العودة الى المُطلق
أُسس العقيدة الداهشيَّة
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثاني
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثالث
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع
يقول يسوعُ الناصريُّ: “لا تظنُّوا أنِّي أَتيتُ لأَنقضَ الناموس أو الأنبـياء، إنِّي لم آتِ لأَنقضَ لكن لأُتمِّم،” (متّى 5: 17) هو نفسه قال أيضًا لتلاميذه: “إنَّ عندي كثيرًا أقولُه لكم، لكنَّكم لا تُطيقون حَمْلَه الآن. ولكن متى جاءَ ذاك روحُ الحقّ، فهو يُرشدُكم إلى الحقِّ جميعًا، لأَنَّه لا يتكلَّم من عنده بل يتكلَّم بكلِّ ما يسمع ويُخبرُكم بما يأْتي.” (يوحنّا 16: 12-13)
سابعًا لبنان وحصاد الاضطهاد
أيها العام الجديد،
إنني أستقبلك مرحّباً بقدومك،
بالرغم من اكفهرار السماء المطيرة
التي حجبت عنك أنوار نجومك.
إن أيام سلفك الراحل
كانت أياماً دجوجية الجلباب.
فكم فقد فيها من الاحباب!
وكم تجندل غدراً من أحب الصحاب!
إن الحرب الضروس الشرسة بلبنان
التهمت الشيوخ وافترست الشبان
وهتكت العديد من الغيد الحسان!..
فهلاّ رأفت بنا وأغدوت علينا الحنان،
بعدما رشتنا سهام إبليس وصنوه الشيطان.
إن الدواهي التي دهمتنا،
والأهوال التي انقضت علينا،
والمخاوف التي عصفت بنا،
والرواعب التي ردمتنا،
والصواعق التي دمرتنا،
والصواريخ التي أبادتنا…
ما كنا لنبتلى بمزلزلاتها
لو سرنا على طريق الفضيلة المثلى.
لقد شططنا عن الطريق القويم،
واحرفنا عن الخط المستقيم،
وانجرفنا بتيار الشر الطافح الإثم،
وخضنا غمرات شهوات إبليس الرجيم،
ونفّذنا رغبات بعلزبول السفلي الذميم،
ومكثنا راتعين في شهواتنا الدنية
أعواماً تتلوها أعوام فأعوام…
دون أن نعتبر بالفضيلة أو نرتدع.
وإذا بيد الله القوية تدكّ ربوعنا دكاً،
وتحيل عامرنا لخراب هائل،
وتجعله قفراً بلقعاً ينعب البوم بخرائبه،
وتجول الغربان بين ركامه وطلوله،
وتصول الذئاب بعرضه وطوله.
إنه الجزاء الإلهي عصف بنا فقوّضنا تقويضاً،
وما كان الله ظالمنا،
بل كنّا لأنفسنا ظالمين.
فرحماك،أيها العام،رحماك!
فها إني ألتجئ لائذاً بحماك.
ترى هل سيمتد أجلي
حتى نهاية أيامك،
أم تراني سأتوارى في أحد أيام عامك؟
لقد وطئت أرضنا اليوم أهلاً،
وها إني أستقبلك سهلاً،
منتظراً ما ستفاجئني به مخبآتك.
ومن ألقى اتكاله على الله
فإنه ناصره وظافره.
بيروت الساعة الثانية والنصف
من فجر أول كانون الثاني 1980
إذ سأبطشُ بهم بطشًا عنيفًا وأفترسهم افتراسًا مخيفًا
تهديد مزلزلٌ ومبيد
بلسان مارس إله الحرب
عندما تدقُّ ساعةُ الحساب الرهيبة،
سأدقُّ أعناقَ المدجرمين الوصوليين دقًّا هائلاً
وسأُمزقُ قلوبهم المفعمة بالجرائم تمزيقًا مُروعًا،
وسأمزجُ الصَّاب والغسلين المريرين الكريهين مذاقًا،
وأسكبهما في أفواههم التي لا تنطق إلا بالكذب الشائن والإفك المُبين.
وإنني أُقسِمُ، غير حانث، بأنني سأُنكل تنكيلاً مخيفًا
بكلِّ من تدخل في هذه الجريمة الوحشية المُنكرة المُستنكرة،
جريمة تجريد مؤسس الداهشية من جنسيته اللبنانية بالظلم والعدوان.
وسأُهرِقُ الدماءَ الغزيرة من عيونهم
الجاحظة هلعًا ورُعبًا من يوم الهول، عوضًا عن الجموع.
وستُخيم سُحُبُ الهموم،
وتتكاثف جيوشُ الغموم،
مُعسكرةً فوق ربوعهم الخرِبة، إذْ سيدمرها انتقامي الهائل تدميرًا عاصفًا.
إنَّ ساعة الانتقام لا شك زاحفة.
وستنقضُّ كالصاعقة المردمة فلا تُبقي ولا تذر.
نعم، إن ساعة الحساب تدنو،
ومن زرع جريمةً فسيحصد فناءً تامًّا،
وهذا عدلٌ وحقّ.
فيا ساعة (الانتقام) هيا أسرعي،
كي أُذيق المُجرمين ما يستحقونه من أفدح الآلام الصارخة،
مما سيُسجله القدر بأحرفه النارية،
فيخلد هذا الانتقامُ المخيف ما خلد الزمان،
وتُدوّن بطونُ التواريخ أنباءَ هذا (الانتقام) المرعب،
كعبرة خالدة على مر الدهور وكرِّ العصور.
وسيقرأها الوصوليون الأذلاءُ والظالمون للأبرياء،
فتهلع قلوبُهم، وترتجفُ ركبهم، وتصطك أسنانُهم،
من هول الانتقام العادل.
إيه يا يوم الانتقام الحبيب على فؤادي،
لأنتَ البلسمُ الشافي لأتعاب روحي القلقة
من طول الانتظار لذلك اليوم العصيب على أعدائه الرعاديد.
اسرع أسرع لأزلزلهم،
اسرع لأقوضهم، وأجعل عامرهم بلقعًا خرابًا، وقفرًا يبابًا،
وأصوَّحُ ديارهم، وأدكها دكًّا، وأُذُرها رَمادًا.
وستتم هذه النبوءة الرهيبة المخيفة الأحداث المقوضة
في عام 1975 والأعوام التي تلي هذا العام المزلزل.
إذْ ستندلعُ الحربُ اللبنانية،
فلا تبقي ولا تذر.
أول كانون الثاني 1948
الحمم تنصب والقنابل تتفجر
والديناميت يلعلع والرصاص يدوّي ويصفّر
والمقنبلات تدك الحصون فتمزقها ثم تضعف بها وتدمّر
والمدفعية تحمحم برهبوتها،فإذا بالشوامخ تخرّ وتتبخّر
والصواريخ تشق الفضاء بجبروت هائل وهي تدمدم وتزمجر
والخوف عمّ البرايا فكل ابن حواء مرتعد ومنذعر
صراخ ونحيب وعويل مزقت سكون الليل بعد أن طالت أشهر
نكبات طوّقت لبنان بأسره! يا ويله! الأعداء به قد سخروا
حرم ابناؤه النوم،فالمنايا ترغم الكل أن يسهروا
الأخ يقتل أخاه،والأب يبطش بابنه، فالكل سلاحهم شهروا
جثث ملأت البطاح،فبدون جريرة هؤلاء التعساء نحروا
حسين قتل لأنه مسلم،ويشوع مثل بجسمه إذ باسم مسيبحه يجهر
والمسيح ومحمد يتبرّان من هذه المخازي المرعبة فهم وراءها تستروا
أشلاء ممزقة تلعق الكلاب دماءها يا ويحهم!قد طغوا وتجبروا
وثكلى جنت لهول مصابها،فضحكها وعويلها لن يحيياهم،فقد قبروا
وشاب ملء برديه الشباب سملت عيناه وأطرافه قد بتروا
وصلمت أذناه وشوهت وجنتاه وبطنه قد بقروا
لا لذنب جناه أو إثم أتاه قطعوه-يا ويله!- إرباً إرباً وإيّاه قد شهروا
مقابر ملئت أجداثها بجثث الضحايا فيا للويلات المرعبة كم هي كثّر!
أهوال تتلوها أهوال،فيا للأهوال المزلزلة وهي تميد وتهدر!
وإذا استمرت المخاوف تترى فجميع سكان لبنان لا بد من أن يبحروا
وسيضمحل لبنان بذهاب بنيه بعدما تمزق أوصاله…وشرايينه تفجر
وعندما يدوّن التاريخ أنباء مذابحه المرعبة وضحاياه الذين قتلوا وتبعثروا
سيقول كان يوجد شعب إسمه الشعب اللبناني ولكنهم مخروا
إذ حارب بعضهم البعض وتذابحوا ثم فنوا وتبخروا!
فدعونا نذرف دموعنا لوعة عظمى على لبنان وعليه نتحسّر!!
بيروت الساعة الواحدة بعد الظهر
تاريخ 25/10/1975
بمناسبة حرب بيروت الضارية
وحمحمت المدافع
وانطلقت قذائفها الشيطانية بجبروت هائل.
فتهدمت الحصون،وتردمت القلاع،
ودكت المعاقل وكأن جدرانها بنيت من نسيج العنكبوت.
وزأرت الصواريخ الجبارة،
وكان دويّها المزلزل يضعضع العقول ويذهب بالألباب!
فاندفعت الجموع
وكأنها الخراف الوديعة لائذة بالفرار
في هذا اليوم الحافل بالأهوال المخيفة،
والرعب آخذ منها كل مأخذ!
وهلعت القلوب واضطربت اضطراباً عظيماً،
وتضعضعت العقول من هول يوم القيامة المتدفق بالأهوال الصاعقة!
وانطلقت الرشاشات
وإذا بدويّها العاصف يهزأ بالرعود القاصفة،
وكان رصاصها الغزير يحصد الأرواح حصداً تاماً!
الأشلاء تتساقط يمنة ويسرة،
والرؤوس تقذفها الحمم المنصبة بجبروت،
فتختلط بالأيدي المنفصلة عن الأجساد
والأرجل المبتورة من الأجسام!
وانشطرت الهامات وبقرت البطون،
فانبثقت منها الدماء الغزيرة
مكونة أنهاراً جارية من دماء الضحايا البؤساء!
فهذه أم فجّر الصاروخ رأسها،
فسال دماغها على وجهها
وقد احتضنت طفلها الرضيع الميت
الذي انفصل رأسه عن جسده الملائكي!
وذلك الشاب المفتول العضلات،
وقد تمزق بطنه فخرجت أمعاؤه،
وهو لا يزال محتضناً بندقيته وكأنها عروسه الفاتنة!
وهناك فتاة تضحك الحياة من خلال شفتيها
احتضنت شقيقها المحارب،
وقد مزقتها قنبلة جهنمية،
فإذا بهما مجندلان يرقدان رقدة الأبد.
إنه يوم الهول الحافل بالمخاوف المضعضعة للنهى!
وفجأة زلزلت الأرض زلزالها
عندما أطلقت المدفعية القوية قذائفها
على ما تبقّى من الأبنية فدكتها دكاً هائلاً،
فإذا بها تخرّ أرضاً متساوية بها.
لقد تحولت المدينة لركام رهيب
تهلع العيون من مشاهده المرعبة.
وسكنت الحركة بعد انتهاء المعركة؛
وكانت أجساد القتلى تملأ ساحة الحرب،
فتبعث الرهبة في النفوس المرتعدة هولاً.
ووقف البوم على الأطلال الدراسة
ينعب نعيب الأسى الشديد
على مدينة عظمى تهدّمت نهائياً وتردمت أبدياً.
ونقعت الغربان الفاحمة
حزناً على هذه النكبة الهائلة تحيق (ببيروت) عروسة المدائن،
وناح ابن عرس على عروس الأرز التي اندرست معالمها،
فأصبحت قفراً يباباً وبلقعاً خراباً!!
نيويورك-ضاحية دوغلاستون
الساعة 11 قبل ظهر 17 آب 1976
هذه القنبلة المدمّرة ألقيت على ضريح زنبقة الرسالة ماجدا حدّاد
حيث تثوي أيضا والدة مؤسّس الداهشيّة
يا روحي أمّي وماجدا العزيزتين عليّ !
هي بشرى أزفّها الى روحيكما ،
فاسمعاها من عالمكما الروحاني الطاهر :
لقد طرد الشعب ذلك المرتكب الجاني شرّ طردة ، وأهانه شرّ اهانة .
فهرول الضخم الجسم والصغير العقل
يتعثّر بأذيال الخيبة ويرتطم بالذلّ والمهانة .
طرده بعدما باع للشيطان روحه ، وسلّمه ضميره ، ووهبه وجدانه .
طرده عندما امتدّت يده الملوّثة الى صندوق الأمّة .
يغترف أموالها لينفقها على ملذّاته الآثمة .
طرده عندما تاجر بالنفوذ ، وحكّم الأغبياء من آله في رقاب اللبنانيين ،
يسومونهم الذلّ ، ويسخّرونهم لقضاء مآربهم الوضيعة .
طرده عندما أفسد ضمير قدس من أقداس العدالة .
مما لم يرتكب بعضه حتى نيرون طاغية زمانه ،
طرده عندما عرف أنه حمّل زوجته
الملايين المسلوبة من الفقير والمسكين ،
فطارت بها وأودعتها في مصارف أوروبا .
طرده عندما أصبحت البلاد تعيش على شريعة الغاب ،
فالوحوش الأكثر ضراوة هو الفائز في الميدان .
طرده عندما شاهده يزجّ بالأبرياء من خصومه في السجون ،
ويطلق سراح اعوانه المعتدين .
طرده عندما رآه يدوس على بنود الدستور الذي أقسم أن يحافظ عليه ،
فكان كاذبا لئيما ، ومجرما أثيما .
طرده عندما سخّر القوانين لمصلحته ومصلحة ذويه
ممن تكدّست في خزائنهم الأموال على ظهر الشعب الكادح .
طرده عندما ضجّت شياطين جهنّم الحمراء نفسها بابنه
وتهريبه للحشيش ومتاجرته به .
طرده عندما جعل لبنان ( مزرعة ) له ولآله ،
وبقرة حلوبا تدرّ عليهم الخير الوفير ، وليمت الشعب رغم أنفه .
طرده عندما سوّد سمعة البلاد اذ شهّرها تشهيرا مرعبا ،
وهبط بسمعتها الى الدرك الأسفل ، لعنه الله .
طرده عندما لم يتورّع وهو حامي الدستور – يا للمهزلة –
من ارتكاب جريمة التزوير الدنيئة ليبقى متربّعا على عرشه ،
ناشرا لسموم افكه ، موزّعا بين الأنام مكره ، وباسطا عليهم شرّه .
طرده عندما أصبحت البلاد لا تنام الاّ على أنباء الاغتيالات ،
يقوم بها الانصار في وضح النهار ،
ولا تستيقظ الاّ على هجوم عصابات المقرّبين
على الذين لم يرضخوا لأوامر هذا المعتدي على الحقّ ،
والدائس على أشلاء الفضيلة .
لقد أصبح لبنان في عهد المجرم يئنّ أنين المختصرين
تحت ضغط هذا الكابوس العنيف المخيف .
وظنّ الجميع أنّ ليلهم الثقيل الفاحم الدجنات سيستمرّ لأعوام طويلة .
فهلعت قلوبهم ، واضطربت نفوسهم ، وخارت عزائمهم ،
وحارت أرواحهم المتألّمة من هذا الطاغية المرتكب …
واذا بصوت من عالم الغيب يدوّي في آذان الزمان وهو يقول :
لقد دنت ساعة المجرم ، ودقّت نواقيس نهايته ،
وحلّت دقيقة خلعه وطرده .
فطرب الشعب ، وثارت حماسته ، وتأجّجت حميّته ، فثار ثورته العنيفة ، وقام قومة رجل واحد مطالبا برأس المجرم المعتدي على حقوق الشعب قاطبة .
وذهل ( الوصوليّ ) ، واصطكّت فرائضه رعبا وهولا . وانقضّت عليه أخبار الثورة الحماسة انقضاض الصواعق ترشقها السماء رشقا مزلزلا .
وجحظت عيناه من هول الموقف ، وطلب النجاة بعدما شاهد أنّ سفينته التي كان يقودها قد تحطّمت بسبب سوء قيادته لها . ولم يعد بالامكان انقاذها ، فرضخ ذليلا وأنفه راغم . وتفجّرت من عينيه دموع الغيظ والقنوط الهائلين لمصيره الأسود الذي سداه الذلّ ، ولحمته العار ، هذان الأقنومان اللذان لحقا به نتيجة لتصرّفاته المجرمة طوال أيام حكمه البغيض .
وهكذا انتهى هذا العهد الملوّث يا أمّاه ، ويا ماجداه !
انتهى على أشنع صور الاذلال المخجل لمثل هذا الوصولي المرتكب . قاتله الله وقتله !
حالما تنفّست البلاد الصعداء ، بعدما طرد سارق الجنسيّات في ظلمات الليالي الحندسيّة ، تذكّرت يا ماجدا العزيزة يوم تراءيت لي في الحلم منذ عام ، وبشّرتني بسقوط هذا المجرم قريبا ، فتأكّد لي أنها كانت رؤيا حقيقيّة ، وأنك زرتني يومذاك بروحك حقّا ، وبشّرتني بما تمّ الآن . فيا لعالم الروح الذي لا تخفاه خافية !
انّ المجرم الأكبر سرق حنسيّتي في شهر أيلول ، وفي شهر أيلول سرق سلطانه ، وتحطّم صولجانه ، وكشف زوره وبهتانه ، وتلجلج فيه من الخوف لسانه . فيا لعدالة السماء ما أعظمها !
وبسقوط الباغية الطاغية انفضّ عنه أنصاره وأتباعه ، وابتعد عن دائرته أشياعه ، وفرّ منه أعوانه ، وهوى سلطانه …فاذا هو وحيد فريد الاّ من أشباح الجرائم الهائلة التي ارتكبها ، هي تحوم حواليه ، وتبعث الذعر في روحه الآثمة .
وساعتذاك عرف أنّ جميع من كان يظنّهم مخلصين له انما كانوا عبيد مصالحهم الماديّة ، وقد ربطتهم به أواصر الغايات الدنيويّة دون سواها .
فتألّمت روحه ، وناحت نفسه اذ عرف أيّ احترام شخصيّ كانوا يضمرونه له ، بدليل خذلانهم ايّاه بعدما طرده الشعب ذلك الطّرد الموجع الشنيع .
فيا أمّاه ، ويا ماجداه !
لقد تأكّد بالبرهان أنّ الطاغية كان يستمدّ قوّته من منصبه . عندما تحطّم عرشه ، وثلّ صولجانه ، انفضّ عنه أعوانه ، فاذا به يندب جهله !
أمّا الداهشيّون فانما يستمدّون قوّتهم العظمى من ايمانهم الجبّار الذي يدكّ الجبال دكّا ؛
هذا الايمان الوطيد الأركان الذي هزأ ويهزأ وسيهزأ بكلّ طاغية سفّاك ، وباغية أفّاك .
فالايمان الصحيح هو الذي يثلّ العروش ، ويحطّم المناصب ، ويقوّض أرائك الحكّام ، ويلقّن الطغاة دروسا رهيبة على مدار الأيّام والأعوام .
واعلمي يا أمّاه أنّ السفينة الداهشيّة الجبّارة ستبقى ماخرة عباب الأوقيانوسات المهتاجة الثائرة ، تجتاز هوج أمواجها المزمجرة الغضوبة دون أن يعتريها أيّ ضعف أو وهن ، وستهاجم العواصف المحيطة بها من جميع نواحيها ، وستذلّل العقبات الكأداء ، وستسحق كلّ من يعترض سيرها الجبّار ، حتى تنال باذن الله كامل الانتصار .
أمّا الطاغية المطرودة سارق الجنسيّات فانني أؤكّد لك أنه سيحاسب من الداهشيّة . وسيكون حسابه عسيرا ، وسيكون انتقاما مريرا . فمرتكب الاثم لن ينجو من العقاب ، وطابخ السمّ آكله .
والان أودّعكما أيّها الروحان الخالدان الراتعان في احضان الخلود ، هناك في جنّات النعيم ذات المجد والبهاء الفائقين .
داهش
18 أيلول 1952
اليوم يتم دولاب هذا العام دورته،
فتنطوي صحيفته من هذا الوجود الحائر،
بعد أن تذوّقت في خلاله من آيات الشقاء العظيم
ما أعترف بأنني عاجز عن وصفه وإظهار روعته.
لقد تكاتفت عليّ قوى الشر بأكملها تريد هلاكي،
وتضافرت سلطات الإثم والجبروت
تريد إهراق دمي والبطش بي،
وتآمرت شراذم المتظاهرين بالتقوى على اغتيالي،
وبذلت في سبيل هذا النفس والنفيس،
فقيّض الله لجميع هؤلاء الفشل الذريع،
وفزت بالحياة بإذن الله وإرادته،
وجريمتي الوحيدة هي أنني أدعو الجميع لنشدان الحقيقة،
والسير على الطريق العادلة، والتمسك بالفضيلة.
ولكنهم البشر!
والبشر هم هم في اتجاهاتهم ورغباتهم في كل زمان ومكان…
وخصوصاً الشراذم التي تدعي بحب المسيح كذباً وبهتاناً.
يا عام يا عام!
نعم، يا عام الفواجع والآلام،
والمحن الجسام والأسقام!
منذ أشرفت على عالمنا التاعس استقبلتك بوجوم،
فصدقت ظني بك، ورميتني بسهام البلايا وشظايا الهموم.
عاديتني،يا عام ورميتني بالعوادي،ثم سلّطت عليّ الأعادي.
فراح الوصوليّ النذل
يطعنني بخناجره الجارحة السامة طعنات قاتلة.
ولكن من الظهر،شأن الأوغاد الأدنياء.
وكانت شريكته بالجريمة تشجعه بالقضاء عليّ والإنتهاء من أمري.
وهكذا قضى من حياتك،أيها العام،نحو الثلثين،وأنا أتأرجح،بألم عميق،بين هذين الإثنين.
وما أشرف الشهر الأول من ثلثك الأخير…
حتى اندفعت قوات الشر من عقالها،
وانطلقت مردتها وشياطينها قوات غير منظورة تدأب على تعظيمي.
وحانت (الساعة المخيفة):ساعة (المحنة والإمتحان).
ويا لله مما لاقيته من ذلّ وإرهاق وآلام وامتهان!
فتجلدت على الكارثة التي دهمتني لتيقّني بأنها إرادته العلوية.
أنا أعدائي الأوباش فقد دأبوا يرمونني ببلية تتلوها بلية:
لقد سجنوني،وأهانوني،وجلدوني،وشتموني؛
ثم قذفوا بي بعيداً إلى الحدود.
فإذا بي وحيد فريد أليف الهمّ وسميري الوهم.
وشدهت من هول الصدمة،
وبتّ أسير البؤس والشقاء والغمّ والبلاء.
كنت أحاول النوم لأتناسى بعذ آلامي،
ولكنه كان يأبى النزول على إرادتي.
رفعت شكواي إلى الله،
وسكبت أمامه دماء قلبي عوضاً من دموعي عينيّ.
لقد أصبحت غريباً منبوذاً في بلاد غريبة نائية.
طلبت إليه أن يردني إليه…
ولكن إرادته شاءت لي غير ذلك.
ومن أرض منفاي البعيدة عن خلاّني وإخواني،
كان صدى ضحكات الأفعى المجرمة لعنها الله
يرنّ في أذنيّ رنين النواقيس،
بينما كنت مشرداً في صحراء هذا العالم البغيض التاعس.
نعم،كانت تقهقه كالسعالي وهي طروب لمصيري البائس.
وشدّ ما أطربها أنني كنت في منفاي ذلك المعنّى اليائس.
كنت أتخيّلها وهي تجرع كؤوس الراحة نخب أحزاني وأشجاني.
مما أثار كوامن نفسي الخفية وأشجاني.
ولم تكتف هي ومجرمها بما ذقته على أيديهما من الأمرين،
حتى راحا يضطهدان شقيقتي المحزونة الملتاعة الدامعة العين.
ولم يستنكفا من زجّها في أعماق السجون.
فسجّلا على نفسيهما العار والذلّ والشنار والهوان.
ليكن هذا. فاليوم هو لهم واأسفاه!
أما الغد فهو لنا بإذن الله.
وبعد أن تخطّيت صعوبات هائلة ومحناً رهيبة،
عرفت أن الله تعالى يريدني أن أمكث في هذه الدنيا،
كي تحدث بواسطتي أمور يريدها أن تتم على يدي
أنا عبده الضعيف.
فجثوت إذ ذاك خاشعاً،ورفعت إليه صلاة عميقة حارة؛
ثم انتظرت مصيري المكتوب لي منذ الأزل.
ومثلما ذكرت…لقد كانت هذه المحنة للإمتحان،
إذ بلغني هلع بعض المؤمنين وابتعاد بعض الإخوان.
وهنا تذكرت مثل السيد المسيح الخالد:
(خرج الزارع ليزرع)؛
فحزنت نفسي لضعف النفس البشرية وتفضيلها المادة،
هذه(المادة) الحقيرة الفانية…على الروح الأزلية الخالدة.
وهنا أسجل بفرح عظيم
أن أخي وشقيق روحي الدكتور خبصا
كان في طليعة الثابتين الراسخين…
إنه كالطود المشمخر يهزأ بالأعاصير التي تحاول تهديمه والنيل منه.
ويعبث بأرواح الشر التي عصفت بسواه،
فطوحت بهم إلى الحضيض وجعلتهم أثراً بعد عين،
فذهبوا غير مأسوف عليهم وإلى غير ما رجعة.
لهذا أنا أعتزّ به فهو سميري وأنيسي وجليسي،
في حياتي ومماتي!
كما أنني أذكر الأخت العزيزة (ماري حداد)،
هذه الأخت الشفافة الروح،
الرقيقة العاطفة،السامية الأخلاق، الرفيعة المبادئ.
فإنها عظيمة في عقيدتها،عظيمة في اتجاهها،عظيمة في تمنياتها.
ولا شك أنها ستظفر في النهاية بإكليل المجد الخالد؛
فهي تستحقه عن جدارة ولا ريب.
وثمّت بعض الإخوة والأخوات ممن لم أذكرهم بأسمائهم؛
وهذا لا يمنع أنهم قاموا بواجباتهم خير قيام؛
فمكافأتهم لا شك آتية إذ يحصد الإنسان ما زرعه؛
ومن يصبر إلى النهاية فذلك يخلص.
والآن!إنني أودعك أيها العام الذي رميتني منذ ولادتك بسهامك،
وأصميتني بنصالك ونبالك…
لأستقبل خلفك (الجديد)،وأنا شاهر بيدي سلاح الحقيقة،
لأسلطه عليه وعلى من سيدأبون على الدسّ والكيد والوقيعة.
أما الظفر فسيكتب لمن تختاره العناية الإلهية
ليكون سيف نقمتها،
إذ تبتر به أعناق الظالمين.
فليس من ظالم إلا ويبتليه الله بأظلم.
وداعاً أيها العام الراحل،وفي ذمّة الأحقاب.
بيروت الساعة 12 من ليل 31 كانون الأول 1944
نأتي الى هذا العالم باكين معولين، ونغادره باكين معولين. فواها” لك يا عالم البكاء والعويل
الدكتور داهش








