قصصُ غازي
قصصٌ بأقلامٍ مُختلفة تُكتب بمداد الاختيار والمسؤوليَّة الذاتيَّة ، تُعبِّرُ عن فصولٍ مُتتالية في رحلة التطوُّر الرُّوحيّ. يجمع بينها الإيمان.
قصصٌ وحكايات
المُعجزة، ما هي المُعجزة؟
هل من يستطيع معرفة سبب هذه الظاهرة الخارقة ويدرك مُبرراتها؟ ومع ذلك ليس بوسعنا سو الأقرار بالوقائع والأحداث التي نحن عليها شاهدون.
ذات يومٍ ربيعيّ كنت أتنزّه بعيدًا عن المدينة وغبارها. كم كنت بشوق لتنشق نسيم الجبال العليل وعطور الأزهار المُتفتحة، والاعجاب بالصنوبرات الخضر وبشجيرات البتول، بالصفصاف، بأشجار السرو التي تجاور دروب الغابة، وشجرات السنديان المُعمرة الجليلة التي تُبسط أغصانها الوارفة.
النسيم العذب في هذا الفصل الجميل يملأني سعادة. كنت أستمتع إلى طنين النحل وأشاهد الخنافس وهي تقضم بتلاث الورود. آهٍ، كم هي جميلة الحياة حين يهدهدك النسيم العليل العطر!
استلقيت تحت احدى الأشجار كي أتنعَّم بهذا الجوّ الهادئ خلال وحدتي. إنه السكون. الربيع له لغتة طبعًا، لكن هل من يفهم تلك اللغة؟ كنت أتذوّق بكل كياني الاستراحة غير المُتوقعة.
أسندت ظهري إلى جذع شجرة ورحت أتلهّى بتقليب التراب بأصابعي وتفحّصه. وفيما أنا أتمتع بهذه اللعبة، كنت أشعر بأن معصمي مُحاطٌ بشيءٍ دقيقٍ جدًّا ومن الصعب رؤيته وتمييزه تحت لون الرمل الأسمر.
“كان بالقرب منّي ينبوع ماءٍ اتجهت نحوه لأغسِلَ يديّ علّي أرى الشيء حول معصمي. وما أن أزلت الوحل عن يديّ حتى رأيت شعرة بيضاء دقيقة جدًّا. وتمكنت من نزعها على مهلٍ ورحت الفّها جاعلة منها كبّةً صغيرة. كنت جدّ مُندهشة، فقد بلغ طول الشعرة عدّة أمتار. كيف أمكن أن تلتف شعرة بهذا الطول حول معصمي؟
إنه لشيء غامض كل الغموض، قلت لنفسي، ولا طاقة لي على كشف أسرار الطبيعة؛
وتناهي صوتٌ إلى سمعي.
لا ترتبكي ولا تبالي لمثل هذا الأمر البسيط. أنا صانع هذه المُعجزة، صانعها بقوة الروح الذي يسكن فيّ، وأنا، بغمضة عينٍ قادر على تحقيق ما أشاء. لا تندهشي من ذلك. أنا الشعرة البيضاء. لي فمٌ وليَ لسانٌ غير مرئييّن بالنسبة لك، وأستطيع التعبير عن ذاتي، وأنت بالتأكيد لا تعرفينني، إذ كيف قد يمكنك ذلك. أنا فملكٌ للآب، أبي الإنسان، وأنا باسمه أكلّمك الآن.
كنت أستمع وأنا جالسة دون حراك وقد أخذني الهلع. وكنت أتساءل إذا كنت ما أزال أحتفظ بنصف عقلي. كنت مذهولة، مأخوذة، وانتهى بي الأمر إلى السؤال:
- أيها الخيط الأبيض، ماذا تريد؟ هيّا اذهب وتحدّث إلى أحدٍ غيري!
- أنا أنتظرك هنا منذ آلاف السنين. أنا شعرةٌ بيضاء موكلٌ إليَّ حفظ أحداث وذكريات.
أنا وأنت ننتمي إلى ذاته، وكم مرّ علينا من أحداث وذكريات في هذا الماضي الذي عشنا معًّا!
تذكري! أنا لست سوى شعرة، وقد لامست كتفيك البيضاوين، وقبَّلتُ جبينك الأبيض كالزنابق، وظللت عينيك الكحلاوين وطوقت قامتك الهيفاء. لم تقوَ تقلبات المناخ ولا مرور الزمن على أفنائي. وها أنا نفسي ما زلت أنتظر أن أراك. لم أتغيّر، وأنا موجودة منذ حقبة الأرض الأولى، وكم من الأمور أستطيع أن أرويها لك! فأنا وقريناتي، بقية شعرات آدم تفرّقنا وتوزعنا في مهماتٍ نُنجزها على هذه الأرض. عددنا لا متناهٍ، وبمقدورنا أن نسرد بكل دقّة وأمانة تاريخ العالم، وسيدهش المؤرخون لسماعنا، لكن هناك أمور يجب أن تبقى خافية عن أبناء البشر. والآن سوف استدعي أخواتي.
وأطلقت الشعرة شعاعًا خاطفًا، ساطعًا راح ينتشر في أرجاء العالم. وما لبثت أن رأيت خيوط الشعر تتسارع على الفورِ ملبّيةً هذا النداء وتتجمّع وتتشكل فروة رأس رائعة البياض، وعطّرت الأجواء مُرحبة بي كل ترحيب. وكانت الشعرة البيضاء التي تخاطبني ما زالت غير مُنضمّة إلى أخواتها في الفروة البيضاء.
– أنا رئيستها، وهي تبثّ إلى بانتظام صورًا وأخبارًا أحفظها لديّ، سأثبت لك الآن كم أن كلامي صحيح ودقيق. التقطي فننًا وأعيدي لفَّ الكبة التي معك عليه وراقبي أثناء ذلك مسار الأحداث التي ستمّر أمام ناظريك. إلا أن فروة الشعر البيضاء هذه كانت سوداء فيما مضى، ولعلّنا لا ننسى أنها كانت لآدم في ريعان شبابه.
ثم رحت أشاهد الأرض بكامل حقبات تاريخها، الحروب التاريخية والكون عبر جميع العصور. شاهدت جميع البلدان والأقطار وكل قرية معروفة أو مجهولة. شاهدت البلدان التي ابتلعها البحر والبلدان التي دمرتها الكوارث المتنوعة، وشاهدت مدنًا في جوف الأرض وتحت المياه، وسافرت عبر العصور بجميع تقلباتها وكنت غالبًا ما أرى نفسي في حياة مشتركة مع أبي البشر. عاينت جميع ولاداتنا وموتنا، وعاينت دمار العالم وإعادة تلوينه، وما الحياة سوى إبتداء دائم، مُستمرّ.
وقالت لي الشعرة البيضاء كذلك: أنت تقمصت، أنت وآدم. وبعض البلدان التي دمّرت في الحقبات المُظلمة من الزمن، أعيد تكوينها بعد قرونٍ وبأدق تفاصيلها، فعادت مثلما كانت من قبل. ما من شيء جديدٍ ها هنا؛ حتى الاختراعات العظيمة التي نفيد منها الآن، كانت موجودة في ما مضى وهذه الصور تؤكد لك ذلك. أترين أيتها الصديقة؟ أنا سجّل أمين ودقيق منذ بداية حقبتنا. نحن الشعرات ملك لآدم، ونحن نشكّل جزءًا من جسده ونفسه، ونحن موكلاتٌ بنقل أسطورة الأرض البائسة وتاريخها إلى الله. ونحن مع آدم ما زلنا نكفِّر عن خطيئته. إنه لحملٌ+ ثقيل جدًّا بالنسبة إلينا.
أيا حوّاء، بالرغم من أنك كنت سببًا لهذا الشقاء، فأدم يحبك وهو يترقّب بشوق ساعة اللقاء بك وعدم الانفصال عنك مجدّدًا، فأنت له إلى الأبد. الآن سنختفي، وستجديننا ثانية فوق رأس حبيبك آدم، فكوني دائمًا بانتظاره.
واختفت الشعرة وجميع أخواتها، وصمت الصوت عن الكلام.
رحتُ أتملّى جمال الجنائن وأنا أقول لنفسي: الربيع يعود فيولد كل عام، وآدم سيولد من جديد، وسأكون بانتظاره.
توغلت ذات يوم في مسالك جبلية بعيدة. ضللت طريقي وداهمني الليل بسكونه وصمته، ومع ذلك، واصلت مسيري حتى بلغت قمة عالم من الصخور.
هناك كانت باقات الوزال والصعتر والخلنج تتمايل فحتالة في الهواء. وكان قمر رائع الوجه يتمرّى على صفحات شلالات تنبجث من بين الصخور وتنسكب في أحد الأودية المخضرة والمُوشاه بالزهور.
وبالتفاتة عابرة منّي تبيّن لي أن هذه الناحية ما زالت تحافظ على حلّة طبيعية لم تمتد إليها بعد يد الإنسان، ولم تُعمِل فيها فتكها وأذاها فلم تشوه جمال هذا اللمشهد الطبيعي.
هنا، الطبيعة هي الملكة. كنت سعيدة بهروبي إلى هذا المكان الساحر الخلاب. وعند واحد من الينابيع، صافي الماء، رقراقها، جلست وروّيت عطشي. لقد ابهجتني الخلوة على هذا الجبل المُنعزل، فقد أيقظت في ذاكرتي صورة حياة النساك الهادئة وعزلتهم:
إلاّ أن شعورًا غريبًا تملكني وجعلني أظن أن هناك لغزًا كامنًا في هذا المكان، وأن كائناتٍ مجهولةً تحيا وتقيم على هذا الجبلِ النائي. لم يكن بإمكاني اكتناه هذا اللغز وجلاء غموضه، لذا أرجأت البحث في ذلك إلى الغد المُشرق.
بسطت معطفي على العشب الأخضر لآخذ قسطًا من الراحة. كنت قلقةً، حائرة، وحيدة تائهة في هذه المجاهل. وعبثًا حاولت أن أخلد إلى النوم.
لقد قارب الوقت منتصف الليل وما زلت مُستيقظة. أخذني الاعجاب بهذا الموقع وهذه الصخور السامقةِ التي شبهتها بأسوارِ منيعة، وبالشلالات الرائعة الجمال، والأزهار العذبة الأريج والأشجار الفردوسيّة المُثقلة وبالثمار اللذيذة التي رحت أقضم بعضها بنهم ولذّةٍ كي أشبع جوعي. غير أن ما أدهشني أكثر كان ألوف “الطيور التي استفاقت وراح ينشد كل منها أنشودته وكأنه في وضح النهار، وفجأة رأيت الليل يستحيل فجرًا والفجر نهارًا وضّاءً تحت أشعة شموس كثيرة متعددة الألوان، كانت ساعتي ما تزال تشير إلى منتصف الليل فقط.
وكلما أزاح الليل أستاره وأبعدها، صارت الصخور تتالق بياضًا أين منه بياض المرمر والرخام.
وعلى قمّة إحدى التلال، تراءى لي رجال ستّة ذوو جمال فائق، يحمل كل منهم مطرقة وإزميل نحَّات، وراحوا يتوجهون نحو ذرى الصخور. هناك بالقرب من الحجارة الضخمة انصرفوا إلى عملهم، ثم، وبصوت واحد هتفوا جميعهم.
تكلّمي أيتها الحجارة، تكلّمي!
وما أن لمستها أزاميل النحاتين، راحت الحجارة العملاقة تتحول إلى تماثيل رائعة تحاكي بجمالها جمال أدونيس وعشتروت.
وراح هؤلاء المثالون الرائعون يسيرون أزواجًا في الجنائن والبساتين. وما أن راحت الحجارة تختفي أولاً بأول، أخذ هذا الموقع يصبح آهلاً بجمالات فتيّة بعد أن كان منعزلاً وخالياً. كنت أسمع ضحكاتهم تتوالى كرنين الأجراس، وكانوا يمرحون في المروج المُوشاة بالزهور، وكانت الفراشات ترفرف كأنها أكاليل وتيجان فوق رؤوسهن، وكان البعض منهن يستحْمِمْنَ فرحات في مياه البحيرات الزرقاء.
يتمتع هؤلاء النحاتون الستة بعبقرية ومهارة تفوق عبقرية ومهارة مشاهير نحاتينا أمثال فيدياس، براكسيتين وميكيلانج، فالمثالون السماويون الستة يتمتعون بنفحة الإبداع والخلق تستحيل الحجارة الصماء على أيديهم إلى مخلوقات تدبُّ الحياة في أوصالها.
أيّها النحاتون، كيف اكتسبتم هذه القدرة العجيبة الساحرة؟ فمن يستطيع الأتيان بمثل هذه الأعمال غير الله؟!
يا فنّ النحت، يا أعظم الفنون قاطبة، أنت متحدّر من لدن الله مباشرة! وكذلك هم الستة الرجال، فهم بحدّ ذاتهم من جوهر الإله نفسه. لقد وهبوا الحياة إلى عالم جميل طاهر رافعين إياه إلى مصاف مدن الآلهة.
سرت متوجهة نحو هؤلاء الفنانين لأعرب لهم عن تقديري وإعجابي بعملهم الجبَّار فوجدتهم ما زالو مُنهمكين بالعمل.
دنوت منهم فلاحظت أن الستة الرجال مُتشابهون ولهم الوجه عينه! فتيقنت أنهم أذرع الله الستة، المشاركون لهم في القدرة! فُتنت بأعمالهم الخارقة التي تخلب الألباب. كنت آنئذٍ في فردوس عَدَني صغير راح يتحوّل إلى عالم غير مُرتبطٍ بعالمنا قبل أن يحلِّق نحو السماوات. واالقيت نفسي على الأرض, تمامًا حيث انفصلت مدينة الإلهة عن أرضنا.
رفعت عينيّ نحو هذا العالم. كان ما يزال يرتفع ويعلو حتى يستقر في السماوات.
وكما في حلم، رحت أدرك ما جاء في الأنجيل: “يستطيع الله أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لابراهيم”. (متى – 9:3) وأدركت غيرها أن الحجارة كانت ملائكة في ما مضى وسقطوا! أمّا الآن وقد كفروا عن ذنوبهم وخطاياهم، رفعهم الله إلى كينونتهم الأولى.
صعلوك، مسكين، فقير تائه في بلاده، غير آبهٍ بالحياة أو بعمل يكسب منه قوت يومه، يتنطّط دون انقطاع بخطى لاهية من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية صغيرة قريبة. ينام في ضوء نجمةٍ، سقف مأواه السماء، يقتات من جنى طريقه متسولاً أو جامعًا ما يتساقط من ثمار الأشجار، وربما يقدم له أناس مُحبُّون عشاءً طيبًا.
هكذا كان دأب “إيف” في الحياة، وما من مرة كان مصدر خطر على الرغم من عينيه الوحشيتين ومظهره ومشيته الغريبين.
يعرفه أهل الحي معرفة وثيقة منذ ولادته. أهله يعُرفون بصدقهم ونزاهتهم غير أنهم سيّؤو الطالع، تعساء لأن لديهم ولد في مثل هذه الحالة لديه إعاقة في النفس.
كان الأولاد يتحلّقون حوله عندما يمر ويتهامسون بما بينهم: وها هو المجنون!”
أما هو، فغير آبه بهم، غير مبالٍ، يتابع سيره لا يلتفت إلى أحد وكأني به يسعى إلى شيء يصعب العثور عليه وكأنه يبحث عن كنز مفقود؛ ما هو هذا الكنز يا ترى؟ نسأل أنفسنا.
شيء واحد فقط يعيده إلى عالم الواقع، حين يصدف أن يمر أمام بعض المقاهي ويسمع الموسيقيين يعزفون على آلاتهم المتنوعة. فموسيقاهم هذه تعيده إلى يقظة الحياة، فيجلس بانضباط وتهذيب يسمع الألحان التي يؤدونها، فتراه مأخوذًا، مسحور اللّب بتساوق الأصوات وانسجامها.
ذات يوم، إثر انتهاء احدى الحفلات الموسيقية، يأخذ كمان أحد الموسيقيين ويحاول أداء بعض الجمل الموسيقية، فلم يصدر عنه سوى صرير محزن مزعج يدعو إلى الإشمئزاز.
عندئذٍ، وقد أصابه الحزن والسخط، رمى الكمان والقوس” وداسهما برجليه مُحطِّمًا اياهما قطعًا وصاح صارخًا:
وأنا أعظم موسيقيي العوالم العلوية لم أعد قادرًا على عزف لحنٍ أرضيٍّ بسيطٍ! يا لتعاستي! أصبحت في الثلاثين من العمر وأعيش كابوسًا دائمًا هو الموسيقى!
وينفضُّ الجمع من حوله وهم يتعجَّبون من حاله قائلين:
يا لهذا الجنون! كم هو بائس هذا الإنسان! وها هو يسقط على الأرض في حالة من اللاوعي، فريسة للهذيان، ويروح يسرد قصّة حياته، وأية حياة سيخبر عنها ما دام يمضي وقته مُنعزلاً عن الآخرين أسير تعاسته الداخلية القاتمة.
لكن لا، فما يتحدث عنه “إيف” هو عالم آخر، غير معروف منّا، عالم كان يعيش فيه قبل أن يولد هنا على الأرض.
يا إلهي!” ما ينفكّ “إيف” يصرخ، الرحمة، الرحمة على ما اقترفته من خطيئة. ضع حدًّا إلهي، لهذا العذاب. خذني. أعد إليَّ أدواتي، أنا من كنت قائد أوركسترا سماءك، أنا من كنت أقيم لك الاحتفاليات بأناشيدي وأغانيّ، وقد بتّ الآن عاجزًا عن عزف نغمة موسيقية واحدة.
ملعون أنا، ملعون أنا. أنا أشبه ما أكون بقايين، تائه على الدوام في العالم. لقد سقطت من فردوسي تمامًا كلوسيفورس من قبل.
نعم فقد اقترفت جريمة، وللسماوات قوانينها والجريمة هي دائمًا الجريمة، وعلينا أن نتحمَّل تبعاتها حتى ساعة الندم.
إلهي، مُنَّ عليَّ بعفوك حتى يتسنى لي استكمال دورتي السابقة. لقد قاسيت عذابات اليمة جدًّا.
جئت كوكب الأرض عالمًا من أين أتيت، ولم تفارقني لحظة واحدة ذكريات حياتي السابقة وذلك الملأ العلوي، أتذكر خطيثئتي، سقوطي وعقابي. لذا عشتُ مُنعزلاً، مُنطويًا على ذاتي، فالناس هنا ينعتونني بالجنون كلما جاهرت بالحقيقة، وأنتم أيها البشر، إسمعوني، إصغوا إليَّ!ّ أنا أشعر بأنني سأفارق الحياة، فصديقاتي، إلآهات الموسيقى، سيأتين ويأخذنني إلى الأعالي.
وأنتن، أيتها الحوريات، تعالين إليَّ، أسرعن! إقتطفن نفسي، افصلنها عن جسدي هذا الساقط!
ويصاب “إيف” بحالة من التشنجات ويروح يحرك يديه وكأنه يقود أوركسترا في حفل موسيقي “رائع” وينادي كل حورية باسمها السماوي “قائلاً لهن”: يا نغيماتي الصغيرات، وأنتن غير حوريات صغيرات أشبه ما تكنّ بنجمات الفلك. أنتنّ شموس يملأ بريقكنّ بنجيمات الفلك. أنتنّ شموس يملأ بريقكنّ كياني! تعالين، هيّا أحطنَ بي ولتُقِمْ نبراتكن جوًّا من الأعياد! أنا راجع اليكن! احتضنني إلى الأبد.
هكذا يتكلمُ “إيف” قبل أن يستغرق في سباته الأبدي. وأنا الواقفة بالقرب منه، أعاين عالمًا أشبه بدفتر موسيقى تتقلَّب صفحاته دون توقف، وحوريات مُتناهيات في الصغر، شبيهات بالنجيمات يرسمن عليها نغمات الموسيقى.
ويعود “إيف” مُحاطًا بأصدقائه، يعزف ويعزف بلا توقف الألحان السماوية التي توحي إليه بها الشموس الصغيرة.
ويتمكلني ليل أزرق. السماء بلونها الداكن، المليئة بالأفلاك المُنيرة تسحر عينيّ. هذا المساء، الأفكار لا تفارقني البتّة، ويأخذني الإعجاب بنيّرات الله التي كانت تتألق وتسطع أنوارها على صفحة مياه البحيرة القريبة.
رؤوس الأشجار تتعالى، ترمق القبة المقدَّسة بإعجابٍ. وتدرك الطبيعة اللغة السماوية أفضل من البشر وتستجيب لإشاراتها بلغةٍ لا نفهمها نحن، وتتلو الأناشيد وتتذكر حضور جميع الأنبياء الذين جاءوا إلى الأرض، فبصمة وتأثير رجال الله حاضران دومًا حتى وإن كان أهل الأرض يدنسونهما بتصرفاتهم الدنيئة.
احاديث أهل الأرض وتصرفاتهم تسجَّل على الدوام على أمواج أثيرية لا طاقة لنا على ادراكها أو رؤيتها. فالأزهار والأشجار، كل قطره مياه، كل حبةِ رمل، كل شيء، كل ما في هذا العالم ينحني أمام المُبدع الأكبر ويعرف مُرسليه.
عندما نزور الربوع الجميلة يأخذنا جمالها الساحر، بل أكثر من ذلك، يأخذنا الصمت في حالٍ من الاحترام والإجلال المُطلقين. الجمال قربان يقدم أمام الله، هو صلاة، والصمت ملاذ للتأمل والتأمل سفر إلى البعيد البعيد.
وتستلهم الطبيعة النجوم الكثر التي تهمس بكلماتِ جميع القديسين رافعةً الشكر والحمد لله العليّ. المويجات الخفيَّة تتدفق بالكلمات وآذان الكواكب المُرهفة السمع تتلقى وتسجِّل كل شيء.
وتتوالى الأجيال، جيلاً إثر جيل بدءًا من العصر الحجري حتى بلغنا القرن العشرين، قرن الحضارة أو عصر الطاقة الكهربائية التي تتيح لنا الإفادة من جميع أنواع الآلات التي لم تكن موجودة من قبل. إنه عصر غاية في الغنى، خصب بالاختراعات إذ يمكن للباحثين أن يعتزوا ويفتخروا باكتشافاتهم التي هي أبعدُ من كل قياس. إنما يجب الاقرار بأن الاختراعات هنا على الأرض إنما تتحقق بإرادة لا أرضيّة، إنما يوحى بها في الوقت المراد لتحقيقها. وتتناهى الينا هذه الاكتشافات الرائعة من كواكب مُوغلة في البعد حيث الحضارة أكثر تطورًا من حضارتنا وهي موجودة منذ الزمن، وما هو بحوزتنا ليس سوى أنموذج بسيط لما هو موجود في تلك الأماكن المُتألقة التي تتجلَّى فيها عظمة الله، أضف إلى ذلك أن أعظم الحضارات إنما تتولد من القلوب النبيلة.
الخير والشر، الجمال والقبح، الذكاء والبلاهة، المحبَّة والكره مُتناقضات، وجهان لكل مزية، طرفا نقيض، هذه المُتناقضات كانت منذ كانت الأرض.
فبالتوازي مع الحضارات البنّائة هناك حضارة هدّامة تصِلنا من عالم أوكل إليه أمر معاقبة الكواكب التي تعصى القوانين الإلهية، ولكل عقاب أوان. فالإفراط في اقتناء الأسلحة الفتاكة سيكون سببًا في القضاء على الحضارات التي بناها أبناء الجنس البشري الذين سيكونون هم من صنعوا بأيديهم اسباب دمارهم.
وبانتظار الكارثة، يتملكنا الإعجاب بنجمات الله، ربّات الوحي لكواكبنا، فهي عالمة بأدقّ اسرار أرضنا إذ أن مويجات الضوء توصل إليها كلّ ما يتعلق بأرضنا، فتصنع الأفلام وتأخذ الصور الفوتوغرافية تسجل عليها أفكار البشر والحيوان والنبات وكل ما فيه نأمة من حياة، حتى المادّة الجماد، فهي حيّة أيضًا.
إن مُجرّد كشف هذه المعلومة لنا يدخل الرعب في القلوب، إلا أن عالمنا سيبقى غير مبالٍ، مُتماديًا في شكّه وقلّةِ إيمانه حتى تحلّ بنا الكارثة الكبرى فتتفتت المادة عندئذٍ”، غير أن لبّ هذه المادَّة نفسها سيبقى خالدًا.
الثقافة العميقة على تلك العوالم التي حباها الله باختراعات لا يحدّها خيال والتي تحظى على مساعدة العديد من الكواكب، تدوّن كل ما يدور على امتداد أرضنا وذلك كما سبق أن أخبرتكم آنفًا أنه لا يمكن أن تمرّ فكرة أو تخطر بيال وتفلت من رقابة أجهزة التسجيل الحسَّاسة.
أهل العوالم الخارجية ليسوا بخاملين ولا بمتوانين، وهم يطبقون أوامر العوالم العلوية بأمانة مؤدين مهامهم بكل دقّة. أما نحن فنتناسى أعمالنا السيئة وآثامنا طوال اقامتنا على هذا الكوكب، الأرض.
غير أن هذه الأدوات المُتطورة، المُحفزات الأمينة للذاكرة تضم تاريخ حياتنا منذ أن ولدنا وحتى مماتنا بالإضافة إلى أنها تُعيدنا بالذاكرة إلى تقمصاتنا السابقة. فبعد وفاقنا، يحضر كوكب هن عبارة عن شريطٍ مُسجّل كشريط الفيديو، يحضر أمام محكمة سماوية ويكشف أمامها سجل وجودنا بكامل مراحله، منذ التكوين وحتى النهاية، فتحكم المحكمة على أعمالنا فتكافؤنا أو تجازينا. جميع هذه الأفلام محفوظة في سجلات هي بدورها محفوظة في عالمٍ خاص.
هذا هو شأن الأرض، أما هناك في المجرَّات البعيدة غير المرئيية، ينتظم العديد من النجوم عددًا كبيرًا من الباقات تضمُّ كل واحدة منها العديد من النجوم توجهها كوكبة كبيرة من الكواكب وتكون مرشدة لها.
جميع هذه السماوات فراديس ساحرة، البعض منها أبيض اللون، متوهِّج. الحدائق نظمتها يد سماوية، الحجارة، من تلك المتناهية في الصغر إلى الأكبر حجمًا، منحوتة بأزاميل أمهر نُحَّأت. ويده المقدسة تمثل مجد وعظمة هذا الفن الخلاَّق، ففي باطن هذه اليد العملاقة تمتدُّ بحيرة تنعكس عليها، كما على مرآة، شعاعات مُنيرة من العديد من الشموس يرتسم ائتلافها قوس قزحٍ لا أبهى ولا أجمل، وخيوط الضوء هذه نفسها تكسو الفراديس ألوانًا على هواها. ويعمُّ الحبور في هذه الأماكن الساحرة حيث تقيم حضرات سماوية؛ فراديس يعجز الكلام عن تصوير ووصف جمالاتها، فقارئ هذه الكلمات وسامعها سيبقى يخامره الشكّ في هذه الأوصاف إلى أن يأتي يوم يستطيع فيه التيقُّن من صحتها وواقعيتها.
وترتحل في السماوات غابات شاسعة تمتدُّ أو تضمر بارادتها دون أن يتبدَّل شكلها. وتتهادى ممرات من الزنابق التي يرتسم بداخل كل منها وجه ملائكي، وترقص وتتمايل مع النسيمات التي تدندن بالألحان والأناشيد، وتردد أنغام الساروفيم الأناشيد ويبثّ الهواء عبق البخور في كل مكان، ويجمع الحمام والترغلّ ورودً حمراء يحملها بمناقيره إلى معبد مقدَّس تُقام فيه الصلاة، وتلقي هذه الطيور بتقدماتها فوق نار مُقدَّسة خالدة دأبها تمجيد وتكريم الله.
وتنشرُ النار المُتوهجة أذكى العطور على السنتها التي لا تصيب أحدًا بأذى، بل إن النفوس ترودها وتتطهر بوهجها المقدَّس. عندئذٍ ترتفع حزم الأزهار المتوهِّجة وتشكل غطاءً للسابحين بين السنة اللهب التي تحتضنهم بفرح ومحبّة.
هذه النجوم تجمعها روابط أو شعاعات خفية، والكواكب الأم تبث الرسائل إلى كل هذه الجواهر التي هي في عهدتها. كل هذا كوكب مُنير، تلفاز يبث على شاشاته أخبار العوالم المُحيطة به وتبقى الأفلام تدور باستمرار، وتمرَّ معلومات وثائقية واحدة تلو الأخرى وحكايات من العديد من العوالم يأسر جمالها المُحببُ العيون.
وتتوالى المشاهد لا حدّ لها ودون توقف، ساحرة جاذبة المُتفرجين، فالتلفاز يبثُّ باستمرار وبلا انقطاع برامج متنوعة لا يقلّ واحدها جمالاً عن الأخر.
ويتجسد العديد من الكتب التي وضعها أعظم كتّاب هذه الأماكن، وتروح تلك الآلة العملاقة تسردها بطريقة مصوّرة. وبالأسلوب عينه، أي بواسطة الآلة العظيمة، يصل العديد من الوصايا إلى المجموعات المُختلفة من النجوم، فنسمع أحاديث وشروحات عددٍ كبير من الأنبياء ورجال الله. ويستمتع بنشوة إلى الرسالات البعيدة، ويقومون كل من عالمه الخاص بزيارة الفراديس القريبة. وتعمُّ الغبطة ويبلغ الحبور السماوات، وتقرع الأجراس وينشد ملائكة الله أناشيد الحبور.
ويلتقط التلفاز أحيانًا أخباراً عن أرضنا ويعود فيبثها في أرجاء مُحيطه. ويشيخ سكان العوالم البعيدة بأنظارهم ناقمين على ما يرونه من دناءات عالمنا الذي يشبهونه بشيطان ابليسي يقولون بأنه سيّد كوكبنا الحزين، ومع ذلك تحتفظ الآلات البعيدة بقصّة عالمنا بحذافيرها.
أيتها الأرض، يا أم الرذائيل، أنت تحتضنين جرائمكِ في أحشائكِ، لقد لعنكِ الله فسِجِلُّ آثامك يخبر عن دناءاتك منذ الخلق وحتى يومنا الحاضر. لذا فجميع الأنبياء الذين عاشوا ها هنا والذين كرسوا ذواتهم لسبب وجيه، تعرّضوا للهزء والإساءة، استشهدوا وقتلهم الطغاة، أبناء الجحيم. السماء تصرخ: العدالة، العدالة! فدم الأبرياء يجب الانتقام له.
الدكتور داهش، النبي الحبيب، آخر من يزورنا من السماء، يجسِّد في شخصه الحلم والمغفِرة. لقد كان حملاً ذبيحًا نبذته ثلة من البائسين. وها التلفاز السماوي يبث فيلم استشهاده. ومادت ذرى الله الطاهرة لمعاينتها الآلام والعذابات التي سيمَها وعاناها وتحملها النبي الحبيب.
العقاب، العقاب!
أيتها الأرض، أيها البشر، لا يمكنكم أن تنكروا جرائمكم لأن الله لا ينسى، إنه يصبر ويصلح. إن تلفاز الله سوف ينعش ذاكرتكم وسيحكم عليكم بحسب أعمالكم.
إذا كانت أرضنا، بوسائل تملكها، قادرة على إرسال الرسائل إلى بلدان مختلفة بواسطة الأقمار وعلى تلقي مثلها، فلا عجب إذًا عما يمكن أن تفعله العوالم العلوية، لكننا لن نستطيع أن ندرك ذلك لأن تبيانه رهنٌ بالأزمان الآتية.
هكذا، وعلى نقيض العوالم العلوية حيث لا يسود سوى الفضائل الجميلة، نحن، وللأسف، ليس لدينا سوى أسوأ العيوب التي تسير بنا نحو هلاكنا.
فالإكتشافات المُدمّرة لها الغلبة، فقد حقَّقت انتصارها، وساعة اللعنة لا بدّ آتية، ستُحقَّق بحرفيتها ولن يتمكن الإنسان من معاينة حضارة الأرض المُحبّبة سوى في المجرّات اللامرئية، فهذه الحضارة لن تنيده بعد الآن ويا للأسف إلا ساعة الحكم الأخير.
الأنبياء لا ينتمون إلى الأرض، فهم غرباء عنها. النبي هو الهامٌ مباشرٌ من لدنِ الله، لكن عماوة بني البشر تحول دون اعترافهم واقرارهم بأن الأنبياء هم رُسُل الله المقدَّسين. عندئذٍ ينزل الحكم الذي يُدين الخطأة وعديمي الإيمان فيلقى بهم في غياهب الظلمات.
التلفزيون هو بحق الشاهد الأمثل على أعمالنا، ناهيك عن المُتعة التي يقدمها لنا.
نرفع الشكر إلى المجد الإلهي ففيه نجد في هذا المدى المجهول، نجد من لا نهاية له.
عوالمُ الله عديدة جدًّا، مُتنوعة، يختلف واحدها عن الآخر وتنتشر إلى ما لا نهاية مُتدرِّجة بحسب المَنْزِلة الروحية التي يتمتَّع بها كل واحد منها كالمقامات السامية أو تلك المُتدنية منها.
وكلما أمْعَنَّا في التَّسامي يتكشفُ لنا عالم أكثر بهاءً يزدان ويغتني بما لا حصر له من الأنوار والألوان، جاعلاً شراراته المُبهجة تنساب نحو أفضاء غير معروفة. أما تلك الكواكب ذات المستويات المُتدنية فتلزم مواقعها مأخوذة بسحر المجد الإلهيّ، مبهورة بهذه الإشارات الضوئية مُحييةً وجودها، رافعةً الصلاة تمجيدًا لله.
في تلك البقاع المجهولة يتركز العديد من المجرَّات. هناك عالم اسمه ، وفي ناحيةٍ من هذا العالم الفردوس، يطالعك العديد من كرات صغيرة تتألق جمالاً وبهاءً، وكل واحدةٍ منها كنايتة عن نجمٍ نفيس اسمه السماء الفضيَّة. وهو بوضوح أكبر عبارة عن “نموذج بارز التفاصيل يظهر جمال كل واحد من هذه الكواكب.
سكان هذا العالم، فضَّة، لهم الحق في زيارة تلك النماذج وبشروطٍ مُحددة، بغية اكتساب القدرة على تحسين سلوكهم وتصرفاتهم، والطموح لبلوغ فراديس أكثر علوية حيث تكون الثقافة والحضارة أكثر تقدمًا عمّا هي في عوالمهم.
يقيم في هذا الكوكب رئيس ملائكة ينعكس النور السماوي على وجهه وتنتشر ابتسامته البريئة في أملاكٍ قوس قزحيّة وتنعكس في كل مكانٍ، في مياه الشلالات، في الغيوم المُسافرة، أو في الأزهار. ويمكن للرأئي أن يعاين في كل مكانٍ، كما في مرآةٍ، وجه هذا الملاك الباسم، حارس الكوكب، هذا المصطفى الذي يكنُّ له قاطنو هذا العالم الساحر كل الاحترام. كان هذا الملاك يحوّم بفرح فوق الجبال والتلال وهو يوقّع الألحان على القيتارة. وكانت جوقات من المُنشدين تردّد النشيد المقدَّس، والسكان الكثُرُ يؤالفون أصواتهم بانسجام رافعين ايَّاها نحو السيد والغبطة والصفاء يسودان من أفق إلى أفق.
في هذا الفردوس نحتشدُ أصنافاً عديدةٌ من الطيور من كافة الطوائف. البعض منها كبير وتدعى الطيور القيثارة لأن ذيلها يشبه هذه الآله الموسيقية. وانتظمت هذه الطيور حلقةً وراح كل منها يعزف بمنقاره على ذيل الذي أمامه، الذيل الآلة الموسيقية السحرية، مرافقًا بموسيقاه الأناشيد المقدَّسة.
الأشجار المقدَّسة أيضًا مُثقلةٌ بثمارٍ قرمزيّة تشبه الكؤوس، مُترعةٌ باكسير سحري مهيئة لمن يشرب. ويلهو النسيم العليل أثناء مروره بقرع هذه الثمار الكؤوس مُبتكرًا أناشيد ساحرة.
هنا كان ينبغي أن ينشد لامارتين شعره: “أيها الوقت توقف! توقف عن التحليق! وأنت أيتها الساعات، توقفي عن الدوران! وكأني بالشاعر ضنين على هذه الهنيهة الساحرة، لا يريدها أن تنقضي، إذ هل كان يخطر ببال أحد أن هذا العالم المُفعم بالحياة سوف يزول ويتلاشى في الفضاء بغمضة عين؟!
وفي هذا العالم كما في جميع العوالم ارسى الله نظمهِ وقوانينه. فالأرض لُعِنَت بسبب التفاحة! ومَن مِنَ الكائنات لا يعرف قصة آدم وحواء؟ والعالم الذي تحدثنا عنه تلقى أوامر الله وعليه الانصياع لمشيئته وسلطته. فالنظام هو النظام وإن اختلف من عالم إلى آخر بحكم انتمائه إلى كل كوكب.
وتفتحت النجمة الزهرة وازدادت جمالاً وروعة وراحت تنشر ألق شراراتها في كل صوب. وكان رئيس الملائكة ساهرًا على أملاكه وحريصًا على سعادته الدائمة، وكان يُحلق مرتديًا الأوراق الخضراء من جهة والحمراء من جهتها الأخرى، وجناحًاه الكبيران المُنبسطان والمُزينتان بهذه الأوراق كانا يخفقان على ايقاع الأناشيد حفيفهما كان بلوريًا شبيهًا برنين الأجراس. الأجنحة الخضراء على هذا الفردوس، المُفضضة والعريقة باتت خالدة غير فانية، وكل واحد منها كان ينعم بعطيّة سحرية هي عبارة عن مفتاح يفتح باب احدى الكرات الصغيرة الجميلة التي هي عبارة عن نفس أحد النجوم النفيسة.
ويوزع الملاك أوراقه الناعمة كريش الطيور يكافئُ بها أولئك الذين أتوا وصايا الله، فمن كان اكثر استحقاقًا يقطف الاخضرار الفضي الذي يزهر ويُينع في ربيع دائم. أما المُقيمون الفرحون الذين استحقوا ونالوا سعادة كبرى فيقومون بزيارة النماذج الصغيرة المُتألقة بالأنوار والتي، كما سبق وقلت، تمثل السماوات الأكبر سموًّا. والأوراق الفضية كانت بمثابة بطاقات دخول إلى الكرات النماذج حتى يتسنَّى لمن يدخلها التعرُّف بشكلٍ مُعمّقٍ على العوالم العلويّة.
غير أنه كان هناك بين النماذج العديدة لهذه الكواكب المشهورة فلكٌ كرويٌ لا يستطيع أن يدع أسراره تتسرَّب إلى الخارج، فأمر الله جاء كالتالي:
“حذارِ، حذارِ! ما بداخل هذا النجم لا يجب أن يظهر للعيان، فهنا يحتجب سرٌّ مقدَّس ينبغي ألا يكشف لفردوسكم”.
وقال الله أيضًا:
يا رئيس الملائكة، آمرك ألا توزع الأوراق، بطاقات الدخول إلى هذا الكوكب فتلاحقك لعنتي إلى الأبد، من جيلٍ إلى جيل إذا عصيت أوامري.
هكذا كان يمضي هذا النجم حياته مُتنعمًا بهناءٍ دائمٍ. وكان رئيس الملائكة يسيِّر أمور دياره بورعٍ وحميّةٍ ساكبًا فيها ألق النقاوة والطهر إلى اليوم الذي تملَّكه فيه الزهوُ والتكبّر فملآ قلبه بمُنْتهئ الخبث، فظنَّ نفسه السيد الوحيد الفريد في هذه الديار السماوية، فأسقطه كبرياؤه في الأعماق السحيقة لأنه تجرأ ووزع الأوراق الفضية على مُختاريه ليتمكَّنوا من زيارة النجم المحظور.
ودقَّت ساعة الهلاك وتوقفت نيرات الله عن التألق والبريق دلالةً على الحزن والحداد، وأظلمت السماء لأن كارثة وقعت.
وصدر عقاب الله! وفي اللحظة عينها تحوّل الملاك الجميل إلى شجرةٍ شيطان خبيثٍ وغرست جذورها في أسفل الظلمات وشقّ راسها ثرى أرضنا. وأضحى المال ثمر هذه الشجرة الشيطان. المال أضحى ربًّا لقاطني كوكب الأرض.
وكان المُحتكرون والبخلاءُ المُقترون ينزلون بعد موتهم عند هذا الشيطان الذي يمدَّهم بالمال إلى ما لا نهاية.
إلا أن المال هذه المرَّة لم يعد سوى أوراقٍ من نارٍ تحرق أياديهم.
وفي ذروة غضبه، أسقط الله هذا الكوكب من دياره واستنارت السماوات من جديد. وولد المال على الأرض بليةً من الشيطان الذي كان ملاكًا وسقط. هذا يذكرنا بواحدٍ من أشعار فيكتور هوغو:
الإنسان إلهٌ ساقط ما زال يتذكَّر السماوات.
إلهي، مما تكوّن هذا العملاق؟ أمِنَ الفولاذ، من الذهب، من النار المتوهِّجة، أم هو سرٌّ من أسرار الغيب؟
واقفٌ هو هناك في زرقة السماوات البعيدة، مُشبك الذراعين، ساقاه مُثبتتان عمودٍيتان ووجهه عابس. إنه هائل الضخامة فهو يحجب جزءًا واسعًا من السماء ويطوي جميع المجرَّات في أحضانه وهو مُرتبط بما لا يحصى من النجوم التي صارت حلّةً له. جيرانه يصيبهم الخجل والهول من ضخامته الهائلة ومنكبيه العريضين، فهو يختزن قوَّة لا حدود لها تفوق إلى حدٍّ بعيدٍ قوة جميع شماسنة الأرض، فقوته نابعة مباشرة من لدن الله.
هذا الكولوسوس الهائل هو السايكلوب. لقد ارتضى في الأزنة القديمة أن يخسر إحدى عينيه وهو يخوض إحدى المعارك المشهودة ضد طائفة كبيرة من كائنات العوالم الجحيميَّة الفالتة من عقالها مُهاجمة جماعة من الكواكب العلوية.
قصّة هذا المارد مُدونة في السجلات السماوية، فهذا الكائن غير المألوف ينتمي إلى سلالة سماوية محظورة وهو يدافع دائمًا عن قضايا الخير وهو فخور بموطنه.
لم تعد خسارته لعينة تؤذيه أو تزعجه على الإطلاق، فهو يمتلك كل أسرار الكواكب التي لا تحجب عنه أي لغزٍ من عالم الماورائيات. وفيما هو ينتظر استعادة عينه، وهبه الله عينًا أخرى. ويحظى هذا المارد باحترام جميع من هم في محيطه الاحترام اللائق بمرتبته، فهو ككل النجوم يتألق ويتوهَّج ويسحر بجماله. وإذا ما أومأ باصبعه الصغير تتقدم الكواكب المجاورة نحوه لتتلقّى منه أوامره. هذا الهرقل الشديد البُّعد، المُقيم على الذرى السماوية هو حاكم على احدى الممالك الإلهية وهو يمضي ليلة ساهرة ونهاره. إنه ينتظر، لكن ماذا يا ترى؟ إنه ينتظر عينه التي ينبغي أن تُعاد إليه مهما كلَّف الأمر.
خلال الحرب التي شنها هذا المقدام على الأشرار قام أحد الشياطين الملعونين باقتلاع عينه بأسنان فدراته فبرزت العين الهائلة الكبر من محجرها دون أن تتمزق أو تفقأ، وبالرغم من ذلك أعجب المارد بإنجاز الشيطان. هكذا كان ينبغي أن يحصل الأمر. هو يكتم أسراراً يجهلها الجميع، ففي ذلك اليوم المشهود كانت الفراديس السماوية حاضرة تشهد هذه الحادثة الأليمة مقطوعة الأنفاس. فقد جاءت جميعها لتهنئة ماردها الذي تسميه الأب والحارس. فانتصار هذا الكولوسوس ملأ الأكوان بالأنوار التي راحت تتألق منذ ذلك الحين نأشرة ألقها في كل مكان وهي تُقيم الأعياد للخالق المُبدع. لقد أصبحت العين كوكبًا نجميًّا تملأه النيران والأنوار، وراح يتهاوى وخلال سقوطه راح يطلق البروق والرعود، فتوهجت قبّة الفلك والتهبت، فكان العين المزودة بجميع مزايا وقدرات مالكها راحت تتهاوى من عالم إلى آخر، من صخرٍ إلى صخر ومن وادٍ إلى واد. كانت تتنطّط كالكرة وتجتاز المسافات مُسرعةً كالنيازك والشهب. وصار لها جناحان. عندها استقرت فوق عالمنا وراحت تحلِّق حوله باسطة جناحيها المُتعاظمين وغطت بهما العالم الأرضي. هذه العين ذات النظر الثاقب، الحاد، أطلقت السنةً من اللهب، وكالشمس نشرت أشتعتها في كل مكانٍ مسجِّلة ومدوّنة ما يدور على أرضنا من أحداث. وبمساعدة موجات سحريّة خارقة، صارت ترسل تسجيلاتها إلى المارد الهائل عن الأفعال الشائنة والجرائم التي يرتكبها الأشرار الفالتون من عقالهم، هؤلاء الذين تسببوا بسقوط العين السحرية سينالون العقاب المناسب لخطاياهم.
كان الخطأة يريدون إيذاء هذا الكولوسوس أكثر بفقئهم عينه، لكنهم وقفوا ضحيّة لمكرهم وكيدهم، فعدالة الله راسخة لا تتزعزع، وانتشر غضب العملاق بالغًا المجريات والكواكب؛ كان المارد مزودًا بقوة الهيّة وكان مُكلّفًا ببسط العدالة الإلهيّة في كل مكانٍ، ساحقًا قدرة الشر وجاعلاً المصائب تنهمر وتنزل بهم؛ كان ذلك عقاب الله.
العين السحرية أصبحت الآن مُستعدّة للعودة إلى محجرها الذي هجرته طائعة منذ بداية الأزمنة. عندئذٍ سيقوم الكولوسوس الإلهيّ المُنتصر بجمع فراديس الله كلها جاعلاً منها فردوسًا واحدًا وعالمًا واحدًا. عندها يمجدون الله بصوت واحد.
كم هي جميلة كلمة حُلم!
يأخذنا النوم كما في مركبة سابحة نحو بلد الأحلام. أهو يا ترى ارتحال نحو عالم الخيال؟
حاول فلاسفة كثير أن يبيّنوا مدلول الأحلام، لكن أحدًا لم يتمكّن فعلاً من الإضاءة على هذا الموضوع الدقيق وتوضيحه، فما زال أصل الأحلام ومصدرها مجهولين لدينا.
أحلامنا متنوعة: منها ما هو ساحر مُفرح ومنها ما هو بسيط ساذج، وأخرى هي كوابيس مُرعبة. ألا تأخذنا العاطفة والرقَّة غالباً عندما نرى الأطفال يضحكون وهم نائمون ألا يكونون ربما يحلمون بملائكة صغار ويتبادلون الابتسامات معهم؟
في إحدى الليالي الهادئة، الصافية التي كانت ترصِّعها النجوم ويتوِّجها قمر بدر
وكنت أنا اتملأها من نافذتي، وأتأمل وأفكر في المجد الإلهيّ، وأغوص في شتى الأفكار ومن بينها الحلم، وإذ أعجبتني نجمة بعيدة. كانت تتألق وتومض. “ترى، قلت في نفسي، ” هل يحملني إليها أحد الأحلام؟”
راح النعاس يُداعب أجفاني فأستغرقت في نوم عميق. ورأيتني فجأةً أتسلق سلّمًا ذهبيًا وأرتقي درجاته بسهولة وبدون جهد. ها أنا أتقدم أكثر فأكثر. كم هي عالية؟! وبلغت أخيرًا نهاية مساري. هناك غمرتني شمس رائعة بأنوارها وحملتني غيمة على شكل نسر عملاق على جناحيها وحلقت بي نحو عالم مجهول. أخذتُ بسحرِ كل ما كان يحيط بي. كانت الغيوم بألوان قوس قزح تحفُّ ونحن مُحلِّقين، وتتحول وتتشكل كما يحلو لها، حدائق تارةً أو زهورًا أو حتى باقة منوّعة من الحيوان. كنا ونحن نحلّق في الفضاء نقضم بتلذّذ واشتهاء ثمرات الغيوم المُتحوِّل إلى أشجار. وبلغنا كوكبًا أحمرَ، نجمًا متوهجًا، لاهبًا هائل الضخامة يسدّ أمامنا الآفاق. كان لهذا الكوكب بوابة هائلة مُرصعة بالعديد العديد من الشموس. واانفتحت البوابة عن حورية أخاذة الجمال، كالغزال رشاقة لكنها جدُّ كبيرة.
إنها إلهة رائعة. شعرها المرصَّع بالنجوم ينسدل على كتفيها العاجيتين. وجهها أبيض نقيّ، وعلى وجنتيها مُسحةٌ وردية خفيفة. جبينها كما المرمر الأبيض مُتألق وفي وسطه عين تومض كأنها شمس من الشموس ترسل أشعتها كل لحظة وإلى كل مكان. عين ساحرة البهاء تحيط رموش طويلة تنير الكواكب كما الشمس ويحمل كل رمش في طرفه عينًا صغيرة بلون الماس يكاد لا تُرى، وتستطيل الرموش حسب ارادتها أو تقصر ويمكنها أن تبلغ جميع الكواكب التي تسيّرها هذه الآلهة، فلا يفوتها أو يُخفى عليها شيء.
تقوم الحوريّة الفاتنة بمهمتها بشكل كامل وأنا مأخوذة بجمالها الجذّاب. دعتني الحورية للدخول وهي تبتسم فدخلت وأقفلت الباب الخارجي وقالت:
إسمي حُلُمْ وهذا الكوكب لي، لذا نحن نحمل الاسم نفسه. أنا مسؤولة عن هذا العالم وجميع أحلامه. مملكتي تفوق بأبعادها أبعاد الأرض لا أعرف بكم من المرّات، وأنا أقيم هنا في هذا العالم الساحر.
كنت وأنا أصغي لملكة هذا العالم السحري مأخوذة بما تراه عِيناي من الروائع الموجودة فيه بوفرة. الحدائق تمورُ بالأزهار وبأنواع جمّة من الأغراس المتلألئة الغنية بالألوان. بُحورٌ من الزهور المُتعددة الألوان تنبسط حتى اللانهاية، وترسم العديد من التصاوير والأشكال فتصبح أشبه بلوحة من الفسيفساء الرائع. إنه لَفَنٌ إلهيّ لا قدرة لأرضنا للإتيان بمثيل له. هذه البحار المزهوهرة تعكس ظلالها في القبة السماوية بتلاوين لا عهدة لنا بها. وتروح في لهو كأمواج البحر تقلّدة تموجاتها الرشيقة، ثم بين مدٍّ وجزرٍ تستسلم لاحضان الصفاف الذهبيّة الباسمة.
وتنبلج الآفاق غير المرئية عن حزم أنوار برّاقة شبيهة بعقارب الساعة تدور لترسم التحيّة والسلام.
ويحوّم ملائكة صغار فوق مروج الزهر، ويتمسّكون بجذوع تحمل على رؤوسها ورودًا مُتفتحة على شكل مظلاَّتٍ يتساقط منها رذاذ لا ينضب من العطور الفوّاحة يستحمّ برحيقها الملائكة الصغار.
أفواج من الطيور الفردوسيّة تردّد ترانيم علوية وأشجار أوراقها من زمرّد تنحني لثقل حملها من الثمار القرمزية الغنية بالعصائر الشهية، وذات الفضائل المقدّسة. وتتناهى إلى أسماعنا موسيقى عذبة لا نعرف من أين فتزيد من روعة هذه الأماكن الخلابة الساحرة.
وأنا أحلم، بلا، أولست في عالم الأحلام؟
ورحت أعبر فوق فراديس نيّرة دائمة البسمة، وشلالات تسكب مياهها بلون قوس قزح وهي تهمس بموسيقى عذبة. ويأسرنا سحر هذا الجمال الخلاب، وتغمرني الغبطة وتحتضنني، وتنشر فوقنا النجوم الكثيرة ألقها فتملأ به الأرجاء.
كم نحتاج من القرون لا بل بلايين السنين لنتمكن من وصف وتعداد روائع هذا العالم السماوي الذي لا حد له حيث يسود الزهو والآبهة العارمة. إن ما أرويه هو بعض مما حفظته ذاكرتي فقط، لأن غشاوة سحرية حجبت الكثير منه أو جعلتني أنساه وكأنه لم يكن.
لقد سحرتني هذه الزيارة الفردوسية وها أنا أرى النسيم العليل يتلاعب بغشاوة شفافة لا حد لطولها فتموج برشاقة وجمال فتشيح عن مناظر جميلة وحدائق. ومع كل نسمة يتح لي القماش مشاهدة مناظر تتغير وتتبدل وتجعلني أشعر بالذهول.
وتتساوق هذه المناظر بانسجام مع اللمحات المزركشة بشتى أنواع الزهور. وهكذا يحول هذا القماش المتعدِّد القدرات دون استعادة ما لديّ من ذكريات.
عليك الآن الرجوع إلى الأرض، قالت لي الحورية، وأنا ملزمة أن أجعلك تنسين زيارتك في هذا العالم، لأنك إذا اضطررت إلى العيش مع هذه الذكريات، فستصبح حياتك على الأرض كابوسًا جحيميًّا وأنا لا أرضى لك بذلك بل أحب أن تكون بقيّة حياتك على الأرض هانئة.
غير أنني سأبين لك الغاية من وجود هذا العالم والمسؤولية المُلقاة على عاتقي.
إن عالمكم هو جزء من خريطة مجموعة الكواكب التي ما يزال أهلها يحلمون منذ تأسيس العوالم. الحلم هو امتداد لسيّال جذوره في جنتي ويروح يمتدّ نحو النائمين، يروي لهم بعض الحقائق والأحداث ويكشف لهم أحيانًا الآتي من الأيام ويلفت انتباه البعض إلى سلوكهم الشائن يمكن أن يكون الحلم تحذيرًا للإنسان من مخاطر سيتعرض لها. وتكون الأحلام أيضًا كوابيس رهيبة يعشش فيها الذعر الذي ينتاب الإنسان المُستغرق في نومٍ عميق ويصاب بنوباتِ خوفٍ لا يُحتمل.
حقيقة الأحلام غير محدودة. فكلّ إنسان يتلقّى فيها بحسب استحقاقه، فنفس الإنسان المُستغرق في النوم، أو اللاوعي عنده الذي يذهب إلى البعيد البعيد ويجتاز في لحظة من الزمن حياة أخرى في عالم خارجي غير عالمه، ويمكن لهذا الإنسان أن يعمل خيرًا أو يرتكب الإثم في منامه، وسيحكم عليه بحسب الأفعال التي عاشها فعلاً في واحدٍ من العوالم المُتعددة لأن للإنسان سيَّالاتٍ مُتبعثرة في العديد من الدرجات الروحية للعوالم حيث يمكنه أن يقوم بفعل الخير أو الشر.
أنا، باختصار، أشرح لك معرفة سمائي: في الفرح، أقوم بعملي دائمًا بدقةٍ مُتناهية، والله يغمرني بنعمة ويوليني ثقته المقدَّسة.
أنظري إلى حدائق الزهور هذه. هذه المنبسطات من الزنابق والورود ومن العديد غيرها من النبات، فكل وردة منها هي حلم. هناك تسجيل، شريط فيديو، مرتبط بكائن من الكائنات يُقيم على أرضكم أو على كوكب آخر. فإذا قطفت زهرة ووضعتها على واحد من الرموش الذي ليس سوى شعاع من الضوء، تنزلق الزهرة أو الحلم نحو النائم الذي يدخل عالم الحلم عندئذٍ يمكننا طبعًا تشبيه هذا الحلم بشريط الاخبار أو بالأفلام التي تصل اليكم عبر الأقمار التي تبث المعلومات الرئيسية من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، نعم هذا مؤكد.
هكذا يا صديقتي أنا أقتطف الأحلام، أي الأزهار التي تحفظ في نسغها أكبر وأعظم الأسرار. فمنذ بداية الخلق، أنا أرسل الأحلام، بعضها بواسطة الأنبياء الذين غدوا من التاريخ، هذه تحدث البلبلة في العالم، وأخرى ترتبط بميثولوجية العديد من البلدان وتكتسب شهرة واسعة. لقد أنقذت العديد من الأشخاص من براثن الموت بواسطة الأحلام ولطالما حذَّرتُ الرُّسل القديسين من المخاطر التي تحيق بهم فكانت بذلك نجاتهم.
ولطالما كان للأحلام دور هام عبر التاريخ، وأنا أقوم بعملي بكل حكمة وتساعدني في مهمتي الدقيقة ملائكة هذا العالم.
ثم اقتطفت الحورية الحسناء ثمرة قرمزية جميلة قدمتها لي وأمرتني أن أكملها، وهكذا فعلت. كم هي شهية هذه الثمرة ذات المذاق القدسي. وقبّلت الحورية جبيني وقالت:
وعودي الآن إلى موطنك وإلى سريرك فقد انقضى زمن الحلم. آمل أن أراك مجدّدًا في الآتي من الأيام.
لا تنسي، قلت لها. أرسلي لي أحلامًا جميلة وخاصة تلك التي تتصل بنبيِّنا الحبيب المُحتجب عن أنظارنا وقولي له بأننا نمضي أيامنا على أمل دائم بلقياه ورؤيته.
وعادت الغيمة، النسر العظيم، التي حملتني نحو هذه الروائع والجمالات، عادت لتأخذني.
قبَّلتُ الإلهة الساحرة وغادرتها وعيناي مغرورقتان بالدموع. وانفتح الباب العظيم فاعتليت ظهر النسر لأعود إلى موطني ومهجعي.
واستفقت فجأة.
يا اللهّ! لقد أمضيت وقتًا من الأحلام!
لا أعرف إن كان هذا حلمًا أم حقيقة واقعة؟ إنه ارتحال نحو عالم الأحلام!
تُشكل الألوان ودرجاتها موضع إعجابٍ دائم بالنسبة لنا ونتسائل دائمًا عن الغاية من وجودها. فلنحاول التعرُّف على قصتها.
كنتُ مسافرة ذات يوم على مركبة مُجنّحة، وكنت ألاحظ عوالم ملوّنة من الداخل ومن الخارج ملونة.
العالم الأزرق أزرق بكلِّيته. أرضه زرقاء. جباله، مياهه، أزهاره زرقاء، وزرقاء هي طيوره والحيوان. سمفونية من الزرقة تنساب من كل شيء.
وكذلك هو العالم الأصفر، والعالم الأبيض. والعالم الأحمر ما هو إلا شعلة متوهجة بالأحمر.
إنها عوالم من كافة الألوان تتوزع في هذا الجلد، في القبّة الزرقاء حيث تسافر نجوم بعيدة ذات ألوان غير معروفة، تسافر في المتسع السماوي.
ومن مركبتي كنت ارمق تلك الروائع باعجاب، والأرض تبدو لي عديمة الألوان.
ويأتي اله شابٌ ذات يوم من عالمٍ متعدّد الألوان، مُكلفٌ بالعمل على تحسين مصير كوكبنا وإذ يعاين قبحه المُحزن لم يَرَ ما يرضي ناظريه ، كل شيء باهت الالون له، فتتملكه شفقة عارمة لما يراه.
ولأنه أحد أمراء السماء ويرتع في جوٍ من الجمال والروعة تملكت منه فكرة فيها الكثير من النبل، فيتخلَّى عن عالمه الرائع ويختار لنفسه مطيّة رائعة وهي عبارة عن طائر ضخم مضيء ومطيع لسيّده.
وراح يضرب في السماء مُتنقلاً من عالم إلى آخر حيث كان يقابل بحفاوة من حراس تلك العوالم، فأمراء السماء هم ضيوف نادرون ومكرّمون. كان أميرنا هذا يطلب من كل من تلك العوالم شعاعًا من أشعة شمسه، وربما فاتني أن أخبركم أن الشموس هي مصدر الألوان على تلك الكواكب.
كانت تلك النجوم تستجيب بفرح لرغبة هذا الضيف المُبارك. وهكذا عرَّج أميرنا على هذه الشموس الملونة كل منها في عالمها واقتطف منها شعاعات مُتنوعة حتى أثقلت ذراعية حزمة وازنة من تلك الشعاعات.
كان بامكانه أن يجمع المزيد منها لكن العديد من تلك الألوان مجهولة من قبلنا، وما جناه الأمير من الألوان كان أكثر من كافٍ بالنسبة لأرضنا.
وتزيّن الاله الشاب بألوانه المُنيرة وتحوّل إلى قوس قزح جميل، بل قل الأجمل على الإطلاق. ومحبّةً منه للإنسانية غادر هذا الإله السماوات ونزل مُنحدرًا إلى هذا الدرك.
انظروا إليه الآن! إنه مُنهمك في عمله، يوزع كنوزه في عالمنا.
ها هو يدخل غابة مُغمّة مُحزنة فتكتسي بالخضرة وتزهو. ويعبر المُحيطات فترتدي المياه زرقة مُتموجة! ويجتاز المروج التي لا لون لازهارها فتتلون بالأبيض والأحمر، بالأصفر والأزرق والليلكي فتبدو مُتألقة فاتنة.
وتكتسب الجبال العالية مسحات من كمال الألوان وكأن لوح رسام وريشته قد فعلتا فعلهما.
وكلما اكتست الأرض بألوان جديدة، كلما أصاب الإله الشاب مزيد من الوهن والارهاق إلى أن حلَّ اليوم الذي وهب فيه آخر شعاع لديه، فقضى نحبه في حديقة فردوسية. وتحلقت الفراشات والطيور تاجًا حول رأسه وراحت تلثم شعره وجبهته المُهيبة، ثم تزينت هذه الكائنات الصغيرة بما تبقى من جزيئات الألوان العالقة في شعر هذا المُراهق القدّوس. وهكذا اكتسبت هذه الكائنات حُللاً من أبهى الألوان، لأن ما حصلت عليه كان الأجمل على الإطلاق.
وبكت الطبيعة، بعد أن اكتست بأبهى حللها، هذا الإله الشاب الذي أحبها حبًّا جمًّا. عندئذ اقتربت المطيّةُ الرائعة من سيدها وحملته على جناحيها وانطلقت به في طريق العودة لتُرجعه إلى حيث ينتمي.
هكذا ولدت الألوان على هذه الأرض بفضلِ أمير سأطلق عليه بملئ إرادتي اسمُ الأمير قوس قزح.
عندما أُبعِدَ آدم وحواء عن الفراديس، كانت الأرض جرداء بشعة تملاؤها الصخورِ؛ برّية قاحلة لا زرع فيها، لا تنبت شيئًا غير الأشواك المُلتفة على بعضها والمُنتشرة في كل مكان، والأشجار العملاقة المُتداخلة الأغصان وغابات كثيفة قاتمة تمتدُّ حتى الأفق، وطوائف من الأزهار غير المُبهجة والتي لا رائحة لها وتتداخل شاهرة أشواكها المُخيفة.
وهكذا كانت الطبيعة عندما حلّ آدم وحوّاء في هذا العالم غير المضياف فهما لم يؤمّاه إلا للتكفير عن غلطهما. ويا للأسف، قد كانت الخطيئة رفيقة لهما.
كان آدم وحوّاء من حين إلى حين يقصّان ذكرياتهما على أولادهما مُعيدين إحياءَ فراديس الأزمنة الماضية الرائعة في ذاكرتهما. وذلك لا يعدو كونه حلمًا.
يخبرانهما عما كان يقتاتان به من أصناف الثمار اللذيذة العطرة، وعن الزهور الرائعة التي تملأ جنَّات عدنٍ بعطرها وأريجها، فكؤوسها كانت تفيض بالعطور الذكية التي كانت تنتشر في سماء ذلك العالم الفردوسيّ البعيد. وكان ممّا لا يزال عالقاً في ذاكرة آدم من الذكريات الجميلة، نبتة بادرة يفوح منها أريج علويٌّ ساحر كانت على مدى يومه ترفع إلى العليّ بخور صلاته.
كان آدم يُجهش بالبكاء عندما كان يقصُّ على أولاده ذكريات ماضية. كان تعيسًا بائسًا لأنه كان سبب مُعاناتهم وحرمانهم. الفردوس ما يزال حاضراً في قلبه، والحق يقال، والأرض جحيمية. ثمارها وأزهارها عديمة الرائحة ولا وجود لايّة عطور. كان آدم وحواء يموتان حزنًا وندمًا على الأيام الخوالي ويمرُ الآلاف من السنين على هذا المنوال.
وتخطر الأرض وبنو البشر ببال الله في يوم من الأيام، فيرسل لهم رسولاً يرشدهم ويوجههم، فكان عرضة للعذابات ومع كونه إبنًا للسماء فقد كان بائسًا وموضع اهمال، غارقاً في وحول الأرض ومرارات الحياة عليها. كان دائمًا يحنُّ إلى كوكبه حيث أصدقاؤه الأعزاء، وخاصة تلك الحورية التي كان يحبها حبًا عظيمًا. كان يناديها خلال نومه وهي كانت حاضرة في أفكاره وفي أحلامه. وكانت تتألم لغياب حبيبها وترنو إليه من سماءها وتبكي هذا الكائن العزيز راغبة بكل جوارحها أن تلتقي به وتواسيه.
كانت تطلب نعمة الانضمام إليه، غير أنَّ ملكة عالمها جعلتها تعاين الصعوبات والشقاءات التي سيترتب عليها أن تتحملها وتعاني منها على الأرض. غير أنها لم ترد أن تسمع صوت العقل والحقيقة فهي مستعدة لتحمل كل شيء لتكون بجانب معبودها الحبيب.
وتمكنت في النهاية من الحصول على منيتها ومُبتغاها، وأرادت أن تتزود بهدية تحملها له معها، فحاكت لها الطيور من أرياشها سلة كبيرة رائعة، فجمعت الحورية أنواعًا كثيرة من الأزهار التي لم تكن قد تفتحت بعد والتي تختزن بداخلها عطورًا سماويةً رائعة، عذبة الأريج، ورتبتها بتأنٍ داخل السلة، وألقت تحية الوداع على أخواتها وهبطت صوب الحبيب. كان الشفق ينير بطلبانة وجهه الأبهيَّ وهو نائم.
وجثت الحورية أمام الهها الشاب المُستغرق في النوم، وتناولت الأزهار التي ما تزال مختومة اكمامها وراحت تنثرها حوله. وما أن لمسته هذه الأزهار حتى تفتحت ناشرة عليه عبقها وعطورها الخفية.
وفاحت العطور ذات الروائح الناعمة وراحت تتخذ لنفسها مساكنًا في العديد من أزهار الأرض وثمارها مانحة كلاً منها أريجًا خاصًا. وهكذا صار لأزهارنا وثمارنا عطورٌ وروائح والفضل يعود لحورية النجوم ورسول السماء.
كانت الحورية ربة جمال، عشتروتًا لازمت أدونيسها الحبيب الى الأبد.
والآن يمكنك يا آدم أن تفرح وأن تنعم في كوكبك بمشاهدة أزهار نسلك وثمارهم. إنها سببُ عزاءٍ وعربون أمل.
أنا أعرف يا أبَ بني الإنسان بأن ذلك كان هديّة تستثيرها أنت بنفسك كذكرى من الفردوس. ولنمجد الله المُبدع من أجل أزهاره وثماره ولنبارك طيبته اللامتناهية.
موطني هو الصحراء أٌقيمُ فيها بالقرب من احدى الواحات حيث ترتفع في المشهد الصحراوي بضع أشجار نخيل ممشوقة وأنيقة، باسطة ظلَّها على التربة السمراء، وجذوعها المُستقيمة تنحني أحيانًا تحت تأثير الريح الشرسة التي تقسو على الأشجار وتدفعها على هواها.
أنا، حبّة الرمل، أقبع مُستريحة تحت ظلال أوراقها الخضراء، بالقرب من المياه التي تتمّري الشمس الحارقة على صفحتها، وتلفّني الحرارة بنيرانها وتجعلني شبه فاقدة للحياة، مُلقاة هناك بلا حراك على الرمال المُحرقة.
وفجأة تهبُّ موجة من الرمال وترتفع دوامة، وفي غمرة ذلك تدخل حبّة رملٍ مُتناهية في الصغر في عيني وتزعج صحة نظري. وأحاول أن أفرك عيني محاولة أخراجها دون جدوى.
وفجأة تتبدل الأدوار، وعلى الرغم من صغرِ حبّة الرمل التي دخلت في عيني، صرت أرى نفسي أنني أنا في داخلها، مُندمجةً فيها فبتنًا نشكِّل كلانا كائنًا واحدًا.
ذُهلت لهذه الظاهرة فلا مجال لمقارنة نفسي بحبَّة الرمل الصغيرة هذه فحجمي أكبر بمليارات من المرات.
وبالرغم من ذلك أنا أقوم بزيارة هذه الحبة من الرمل، وهذا الجسم المُتناهي في الصغر. ومع ذلك فأنا أشعر كأنني عملاق قابع في عالمٍ مُتناهٍ في الصغر.
أنني لاأتساءل كيف أمكني الولوج إلى داخل حبَّة الرمل الصغيرة هذه! لكن هل في هذه الحياة جواب لكل سؤال؟ وبالرغم من حالتي هذه وأنا داخل هذه الكرة الصغيرة فأنا لا أشعر أبدًا أنني مُختلفة عن سابق عهدي.
حبَّة الرمل هي عالمٌ قائمٌ بذاته كعالمنا. هي شبيهة بأرضنا، فيها الجبال والوديان، فيها المُحيطات والبحار.
فيها المروج واللوحات الطبيعية التي لا حدَّ لها. كوكبٌ أرضيّ قائم بذاته بداخلها. شمسٌ لاهبة تنيرها. قمر ونجوم تضيء لياليها. مٌحيطات تباعد ما بين القارات فيها. ومركبات مُجنَّحة تسافر، تنقل الناس بين أطراف البلاد. سكانها يملكون آليات مُتطورة كآلياتنا.
ما هذا اللغز؟ عالم قائم بذاته داخل حبَّة من الرمل أوليست أرضنا حبة رمل بنظر الإله؟ هي ملك له ككثيرات غيرها. إنني أسجد وأخشع أمام هذه القدرة الإلهية.
كل حبَّة من الرمل هي عالم لله, كان منذ ابتداء الأزمنة وفيه ما لا عدّ له من النجوم.
أرضنا حبّة رمل في هذا الكون السرمدي. وبالنسبة لله، المُتناهي في الصغر يصبح الأكبر، والأكبر يغدو صغيرًا. جميع الكواكب يديرها سيدٌ واحد، وبأمرٍ منه تصبح نفس غاية في الصغر كحبَّة من الرمل لتعود فتصبح هائلة بالكبر والضخامة، كما الكوكب. إنه لغز منذ الأزل.
وأعود لنفسي فأراني ما زلت في ظلال نخلة، مُحاطة بكثبان ٍمن الرمل، وضفائر شعري مُغطاة بالشمس اللاهبة. أنا أفهم اذن أن الله هو لا متناهي اللامنتهى.
حكايات زينة
حكاياتٌ فريدة في رؤية فكريَّة مُذهلة، ترى فيها أصلُ الأشياء الكامنة في ذاكرة الزَّمن السحيق، هي مُختبرلٌ سرديٌّ يربط مصير الأشياء بجذورها.
أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.
الدكتور داهش








