جريمة القرن العشرين
في 4 كانون الثاني سنة 1948 ، نشرت جريدة “الحياة ” البيروتية ، وبعض الصحف اللبنانية الأخرى نبوءة للدكتور داهش ، مفادُها أنّ بيروت ستحترق بالكبريت والنار ، وأنّ الخراب سيعمّ لبنان من أقصاه إلى أقصاه ، وذلك نتيجة لاضطهاد الدولة لمؤسّس الرسالة الداهشية ، وسكوت الشعب الممثّل بنوابه وقضاته وأدبائه وصحافييه عن هذه الجريمة .
ولأنّ أبعاد هذه النبوءة الرهيبة تخطت منطق المراقبين ، وناقضَتْ رغبات الظالمين والطامعين ، فقد وقفت الصحافة منها موقف الساخر .1
كتب الدكتور داهش في 1 كانون الثاني 1948, قطعةً تضمّنت نبوءته وعنْونَها :
الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروّع
إذ سأبطش بهم بطشاً عنيفاً وافترسهم افتراساً
تهديدٌ مزلزلٌ ومُبيد
بلسان مارس إله الحرب
عندما تدقّ ساعة الحساب الرهيبة ،
سأدقّ أعناق المجرمين الوصوليين دقّاً هائلاً
وسأمزّق قلوبهم المفعمة بالجرائم تمزيقاً مروّعاً ،
وسأمزج الصاب والغسلين المريرين الكريهين مذاقاً ، وأسكبهما في أفواههم التي لا تنطق إلاّ بالكذب الشائن والأفك المبين
وإنّني أقسم ، غير حانث ، بأنّي سأنكّل تنكيلاً مخيفاً
بكلّ من تدخّل في هذه الجريمة الوحشية المُنْكَرَة المستنكرة ،
جريمة تجريد مؤسّس الداهشية من جنسيّته اللبنانية بالظلم والعدوان .
وسأهرق الدماء الغزيرة من عيونهم
الجاحظة هلعاً ورعباً من يوم الهول ، عوضاً عن الدموع .
وستخيّم سحب الهموم ،
وتتكاثف جيوش الغموم ،
معسكرةً فوق ربوعهم الخَرِبة ، إذْ سيدمّرها انتقامي الهائل تدميراً عاصفاً
إنّ ساعة الانتقام لا شكّ زاحفة وستنقض كالصاعقة المُردّمة فلا تبقي ولا تذَر .
نعم ، إنّ ساعة الحساب تدنو ،
ومَنْ زرع جريمةً فسيحصد فناءً تامّاً ،
وهذا عدلٌ وحقّ.
فيا ساعة ( الانتقام ) هيّا أسرعي ،
كي أذيق المجرمين ما يستحقّونه من أفدح الآلام الصارخة ،
ممّا سيسجّله القدر بأحرفه النارية ،
فيخلد هذا الانتقام المخيف ما خلد الزمان،
وتدوّن بطون التواريخ أنباء هذا ( الانتقام ) المرعب ،
كعبرةٍ خالدة على مرّ الدهور وكرّ العصور .
وسيقرأها الوصوليّون الأذلاّء والظالمون للأبرياء ،
فتهلع قلوبهم ، وترتجف ركبهم ، وتصطكّ أسنانهم ،
من هول الانتقام العادل .
إيه يا يوم الانتقام الحبيب على فؤادي،
لأنت البلسم الشافي لأتعاب روحي القلِقة
من طول الانتظار لذلك اليوم العصيب على أعدائه الرعاديد.
أسْرِع أسْرِع لأزلزلهم ،
أسْرِع لأقوّضهم ، وأجعل عامرهم بلقعاً خراباً ، وقفراً يباباً، وأصوّح ديارهم ، وأدكّها دكّاً ، وأذرّها رماداً.
وستتمّ هذه النبوءة الرهيبة المخيفة الأحداث المقوّضة
في عام ١٩٧٥ والأعوام التي تلي هذا العام المزلزل.
إذْ ستندلع الحرب اللبنانيّة . فلا تبقي ولا تذر.2
ويشرح الدكتور داهش أبعاد هذه الجريمة التي ارتُكِبت بحقّه وما تسبّب عنها من ذيولٍ خطيرة كان لبنان بمنأىً عنها لو اتّبع طريق العدل والقانون في كتاب “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية”، الرحلة الرابعة عشر:
جريمة القرن العشرين
إنَّ الله يُمهل ولا يُهمل. فها قد نالت البلاد ونال الشعب ما استحقّ، ولكن بحقًّ وعدالة تامّيْن .
فارتكاب الجريمة الهائلة بحقّ داهش ـ وهو بريء – دون أن يرتفع صوتٌ واحد لشجبها وزجْر مرتكبيها ، لا من وزير ولا نائبٍ ولا صحافيّ ولا مسؤول، ليبرهن أن الشعب اللبناني غير جدير بالحياة إطلاقاً .
وقد بُحَّ صوت الأستاذ الشاعر الداهشي حليم دموس وهو ينادي بصوته الجهوريّ شعب لبنان، محذّراً إيّاه ممّا سيلاقيه من ويلاتٍ قادمة، من ذبح وتدمير وتهجير وتشريد وتيتيم وهَتْك أعراض وسلب أموال إلخ إلخ … فإذا بالصحافة تضحك ملء شدقيها، وتنعته بالشاعر الفاقد لعقله، وتتّهمه بأنّ داهش قد سلب لُبّه، ولهذا يجب إدخال دمّوس إلى مستشفى المجانين، فهو مكانه الواجب. والشعب هزأ منه أيضاً، وضحك ملء شدقيه، مثلما سبق أن هزأ الشعب أيضاً بنوح إذ أنذرهم بالطوفان الداهم، وهو يبتني فلكه، فكان الجمهور يذهب حيث يعمل بفلكه، ويرجمه بالحجارة ساخراً منه. وأخيراً، دقّت ساعة الحساب، فحدث الطوفان وفني الشعب على بكرة أبيه، ولم يبق حيّاً سوى نوح وأفراد عائلته .
وهكذا تلقّى حليم إنذاراً روحياً من داهش، وأُوعز إليه بضرورة تبليغه الشعب اللبناني ، فتهكّموا عليه تهكّماً ذريعاً حتى دنت ساعة العقاب، فإذا بالجزاء ينصبّ أهوالاً مدمّرة على الشعب الذي تمزّق شذر مذر، وتبدّد أيدي سبأ. نعم، لقد تشرّد الشعب تحت كل كوكب، ومن أمواله تجرّد، والأمّهات أصبحن ثكالى، والفتيات اعتُدي على شرفهنّ، والشبّان ذُبحوا ومُثِّل بجثثهم، والعمران أصبح دماراً … والعياذ بالله !
فلو وُجد شخصٌ واحد دافع عن داهش البريء لما ذاق الشعب اللبناني هذه الأهوال التي تدكّ الجبال وتدمّرها، وتعصف بالمدن وتفكّكها ، فتجعلها بلقعاً خراباً وقفراً يباباً .
فهل نسيتم أنّ لوط رجا الملاك قائلا له : “أنت تقول عني إنني صالح ، فلأجل صلاحي أطلب منك أن تعفو عن المدينة إذا وجد فيها ١٠٠
صالح”.. فأجابه الملاك : “لا يوجد هذا العدد” . ، وجعل لوط ينزل العدد، فقال للملاك : “اعفُ عن المدينة لأجل ۹۰” فأجابه الملاك : “هذا العدد غير موجود أيضاً “. ، واستمرّ لوط يُنزل العدد : ٨٠ – ٧٠ – ٦٠ إلخ … حتّى أعلمه الملاك قائلاً: “ليس من صالحٍ سواك، فاخرج من المدينة، فقد
حانت ساعة رجمها بالنار والكبريت وفنائها مع قاطنيها الأشرار، ودكّها دكّاً، وجعل سافلها عاليها”.
وبخروج لوط منها، انصبّ غضب الله فوقها نيراناً ملتهبة أفنتْها. وهكذا دمّرت مدينتا سادوم وعامورة الشرّيرتان، وبقي اسماهما عنواناً للشر وميداناً للجريمة.
وهذا ما حصل في بيروت ولبنان، فإنّه لم يوجد رجلٌ واحد دافع عن مؤسّس العقيدة الداهشية؛ فنالوا جزاءهم الرهيب. ومن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره، ومن يرتكب الشرّ فالشرّ يفنيه.”3
1: كتاب “مدخل الى الداهشية ” الدكتور غازي براكس، ص.42.
2: كتاب “أفراحٌ وأتراح”، الدكتور داهش، ص. 87-88.
3: كتاب ” الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية “، الرحلة الرابعة عشر، ص. 58-60.
إضطهاد الدكتور داهش
لكن أن يكونَ الخصمُ نبيَّاً، يُشعلُ بنوره الفطرة والحقّ، يُبددُ ظلام الجهل في ليلِ الشَّك، يُطلُّ كالفجر المُتجسِّد من صميم العتمة، يُشرقُ من ذاته نوراً يُضيءُ الحقيقة المتألقة دوماً في جوهر الوجود، يهزُّ البُنى العميقة للإدراك ويَمْلىء النُّفوس قدرةً على المعرفة الكونيَّة.
منذ فجر الخليقة حتى اليوم و الفضيلة ما تزال تائهة في منعطفات هذا العالم، دون ان تجد المكان الذي تحط فيه رحالها، و عبثاً سيكون جولانها، لأن الفضيلة لا تستطيع أن تحيا في هذه الأرض الرجسة.
الدكتور داهش








