العودة الى المُطلق
أُسس العقيدة الداهشيَّة
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثاني
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثالث
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع
يقول يسوعُ الناصريُّ: “لا تظنُّوا أنِّي أَتيتُ لأَنقضَ الناموس أو الأنبـياء، إنِّي لم آتِ لأَنقضَ لكن لأُتمِّم،” (متّى 5: 17) هو نفسه قال أيضًا لتلاميذه: “إنَّ عندي كثيرًا أقولُه لكم، لكنَّكم لا تُطيقون حَمْلَه الآن. ولكن متى جاءَ ذاك روحُ الحقّ، فهو يُرشدُكم إلى الحقِّ جميعًا، لأَنَّه لا يتكلَّم من عنده بل يتكلَّم بكلِّ ما يسمع ويُخبرُكم بما يأْتي.” (يوحنّا 16: 12-13)
رابعًا السيِّدُ المسيح
هذه هي إرادةُ أبي السماويّ،
وإلاّ ما كنت لأحيا، في عالم الرياء والأكاذيب.
لقد تعبت نفسي من كلِّ شيء،
وعافت روحي هؤلاء البشر الأدنياء.
إنّ التعاليم السماويّة لا تجدي فيهم نفعاً،
والمواعظ التي تلقى عليهم بوحيٍ من السماء
لا تلبث حتى تتبدّدَ من مخيّلاتهم
المحمومةِ بحبِّ هذا العالم الفاني.
الفقراء، والبؤساء، والمصابون
هم وحدهم الذين يصغون لي عندما أتكلّم.
أمّا الأغنياءُ هؤلاء… فإنّهم يعبدون المال وحده دون اللّه.
فالويل لهم عندما تدقّ ساعة حسابهم الرهيبة.
سيعولون، وسينوحون، ولكنْ دونما جدوى،
إذ ستبدّدُ هوج الرياح توسّلاتهم، وتعصف بها عصفاً.
ها قد قطعتُ اثنتي عشرة مرحلة من مراحل حياتي،
وأنا لا أصطدم سوى بكلِّ نقيصةٍ وكلِّ رذيلة.
ليس من صالح واحد!
نعم، ليس من يعمل صلاحاً سوى اللّه جلَّ اسمهُ.
أمّا أنا فقد قطعت على نفسي عهداً:
أن أسير على طريق الحقّ،
طريق الحبِّ الإلهيّ،
طريق النور السماوي،
مهما اعترضتني الخطوب والنائبات…
فمهما اضطهدتُ، ومهما عذّبتُ،
ومهما شُقيتُ، ومهما بَكيتُ،
ومهما أصابني من رزايا وكروب،
فلن أتركَ من يميني مشعل الحقيقةِ
المعطى لي من أبي السماوي،
كي أنير به جنبات هذا العالم الكثير الظّلام.
لقد أمرني أبي أنْ أهبطَ إلى هذا العالم الجاحد،
ففعلتُ.
وها أنا أصطدمُ بعقباتٍ جبّارة،
دون أن يعتورني فتورٌ،
أو تزلّ بي قدم.
بلأمس كنتُ في الهيكل الكبير،
أجادل العلماءَ من أحبار اليَهود،
و أقرَع لهم حُجَجِهم بِحُجَجي،
فتنهار تلك الحجَُجُ الواهيةُ
المبنيّةُ على الأغراض الشخصيّة، والأمور الدنيويّة،
وأكشف لهم ذلك الرداء الغليظ الكثيف
الذي كانوا يلبسونها إيّاه،
فتبدو عاريةً على حقيقتها،
ولا تلبثُ حتى تتوارى خجلاً واستحياءً.
ولكنّ الأحبارَ، هؤلاء الأشرار،
ما كان الحياء ليطرقَ أبوابَ وجوههم الصفيقة.
لقد حرّقوا الأرم، وحاولوا الإعتداء عليّ،
بعدما أصيبوا بفشلٍ ذريع،
وهم، هم المتعمّقون بأسرار التلمود،
القابضون على ناصيته،
والعالمون بأدقِّ أسراره مثلما يقولون.
لكنّ خوفهم من الجمهور الذي كان يحصي عليهم الأنفاس،
وسنّي التي هي دون سنِّ الرشْد
منعاهم من الانتقام
الذي تتأجّج جمرته في أعمق أعماق أفئدتهم.
أنا أتأكّد بأنّ يوم عذابي سيأتي قريباً،
وسأهان على أيديهم، وسأضطهد.
وأخيراً، سأعلّق على خشبة الصّليب.
ولكنْ، هذا ما أمرني به أبي الحبيب،
وأنا أتيتُ طوعاً لمشيئته السماويّة.
فلتمضِ الأيّـــام،
ولتتسرّب الأعـــوام،
ولتدنُ ساعتي الأخيرة،
فأنا لها جدُّ مشتاق…
قافلة الحياة تجري
اليوم تسقط الورقة الأخيرة من عامي الثاني عشر،
وها أنا في مدينة القدس أتجوّلُ في أسواقها،
وأتخلّلَ دروبها الضيّقة،
وليس من يسير معي،
إذْ إنّني وحيدٌ فريد:
وحيدٌ في آرائي وفي معتقداتي،
وحيدٌ في ميولي واتّجاهاتي،
وحيدٌ في أهدافي ورغباتي.
ولكنّني سعيدٌ كلَّ السعادة
في وحدتي هذه، وفي اتّجاهاتي تلك.
لقد كلّت قدماي من كثرة السير،
وها إنّي أشعرُ بالجوع يقرصُ أمعائي،
وبالظماءِ يحرُقُ أحشائي.
ولكنّي لا أملكُ نقوداً،
كي أبتاع كسرةً من الخبزِ أتبلّغُ بها،
وكي أروي أوامي.
فلتكنْ مشيئةُ اللّه …
وعندما بلغ بي التعبُ والجوع والعطشُ درجةً قصوى،
قصدتُ الهيكلَ حيثُ كنتُ بالآمس،
وانطرحتُ أمامَ أبوابه،
وأنا ألهث من شدّة السّغبَ والتعب…
وإذا بعينٍ نقّادةٍ تلمحني.
وسرعان ما دنا منّي صاحبها الهَرِم،
وهو ينظرُ اليّ بعطفٍ وحنانٍ ملموسين،
ويقول لي:
لا شكّ أنّكَ غريبٌ يا بنيَّ!
هو ما قلت.
إنّي أراك جائعاً، فهل لي أن أرجوكَ مشاركتي الطعام؟
فلم أرفض،
لأنّني شعرتُ بحبٍّ جارف لهذا الرجل الذي يخاطبني.
وحُلّتْ عقدة الكيس المتواضع،
وأُخرِجتْ من جوفهِ قبضةٌ من الزيتزن الأخضرِ البرّاق،
مع قطعةٍ من الجبن، ثمّ بصلةٍ شهيّة.
وقبل أن أذوق أيّة كسرةٍ، توجّهتُ نحو السماء،
ورفعتُ صلاةَ شكرٍ حارّة للّه أبي وأبى البرايا.
من أنتَ يا بنيَّ؟ وماذا تُدعى؟
يسوع الناصري.
يا للّه! وهل أتيت بمفردك من تلك القرية النائية؟
نعم، أيُّها الشيخ الكريم.
ولِمَ أيُّها اليافع؟
كي أُنفّذَ إرادة من أرسلني.
ومن هو الذي أرسلك؟ ولِمَ؟
أبي السماويّ!
وقد أرسلني كي أنقضَ عهداً قديماً،
وأبني على أنقاضه عهداً جديداً.
وَيكَ يا بنيَّ! أمسُ بكَ؟ أم تراكَ تهذي؟
لا هذا ولا ذاك، ولكنّني أُكلّمك بالحقيقة.
إنّكَ تدهشني أيُّها الصغير بحديثكَ العجيب،
وبقوّة بيانك الغريب.
فهل لي أن أسألكَ عن أبويكَ،
إذا كانا ما يزالانِ حيّيْن يُرزقان؟
لك ما شئتَ.
إنّ أبي الأرضيَّ اسمه يوسف،
وهو نجّارٌ معروف في مدينة الناصرة.
واسمُ أمّي مريم.
وهما يعيشان مع إخوتي يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا،
وشقيقتيَّ فادية ودانية.
هل أتيتَ بمفردك الى مدينة القدس؟
أم رافقكَ إليها أحدُ إخوتك؟
كلاّ، بل أتيتها بمفردي،
لأنّ آرائي وميولي لا تتّفقُ وميولَ إخوتي.
وليس من يعطفُ منهم عليَّ سوى شقيقتيَّ.
يا للسماء!
إذن، والداك لا يعرفان الآن مكان وجودك!
هي الحقيقة.
فإنَّ والديَّ غادرا الناصرة منذ أُسبوع،
وقدِما الى مدينة القدس سعياً للبحثِ عنّي.
وحال وصولهما الى الهيكل،
شاهداني وأنا أجادلُ الكهنةَ والأحبار.
فتقدّمتْ إليَّ والدتي وقالت:
” والآن، هيّا بنا إلى الناصرة.”
فعُدتُ معهما.
وكان برفقتنا قافلةٌ كبيرةٌ وجهتها تلك التخوم.
وعندما خيّمَ المساء طلب الجميع النوم.
وكنّا قد بلغنا سهلاً فسيحاً تملأُهُ الأزهار البرّيّة،
وانتثرت في جوانبهِ بضع شجيراتٍ ضخمة،
ولكنّها لا تحمل ثمراً ما.
وفي الهزيع الثاني من الليل الشديدِ الظلمة،
أُوحيَ إليَّ في الحلمِ
أنْ أعود في الحال الى مدينة القدس،
لأنّه تنتظرني هناك حوادثُ
لها علاقة بالرسالة التي أرسلني اللّه من أجلها.
وأُعلمتُ بأنّني سألتقي برجلٍ بارٍّ اسمه يونا،
يكون ابنه صخرةً راسخةً
يبنى عليها دين اللّه جَلّتْ قدرته.
وللحال نهضتُ من مكاني،
ونظرتُ، فإذا الجميع يغطّون في نومٍ عميق.
وبسرعةٍ ملحّةٍ ألقيتُ نظرةً على والديَّ،
وودّعتهما بايماءةٍ من رأسي،
ثمَّ رحتُ أضربُ الطريق في ظُلمةِ الليلِ الحالك…
ما كُدت أنتهي من سردِ حديثي،
حتى شاهدتُ الشيخ الجليل يجثوا أمامي بخشوعٍ،
وينكبُّ على يديَّ يقبّلهما بورعٍ فائق،
ثمَّ يصيحُ قائلاً:
أنت أنتَ هو ابنُ اللّه!
وأنا، يا سيّدي الحبيب، أُدعى… يونا.
في ضيافة يونا وبطرس
الليل هادىءٌ ساكن!
والقمر الفريد يغمر البطاح بأنواره الفضّية اللطيفة!
والنجوم المتألّقة تملأ صفحة السماء الزرقاء،
وكأنّها يواقيتُ يتيمة
وهي تطيل النظر إلى البدر الهائمِ
في سهول السماء الشاسعة!
والطبيعةُ نشوانةٌ من روعةِ وجلالِ هذا المشهدِ الخلاّب!
والساعة قد بلغتِ الثانية بعد منتصف الليل.
والجميع قد استسلموا لسلطان الكرى الجبّار.
أمّا أنا فقد جلستُ أعتمد رأسي بيدي،
وأطلقتُ العنان لتصوّراتي…
ثمّ تحدّثتُ قائلاً:
” ترى متى يتغلّبُ هؤلاء البشرُ على ميولهم الشرّيرة
وأمانيهم الباطلة؟
ومتى يتّجهون نحو المثل العُليا،
ويسحقون بقوّة إيمانهم الضعف الذي يسي في أعماقهم؟
متى ينفّذون إرادة باري الأكوان ومُبْدعِ السماوات؟
متى يكون الجميع قلباً واحداً وروحاً واحداً؟
متى يبوّقُ ملاك الربِّ ببوقه الأزليِّ قائلاً:
ألا فلتفرح الملائكة،
وليبتهجِ الأطهار،
لأنَّ أبناء الأرض قد سحقوا كلَّ ضعفٍ، وكلَّ نقيصة،
وتغلّبوا على قوّات الشرِّ الخبيثة،
لهذا أُعطيتْ لهم السعادة العُظمى!
وللحال، يبوّقُ الملاكُ الثاني ببوقه الجميل…
وإذا بالأرضِ تُدكُّ وتتلاشى،
وإذا بجميع الذين نفّذوا إرادة اللّه
قد انتقلوا إلى عالمٍ مضيءٍ خالد بسعادته الفائقة،
وراحوا يتفيّأون ظلال أشجاره،
ويقتطفون من ثماره المجهولة، ويتذوّقونها،
فتنتشي أرواحهم،
ويسبّحون اللّه على نعمهِ الإلهيّة،
لأنّهم إنّما يتذوّقون ثمار المعرفة.
أيْ أبي السماويّ !
متى تأتي هذه الساعة السعيدة؟
ومتى يُحقّقُ هذا الحلم الذهبيّ؟
أنا متأكّد بأنَّ هذا اليوم هو بعيد جدّاً،
لأنَّ البشر ضعفاء الضعف كلّه،
وقد غرقَ كُلٌّ منهم في محيط أطماعهِ ورغباته،
وليس من يتمسّكُ بدفّةِ الفضيلة،
كي يصلَ إلى شاطىء السلام.
فأعنّي، أيْ أبي،كي أستطيع إنقاذ الغرقى وهم كثيرون.”
وبينما أنا في تأمّلاتي هذه،
إذ بي أشعر بيدٍ تلمس كتفي بلطف.
وعندما التفتُّ، نظرتُ الشيخَ يونا وابنه بطرس،
وقد وقفا أمامي بخشوع،
وجعلا يرجوانني أن أعود إلى فراشي،
إجلسا، إجلسا يا عزيزيَّ،
ولنتكلّمَ عمّا لأبي،
فإنّني، بعد قليل، سأرقد طويلاً،
وستمضي أجيالٌ قبل أن أعود فأستيقظ.
بُطرس:
أيّها القدّيس الصغير،
ويا من تشرّفتْ غُرفتنا المتواضعة
بقدومك إلينا، وقبولك ضيافتنا.
ها إنّني قد قطعتُ من مراحل حياتي أربعةً وثلاثينَ عاماً،
وأنا أجهلُ كُلَّ ما هو يختصّ بالسماء،
فهل لكَ أنْ تنيرَ عقلي المظلم،
وتفتح مغاليق قلبي الموصد؟
أعرني سمعكَ يا عزيزي بطرس،
وانظر، هناك، بعيداً في قبّة السماء،
وتمعّن في ذلك النجم العجيب التألّق.
إنّني أراه يا مُرشدي.
وها هو بريقه الخاطف يتألّق بسرعةٍ غريبة.
فما هو هذا النجم، يا ترى؟
إذا عملتَ بوصايا أبي ونفّذتَ إرادته،
وقهرتَ ميولكَ، وتنازلتَ عن البعض من رغباتك،
فإنّك ستبلغ هذا النجم السعيد،
وتتكشّف لك إذ ذاك أسراره،
وتتمتّع بأضوائه الخلاّبة.
للّه! وهل يوجد فيه أحياءٌ مثلنا،
أم هم أرواحُ من ينتقلُ منّا؟
كلاّ، بل هم أحياءٌ ممّن نفّذوا الوصايا،
وعملوا بها دون أن يعثروا.
وأنتَ ستكون هناك إذا عملتَ بوصاياي.
لا، بل سترتقي من كوكبٍ إلى آخر،
حتى تبلغَ درجةَ الكمال التّامّ.
وإذ ذاك تتجاوز نطاقَ النجوم،
وتبتعدُ عن تلك التُّخوم،
بعد أن ينتهي دور التجربة.
وعندئذٍ ترى نفسكَ في المحيط الروحانيّ.
وهناك تغمركَ أنوار اللّه خالق كُلِّ شيء،
وتتكشّف لك أسراره العميقة،
وترى بعين روحكَ كُلَّ ما هو مكنون،
فتسبّح اللّه
مع الأبرار الأطهار الذين ساروا مثلما ستسير،
وبلغوا حيثُ ستبلغُ أنت.
رحماك! أعنّي حتى أبلغ قمّة هذا المجد.
هذا طوع يديكَ إذا أردته.
سالمة امرأتي سأتنازل عنها غداً،
ولن أعود فألتقي بها.
نعم، سأتنازل عن هذه الرغبة الدنيويّة،
في سبيل قهر وتطهير روحي المذنبة.
كلاّ، لا تفعل هذا، يا عزيزي،
فإنّكَ قد تزوّجتها زواجاً مشروعاً،
مثلما جاء في الناموس والوصايا.
واعلم ، يا بطرس، أنّ أهل هذه الدنيا يُزوّجونَ ويتزوّجون
كي يأتيهم الأبناء الذين هم منهم.
وعندما تأتي ساعة تطهيرهم وانتهاء آثامهم،
إذ ذاك لا تعود لهم حاجةٌ للزواج,
فينتقلون إلى كوكبٍ آخر وعالم آخر
حيث لا يوجد شيء اسمه زواج، ولا بنون ولا بنات.
أمّا الآن فوصيّتي إليك
أن تعتني بغرس روح اللّه في قلب ابنك.
وثقْ، يا عزيزي بطرس،
بأنّه إذا سقط ابنك بالخطيئة،
فسينالكَ منها الشيء الكثير،
لأنّه منكَ، وبسببِكَ أتى إلى هذه الأرض.
فإذا اعتنيت بتربيته تربيةً حقيقيّة،
على خوف اللّه ومهابته،
فإنّما تكون قد اعتنيتَ بنفسكَ وروحكَ.
أنا مدينٌ لك يا ابن اللّه بجميع هذه المعلومات السماويّة.
فهل لك أن تكشفَ لي سرَّ وقوع الأنبياء في الخطاِْ الفادح،
أمثال داود وسليمان الحكيم
وسواهما ممّن اتّصلوا بالنساء اتّصالاً غير شرعيّ،
وهم الأنبياءُ الذين تكشّفتْ لهم الحقيقة،
ولمسوها بالوحي لمسَ اليد؟
يا عزيزي، إنَّ داوُد النبيَّ وسليمانَ الحكيم وأمثالهما
لم يخطئوا مطلقاً بما قاموا به،
بل كانَ الأمر على عكس ما ظنّه الجميع.
لقد كانوا أنبياءَ،
وكان الوحي يأتيهم بما يجب عليهم تنفيذه من أمور.
فالسراري اللواتي كُنَّ يملآنَ مقاصير الملك سليمان
قد انتفعنَ منفعةً روحيّةً عظمى
من وجودهنَّ مع النبيِّ الحكيم.
وهذا أمرٌ سوف تتكشّفُ لكَ أسراره،
ثمَّ داوُد النبيّ
الذي يتمتّع بدرجةٍ ساميةٍ من الدرجات الرفيعة،
ألمْ يذكر الكتاب المقدّسُ
أنَّ قلبهُ قد فُحِصَ ووجدَ أنّه ذو طهارةٍ فائقة؟
فكيف توفّقُ بين هذا القول السماويّ
وعمله الذي يؤاخذ عليه،
عندما استولى على امرأة أوريّــا الحثّيِّ،
لو لم يكن هذا واجباً؟
وتأكّد، يا عزيزي بُطرس،
بأنّ امرأة أوريّــا الحثّيّ هي نفسها امرأة النبيّ داوُد،
ولكنْ في دورٍ سابقٍ وولادةٍ سابقة.
وبينما كنت أشرح ليونا وبطرس
أسرار التقمّصِ، والعدالةَ فيه…
تجلّتْ أمامنا أنوارٌ خاطفة،
وسُمِعَتْ ترانيم روحيّةٌ مُبهجةٌ انعشتْ نفوسنا.
وللحال، خشعنا جميعاً,
ورفعنا صلاةَ الشكرِ والحمدِ للّه القادر على كُلِّ شيء.
وعندما انتهتِ الترانيم العذبةُ قبّلنا بعضنا بعضاً،
وتعاهد الأبُ والابنُ والحفيدُ وامرأةُ بطرس
أن يسيروا على طريق الحقِّ واليقين،
ما دام فيهم عرقٌ واحدٌ ينبض.
أيها السيد المسيح!
يا سيد المجد الخالد و الحب اللامتناهي.
يا رسول الله و كلمته السامية.
يا معدن الصفاء و ينبوع النقاء.
يا من بذلت دمك الطاهر فداء لخلاصنا.
يا من تألمت لأجلنا كثيراً، و أحببتنا الحب كله.
يا من يتغنى الكون باسمك،
و تشدو الملائكة في السماء لظلك.
يا سيد الأرواح النقية، و أبا النفوس التقية.
يا من علمتنا الفضيلة، و غرست في نفوسنا بذور الوفاء.
يا من ضحيت بكل شيء كي تستحق السعادة الأبدية.
يا من كانت سيرتك نبرساً لنا يقينا العثرات.
يا من طارده الكهنة الفساق و الأحبار المجرمون.
يا من نادى في صحراء هذا العالم، فردد الكون صداه.
يا من تجاوبت أصداء تعاليمه في جميع العوالم معروفها و مجهولها.
يا من ذاعت كلماته الطاهرة في مشارق الأرض و مغاربها.
يا من انتشلنا من هوة الجريمة و الإثم و دياجير المنايا الرهيبة.
يا من قادتنا تعاليمه الصادقة إلى الينابيع الإلهية السرمدية.
يا من تتغنى الأكوان باسمه، و تردد الكواكب أمثاله.
يا من طوى( العهد القديم)، و نشر( العهد الجديد).
يا من تألم على الصليب لأجلنا، و هو وضاح الجبين، باسم الثغر!
يا من افتدانا ينبوع دمه الزكي القاني.
يا من تحن إليه جوارحنا بعد مغادرتنا عالمنا الحقير الفاني.
يا من نضرع إليه أن يبعث إلينا بقبس من انواره الإلهية،
كي يسدد خطواتنا نحو طريق النور و الحق و اليقين،
فنسعد بعد انتهاء حياتنا القصيرة الامد،
و نرتقي حيث العوالم العلوية الفتانة،
هناك حيث نحيا تحت ظل المسيح( الفادي)،
نشدو مع الملائكة الأطهار،
و نرنم ترانيم الغبطة و الحبور على القيثار.
و من تلك الأعالي الفياضة بالسعادة الشاملة،
ننسى تلك الدموع و الأحزان التي خلفناها وراءنا
في عالم الطلاح المغمور بالشقاء و الأتراح.
بيروت، مساء 25 كانون الأول 1942
يها السيد المسيح، أيها الخروف الذبيح
يا روح الطهر، و معدن النقاء العميم
يا رجية الحزين، و محط رحال الأثيم
يا من بذلت دمك الطاهر لأجل خطايانا
أيها الإله العظيم، و يا من لا تنسانا
أنت هو حمانا، و ماحي آثامنا، و دينك هو الدين الصحيح
سنة 1942
أيها السيد المسيح الممجَّد، و رسول الرحمة و السلام
أيها المتغنِّي بالفضيلة، المترنِّم بالطهر العجيب
أيها الرمز الإلهيّ، و ابن الله الحبيب
يا طلبة نفوسنا الخفية، و رجيَّة أرواحنا الحائرة
أدنُ منا وفينا، يا ابن الله، لتقوّي عزائمنا الخائرة
والمسْ أرواحنا بأناملك الطَّاهرة لتزول عنها الأوزارُ والآثام
سنة1942
الساعة الذرّية تعلن أنّنا دخلنا في العام 1995، منذ أعلن السيّد المسيح ثورته الكاسحة على أنظمة هذه البشريّة الفاسدة.
فها قد إنطوى 1995 عاماً على تلك الصيحة الجبّارة، التي أطلقها سيّد الثورة النبيلة، كي يحطّم بواسطتها كبول الظلم والإرهاق، ويقطع أغلال الرقّ والعبوديّة، وكي يحقّق الحلم الذهبيّ الذي نشدته البشريّة الحائرة في أمرها، منذ كوّن الباري هذا العالم التاعس البائس.
ولكنّ هذه الصرخة الهزبريّة، التي رجّعت صداها الكرة الأرضيّة، وردّدتها البريّة، لم تجد أرضاً خصبةً في ذلك الزمن، مثلما هي الآن. فباءت هذه البشريّة بالذلّ والهوان، والخيبة والحرمان.
فردٌ أعزل، إلاّ من الإيمان واليقين باليوم الأخير، دافع عن الحقّ دفاع الجبابرة، ونافح عن العدالة نفاح الرآبلة، وكافح الشرّ كفاح الليث في غيله وعرينه. فهاجمه في مواطنه الشديدة الخطر، دون أن يأبه لجبروته، ودون أن يأخذ لنفسه الجذر. وأراد هذا الجبّار أ، يمزّقه شذر مذر، كي ينقذ من هبط لإجلهم من البشر:
ثلاثةً وثلاثون عاماً جاهد جهاداً مستميتاً، داعياً الجميع لإنتقاض على دستور القوّة والبطش، دون أن يسير في ركابه أحد، خوفاً من الدولة الرومانيّة القويّة الشكيمة، وذات الشوكة والإقتدار.
اللّهم، ما خلا نفراً من البسطاء اللذين فتنتهم تعاليمه العلويّة، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الإلهيّة.
لم ييأس، ولم يقنط، ولم يتراجع، ولم يلقي سلاحه، بل راح يهاجم قيصر روما في شخص هيرودس، طاغية فلسطين، حيث نشأ ابن السماء، وحيث ترعرع.
وفي النهاية، عظمت التضحية وضخم العداء. فقد بذل الثائر حياته فداءً لحريّة البشريّة المعذّبة: هذه البشريّة المتألّمة التي أعمت الشهوات والنزوات بصرها وبصيرتها، فقدمته ضحيّةً على مذبح جهلها الصارخ، إذ كافئته على جهوده في سبيل تحريرها، وحبّه إيّاها ، بتعليقه إيّاه على خشبة الصليب. فيا للهول الرهيب!
وماذا كانت النتيجة؟
كانت رهيبةً وذات أثر بعيد.
فإنّها منذ ذلك التاريخ المشؤوم، وهي راسفة في قيود الذلّ والمهانة. وعوضاً عن حصولها على إكليل الغار، قنعت بتتويج مفرقها بشارة العار. فيا للعار!
إنّ السيّد المسيح، له المجد، لم يضرّه الأمر. فابن السماء قد عاد إلى السماء؛ وابن الفردوس عاد إلى فردوسه، بعد فترة قصيرة قضاها بين أبناء الأرض، كي يرفعهم معه إليه. فانكروه وطردوه، وأهانوه وازدروه وشرّدوه، وأخيراً … صلبوه وعذّبوه، ثمّ بكوه وندبوه.
منطق أعوج، وخلق أعرج، واتّجاه سفيه… إنّ الضّرر البليغ قد حاق بهم وبذرّيتهم، والأسف الفادح قد غمر أرواحهم وتغلغل في أفئدتهم…
فناحوا … ولكنْ بعدما انطلق الطائر إلى فراديس الجنان ، وتوارى عن العيان. فما كان قد كان.
أمّا الآن فانّهم يرفعون إليه صلاتهم، ويلتجئون إليه في ساعات أحزانهم، ويبثّونه لواعج آلامهم وأشجانهم.
هم الآن يحترمون مخلّفاته ويقدّسون ذكرياته، ويردّدون روائع آياته، ويتغنّون بمعجزاته.
خسئتم، يا أرواح الشرّ، فإنّكم تتضطهدون أنبيائكم ومرسليكم ، عندما يكونون بين ظهرانيكم، وتتهمونهم بأشنع إتهاماتكم، وتقذعونهم بشفار ألسنتكم، وتسلقونهم بصديد مفترياتكم الدنيئة، وتضطهدونهم بخسّة تحسدكم عليها بنات الخيانة.
وعندما ينطلقون من أرضكم ، ويخلّفون لكم جيفتكم الكريهة، إذ ذاك، تعرفون قيمتهم فتندمون، ولكن حين لا تجديكم ندامتكم، بل نتانتكم وخيانتكم. فيا ويحكم من يوم الدين !
أو لم تضطهدوا أيضا” النبي صلعم فأرغمتموه على الهجرة القاسية؟ وكيف لم تفتنكم آيته المنزلة التي لو لمست الصخور الصلدة لآلنتها ودعتها تخشع وتؤمن بنبوّته. فمن هو غير النبيّ الذي يستطيع أن يأتيكم بهذه الآية الكريمة، التي هي لغة الملائكة، يتخاطبون بها فيفتنون النجوم ببلاغتها ، ودقّتها، وشفافية رقّتها، ثمّ روعة سبكها، وعذوبة سحرها:
” اللّه نور السماوات والأرض.
مثل نوره كمشكاة فيه مصباح،
المصباح في زجاجة.
الزجاجة كأنّها كوكبٌ درّيّ،
يوقد من شجرةٍ مباركة،
زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة،
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمْسسْه نار.
نورٌ على نور.
يهدي اللّه لنوره من يشاء.
و يضرب اللّه الأمثال للناس .
واللّه بكلِ شيءٍ عليم “(1)
- * *
(1) القرآن الكريم، سورة النور، الآية 35
نأتي الى هذا العالم باكين معولين، ونغادره باكين معولين. فواها” لك يا عالم البكاء والعويل
الدكتور داهش








