له خدعةُ الحياة الكبرى المتمثِّلة في شركين كبيرين هما المال والشهوة الجنسية، وما ينتجُ عنهما من مهالك وشرور، وكان من الطبيعي أن يكون هذان الشركان هدفين لطعناتِ قلمه فيحقر المال أشد تحقير، ويصفُ المرأة الغويَّة في قصيدته “صور مُضطربة” (ص 42)4 بأنها:
شيطانة لا تجارى تبدو بشكلِ ملاك
لسانها من خيوطٍ وقلبها من شباك
فإن عثرت بخيطٍ قضيتَ دون حراك
ومع ذلك فالإنسان يفتن بهذا الشيطان، ويقع طائعًا مُختارًا في شباكه وخيوطه، وهو على يقين تامّ بأن مصيره لن يكون أفضل من مصير فريسة العنكبوت.
من أجل هذا يسخر مطلق أشد السخرية ممَّن يدَّعون حُب الله وهم في الحقيقة لا يهيمون إلا بالمرأة (ص 43)4
يا مُدَّعي حُب ربِّ العرش مستترًا. لكنت أسمى من الأفلاك والقمر
لو كنتَ حقَّاً تُحبُّ الله حُبَّكَها لكنتَ أسمى من الأفلاك والقمر
لقد بدت لمُطلق حقيقةُ المرأة وحقيقةُ الحب، هذه الأكذوبة التي ضللت البشر وهم ما زالوا يصدِّقونها ويجهرون باعتناقها ويتباهون بما تلبسهم من ثياب الخيبة، ويرضون بما تسبِّبه لهم من مصائب وويلات (ص 129)4:
أنا، يا زهرتي، سئمتُ حياة الحب، حب الحسان والغيد طرا
زهَّدتني قذارةُ الحب في الغيد فصار الفؤادُ من ذاك قفرا
هذا ما سببته الكشوف الجديدة، لدى مُطلق، في طبيعة الحياة والمرأة، فانبرى إلى تصويب النظرة إليهما، بعدما زاغت العيون وتاهت الأنظار في سراب البهارج والزخارف والإغراءات؛ فامتلأت سنابلُ شعره بالحبوب، واكتسبت شاعريته من العمق والروعة والسمو ما جعله جديرًا بالبقاء، والنفاذ من بوابة عصره إلى ردهات جميع العصور.
مواضيعُ غزله أصبحت أكثر عمقًا ودفئًا: “غزلٌ صوفي”، “ممرضة”، “غرام الزهور”، “نزواتُ قلب”، “يا حبيبَ الروح”، “طيف الحبيب”.
عناوين تعِدُ بحنانٍ عظيم. فعنوان “ممرضة” (ص166)4 رمز مُثقَّل بالدلالات الإنسانية والروحية ألبسهُ مُطلق قصيدته، فغدت كالملاك. لامست عمق الروح، وتجرَّدت من تراب الجسد، فلا أثر فيها لشهوةٍ أو رغبة سوى الرغبة في إظهار عمق المشاعر الإنسانية والروحية وإبراز صفاتها وجمالاتها التي لا تزول:
وجمال وجهك يا مليحة شاقني وسما بروحي للعلا وسباني
أهفو إليك وفي الجوانح حرقة وخيال شعري في فضائك فاني
هل تلمسين يدي المريضة؟ بل ضعي يدك الجميلة فوق قلبي العاني
لتري ذهول الحب في خفقانه وتريه كيف يذوبُ في الخفقان
وتلمسيه تَرَيْه في صوفيةٍ علوية الأجواء والأكوان
وأراك روحًا في الحياة مُجرَّدًا من جسمه وحقارة الأبدان
وفي طريقه الروحي اتَّجه مُطلق نحو الجمال المُطلق والخير المُطلق، نحو الإله؛ فحب الإله هو الحب الحقيقي الخالد، وما عداه فترهاتٌ وأوهام وزبد يذهب جفاءً ولا ينفع أحدًا. فلا حبيب ولا خليل من البشر، والدنيا هباء، ولا يبقى سوى الإله (ص 96)4
مللت نفسي ملالا فرحت أبغي الخليلا
نادتني النفسُ حالا: “لا تنشد المستحيلا
دنياك هذي هباءُ فانشد فضاءً سواها
وإن عداك الغطاءُ فاصبر وناجِ الإلها
صدقتِ، يا نفسُ، ما لي غير الإله ونفسي
أُذيبُ فيه خيالي وذكرياتي وحسي”
إن حُبَّ الإله يمر، لا شكَّ، بحب الرموز التي تذكر به، يمر بحب الخير والعدل والطهر والحق والحقيقة، وحاملي الحقّ والحقيقة، أنبياء الله وهُداته وأصفيائه؛ وفي ضوء هذه الفكرة، يمكننا فهم قصائد”إلى حبيبي الروح، و”طيف الحبيب”، و”رقصةُ الروح”. لكن أسراراً كثيرة تظلُّ طي الكتمان. فمن هو هذا الروح؟ وكيف تسنَّى للشاعر التقاؤه ونشوءُ هذه العلاقة الروحية، وتسجيل هذا الشريط من الذكريات الجميلة (ص 65)4:
أين هاتيك الليالي يا حبيبي الروح أينا؟
حين كنا في فسيح الجو نضني جسدينا
حين كنا حين تبدو أنا أو أنتَ اختفينا
حين بانت صفحة الدنيا كما تبدو لدينا
وإذا، يا صاحبي، نحن نيام فوعينا
وتكون المُحصِّلة قضاء ساعاتٍ مهولات: ضحك وبكاء، وانتشاء وفناء في خمرة الروح، ومعرفة أسرار وخفايا.
وفي قصيدته “إلى رمز الجمال” (ص 44)4 يخاطب مُطلق الروح بأرقِ الابتهالات، ويصفها أجمل الوصف في صيغة تساؤلات تشف كلماتها وتصفو صفاء الروح، وتتدفق الصور كتدفق نهر غضوب من قمة، فنحس وكأن أرواحنا انسابت مع ألحانها وانتشرت في الألوان والظلال:
ما أنتِ؟ أنتِ خيالٌ أم أنتِ طيفٌ خيالِ؟
أم وهجةٌ من شعاعٍ تُضيءُ هذي الليالي؟
ونفحةٌ من عطور أم ومضةٌ من لآلي؟
أم أنت سر خفي يموج بين الظلال؟
أم أنتِ خطرة نفس لا تخطرين ببال؟
وفي أعالي الفضاء أم في فضاء الاعالي؟
وفي قرارة نفسي أم في سماء خيالي؟
ثم يكشف عن سر هبوط الإنسان نتيجة أخطائه، فيتقمَّص الهيكل الآدمي في عالم الأرض الحافل بالشرور، والروح تسير نحو الخلود. ومن هنا كان الحنين إلى الروح، والتوق إلى الإندماج بها اندماجًا لن يتحقَّق إلا بالزوال.
نسيتُ، روحي، كياني وأنني في اأعالي
ورحت أطوي جسيمًا من الجسوم الغوالي
فما شعرتُ بنفسي إلا شهيد ابتذالي
وصرت أهبطُ أرضًا مكللاً بضلالي
يا روحُ، طال اصطباري متى يكون زوالي؟
وتتضح صورةُ السقوط أكثر فأكثر في قصيدة “يا أخي” (ص 29)4 حيث يؤكد مُطلق أن الحياة هباء، والأرض دارُ شقاء، واستنادًا إلى نظام الاستحقاق والعدالة الإلهي، فإننا نحن الذين سببنا وجودنا على الأرض، إذ تسفَّلنا وتساوينا مع الشياطين:
نحن لولا هونُنا ما درجنا فوق هذي الثرى، ولولا الغباءُ
ولو أنا رمنا السماء صعودًا ما استطعنا لأننا سفلاء
والشياطين في أخسِّ مُناها وبنو الأرض في الحياة سواء
وإذا كان الوجه الآخر من شعر الحُب الروحي عند مُطلق قد سار باتجاه كره الحياة ورفضها والدعوة إلى الخلاص من التراب، فإن وجهه الأول يشرق مع وجه حبيبه ومعلمه الدكتور داهش في غير قصيدة، حيث يستأثر داهش برمز “الحبيب” فيناجيه الشاعر ويبثه لواعجه وآلامه ويشكو له حقارة الحياة وسخافة الدنيا وتفاهة البشر (ص 64)4:
بُشراكَ،داهشُ، إذ حقرت حياتنا لك جنةُ المأوى، أخي، وطوبى!
ولو انهم عرفوك زال عجابهم لما بدوت مطلسما وغريبا
أفنيت عمرك خشية وتأملاً وقضيت عمرك جيئةً وذهوبا
وأنا كذاك أرى الحياة حقيرة فجزيتها الإعراض والتقطيبا
ويبلغ شعر الحب الروحي القمة في قصيدة “غزل صوفي” (ص 38)4 حيث تنتظم القصيدة في 37 بيتًا من رائع الشعر كما تنتظم اللآلئ. تتكرّر فيها كلمة “يا حبيبي” تسع عشرة مرة فلا نشعر معها بأي مللٍ أو نشاز، بل نطلب المزيد لمعرفة سر هذا الحبيب الذي يذوب فيه الشاعر ويفنى ويتحولان معًا إلى هواء ونور.
سبعة وثلاثون بيتًا تتنافس في إرضاء الحبيب، ولكنها تغضب من يريد الحكم فيما بينها أو الاختيار:
يا حبيبي، هاتِ لي الكأسَ وغن ما تشاء
خمرة الحب شعاعُ الروح والروحُ إناء
يا حبيبي، هات عانقني تعانقني السماء
وافن فيَّ، أنا فان فيك، والحب فناء
وذهول عن حياةٍ كل ما فيها هباء!
إلى هذه القمة وصل شعر مُطلق عبد الخالق الغزلي في مرحلته الروحية، وكان في مرحلته الأولى قد وصل إلى قمة ثانية، وفي كلتا المرحلتين، كما في سائر المواضيع التي طرقها مُطلق، نرى شعره مُتالقًا كالنجوم، ولون واحد من بين ألوانه الكثيرة يشترك في رسم جميع خطوط القصيدة وصورها، هذا اللون هو الصدق. فمُطلق صادق في شعره قبل اعتناقه تعاليم داهش وبعده. صادقٌ في كلامه عن الموت وعن الطبيعة. صادقٌ في محبته لوطنه، وفي شعوره نحو الشهداء والعمال والطيبين البسطاء من أبناء قومه. فمن غير الممكن لشعره أن يرقَّ هذه الرقَّة ويصفو هذا الصفاء لو لم يكن غارقًا في صميم التجربة، تصهره الحالة وتدميه الآلام.
شُهداء ووطن
إنه يسكب القلب على قبور الشهداء ويذرف الدمع دماءً تقديرًا لما تحويه هذ القبور من نفوس ابيةٍ صادقة أنفت حياة الهوان (ص 13):
واسكُبِ القلب على أرماسهم قطرات واذرف الدمع دماء
إنها تحوي نفوسًا أنفت أن تُرى تحيا على الأرض هباء
هؤلاء الشهداء زهدوا في كل ما تطلبه النفس فانتصروا على أنفسهم، وتمرَّدوا على الحياة، ونجوا من حبائل المُغريات، ولم يبتغوا في توجهاتهم سوى وجه الله. إنهم شرفاء أوفياء لا يطلبون ثراءً سوى أن يموتوا كرامًا أعزة. وإذ أبوا عيشةَ الهوان ونفضوا غبار الذُّل وسخروا بزخرف الدنيا، فهم، ولا شكَّ، سيرتقون في مراتب الروح ويلتقون الأنبياء والهُداة (ص 47)4:
زهِدوا في الحياة لا تستبيهم كأس خمرٍ وغادةٌ غيداء
أنفياء القلوب يرجون وجه الله يدعون أن يجاب الرجاء
فقراءٌ لا يطلبون ثراءً غير أن يُلحدوا وهم شرفاء
بل مضوا يرخصون أإلى نفوس لم يُصبها من الكفاح عياء
وارتقوا في مراتب الروح أفقًا طافَة قبل موتهم أنبياء
لقد أعجب مُطلق بشهادة هؤلاء الشرفاء، فنال شرف الشهادة وهو في طريقه للمطالبة بتحرير مسجونين بتهمة الشرف. راعه الظُّلم والظَّالمون وتشويههم وجه وطنه باضطهادهم أحراره وأُباته. هذا الوطن الذي أحبه حتى العبادة حوله الحكام ليلاً مُظلمًا كل ما فيه أوثانٌ جامدة خرساء، لا ينطلق منه غير صوت القيود والأغلال الأرسان (ص 24):
وطني إصباحُه ظلم وأماسيه تؤرقني
والدراري في مجرّتها خُفيت في حلَّة الدكن
وشخوص الحي جامدةٌ في ظلام الليل كالوثن
خرست لا صوت تسمعه غير صوت القيد والرسن
أراد مطلق لوطنه أن يكون وطنًا للفضيلة، يحكمه العدل والمساواة بين الناس. أراده وطنًا يعبد القيم السامية لا وطنًا يستعبده القيمون عليه. أراد للحاكم أن يتمثل “بعُمَر العظيم” فيقود البعير لخادمه لا أن يقود شعبه كالبعير (ص 107)4:
طوباك إذ قدت البعير لخادمٍ فتعال الأسيادُ والخدامُ
لكن هذ الأمنيات كانت تصطدم دائمًا بواقع مرير. فالوطن في اضطراب، أمرهُ فوضى، تعبثُ به ضغائن، وتتنازعه فتن، وحكامه يذكون هذه النزعات والفتن. يستقوون على الضعيف، ويستضعفون أمام القوي المُستعمر فينحون له حتى يلامسوا الأرض، ويمشوا بهاماتهم على أعتابه (ص 50).
من خلال هذا الواقع المرير يتنبأ مُطلق بما سيؤول إليه المصير، وإن كانت النبوءة، هذه المرة أقل دهشة، ففي الأفق ملامح سوء… الأجنبي يحتلّ البلد، والنزاعاتُ تحتلّ نفوس أبنائه و”وعد الشر” يصدق، فيعيش مطلق المصير قبل وقوعها، وتختلج “فلسطين الشهيدة” في قلبه ومشاعره كالطائر الذبيح، لكنه يحول هذا الشعور باتجاه الأمل الذي يكفكف الدموع من خلال الإصرار على الصراع والمقاومة حتى إنقاذ الوطن الصريع (ص 17)4:
فلسطين الشهيدةُ: لا تراعي ولا تأسي ولا تذري الدموعا
فنحن وهم سنبقى في صراع إلى أن ننقذ الحق الصريعا
ونعقد فوق هامك تاج غارٍ ونسكنك الحنايا والضلوعا
لقد حرص مُطلق على أن يلبس النقمة ثوب المحبة والثورة ثوب الحق، فهو ينقم على أبناء شعبه لأنه يحبهم ويثور على المستعمرين لأنهم مغتصبو حق. فلا يمكن أن نثور على الظلم بظلم مثله. الحق ثم الحق، ولا يهم بعد ذلك نجاح أو فشل، إذ إن النجاح الحقيقي هو في تجنب الظلم.
هذا التمسك الشديد بالحق جعله في صدام مستمر مع نفسه ومع الآخرين، ولعل أعنف الصدام ما يدور مع النفس. لقد كان الحق بالنسبة لمُطلق الحجر الأساس في كل بناء، وهذا ما أهله لتأسيس تيار شعري خاص غني بمحتواه الروحي الأصيل وملامحه المميزة التفت إليه غير باحث وناقد ومهتم بالأدب كالدكتور عبد الرحمن ياغي في كتابه “حياة الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة حتى النكبة” حيث قال:
“وهنا في هذه المرحلة من حياة الشعر يصب رافد صغير جنح لون شعره إلى التصوف… وفيه مسحة من الألم الممزوج باليأس حينًا وبالتأمل الحزين المر حينًا آخر… ويمثل هذا التيَّار الشاعر مُطلق عبد الخالق”.
ونريد أن نصحح عبارة “الألم الممزوج باليأس “فتقول: “الألم الممزوج بالسخرية”، وذلك انسجامًا مع رغبة مُطلق الذي حرص دائمًا على أن ينفي عنه تهمة اليأس والتعاسة ويستبدل بها “السخرية” (ص 41)4:
أنا ساخرٌ مُتهكمٌ لا تاعسٌ أبناء هذي الجيفة الغبراء
والفرق بين تعاستي وتهكمي كالفرق بين غبائكم وغبائي
هذا هو التيار الذي شكله مُطلق، على غير قصدٍ منه. فما هي حدوده وأبعاده، وماذا يحمل بين ذراعيه أو يجرفُ في طريقه؟… وهل يكفي أن ننعته بالتصوف أو نشير إلى مسحة الألم فيه والحزن والتأمل؟… ما هي سماتُ شعر مُطلق عبد الخالق الفلسفية والفنية؟…
شعر وفلسفة
إن المتأمل في شعر مطلق عبد الخالق يجد أن بينه وبين اهتمامات الفلسفة علاقة ما. صحيح أن مطلق لم يكتب المطولات الفلسفية المستقلة كتائية ابن الفارض (760 بيتًا) أو عينية ابن سينا، لكن قصائد كثيرة له، كقصيدة “طلاسم” (45 بيتًا)، و”يا أخي” (34 بيتًا)، و”غزل صوفي” (37 بيتًا)، و”تأملات مبهمة” (25 بيتًا)، و”إلى رمز الجمال” (42بيتًا)، جاءت مثقلة بأفكار الفلسفة ورموزها.
والأفكار الفلسفية منتشرة في أكثر شعر مطلق، لا سيما، في ما نظم بعد تعرفه إلى الدكتور داهش عام 1932، ومن بينها فكرة هبوط النفس وصعودها التي عالجها مُطلق في ضوء نظام الاستحقاق والعدالة الإلهي المُستوحى من تعاليم الدكتور داهش؛ ومنها أن النفس مسؤولة كل المسؤولية وحرة كل الحرية، وهي التي تسبِّب بإرادتها هبوطها أو صعودها بنسبة أعمالها، إذ إن القول بقوةٍ ما أجبرتها هو أمر منافٍ لمبدأ العدالة الإلهية. والإنسانُ لا يكون مسؤولاً عن عمله إلا إذا كان مُتمتعًا بحرية التصرف، وإلا فالمسؤولية تقع على من أجبره. يقول مُطلق في قصيدة “يا أخي”.
نحن لولا هو أننا ما درجنا فوق هذي الثرى ولولا الغباء
ولو أنا رمنا السماء صعودًا ما استطعنا لأننا سفلاء
إن هذه الفكرة تشكل كشفًا جديدًا في نظرية هبوط النفس سوف يكون لها تأثيرها البالغ في الفكر الفلسفي الحديث.
واستنادًا إلى نظام الاستحقاق والعدالة الإلهيّ ذاته تحدث مطلق عن التقمّص، فجاء كلامه مختلفًا عما أشيع عن هذه الفكرة من قبل؛ فالنفس، برأيه، يمكن أ، تتقمَّص شكل طائر أو زهرةً أو شوكة… وإن شعاعات الحياة تعم جميع الموجودات في هذا الكون معروفها ومجهولها (ص 32):
إلى أين في هذه الفانية نروح ونغدو؟ وماذا هِيَه؟
ونحن الأناسيَّ عُبدانها أسارى هوانا بني الفانية
لماذا خلقنا، وماذا ترى نكون وهلا نجي ثانية؟
وفيم نجيء؟ أفي طائر يغرد أم زهرةٍ فاغية؟
وإلا فقيم؟ أفي حيةٍ تنضنضُ أم شوكةٍ جاسية؟
هذا بالإضافة إلى أفكار فلسفية أخرى موزَّعة في مُعظم قصائد مُطلق لا يتَّسع المجال للكلام عليها في هذا المقال.
أما بالنسبة لاتخاذ موقفٍ في الحياة له طابعٌ فلسفي، فكيفما قلبنا صفحاتِ ديوانه “الرحيل” نقف على موقفٍ فلسفي يعري الحياة من زخرفها، ويظهرها على حقيقتها المفجعة، ويدعو للإفلات من شباكها والانتصار عليها.
كل هذا، ومُطلق بالقرب من مناهل الوحى يرشفُ من زُلالها ومعتق خمرها، متفيئًا ظلّ فلسفةٍ روحيةٍ سامية.
مذاهبُ الأدب
لا شكَّ بأن مُطلق عبد الخالق عاش في المرحلة التي اصطلح على تسميتها بالمرحلة الرومنسية. وقد يغلب على شعره المناخ السائد في عصره، ولكنه كان من بين جميع معاصريه، أكثر تفردًا واحتفاظًا بخصائصه المميزة لا سيما بجنوحه نحو الرمزية، واحترامه للتراث في وقتٍ واحد. وقد جاء شعر مزيجًا من الاتجاهات الثلاثة، الرومنسية والرمزية والكلاسيكية؛ فهو رومنسي بأحاسيسه المُتفجرة وخياله الجامح الخصب، وعواطفه المُلتهبة الذائبة في صور الطبيعة وأحضانها وغرابة الموت وغُربة الحياة، وكلاسيكي في موازنته بين العقل والعاطفة، وفي تقديسه للقيم الخلقية واحترامه للتراث؛ ورمزي في استعماله الخاص للغة، وإدراكه الخاص للأشياء، في كيمياء صوره وعمق معانيه، وبطرقه الخاصة بتحديد الأشكال والأحجام وتركيب الألوان ومزج الظلال.
وبالرغم من كل ما قيل في شأن انتماء شعره، فإن مُطلق عبد الخالق شاعرٌ فريدٌ مُجيد، ذو موهبة فذَّة نادرة أتاحت له، رغم قصر المدَّة التي أمضاها في الدنيا، أن يتبوأ قمة في الشعر العربي المعاصر، وأن يكون، كما قال عنه الدكتور خالد سليمان، أحد أبرز الشعراء الأعلام في فلسطين في فترة نهاية العشرينيات والثلاثينيات. ولو قدر له المزيد من العمر لكان أعطى العربية المزيد من الروائع وشكَّل شعره إضافةً جليلة إلى التراث، وارتفع علمًا بارزًا من أعلام الشعر العربي والعالميّ على السواء.
أنتوانت، شقيقةُ مؤسس الداهشية،
تنتقل إلى الملإ الأعلى
في 13 كانون الأول (ديسمبر) 1996، بارحت شقيقةُ مؤسس الداهشية، السيدة انتوانت (يوكابد)، أرض الشقاء إلى الملإ الأعلى، يحيط بها لفيفٌ من الداهشيين الأوقياء ممَّن عرفوها وأكبروها، وبينهم كريمتها ليلى وقرينها الشاعر الداهشي موسى نجيب المعلوف، وذلك في العاصمة اللبنانية.
ولدت أنتوانيت في بيروت عام 1911، بعيد انتقال أسرتها إلى لبنان من القدس، حيث ولد شقيقها قبل عامين.
وبعد وفاة والدها، موسى العشي، الذي عمل في المطبعة التابعة للجامعة الأمريكية ببيروت، في 25 كانون الأول (ديسمبر) عام 1920، وضعت مع شقيقها سليم (الاسم الذي عرف به الدكتور داهش في صباه) في مدرسة الميتم الأمريكي في بلدة غزير (فوق جونيه بلبنان)، وذلك في أوائل عام 1921. لكن في حين أن شقيقها لم تتجاوز مدَّة تحصيله المدرسي ستة أشهر، انصرف بعدها إلى تحصيل المعرفة الواسعة بنفسه، فقد تابعت هي وشقيقاتها الدراسة في طرابلس ثم في فلسطين حيث كانت تقيم خالتهن.
كانت أنتوانت مولعة بقراءة الكتاب المقدس، كوالدتها السيدة شموني المُلقبة بـ”الشريفة”؛ كما كانت تنزعُ نفسها إلى العُزلة، لأنها لم تجد في ما يهتم به الناس من قيم مادية زائفة ما يُشبعُ نفسها التواقة إلى الروحانية.
في أواخر عام 1929، وافقت مؤسس الداهشية إلى باريس، ثم إلى مصر في ربيع عام 1931. ومنذئذٍ لازمت شقيقها، رجل الروح الخارق، وساندته في جهاده، وحدَبَت عليه تعزيه وتؤاسيه في أمراضه ومتاعبه ومصاعبه، حتى كانت شبه مُتنسكة له، لا تطل على الناس إلى إذا استدعت الضرورة.
وقد أكبر الدكتور داهش وفاء شقيقته له، مثلما أكبر حياتها الفاضلة، فكتب لها قطعةً وجدانية بالغة التأثير بعنوان “إلى شقيقتي أنتوانت”، وذلك بتاريخ 29 تموز 1936؛ مما ورد فيها:
عندما يغدرُ بي الجميع،
تبقين أنتِ لي مثالاً للوفاء،
وعنوانًا رائعًا للإخلاص والإخاء،
تضحِّين براحتكِ في سبيل سعادتي وهنائي!
عندما يحيقُ بي مرض تذرفين سخين الدموع،
وأنتِ تضرعين إلى القوة المُوجدة أن تشفي أخاك.
عندما تَهمي عيناي الدموع،
تُسرعين إلى منديلك اللطيف،
كي تزيلي القطرات المتساتلة من عيني المُثقلتين بالأحزانّ!
عندما تنتابُني الخطوبُ، تسرعين بلهفة ولوعة،
للتَّسرية عن نفسي المُحطَّمة المسكينة!
عندما يبلغك نبأ مكدر،
تودين لو تستطيعين الحضور على جناح البرق،
لتزيلي أسبابَ شقوتي وبلائي!
وعندما يسقط من يديك الأمر،
وتعجزين عن بلوغ المرام،
تهرقين دمعك الغزير بحرقة ومرارة!
ولكن، كلا، كلا.
إن شقيقكِ، يا أختاه،
شقيقكِ الذي تعرفينه جيدًا،
ما يزال (قويًا) كل (القوة)،
مثلما عهدته في السابق،
إن لم يزدَدْ مضاءً في العزيمة،
وصلابة في الآراء.
فاطمئني، لأن أعداءه أعجزُ عن أن يستطيعوا الإيقاع به.
وسترين لمن سيكون الفوزُ في “النهاية”
آه! شقيقتي!
فدتكِ روحي،
إذ أنتِ حياتي.
ويوم فجعت أنتوانت بإبعاد الرئيس اللبناني بشاره الخوري لشقيقها خارج الأراضي اللبنانية، في 9 أيلول (سبتمبر) 1944، أجرت اتصالات جريئة مع المسؤولين لتعرف مكانه وهل ما زال قيد الحياة؛ لكن مساعيها فشلت. فأرسلت، حينئذٍ ثلاث برقيات: إلى رئيس الجمهورية، وإلى رئيس الوزارة، رياض الصلح، وإلى رئيس مجلس النواب، صبري حماده.
وقد ورد في البرقية الأولى:
فخامة الشيخ بشاره الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية في عهدكم السعيد يختطف لبناني من قبل رجال الأمن اللبنانيين ويذهبون به إلى جهة معلومة.
فباسم الدستور الذي أقسمتم له يمين الإخلاص، أطالبكم أن تحموا لبنانيًا من ظلم رجال الأمن اللبنانيين.
أما هذا اللبناني المجهول محل إقامته فهو أخي الدكتور داهش. أحملكم شخصيًا كل مسؤولية تنتج عن اختطافه على هذا الشكل الذي لم يسبق له مثيل حتى في القرون الوسطى.
أطلبُ باسم القانون والدستور معرفة مقره والاجتماع إليه حالاً
انتوانت
وما إن تسلم بشاره الخوري برقية الأخت المفجوعة بأخيها المجهول المصير حتى أصدر أمرًا باعتقالها. فقبض عليها في 28/9/1944.
وحوكمت المُجاهدة البطلة. ونزولاً عند رغبة الرئيس الباغية، حكم عليها بالسجن عشرة أيام، بدل أن تبرئها المحكمة وتساعدها في معرفة مقرّ أخيها. وقد أطلق سراحها في 8/10/1944. ومع ذلك لم يعجب الحكم بشاره الخوري، فطلب استئنافه ضدها، إذ كان يتمنَّى هلاكها في السجن. وقد دافع عن السجينة البطلة المظلومة القانوني الجريء، فؤاد رزق، دفاعًا مشرفًأ.
ولما علم الدكتور داهش بسجنها وهو في مقرِّه الخفيّ، أرسل إلى محاميها الكبير رسالة مؤثرة تروي ما أُصيب به من مظالم على أيدي زبانية الرئيس الطاغية. مما ورد فيها:
أما الأمر الذي حزَّ في نفسي، وترك آثاره المؤلمة في روحي، وكشف الستار عن طغمة الأشرار الفجَّار فإذا بهم على حقيقتهم الوضيعة، فهو أمر السجن الذي صدر على شقيقتي الملتاعة التي طلبت من الرئيس الذي أقسم أمام مجلس الأمة على أنه سيسير في طريق الشرف والاستقامة والضمير الحيّ وأنه سينفذ بنود الدستور روحًا ومعنى، فكانت النتيجة – ويا للعار بل يا للشنار! – أنه أمر بسجنِ امرأة ضعيفة، لأنها تطالبه بمعرفة مقرِّ شقيقها المظلوم! فيا للبطولة العظيمة! ويا ويلهم من يوم الدين، كم سيكون حسابهم أمام ربِّهم القهَّار عظيمًا!…
وقد أكبر مؤسس الداهشية موقف شقيقته في مواضع مختلفة من مؤلفاته، وأهدى إليها كتابه “الإلهات الست” بقوله تحت عنوان “البطلة”:
إلى رفيقة جهادي ضد حُثالة المجرمين المرتكبين وتقديرًا لبطولتها الضيغميَّة الخالدة ضد السفاح الباغية واعترافًا بمناصرتها للحق ومهاجمتها العنيفة لاعتداء الطاغية
إلى شقيقتي أنتوانت أقدم كتابي هذا.
داهش
ولما ورده خبرُ مرضها عام 1980، وكان بعيدًا عنها، أمضى عشرة أيام في قلقٍ عظيم عليها، ودوَّن مشاعره في عشر سداسيات مُسجعة في كتابه “المهند الباتر”، منها هذه السداسية، وهي بعنوان “ضراعة”:
أي إلهي وخالقي، وفاطر الكائنات طرًا،
لك أرفعُ دعائي
في ساعة الضيق والسدة أهرعُ إليك
مرددًا ضراعتي وندائي
شقيقتي ألمَّ بها داءٌ عياء، فاشفها يا مُبدعي،
فأنت ألفي ويائي
الحزنُ خيم على ربوعي،
فسارعتْ بالتساتل دموعي، واستبدَّ بي بلائي
وأختي داؤها دائي، لذا عظُمَ استيائي،
فأبرئها من دائها أبرأ من دائي
ويا رب العرش المُهيب، لا تكن عني نائيًا،
فأنت أرضي وسمائي.
لقد عرفتُ الفقيدة الغالية عن كثب، فعرفتُ فيها الإباء والترفع عن السفاسف، والفضيلة غير مموهة، والفكاهة الحلوة دونما تبذل، كما عرفتُ فيها الألمعية، والجرأة، والشعور الرقيق، وحضور البديهة، وقوة العزيمة، والخاطر السريع الذي يومُض كالنيزك، والهيبة الفطرية التي تنضحُ بها جلالُ النفس لا الأمجادُ الدنيوية المجلوبة. ولو كان للفضيلة والروحانية سماءٌ منظورة، لكانت الفقيدةُ فيها من أبهى دراريها.
لقد اقترن اسم أنتوانت (يو كابد) باسم رجل المعجزات الباهر، وإلى جانبه سيبقى في سجل الخلود ما دامت الأرض تدور حول الشمس.
د. غازي براكس
الألم لا يُحكى ، والأحاسيس لا تعبِّرُ عنها الكلمات، إلاَّ أنَّ رحيلك مؤلم، وانتقالك مُحزن. والدموع تعبيرٌ مجازي لحالتي الفرح أو الحزن معاً، لِما يختلجُ في قلوبنا من شعورٍ لفراقٍ لن يدومَ طويلاً، فالمسافات لا تعني شيئاً، والسيَّالات الروحيَّة على إتِّصال دائم، والإنسجام الفكريّ والتفاهم الروحيّ والإتفاق المُتبادل الذي خيَّم على نفوسنا في هذا العالم، لا و لن ينتهي بغيابٍ أو انتقال. فالولادة والموت مؤشّرا العدل الإلهيّ ومعرفة الحقائق الروحيَّة ، والأعمار لا تنتهي لتبدأ، ودوائر الحياة لا تزول حيث الزمان ألعوبة الوجود..
رحلتَ يا أخي الحبيب، وفي رحيلك فرحةً وغصَّة، فرحتي فرحة السماءَ بمولودها الجديد، تتوِّج رأسه أشعّتها النورانيَّة، تعزف موسيقاها الفردوسيَّة، وتنشد أشعارها إبتهالاً بمقدمه، تتغنَّى بآيات الحمد لربّ الحمد، تسبيحاً وشكراً لإنعتاق الأخ الحبيب من أرض الشرّ المتأصِّل في النفس البشريَّة، وخلاصه من براثن الجهل والعبوديَّة، وتحرَّرَه من نير الشهوات الدنيئة التي تسيطر على العقول والنفوس، مُذلَلاً الصِّعاب، مُلتزماً تعاليم النبي الحبيب الهادي، وهو الأقرب الى الحبيب، مُلتزماً تعاليمه، مُتقيِّداً بوصاياه، حاملاً سرّه، حافظاً كلمته.
ما أجمل الذي يتألَّم ولا يتكلَّم، سأشتاق لك يا صبر أيُّوب وكفَّ اللسان، فلترحمك السماء يا أخي الحبيب، لترفع من درجتك الروحيَّة، لتجمعك بالنبي الحبيب الهادي في عوالمه الإلهيَّة، ولتُسكنك فسيح جنَّاتها. سأشتاق لك يا نور العقل وبلسم الرُّوح ومشعل الهداية، يا صوت الحبيب وكلمته، مثال الأخوَّة في التصرُّف مع الآخر، المتواضع الغيُّور على مصالح الرسالة ونشرها، وفيَّاً للحبيب ،حريصٌ على عهده، المُعتصمُ بحبلِ الله المتين، المُتعاطي بروح المحبَّة الإنسانيَّة،.
إيه يا أخي، أأبكي عليك أم أبكي على نفسي، مع علمي أنَّ الحُزنَ للحمقى، أعذرني ، لم أستطع حفظ دموعي ليومِ لقائك، ذرفتها رغماً عنّي، لكن إطمئن، ذرفتها بفرح، وكيف لي أن أُنغِّص عليك فرحتك بخلاصك من عالم المادّة، ولقاءك النبي الهادي، لقد طال إنتظار الحبيب، وهل من مثلُه ينتظر؟
سأشتاق المحبَّة التي أينعت في قلبك أزهاراً، مُضمَّخةً بعطر الإله، وسأبقى على حبُّك الأخوي في الأرض كنتَ أم في السماء، وسأبقى على ذكراك أينما أنت، فالمسافة لا تُبطلُ ودَّاً، وكلماتك لن تبرح خاطري، فهي زادي في حياتي، وإلى اللقاء في حضن النبي الحبيب الهادي، إلى اللقاء يا أخي.
بيروت في 20 حزيران 2022
حسين يونس
أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.
الدكتور داهش








