العودة الى المُطلق

أُسس العقيدة الداهشيَّة

الحقُّ أحقَّ أنْ يُقال

يقول يسوعُ الناصريُّ: “لا تظنُّوا أنِّي أَتيتُ لأَنقضَ الناموس أو الأنبـياء، إنِّي لم آتِ لأَنقضَ لكن لأُتمِّم،” (متّى 5: 17) هو نفسه قال أيضًا لتلاميذه: “إنَّ عندي كثيرًا أقولُه لكم، لكنَّكم لا تُطيقون حَمْلَه الآن. ولكن متى جاءَ ذاك روحُ الحقّ، فهو يُرشدُكم إلى الحقِّ جميعًا، لأَنَّه لا يتكلَّم من عنده بل يتكلَّم بكلِّ ما يسمع ويُخبرُكم بما يأْتي.” (يوحنّا 16: 12-13)

ثالثًا عوالمُ الفراديس

أسرار الموت والحياة

وشعرت بالنعاس يسيطر عليّ ، فذهبت الى فراشي واستسلمت للنوم . واذاني أجوس عالمه البهيّ وأرود فردوسه الخلاّب.

ورحت أتجوّل في غاب سحريّ أزهاره عجيبة ، ومياهه نميرة ، وأشجاره الباسقة تغرّد عليها الأطيار الملوّنة ، فتشفّ الأسماع ، وتطرب الآذان .

وجلست أمام بحيرة ماؤها فرات عذب . وكان الفراش الملوّن يحزم حول الأزهار العجيبة اللألوان ، وضوعها يملأ الأرجاء فيحيلها لحلم خياليّ عجيب .

كنت أستظلّ فيء الأشجار المهدلّة الأغصان البادية الفتنة الخلاّبة . وكنت مسحورا بما أشاهده من مفاتن الغنيّة في هذا الفردوس البهيّ . واذاني أسمع حفيفا خفيفا ، ثم تضوّع عبق محي فرحت أتنسّمه بشوق عظيم . واذاني أشاهد حوريّة حوراء مقبلة نحوي والبسمة العذبة تعلو شفتيها . لقد بهرني جمالها ، واستولى حسنها على كياني ، فذهلت لرؤيتها . ونهضت أحيّيها ، والوجل عقد لساني ، فما استطعت التفوّه بكلمة . كنت ممغنطا أمعن النظر بذهول مأخوذ بجمالها الفردوسي وأنوثتها التي لا مثيل لها .

وتحدّثت إليّ …

وكان صوتها كترجيع صدح كناريّ الفردوس الأخّاد ،

وسجدت أمامها ، فأمسكت بيدي وأنهضتني قائلة لي :

السجود لله ، أيّها الحبيب القادم لفردوسي .

وتلجلج صوتي وخرج خافتا من صدري :

ومن تكونين أيّتها الالهة المتجسّدة ؟

أنا لست الهة ، انني فتاة أحيا في عالم الفردوس البهيّ ،

اذ أوصلت سيّالي لأوجد فيه .

وأنت من اصطفتك روحي .

وكنت أنتظر وصولك بشوق عظيم .

وها قد بلغت عالمي الذي فيه بتّ أقيم .

يا الله ! ماذا أسمع ؟ ! أحقّا أنت حبيبتي المرجّاة ؟ !

هل أنت فتاة أحلامي ومحطّ رحالي ؟!

أأنت من كنت أناجيها دون أن أراها ؟!

أأنت من كنت أشعر بأنني سألتقيها يوما ما ؟!

أأنت من هي بغيتي المفدّاة وطلبتي الخفيّة ؟!

أأنت هي من خفق قلبي بحبّها العظيم ؟!

يا الله ! انّ سعادتي الهائلة ستوردني موارد التهلكة !

فما كانت تتمنّاه روحي قد تحقّق الآن !

وفتح ذراعيه وضمّها الى صدره الولهان ،

ووضع شفتيه على شفتيها وقبّلها بجنون عارم ،

وبادلته حبّا بحبّ ، ولوعة الضرام والجوى ترافقهما .

كم مكثا متضامّين ، وكم بقيا متعانقين …

هذا علمه عند الله واهب الحياة وباعث الحبّ الدفين .

ومضت الأيّام ، وتصرّمت الأسابيع ، وفنيت الشهور …

ثم تتالت الأعوام متتابعة متلاصقة …

وكان الحبّ يزداد اشتعالا

والغرام يزيد ضرامه ضراما .

جوداميا ، يا أحبّ نساء الفراديس الى قلبي ،

انّ حبّك قد سرى في عروقي ممتزجا بدمائي

فليتني أستطيع منحك السعادة التي منحتني ايّاها .

أنت قيثارتي التي أعزف عليها آيات حبّي العميق .

فسعادتك تسعدني ، وشقاؤك يميتني ويفنيني .

فيا أمنية روحي ، أنا أنت وأنت أنا ، وبك نلت المنى .

وأثمر هذا الحبّ الأسطوريّ غادة غيداء أطلق عليها أبواها اسم راهاديا . وكانت شبيهة بوالدتها ، فيها من السحر الحلال والفتنة الفردوسيّة ما لوالدتها جوداميا .

وكان منزلهم من الورود المخمليّة توشّيها أزهار الفردوس النّضرة ، فمنازل الفردوس تبنى من الأزهار . فالربيع في الفردوس أبديّ .

والشتاء لا يطرق أبواب الفردوس اطلاقا ، والشيخوخة لا تعرف هذا الفردوس ، ولا يمكنها الولوج لهذا العالم الحصين الأمين .

وكلّ سكّان هذا الفردوس سعداء لا يعرفون للهمّ اسما ، ولا تقربهم الأحزان اطلاقا ، فهم سعداء دوما .

وطعامهم من أثمار الفردوس الشهيّة . ففيه من كلّ شجرة توأمان . وما تكاد الأيدي تقتطف الثمار الجنيّة حتى تمتلىء الأغصان ، ثانية ، بها دون أن ينتقص منها ثمرة ما . أمّا أنواع الخضار والبقول العجيبة فحدّث عنها ولا حرج ، فالفردوس عنيّ بها ، وحقوله مملوءة بشتّى الأنواع اللذيذة وهي لا تنضب أبدا .

فكلّ نوع من الأنواع اذا قطف يعود اليها ثانية فورا .

والاخاء يشمل عالم الفردوس بأكمله ، فالجميع عائلة واحدة يسودها الحبّ ويغمرها الولاء الدائم .

هنا لا يعرف الحسد اطلاقا ، والغيرة لا وجود لها في هذا العالم السعيد .

والتكالب على المال لا يعرف في هذا العالم البعيد عن أطماع الأرض الدنيّة . فسعيد من أوصل سيّاله الى هذا العالم الغارق بالبهجات اللانهائية .

جوداميا ، يا حبيبة روحي منذ الأزل ، انّ ابنتنا راهاديا قد أصبحت شابّة مغرية ، ففتنتها مستمدّة منك .

وهي لا تستطيع الاقتران بشابّ من عالم الفردوس ، اذ يجب أن تقترن بمن كان حبيبها بدوره السابق . وهو ما يزال في عالم الأرض ، وحتى الآن ليس لديه سيّال فردوسي يسمح له بولوج عالمنا .

فماذا بوسعنا عمله لنجعل فلذة كبدنا ونتيجة حبّنا سعيدة مثلما سعدت بحبّك العظيم .

سوديام ، يا حبّة قلبي المفدّى ، انّ روحي تتعذّب لأجلها ، فليتها تسعد مثلما سعدت معك . ولكن كيف السبيل الى ذلك ؟

انّ حبيبها وزوجها السابق لم يوصل أيّ سيّال من سيّالاته ، حتى الآن ، ليكون هذا السيّال من درجة الفردوس .

اذا لا يمكنه أن يبلغ فردوسنا في عالم أحلامه اطلاقا ، والاّ لاجتمع معها عندما يحمله الكرى على أجنحته الغدافيّة فيزور عالمنا ، ويمضي معها ساعات ما دام غارقا في نومه ….

ثم يعود الى عالم الأرض ، ثانية ، ناسيا أنه كان برفقة معبودته الوحيدة . كان سوديام مسندا رأسه الى صدر حبيبته جوداميا ، وهو يحدّثها . ثم انقطع عن الحديث فجأة ، فعرفت بأنه سيستيقظ ، واذا استيقظ فانه يجد نفسه بفراشه في عالم الأرض ؛ اذ يعود سيّاله الى جسده ، فورا ، بسرعة النور ، أي 300 ألف كيلومتر بالثانية ، فيستيقظ .

وهالها الأمر ، وقالت بنفسها : لا طاقة لي على الحياة اذا غادرني بمفردي في عالم الفردوس ، لهذا سأقطع بسيف النور المرهف سيّال النوم الأثيري المتّصل بجسده المسجّى بفراشه في عالم الأرض .

واستلّت جوداميا سيف النور الحادّ الشفرين القاطعين ، وأمرّته على السيّال المتّصل بجسده الراقد بفراشه في عالم الأرض ، فاذاه يبتر بترا !

وتأخّر سوديام في نومه ، ودخلت والدته لتوقظه فاذاها تصيح صياح الذعر ، وتولول ولولة الثكالى ، فتذيع نبأ موته . وتدخل شقيقاته الى غرفته ، فاذا هنّ يجدنه جثّة باردة فارقتها الحياة ، فنحن ، وقطّعن شعورهنّ أسى ولوعة على المسجى ، وقد انتقل الى عالم آخر مخلّفا عالم الأرض الغارقة بالشقاء .

وفتح سوديام عينيه ، واذاه يجد نفسه مسندا رأسه الى صدر غادة رائعة المحاسن ، فذهل ذهولا هائلا ، اذ تذكّر أنه كان يحلم بأنه كان يجوس فردوسا زاهرا برفقة فتاة هي عينها التي يشاهد نفسه الآن مغمورا بين زنديها الغضّين البضّين .

وتذكّر أنه حلم بأنه قد عاش معها ردحا من الزمن في جنّة قطوفها دانية ، وأطيارها مغرّدة ، وفتنتها لا توصف .

كما تذكّر أن نتيجة حبّه لجوداميا قد أثمر فتاة ساحرة المحيّا ، وأسماها هو ووالدتها باسم راهاديا .

وكم كان ذهوله هائلا عندما شاهد راهاديا نفسها ، وقد انتصبت أمامه تناديه ، قائلة له :

يا والدي الحبيب ، هل أقتطف لك ثمر الحباجيد ؟

والحباجيد ثمر بحجم التفاح ، حلو المذاق ، لذيذ الطعم ، تكفي حبّة واحدة منه لأن تدع آكلها لا يشعر بالجوع شهرا كاملا .

فهبّ واقفا على قدميه ، والدهشة الهائلة تحيط السوار بالمعصم . وقال :

يا الله ! ماذا أراه ؟! وكيف حدث هذا الأمر العجيب ؟!

أم تراني قد جننت وفقدت عقلي ، وما أراه ليس سوى أضغاث أحلام واهم ! أو أني كالمشاهد للماء في السراب ، بينما لا ماء ولا شيء به يتعلّلون !

وتمتم : لقد حلمت بما أشاهده الآ، حقيقة لا شكّ فيها .

فأعنّي ، يا الهي ، أعنّي على حل هذه الألغاز والمعميّات .

واقتربت جوداميا منه ، وأفهمته بأنه الآن في عالم الفردوس يحيا معها منذ زمن ، وأنّ حبّهما قد أثمر ابنتهما راهاديا ، وأنّ الحلم الذي يراه في عالم الأرض لمدّة دقائق ، يحياه في عالم الفردوس هذا أعواما عديدة وسنين مديدة .

ثم بسطت يدها على جبينه ، ورسمت باصبعها على جبهته نجمة مخمّسة الأضلاع ، وقالت له :

بحق الله ، والنبي الحبيب الهادي ، والشخصيّات الست ، والسيّال العشرين أن ترى جثمانك في عالم الأرض .

واذا به يشاهد منزله الأرضي الذي عاش فيه منذ كان طفلا فيافعا ، فشابّا . وشاهد نفسه مسجّى على السرير الذي رقد عليه عندما حلم حلمه السعيد عن جوداميا ، وشاهد والدته ، وشقيقاته ينحن عليه ، وجمهرة من أصدقائه ومعارفه يحطون بجثمانه .

ثم شاهد عربة الموتى وقد وقفت أمام المنزل ، وأنزلوا منها التابوت ، وأدخلوه الى غرفته ، ثم حملوه وأدخلوه في الصندوق ، وأغلقوه عليه .

وكان هو واقفا بينهم ، فاقترب من والدته وهزّها من يدها ، وقال لها : – ها اني حيّ لم أمت ، فانظريني .

فلم تعره التفاتا . فتركها ، وذهب الى احدى شقيقاته ، ففعل معها مثلما فعل مع والدته ، ولكنها لم تسمع صوته ، بدليل عدم ردّها عليه ، فغادرها لشقيقته الثانية ، وفشل أيضا ، فذهل وتأكّد له أنه غير منظور لجميع من هم بمنزله . ولكنه كان يراهم ، ويسمع أحاديثهم ، ويحاول أن يرفّه عنهم ، ولكنّ محاولاته ذهبت أدراج الرياح .

ورافق جثمانه الى المقبرة …

وصلّى على جثمانه الكاهن ….

وقد أعطي ، بعد انفصام سيّاله عن جسده المعرفة الروحيّة ، فتكشّفت له حقيقة هذا الكاهن الداعر ، اذ عرف أنه قبل استدعائه من قبل والدته ليصلّي على جثمان ولدها ، كان قد فسق بامرأة ذهبت لتعترف له بخطاياها . فعندما عرف بأنها زنت مع الرجل الذي تهواه ، أكّد لها أن خطيئتها تغفر اذا سافحها ، فصدّقت أقواله واستسلمت لدعارته .

وهجم سوديام على الكاهن الداعر ، وصفعه بجمع كفّه على وجهه الصفيق ، قائلا له :

أيها الكاهن الزاني ، اصمت ولا تكمل قراءتك لفصل الانجيل ، فما أنت الاّ شيطان قذر ! ولكنّ الكاهن استمرّ بتمثيله ، فعرف سوديام أنّ الصفعة لم يشعر بها ، فتألّم لهذا كثيرا ؛ اذ تكشّفت له المعرفة الروحيّة فعرف أنّ هذا الكاهن ارتكب مثل هذا الاثم مرارا وتكرارا مع نساء عديدات . فضلا عن النذور النقدية التي كانت تدخل الى صندوقه وقد ملأ بها جيوبه ، فصاح قائلا : ليت العناية تدعني أنهض من التابوت لأذيع معلوماتي عن هذا الفاسق ليتجنّبه الناس ويتجنّبوا طغمته الفاسدة ، ولكنّ رغبته لم تحقّق ، اذ مكث ممدّدا في تابوته دون حراك .

ووضعت الجثّة في القبر وهي ضمن تابوتها المغلق ، وهيل عليها التراب ، وسوديام يرى هذه المراسيم والعجب آخذ منه كل مأخذ . وانفضّ الجميع كلّ عائدا الى منزله .

وكم وكم شاهد سوديام من مآس واسرار وفضائح وقبائح ، وعجائب وغرائب لا يمكن أن تصدّق ، ولكنها حقائق واقعيّة لا يأتيها الباطل .

لقد شاهد نساء ومعهنّ أولادهنّ وهنّ من غير أزواجهنّ ، بل نتيجة علاقات غراميّة مع من ارتبطن معهم بروابط جنسيّة .

وكم من فتيات مثاليات يظنّهنّ رفاقهنّ أنهنّ معدن الطهارة ، وما هنّ الاّ فاسقات رجيمات تخشاهنّ الأفاعي الرقطاء .

لقد تكشّف له حقائق الناس فهالته شرورهم وأخافته آثامهم واجرامهم ، وعرف لماذا لم يضع الله حاسّة سابعة للانسان وذلك لكي يمنع عنه أهوالا مرعبة اذا عرفها لتمنّى الموت فورا ، وهذه حكمة الله جلّت قدرته .

وفور مغادرة سوديام المقبرة ، عاد أدراجه الى عالم الفردوس بسرعة النور ، فبلغه ، واذا بحبيبته جوداميا تنتظره بفارغ الصبر ، ومعها ابنتها راهاديا الفاتنة . فاسقبلتاه ، وهرعت جوداميا الى بحيرة النسيان ، وطلبت منه الاغتسال بمياهها المقدّسة ، ففعل ، واذا به ينسى ما شاهده في أثناء الاحتفال بمراسم دفنه . كما نسي انه مات وانتقل الى عالم الفردوس . نسي كلّ ذلك لكي لا يتعذّب نفسيّا من توارد أفكاره المخيفة ، عندما يتذكّر ما شاهده من ختل البشر واحتيالهم ، ومن فسق النساء وتدنيسهنّ لشرفهن وهتك طهارتهنّ وتلويثها بالدنس الملطّخ بأقذار العار .

وظنّ سوديام بأنه خلق في هذا العالم الفردوسي بعدما نسي أنه كان في عالم الأرض ، مثلما يظنّ كلّ بشريّ أنه ولد في عالم الأرض ، ولم يسبق ولادته أيّ وجود له ، غير عالم بأنه كان في عالم آخر غير العالم الذي ولد فيه ، ولكن بمجرّد ولادته ينسى كلّ شيء عن عالمه الذي غادره ، وذلك لحكمة أرادها الخالق للخلائق .

بيروت ، الساعة 8 و38 دقيقة

من ليل 4/2/1979

 

أُغنية ملاك

أيها الأتقياء الأنقياء،

أسرعوا إالى جنّات الخلد الدائمة السعادة،

وتفيّأوا ظلال أشجارها العجيبة،

فكفاكم ما لاقيتم في عالمكم القاسي من الآلام.

أسرعوا أسرعوا وأخلدوا في النعيم.

 

 

يا من سطّرت أسماءكم بأقلام من النور ،

يا لبهاء ما ستلاقونه من الجذل والحبور!

لقد خلّفتم وراءكم الأحزان والأشجان،

وستلاقون في فردوسكم كلّ عطف ورقّة وحنان،

أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم.

 

 

يا من حزنتم في عالمكم الشقيّ كثيراً،

لقد أتت ساعة أفراحكم ، فطوباكم!

هنا ترون الغبطة أزليّة سرمديّة،

وأصبحت أشجانكم أسطورةً أرضيّة .

أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم .

 

 

يا أبناء الفردوس الدائم المتع ،

لقد خلعتم بتقواكم رداء الشهوات ،

فخوضوا الآن النهر الكوثري،

وانهلوا منه فتتجدّد أرواحكم وتشعروا بالراحة الإلهيّة .

أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم .

 

 

يا من بلغتم قمّة السعادة والمجد ،

بوركتم من أوفياء على العهد.

لقد تعذّبتم في دنياكم من المهد الى اللحد،

فكافأتكم العناية بعد ذلك الكدّ والجدِّ.

أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم.

 

 

أيّها الخالدون الأبرار ،

للّه ! إنْ أنتم سوى ملائكةٍ أطهار!

إضرعوا الى اللّه أن ينير عقول الكفّار والفجّار،

فينجوا من عذاب الجحيم المتأججة الأوار.

أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم.

 

بيروت، 4 تمّوز 1944

الحُلم الهابط الى أرض البشر

مهداة إلى ليلى داهش بمناسبة عامها الثامن عشر

و ذاعت الانباء في جزيرة الاحلام السعيدة معلنة أن الكاعب الهيفاء أحلام ستغادر الجزيرة الحالمة المجاورة للمجرة و التي يحتاط بفراديسها الخلابة ملايين من النجوم السابحة في فلكها العجيب…هذه الجزيرة الغارقة في الطمأنينة و الهاجعة في سكينة عجيبة و الراتعة أبداً في نعيم مقيم.

وما أذيع هذا النبأ حتى هرعت الربات ذوات الخفر و الدلال، و تسابقت كواعب جزيرة السعادة و غيدها الحسان، وحور عينها الأماليد تتبعهن قيان الجزيرة، و فتيات غابها، و حسان جداولها العذبة النمير.

و تحرك موكبهن العجيب. و في طليعته، كانت الإلهات ينشدن أناشيد عذبة تطرب الآذان لسماعها و تبهج القلوب لإيقاع جرسها الغريب.

و هكذا بلغ الموكب حيث تقطن الكاعب الهيفاء احلام، هناك في قلب الغاب الفتّان حيث تجري الجداول و توقّع بخريرها ألحاناً لم تتعرّف بعد عليها إلا آذان سكان السماء.

وكان شلال ينثر ماسه على الغاب،فيتألق الرذاذ المستقر على أفواف الأزاهير و براعم الورود، و تنعكس انواره و كأنها اليوااقيت العجيبة!

أما صبايا الماء فكنّ يتلاعبن و يتضاحكن و هنّ في جوف البحيرة المقدسة ثم ينشدن للكاعب أحلام و يحيينها برفع أيديهن الغضة البضة.

واندفعت أحلام نحو الموكب القادم لوداعها و طبعت قبلة على فم كل منهن، إذ إن كل ربة من الربات كانت صديقتها الصدوق، و كل غادة هي رفيقة فتوتها، و كل كاعب هي لها أخت ودود.

وقد حاولت الربات أن يردعنها عن عزيمتها، ألا و هي مغادرة جزيرة الأحلام السعيدة، و الهبوط إلى أرض البشر حيث الألم المدمى و الشقاء الدائم و البكاء المرير و المنغصات التي لا نهاية لها. و حذّرنها من مغبّة هذا التصميم المخيف، و شرحن لها الأهوال التي ستحط عليها بأعبائها الباهظة منذ الدقيقة التي ستهبط فيها إلى عالم البشر التعساء.

ولكن الغادة الغيداء أحلام عزمت على مغادرة مدينة سعادتها، و القدوم إلى أرض تعاستها و أفهمت صديقاتها الملتاعات أن لديها من الأسباب ما يجعلها أشد تمسكاً بوجوب مغادرة هذا المكان الغائص بالنعيم الذي لا يوصف،واستبداله بشقاء الأرض و جحيم نكباتها المزلزلة.

 

 

كوكب عباقرة الموسيقى و نجم الأدباء و الشعراء

وانطلقت أكليتون باتجاه السدم نحو كوكب النور و الضياء، حيث تقطن أرواح عباقرة الموسيقيين الذين تركوا لعالم الأرض تراثاً إلهياً من الأنغام، تفنى الأجيال دون ان تزول خلوده المستمد من السماء.

كما أن الإلهة بافاليا اتجهت نحو كوكب الخلود الباهر حيث تقطن أرواح الأدباء و الشعراء.

و بلغت كل من الربتين إلى سكان هذين الكوكبين نبأ عزم أحلام على مغادرة كوكب جزيرة الأحلام السعيدة. فهرع عباقرة الموسيقى و أساطين الأدب و الشعر إلى جزيرة الأحلام برفقة الربتين للإشتراك في وداع حلم الجزيرة الفتية.

وكانت تموج بقاطنيها و بمن وفد عليها من النجوم و الكواكب موجاً عجيباً و الجميع يتهامسون بحزن باد على أسارير جباههم قائلين:

-إنها ستغادر كوكب الطمأنينة لتذهب إلى أرض الأبالسة و الشياطين. فيا لغرابة التي لا تصدق!..

بتهوفن يعزم نشيد الوداع

وصمت الجميع و كأن على رؤوسهم الطير عندما عزف بتهوفن نشيد الوداع الرائع بنغماته الشجية، السماويّ بانسجام موسيقاه العلوية، و الفتان بتأثر تموجاته السحرية العجيبة.

فسرت هذه النغمات في شغاف الأرواح المصغية بورع و خشوع. وفجأة انهمرت الدموع من العيون النجلّ. و كان النشيج يعلو من حوريات الأدغال و بنات الغاب و فتيات الجداول.

وما انتهى بتهوفن العبقري من نشيده حتى عانق الجميع بعضهم بعضاً، و هم مغمورون بنشوة أنغام الموسيقى السماوية التي دعتهم يلمسون بأرواحهم أبواب النعيم الحافل باللذاذات التي لا يمكن لقلم بشري أن يصفها أبداً، وانتشى الجميع بخمرة هذه النغمات السماوية المستمدة من الله جلت قدرته. إنها إكسير الآلهة، الأرباب العظام الراتعين في الفردوس، هناك في الجزر السعيدة حيث تتألق النجوم أبداً ببريقها المذهل للعقول، و حيث ينعمون ببهجات يضلّ فيها الفكر و يفنى على أبوابها الخيال.

ولرخامة تلك الانغام العذبة بشجوها، و لعميق تأثيرها على الأرواح، لم تتمالك الإلهات أن يهمرن من الدمع الغزير لتحرك عواطفهن الإلهية المكبوتة.

وتتابع عباقرة الموسيقى على العزف، كل بدوره، فتقدم فاجنر و عزف بعض مقطوعاته الشهيرة، فطرب و أطرب.

وتلاه شوبان فسكر الحضور برحيق موسيقاه العجيبة.

و تبعه كريك الذي سحر سكان النجوم.

و فعل مثله الموسيقار ليست فصفق له الحضور تصفيقاً طويلاً. و عندما انتهى من عزفه أفسح مكانه لزميله برليوز فأبدع هذا العبقري أيّما إبداع، و ألهب الاكف بالتصفيق المتواصل له.

و كذلك حلّق المستمعون نحو الأعالي عندما صدحت أنغام جان سبستيان باخ و أوفنباخ و مندلسون و شومان، و قد أبدع كل موسيقار منهم في عزفه إبداعاً عجيباً.

ثم تقدم هندل و عزف مقطوعة موسيقية تنضح بالألم العميق لفراق الكاعب الصناع أحلام و مغادرتها لجزيرة الأحلام. و قد عبّر هندل بمقطوعته الشجية عما يساور نفوس قاطني جزيرة الأحلام السعيدة من الشجا العظيم و الألم الهائل لاقتراب ساعة افتراقهم عن غادتهم أحلام الفتية.

وهكذا برهن هندل أنه عبقري في تجسيم الآلام التي تساور الأرواح، بشكل أنغام سماوية. و للمرة الثانية صعد بأرواح المستمعين نحو الملأ الأعلى، و جعلهم يلمسون الألم لمس اليد فيسري في أعصابهم و يقطن في أعمق تخيلاتهم، مثلما فعل في المرة الأولى عندما كان يحيا في أرض البشر، يوم أذاع مقطوعته الموسيقية الشهيرة معبراً فيها عن آلام السيد المسيح له المجد.

وما انتهى هندل من مقطوعته الشجية حتى كانت الدموع تملأ الآفاق، و النشيج يوقّع موسيقاه من الصدور، و الأنّات الحبيسة تخرج مرغمة من مكامنها حزناً على فراق أحلام الجزيرة.

وكانت نهاية هذه الحفلة الموسيقية الوداعية عودة العبقري بتهوفن للعزف. فأجاد و أبدع، و حلّق بالنفوس نحو الآفاق العلوية و الاجواز الإلهية، فانتشى و انشى. و شرب الجميع كؤوس الصهباء الإلهية على وقع أنغامه السماوية.

وعندما انتهى من عزف مقطوعاته الرائعة تقدمت أحلام، و شكرته على إبداعه العظيم.و حيّت زملاءه العباقرة، ثم وضعت إكليلاً من غار الجزيرة على رأس بتهوفن، و قدمت لكلّ من الموسيقيين طاقة من ورود الغاب وباقة من بنفسجه و رياحينه الفواحة. فشكرها بتهوفن و زملاؤه و زودها كل منهم بسرّ من أسرار موسيقاه قائلين لها:

-عندما تبلغين الأرض، وتمر بك السنون، و تبلغين فتوتك، إذ ذاك ستشعرين برغبة ملحة في الموسيقى و أنغامها، و ستتلهفين لفك طلاسمها و بلوغ مكامن أسرارها. و ما ذلك إلا لأن كلاّ منا قد زودك بسرّ من أسرار موسيقاه الخفية. و لكنك ستنسين هذا الأمر، لأن الجسد المادي الترابي الذي ترتدينه سيحول بينك و بين تذكرك لهذا الأمر. و لكننا نبشرك بنبوغك الباكر في هذا المضمار، و إننا ننبئك بأنك ستصبحين موسيقارة عظيمة يشار إليك بالبنان إذ سمح رئيس كوكبنا الوضاء أن ننفخ فيك هذه الروح، و نمنحك هذه النعمة الإلهية، فبشراك!!…

فدهشت أحلام و كان سرورها بالغاً و أجابت:

-أشكر هذه النعمة التي منحتني إياه العناية وسأبرهن أنني سأكون أهلاً لها.

 

 

لامرتين يلقي مقطوعة أدبية نثرية

و أشارت إلهة الأدب و الشعر إلى أديب فرنسا الكبير لامرتين أن يتقدم الحشد، ففعل. وألقى القطعة النثرية التالية:

الوداع يا حلم الجزيرة الفتان

عندما ينتصف الليل الدجوجيّ،

و يقترب الكوكب السعيد من نجمته السعيدة المتألقة بأضوائها الباهرة، و يبثها ما فعله حبها في فؤاده المتيّم بهواها،

وبعدما تهدل حمائم الجزيرة الحالمة هديل الأسى المدمى لشعورها بفراقها،

وعندما يغرد عندليب البحيرة الذهبية المياه بأسى عظيم، وهو يتنقل على رؤوس الدوح الباسق يشكوها ما سيفعل فراق أحلام بفؤاده الصغير،

وعندما تنوح يمامة الغاب الحزينة نواح كئيب يحمل في ثناياه معاني الشجن، و بعدما تثور شياطين العاصفة السوداء فتقتلع جبابرة الأشجار من جذورها و تبطش بكل من يمرّ في طريقها بطشاً ذريعاً، فتذعر من هذا الهول حتى جبابرة المخلوقات، و تفرّ من هول ما ترى و تسمع،

و بعدما تتحول غدران جزيرة الأحلام و بحيراتها و جداولها إلى لون الدم القاني، كرمز حزن عميق على غادتها أحلام التي ستغادر ربوعها الخضر، و حدائقها الغناء، الفسيحة الأرجاء،

وعندما ينوح سكان هذه الجزيرة الهاجعة بطمانينة و سلام لعظيم حزنهم الطاغي لهذه الفجيعة المدلهمة الإهاب، و يشاركهم مصابهم سكان الكواكب و السدم و قاطنو المجرة الهائلة المسافات، عند ذاك سترحل أحلام، أحلام…فاتنة الجزيرة المغناج.

نعم ، سيرحل حلمنا من جزيرة الاحلام، و لا يعلم إلا الله متى تكون ساعة عودتها إلى جزيرتها التي لن ترى السعادة إلا بعد أن تعود، فتعود السعادة إلى ربوعها.

فرحماك يا أحلام رحماك،

ألا تلمس الرأفة و الشفقة شغاف فؤادك الرقيق فتعودين عن رغبتك في الرحيل، و تقبلين البقاء بين من أحبوك كثيراً؟

أجيبي، أجابت السماء رغباتك و حققتها لك.

 

 

أحلام تريد الرحيل إلى عالم الأرض

و تكلمت أحلام فأصغى الجميع لحديثها الخلاب، ولوقع تأثيره الجذاب، فقالت:

-منذ تسعة أشهر حلمت حلماً هو أقرب للإلهام منه إلى الحلم. حلمت بوجوب زيارتي لعالم الأرض و المكوث فيها ردحاً من الزمن لا يعرفه إلاّ اله الخالق واهب الحياة، و مقسم الأعمار. و ذهابي سيكون من أجل الاجتماع بشخص أجهله الآن، و سأعرفه عند بلوغي أرض البشر. إنه يمت لي بصلة القربى، و سأعيش تحت سقف منزله، و سيدربني في عالم الأرض و سيثقفني و يدعني اتذوق لذة الفن الذي تعرفونه أنني أحبه حباً جماً، و سيفتح لي مغاليق أسرار الأدب لأزداد من اغتراف رحيقه الذي لا يمكن الارتواء منه، إذ ما يكاد سيزرع في أعماق روحي حب الموسيقى.

و سيكون هبوطي إلى الأرض لأداء رسالة لا أعرف عنها الآن شيئاً لأن الأمور مرهونة بأوقاتها. و عندما تدق هذه الساعة سأعرف تفاصيل رسالتي و أنفذها بحذافيرها.

و إنني متأكدة مما شاهدته في الرؤيا الإلهامية بأن الآلام ستحط عليّ حطاً ثقيلاً، و سأسير في دروب تكثر لي في منعطفاتها أشواك حادة ستدمي قدميّ و تغرس في يديّ. و لكن… ما قدر سيكون. و جميعكم تعلمون أن الملاك أنبأ يوسف في الحلم بوجوب تهريب السيد المسيح إلى مصر، فصدع يوسف و مريم للرؤيا المقدسة. و من واجبي انا ، أن أصدع للرؤيا المقدسة التي شاهدتها منذ تسعة أشهر، إذ حددت لي مدة أقصاها تسعة أشهر يجب عليّ في نهايتها أن أتأهّب للهبوط إلى أرض البشر. و اليوم هو نهاية الشهور التسعة.

رضوخ سكان جزيرة الأحلام للأمر الواقع

وملاك يتجلّى أمام الجميع

و أصغى الجميع للحلم تقصّه عليهم الغادة الهيفاء أحلام فتاة جزيرتهم الذكية الحاضرة الذهن. ثم حنوا رؤوسهم علامة الطاعة لوحي الحلم المقدس. و فجأة ظهر نور باهر خطف الأبصار، و هبطت سحابة بيضاء كالثلج يجلس عليها ملاك ووجهه يتألق بالنور العجيب، و من حوله ملائكة الحب ينشدون أناشيد إلهية لا يمكن أن يسمعها إلا سكان كواكب السعادة الذين خلعوا أجسادهم المادية فبلغوا هذه النجوم النيرة المترعة بالبهجات.

وعندما شاهدته أحلام صاحت:

إنه هو نفسه الذي شاهدته في الحلم و قد اعلمني يومذاك بأنه سيحضر بعد تسعة أشهر ليصحبني إلى عالم الأرض. و ها هو قد أتى مثلما وعد.

وعندما هبطت السحابة جثا الجميع أمام جلال هذا الملاك و جماله الإلهي، و سبحوا الخالق المبدع. فاستدعى الملاك فتاة الجزيرة أحلام الفتانة، و بلغها أنه سيصحبها إلى الأرض و سيزودها بسيالات من الموسيقيين و الأدباء و أرباب الفنون الجميلة، و أنها ستكون رسولة بتهوفن و خليفته أثناء إقامتها في أرض البشر.

وعندما اقتربت منه أجلسها على السحابة و مرّ بيده أمام ناظرها و قال لها:

ستشاهدين الآن سكان الشرق بأسرهم. أما الغرب فلن تشاهديه لأنك ستهبطين إلى الشرق. هذا هو الأمر الإلهي. و لك أن تختاري العائلة التي تودين النتساب إليها، فأنيلك بغيتك مثلما ترومين، فالخيار هو لك يا أحلام!

وبما أن هبوطي كان ليلاً، فسيكون اسمك على الأرض، يا أحلام، هو ليلى، أي أن هبوطي لمرافقتك كان ليلياً.

وفجأة شاهدت مدن الشرق بأسرها. و بلمحة خاطفة تغلغلت بروحها في أرواح الملايين من سكان المدن. و سرت بنفسها في أرواح و قلوب الملايين من العائلات، فاختبرت ميولهم و قرأت أفكارهم، و ماشت رغباتهم، واكتشفت أدق أسرارهم، و بلغت مكامن آمالهم، و عرفت ميولهم واتجاهاتهم. ثم انتقلت من مدينة إلى مدينة حتى بلغت مدينة القدس. و بعدما فحصت عشرات الألوف من قاطني هذه المدينة،استقرت في منزل شخص تاكد لها، بالمقدرة الروحية التي وهبها إياها الملاك، أنه الشخص الذي تريد أن تنتسب إليه، لأنها قرأت أعماق روحه، فتأكد لها أنه يحيا للفن و يضحي بكل ما تملك يمينه على مذبح الفن و الأدب وما يتفرّع عنهما من فنون جميلة. فقالت للملاك:

-هذا هو من أختار. فخذني بركابك يا ملاك الله.

و نفخ الملاك بوقه على وجه أحلام فإذا بها تختفي فجأة، و يغيب جسدها أمام دهشة الحضور و عجبهم الشديد.

و تهبط السحابة و عليها الملاك، و هو يقبض بيده على روح أحلام. و عندما بلغ ملاك الرب مدينة القدس، هبط في المنزل الذي انتخبته أحلام و أطلق روحها الفتانة في ذلك المنزل.

و في اللحظة نفسها ولدت أحلام و هي تصرخ الصرخة المعروفة التي يطلقها كل مولود على الأرض.

وولدت ليلى. و كانت ولادتها في مدينة القدس بتاريخ 24 حزيران 1936

بيروت 24 حزيران 1954

الساعة السادسة مساء.

 

الكوكب فومالزاب

      واقترب الكوكب فومالزاب من الكرة الأرضية التي يقطنها البشر، وأصبح على مسافة عام من النور(1) منها. وهذا الكوكب بلغ من الحضارة الشأو الأعلى.وهو يقترب من الأرض كل مليار عام.ويمكث بمركزه الجديد عاماً كاملاً ثم يعود إلى مركزه السابق.

      وقد أمر إمبراطور الكوكب أن تجهز السفن الكونية الثلاث لتذهب إلى الأرض.فالكوكب عندما تنتهي مدة اقترابه من كوكب الأرض ويعود إلى مركزه الكونيّ،تحتاج المركبة التي تسير بسرعة النور لتصل إليه ملياراً ونصف مليار عام. وفي كل مليارين من الأعوام يعود فيقترب من كوكب الأرض فيصبح على بعد عام من النور عنه.

      وجهزت المراكب الثلاث. فالأولى تحمل على متنها 200 رجل. والمركبة الثانية وضعت بداخلها الآلات الإلكترونية التي يمكن أن يتصل بواسطتها رجال السفينة بكوكبهم الحبيب،كما يستطيعون أن يشاهدوا بعضهم بعضاً بأثناء المخابرة الكونية.كما وضعت بها آلات معقدة تستخدم لدكّ الجبال وترديمها،إذ لزم الأمر، ولحفر أعماق سحيقة. وغيرها من الآلات الصغيرة بحجمها الكبير بفعلها،فهيتستطيع أن ترفع أثقالاً هائلة بينما هي بعيدة عن هذه الأثقال،إذ تكفي لمسة على الجهااز العجيب ليتم رفع تلك الأثقال لارتفاعات شاهقة.

      أما المركبة الثالثة فقد وضعت فيها الأجهزة التي تصنع بها الأطعمة بمختلف أنواعها. فهذه الآلات العلمية الدقيقة بإمكانها أن تحيل ما يوضع في داخل الأوعية من قشور ونفايات لطعام لذيذ بدقيقة واحدة.إذ تتحول النفايات إلى كتلة كالعجين يكيفها الجهاز لأرغفة جاهزة للطعام تتخذ طعماً لذيذاً للغاية. كما يستطيع هذا الجهاز الإلكتورني أن ينوّع مذاق الأطعمة حسما يراد لها أن تكون.وقد ثبّت بهذه المركبة أيضاً جهاز يجعل الطقس حاراً أو بارداً،كما يستطاع أن يبقي الطقس صحواً أو ممطراً. وكذلك وضع فيها جهاز كعربة تستوعب ستة رجال كوكبيين،وتسير بهم بسرعة على الأرض أو الماء أو بالفضاء.

      وجهزت المركبات الفضائية الثلاث،وأديرت محركاتها دون أن يصدر عنها صوت وكل منها بطوابق ستة.

      وقد اجتمع علية القوم والمسؤولين من رجال الحكم ليودعوا الراحلين.وانطلقت المركبات بسرعة هائلة وإذا بها تغيب عن الأنظار.

      وكل مركبة كونية يقودها أربعة قباطنة،إذ هي مستطيلة كالقلم،لكن داخلها لولبيّ.فيجلس القائد وهو ممسك بعصا القيادة،وكذلك بنهاية المركبة قائد آخر،وعلى جانبيها الأيمن والأيسر القائدان الآخران.وأمام كل منهم نافذة عليها ماذة شفافة لا يستطيع الرصاص أو ما هو أشدّ مفعولاً منه أن يخترقها،ومنه يشاهد القادة طريقهم.

      إذاً المركبة يقودها أربعة رجال،ولكن بانتظام.فالقائد الأساسي هو احدهم.وإذا لزم الأمر أن تتجه المركبة إلى الناحية اليمنى، فمن الصعوبة أن يتم اتجاهها وهي تسير بسرعة النور، فبمحاولتها للإتجاه إلى الناحية اليمنى تكون قد قطعت مئات الآلاف من الأميال وأصبحت بعيدة عن هدفها. فالوحالة هذه،يضاء نور بنفسجي أمام القائد الذي يجلس على الميمنة،فيقودها فوراً لاتجاهها الصحيح. وإذا كان الهدف الناحية اليسرى،أضيء النور البنفسجي أمام الجالس من تلك الناحية فيقودها فوراً،بينما تطفأ محركات الرأس الأمامي والخلفي والجانب الأيمن. وإذا أريد أن تسير المركبة باتجاه معاكس لتبلغ هدفها، تعطى إشارة الضوء البنفسجي للقائد الجالس هناك فيقودها لهدفها.

      كان الرجال المئتان يصغون لموسيقى كوكبهم المشنفة للآذان وهم يشاهدون البرنامج أيضاً.بينما سفينتهم تسير بسرعتها الخارقة التي تعجز عنها الختراعات الأرض.

      الرجال أقزام. فارتفاع الطويل منهم 35 سنتيميتراً.لكن لديهم طاقة مذهلة.فالقزم منهم يستطيع أن يرفع أثقالاً يعجز عنها عشرة رجال من رجال الأرض!

      أما حديثهم فيتم بواسطة النفخ. فعندما يتحدثون ينفخون حيناً بأفواههم وحيناً بأنوفهم، وهذه النفخات تؤلف لغتهم الكوكبية. ومنها الصفير المتنوع فهو تتمة اللغة الفومالزابية.

      أما عيونهم فحجمها كرأس المسمار، وسرعتهم بالركض والقفز خارقة،وآذانهم مستطيلة،وبقدر استطالة الأذن يكون ذكاء المرء أو عدمه. فمن تستطيل أذنه حتى تبلغ الأرض-رجلاً كان أم امرأة-فذكاؤه عجيب،وهو محترم للغاية.

      امرأة واحدة فقط رافقتهم،وهي زوجة رئيس الحملة،وقامتها 30 سم.وهي تعتبر من الملسنات،فحديثها النفخي لا يجارى،وهي مثقفة رغم صغر سنها،فهي في عامها الألفي،أي في ربيع عمرها وزهرة صباها فسكان فومالزاب يعمّر كل منهم 6000 عام.ومديدو الحياة-وهم قلة-تمتد أعمارهم حتى السبعة آآلاف من الأعوام.

      والمرأة بطبيعتها تحب الزينة.لهذا كانت زوجة قائد الحملة تنفث بفمها من جهاز صغير بطول الإصبع،فتخرج منه مادة تتخذ شكل دائرة تستطيع أن تشاهد فيها وجهها.ثم تذوب هذه الدائرة في الفضاء وتتلاشى المرآة.

      أما زوجها فعمره 2000 عاموهو أقل ثقافة منها.وقد حاول منعها من مرافقته، ولكنه لم يستطع أن يفرض إرادته عليها، فهو متأكد أن الرجال يستميتون في سبيلها، وكل منهم يتمنى أن تكون زوجة له إذا انفصل عنها، والسعيد منهم من تختاره.ولهذا رضخ لرغبتها، فرافقت الحملة.وكان جميع من في المركبة ينفذون رغباتها فوراً والسرور يغمرهم إذ أسرتهم بأنوثتها البادية للعيان.

      عاماً كاملاً أمضته السفن وهي تقطع محيطات الفضاء وأوقيانوساته بسرعة النور.وكانوا بأجهزتهم الدقيقة المذهلة يشاهدون الأرض وما يجري فيها من خير وشر.

      كما كانت أجهزتهم العلمية الخارقة تتيح لهم أن يأخذوا نسخاً عن الصحف اليومية والأسبوعية والكتب التي تصدرها المطابع. وكان جهاز الكتروني يترجمها للغة كوكبهم فومالزاب.فيطالعون ما خطته أقلام أهل الأرض، وهو لا يضارع آدابهم الرفيعة وثقافتهم العالية.

      وكانت سافاليا زوجة رئيس الحملة تقضي أكثر أوقاتها في الحديقة حيث تجلس بين ورودكوكبفومالزاب العجيبة الأشكال تقطف منها باقة عطرة، وتشبك وردة بشعرها لتشبع غرورها النسائي. وكانت الحديقة تضم عدداً كبيراً من أشجار الكوكب الغريبة المنظر والعطرية الرائحة.وكانت سافاليا تصغي لتغريد طيور زرقاء وكحلية وإسمانجونية وقوس قزحية،وكان صدحها وكأنه موسيقى تعزفها السماء.وفي أحد الأيام استخفها الطرب وهي تجلس بين الأزهار بحديقة المركبة الكونية،كانت بلابل الكوكب ذات الألوان المتعددة تغرد أغاريد البهجة وهي تتنقل على الأغصان الملونة ا أيضاً،فأنشدت سافاليا النشيد التالي:

أنا سافاليا الجميلة

تحملني المركبة ياتانيا منطلقة بي بسرعة النور

وانا أجلس في جنة مصغرة تمثل جنات فومالزاب كوكبي المفدى،

تحيط بي مجموعة من ورود وأزهار جمالها عجيب غريب.

وبلابل كوكبي ينشدنني أغاريدهنّ العذبة،

تشاركهنّ طيور بلادي التي اشتقت إلى ربوعها المذهلة الفتنة.

وأنا اود ان أبلغ كوكب الأرض،

لأشاهد عالماً غير عالمي العظيم،

جائبة رحابه طاوية سهوله، مخترقة جباله،هابطة أوديته.

ثم يحدوني الشوق للعودة إلى مدينة أحلامي فومالزاب

فأطير إليها بخيالي،ثم تحلق بي ياتانيا،

عائدة بي إلى وطني الحبيب،

حيث ولدت وحيث سأموت وأدفن بربوعه المقدسة.

      كان الإتفاق قد تم على المكان الذي سيهبطون فيه،وقد اقتربوا منه وكانوا على ارتفاع عشرين مليوناً من الأميال فوقه. وإذ ذاك أوقف القائد محركات السفينة وكذلك السفينتين الأخريين،وأشعلوا محركات أخرى سرعتها عادية، وابتدأوا بالهبوط.أخيراً،استقروا في سهل ممتد المسافات.

      وصادف دقيقة هبوطهم مرور قافلة من الجمال،ففغر رجال القافلة أفواههم عجباً مما شاهدوه،واقتربوا من مكان المركبات،وإذا بهم يتطايرون بالفضاء.

      وشاهدوا رجالاً قصار القامة ينفخون باستمرار بقوة وعصبية،وفهموا من نفخهم وإشاراتهم اليدوية أنهم يطلبون منهم الابتعاد فوراً.فولوا الأدبار،والخوف قد هزهم هزاً.

      وتوقفت المحركات،وضغط قائد المركبة الأم على جهاز داخليّ،وإذا بقبة كالخيمة من المعدن تظلل المركبة،وكذلك فعل الفائدان الآخران بمركبتيهما.

       وتجمهر أهل القرية لمشاهدة أعجب ما يمكن أن تشاهده العيون،والدهشة مرسومة على وجوههم.وذهب عدد من رجال السفينة إلى غابة تبعد عن مكان استقرارهم، نصف ساعة. ورافقتهم جماهير من أهل القرية.وقد ارتقى رجال الكوكب الأشجار،وامتشقوا أوراقها وطلبوا بالإشارة من الجمهور أن يفعل فعلهم.فصعدوا الأشجار وجردوا الأغصان من أوراقها، ووضعت الاوراق ضمن اوعية عميقة.ثم سلّط الأقزام عليها أشعة خضراء من آلة صغيرة،فتحولت أوراق الأشجار إلى عجين قطع كأرغفة.فأكلوا منها وأطعموا أهل القرية الذين ذُهلوا من هذه الخارقة، كما استطابوا ما أكلوه للغاية.

      أما الماء فكانوا يضعون الوعاء، ويسلطون عليه أشعة صفراء،فيمتلئ بماء صاف مذاقه كماء الينابيع الجبلية.وبإمكان هذا الجهاز أن يدع الماء بارداً جداً أو في غاية السخونة.

وكان كل قزم يحمل بيده عصا طولها 31 سم، وثخانتها 20 سم، وبأعلاها فتحة صغيرة وفي أسفلها ثبتت عجلات ككلل الأولاد.وهذه العصيّ المعدنية مجوفة.وقد دخل كل قزم في عصاه،فإذا بهذه العصي تسابق الريح، فهي مراكب عجيبة غريبة، وعادوا بها حيث تقف مركباتهم الفضائية مخلفين أهل القرية والعجب الشديد قد استبد بهم أيما استبداد.

      واختار رجال الكوكب فومالزاب سهلاً شاسعاً في تلك القرية. وركزوا آلاتهم الالكترونية،ثم باشروا في الأسبوع الأول من وصولهم إلى كوكب الأرض،بناء هيكل عظيم تخليداً لزيارتهم للأرض.وقد حولوا أكواماً من تلال الرمال والحجارة إلى معجونة بواسطة آلاتهم الالكترونية.ثم قطعوها بقياسات مختلفة اختاروها ونفذوا فكرتهم فجعلوا منها أعمدة ضخمة للغاية،ومنها حجارة مختلفة الأحجام. ورفعوا هذه الأعمدة بآلاتهم العجيبة،فإا هي منتصبة شامخة تناطح السحاب.وثبتوا على قمة كل عمود منها تاجاً حجرياً هائل الضخامة والثقل.

    ثم سقفوه بحجارة متداخلة بعضها ببعض،فأصبحت كأنها قطعة واحدة لا انفصام فيها.كما أقاموا سوراً مرتفعاً حول الهيكل العظيم،ووضعوا أعلاه بضعة حجارة هائلة الطول والعرض، وتركوا حجراً ضخماً للغاية من المعجونة التي صيغت من الرمال والحجارة، وأبقوه بمكانه، وهو يعرف الآن بحجر الحامل، إذ لا يزال ملقى منذ ذلك العهد السحيق.وقد أنهوا بناء الهيكل بخلال شهر.فآلاتهم الإلكترونية تقوم بالعجائب والخوارق.

      كذلك تزوج عدد منهم من بنات الأرض.وبعد رحيلهم ولد لهم بنون وبنات.

      وبعد مضي ستة أشهر على وصولهم صعد الرجال الأقزام إلى مركباتهم الفضائية الكونية واجتمع أهل القرية بأكملها لوداعهم وكانوا قد تعلموا طريقة حديثهم النفخي لكثرة الاستمرار.كما تعلم رجال الكوكب بضع كلمات أرضية.

      واشتعلت محركات المركبات الكونية،وبلمحة خاطفة اعتلت الفضاء،ولسرعتها الهائلة غابت عن الأنظار.

      ذهبوا عائدين إلى كوكبهم الموغل في الأبعاد اللانهائية مخلفين وراءهم قلعة بعلبك الشهيرة شامخة تتحدى الزمان،وهي كشاهد على زيارتهم لكوكبنا الأرضي.

نيويورك الساعة 2 و 25 دقيقة

بعد ظهر 29/3/1977

 

حلم مُذهِل

الطريق ممتدّة أمامي , وأنا أسير بخطى ثابتة , راجيا بلوغ محطّ رحالي …

ومضت الساعات , ولاشاها العدم , وعرت بتعب لسيري المتواصل . وكنت قد وصلت الى غابة أشجارها ظليلة وبحيرتها نميرة , فجلست بظل شجرة فاتنة متهدلة الأغصان . واذا بعصفور يقف على أحد أفنانها ,ويغرّد , فانتشت روحي بعد مشّاق السير , وأضيعت لصدحه بجوارحي , ورحت أخاطبه قائلا له :

أيّها العصفور الغريد ,

يا سمير الأشجار وحبيب الأزهار ,

أيّها المخلوق اللطيف الرائع الصّداح ,

إنّ شدوك قد أثلمني ,

وغناءك الأخاذ استولى على لبيّ .

فليتني كنت طليقا مثلك أيّها الجميل ,

أرود الغياض , وأحلق فوق الأرباض ,

مغردا على رؤوس الأشجار السامقة ,

مرحا , فرحا , طروبا , جائبا الحدائق الفاتنة ,

أتناول من ثمار جنيّها

وأشرب من فرات البحيرة السحريّة .

لك الله يا عصفوري الغرّيد , فإنّ صدحك المذهل قد شده الغاب وأطرب الألباب .

فليتني مثلك يا عصفوري المبدع

حرّا طليقا , لا شيء يكبلني بقيود المادة اللعينة .

إنّها أمنية لن يحقّقها سوى الموت ,

يا عصفوري الغرّيد .

واستولى عليّ نعاس بعد مشاق السفر , فاستغرقت في نوم عميق …

وسرعان ما شاهدت نفسي أسير في طريق عبدت بالذهب الوهّاج , ورصّعت بالجواهر اليتيمة . وكانت أشجار العقيق , والعاج , والمرجان , والياقوت , والزفير , والماس المتألق تقوم على جانبيها , وهي مثقلة بقطوف من الجواهر النادرة . فتلك تتدلى منها عناقيد من اللؤلؤ الناصع البياض , وأخرى مبهظة بحملها من ثمار اليشب , وأخرى ملأى بحبوب من ثمار الجزع الرائع , فبهرني منظر لم يخطر على بال بشر .

وسرت بين صفيّن من الأشجار العجيبة وكأنني في عالم الملكوت القصيّ . وإذا بي أصل الى حديق الجمال الذي لا يضارعه جمال !

فأزهار هذه الحديقة المذهلة تضوع أشذاؤها في الفضاء , فيترّنح من يتنسمّها ابتهاجا وطربا .

وتجلّت أمام ناظريّ حورية حوراء لم يخلق الله من يضارعها بالحسن والرواء , والفتنة والبهاء . كانت هذه الحوريّة الغناج تسير بتؤدة ودلال , ومكان كل خطوة تخطوها تنبثق زنابق ناصعة وورود مخملية , وأضاليا رائعة , وبنفسج عجيب . وكان الفراش العجيب الألوان يحوم حولها ولثم وجنتيها .

وجلست هذه الغادة الألهية ذات الفتنة الخلاّبة بجانب بحيرة يترقرق ماؤها . واذا بالأسماك الملوّنة تجوب الماء الفرات , وكأنها تتمنى لو كان باستطاعتها مغادرة مياه البحيرة لتلثم قدميها . وأنشدت هذه الفتنة المجسّدة بصوتها الملائكي المذهل , واذا بطيور الغاب تهرع نحوها , وتجثم على باسق الأشجار , مصغيّة لشدو الحسناء المبدع . وكنت كالمسحور مسمّرا بمكاني وراء شجرة غضّة تخفيني عن الأنظار .

وفجأة كشف الغطاء عن بصري , فاذا بي أشاهد عصفورين يكسوهما ريش عجيب غريب , إذ كلّ ريشة بلون يختلف عن اللون الآخر , فهما فتنة عجيبة محبّبة للنظر . وقال العصفور لرفيقه : إنّ هذا الزائر لعالمنا قد سمح له أن يلجه بروحه وليس بجسده . فبعد أن أغلق النوم عينيه , أذن لروحه أن يجوب عالمنا , أمّا جسده فها أنت تراه مستلقيا تحت شجرة في عالم الأرض . وسيعود اليها , إذ إنّ أيّامه عليها لم تنته حتى الآن , وما يزال أمامه متسع من الوقت ليغادرها . فان ارتكب المعاصي فالويل لروحه ممّا ستلاقيه في عالم ظلماته مدلهمّة , وويلاته مرعبة وهائلة .

أما اذا كان الصلاح ديدنه والخير غايته , وتمسّك بالفضيلة ونبذ الرذيلة , وتغلّب على ميوله الدنيوية , وداس بجبروت رغباته الدنيّة , فمكافأته كوكبا بهيا في الديار العلويّة .

واذا بالعصفور الآخر يقول لرفيقه : إنّ هذا الإنسان يغذّ السير نحو مدينة القاهرة لينصب فخا لرجل مسكين سيستلب منه ماله , ويقطع عنه رزقه . ويا لسوء مصيره اذا نفذّ ما عزم عليه من شر وبيل . فاذا عدل عن هذا العمل الاجرامي ّ , وأصلح نفسه , فانه ساعة انتهاء أيّامه , يأتي الى عالمنا هذا لتقوده الغادة التي شاهدها ففتنت به , اذ ستقوده الى عالم بهيّ يتفوّق على هذا العالم بما يحتويه من بهجات لا يمكن لقلم أن يصفها .

وانتفض العصفوران فاذا هما شابّان يجللهما الحسن ويكسوهما ببردته المبدعة . فحيّاني كلّ منهما , وأوصاني أن أترك الشرّ جانبا , وأغير سلوكي لأحظى بعالم بهيّ لا يطاله حزن , ولا يعرف للأشجان اسما .

واستيقظت , واذا بي قد انقلبت رأسا على عقب إكمال سفري الى القاهرة , وعدت الى منزلي , وبعت أملاكي , ووزّعت ثمنها على الفقراء والمعوزين , وحسنّت سلوكي , وبت أنتظر انتقالي الى هذا العالم الذي شاهدته لدقائق معدودات لعلّني أعود فأشاهد حوريّة ذلك العالم البعيد السعيد لتكون دليلتي الى عالم لا تقربه الأحزان ولا يعرف معنى للأشجان .

الولايات المتحدة الأمريكية , الساعة الواحدة

من فجر 24\ 10 \ 1978 .

 

رحلة وردة جوريَّة

وشعرت بالنعاس يسيطر عليّ ، فذهبت الى فراشي واستسلمت للنوم . واذاني أجوس عالمه البهيّ وأرود فردوسه الخلاّب.

ورحت أتجوّل في غاب سحريّ أزهاره عجيبة ، ومياهه نميرة ، وأشجاره الباسقة تغرّد عليها الأطيار الملوّنة ، فتشفّ الأسماع ، وتطرب الآذان .

وجلست أمام بحيرة ماؤها فرات عذب . وكان الفراش الملوّن يحزم حول الأزهار العجيبة اللألوان ، وضوعها يملأ الأرجاء فيحيلها لحلم خياليّ عجيب .

كنت أستظلّ فيء الأشجار المهدلّة الأغصان البادية الفتنة الخلاّبة . وكنت مسحورا بما أشاهده من مفاتن الغنيّة في هذا الفردوس البهيّ . واذاني أسمع حفيفا خفيفا ، ثم تضوّع عبق محي فرحت أتنسّمه بشوق عظيم . واذاني أشاهد حوريّة حوراء مقبلة نحوي والبسمة العذبة تعلو شفتيها . لقد بهرني جمالها ، واستولى حسنها على كياني ، فذهلت لرؤيتها . ونهضت أحيّيها ، والوجل عقد لساني ، فما استطعت التفوّه بكلمة . كنت ممغنطا أمعن النظر بذهول مأخوذ بجمالها الفردوسي وأنوثتها التي لا مثيل لها .

وتحدّثت إليّ …

وكان صوتها كترجيع صدح كناريّ الفردوس الأخّاد ،

وسجدت أمامها ، فأمسكت بيدي وأنهضتني قائلة لي :

السجود لله ، أيّها الحبيب القادم لفردوسي .

وتلجلج صوتي وخرج خافتا من صدري :

ومن تكونين أيّتها الالهة المتجسّدة ؟

أنا لست الهة ، انني فتاة أحيا في عالم الفردوس البهيّ ،

اذ أوصلت سيّالي لأوجد فيه .

وأنت من اصطفتك روحي .

وكنت أنتظر وصولك بشوق عظيم .

وها قد بلغت عالمي الذي فيه بتّ أقيم .

يا الله ! ماذا أسمع ؟ ! أحقّا أنت حبيبتي المرجّاة ؟ !

هل أنت فتاة أحلامي ومحطّ رحالي ؟!

أأنت من كنت أناجيها دون أن أراها ؟!

أأنت من كنت أشعر بأنني سألتقيها يوما ما ؟!

أأنت من هي بغيتي المفدّاة وطلبتي الخفيّة ؟!

أأنت هي من خفق قلبي بحبّها العظيم ؟!

يا الله ! انّ سعادتي الهائلة ستوردني موارد التهلكة !

فما كانت تتمنّاه روحي قد تحقّق الآن !

وفتح ذراعيه وضمّها الى صدره الولهان ،

ووضع شفتيه على شفتيها وقبّلها بجنون عارم ،

وبادلته حبّا بحبّ ، ولوعة الضرام والجوى ترافقهما .

كم مكثا متضامّين ، وكم بقيا متعانقين …

هذا علمه عند الله واهب الحياة وباعث الحبّ الدفين .

ومضت الأيّام ، وتصرّمت الأسابيع ، وفنيت الشهور …

ثم تتالت الأعوام متتابعة متلاصقة …

وكان الحبّ يزداد اشتعالا

والغرام يزيد ضرامه ضراما .

جوداميا ، يا أحبّ نساء الفراديس الى قلبي ،

انّ حبّك قد سرى في عروقي ممتزجا بدمائي

فليتني أستطيع منحك السعادة التي منحتني ايّاها .

أنت قيثارتي التي أعزف عليها آيات حبّي العميق .

فسعادتك تسعدني ، وشقاؤك يميتني ويفنيني .

فيا أمنية روحي ، أنا أنت وأنت أنا ، وبك نلت المنى .

وأثمر هذا الحبّ الأسطوريّ غادة غيداء أطلق عليها أبواها اسم راهاديا . وكانت شبيهة بوالدتها ، فيها من السحر الحلال والفتنة الفردوسيّة ما لوالدتها جوداميا .

وكان منزلهم من الورود المخمليّة توشّيها أزهار الفردوس النّضرة ، فمنازل الفردوس تبنى من الأزهار . فالربيع في الفردوس أبديّ .

والشتاء لا يطرق أبواب الفردوس اطلاقا ، والشيخوخة لا تعرف هذا الفردوس ، ولا يمكنها الولوج لهذا العالم الحصين الأمين .

وكلّ سكّان هذا الفردوس سعداء لا يعرفون للهمّ اسما ، ولا تقربهم الأحزان اطلاقا ، فهم سعداء دوما .

وطعامهم من أثمار الفردوس الشهيّة . ففيه من كلّ شجرة توأمان . وما تكاد الأيدي تقتطف الثمار الجنيّة حتى تمتلىء الأغصان ، ثانية ، بها دون أن ينتقص منها ثمرة ما . أمّا أنواع الخضار والبقول العجيبة فحدّث عنها ولا حرج ، فالفردوس عنيّ بها ، وحقوله مملوءة بشتّى الأنواع اللذيذة وهي لا تنضب أبدا .

فكلّ نوع من الأنواع اذا قطف يعود اليها ثانية فورا .

والاخاء يشمل عالم الفردوس بأكمله ، فالجميع عائلة واحدة يسودها الحبّ ويغمرها الولاء الدائم .

هنا لا يعرف الحسد اطلاقا ، والغيرة لا وجود لها في هذا العالم السعيد .

والتكالب على المال لا يعرف في هذا العالم البعيد عن أطماع الأرض الدنيّة . فسعيد من أوصل سيّاله الى هذا العالم الغارق بالبهجات اللانهائية .

جوداميا ، يا حبيبة روحي منذ الأزل ، انّ ابنتنا راهاديا قد أصبحت شابّة مغرية ، ففتنتها مستمدّة منك .

وهي لا تستطيع الاقتران بشابّ من عالم الفردوس ، اذ يجب أن تقترن بمن كان حبيبها بدوره السابق . وهو ما يزال في عالم الأرض ، وحتى الآن ليس لديه سيّال فردوسي يسمح له بولوج عالمنا .

فماذا بوسعنا عمله لنجعل فلذة كبدنا ونتيجة حبّنا سعيدة مثلما سعدت بحبّك العظيم .

سوديام ، يا حبّة قلبي المفدّى ، انّ روحي تتعذّب لأجلها ، فليتها تسعد مثلما سعدت معك . ولكن كيف السبيل الى ذلك ؟

انّ حبيبها وزوجها السابق لم يوصل أيّ سيّال من سيّالاته ، حتى الآن ، ليكون هذا السيّال من درجة الفردوس .

اذا لا يمكنه أن يبلغ فردوسنا في عالم أحلامه اطلاقا ، والاّ لاجتمع معها عندما يحمله الكرى على أجنحته الغدافيّة فيزور عالمنا ، ويمضي معها ساعات ما دام غارقا في نومه ….

ثم يعود الى عالم الأرض ، ثانية ، ناسيا أنه كان برفقة معبودته الوحيدة . كان سوديام مسندا رأسه الى صدر حبيبته جوداميا ، وهو يحدّثها . ثم انقطع عن الحديث فجأة ، فعرفت بأنه سيستيقظ ، واذا استيقظ فانه يجد نفسه بفراشه في عالم الأرض ؛ اذ يعود سيّاله الى جسده ، فورا ، بسرعة النور ، أي 300 ألف كيلومتر بالثانية ، فيستيقظ .

وهالها الأمر ، وقالت بنفسها : لا طاقة لي على الحياة اذا غادرني بمفردي في عالم الفردوس ، لهذا سأقطع بسيف النور المرهف سيّال النوم الأثيري المتّصل بجسده المسجّى بفراشه في عالم الأرض .

واستلّت جوداميا سيف النور الحادّ الشفرين القاطعين ، وأمرّته على السيّال المتّصل بجسده الراقد بفراشه في عالم الأرض ، فاذاه يبتر بترا !

وتأخّر سوديام في نومه ، ودخلت والدته لتوقظه فاذاها تصيح صياح الذعر ، وتولول ولولة الثكالى ، فتذيع نبأ موته . وتدخل شقيقاته الى غرفته ، فاذا هنّ يجدنه جثّة باردة فارقتها الحياة ، فنحن ، وقطّعن شعورهنّ أسى ولوعة على المسجى ، وقد انتقل الى عالم آخر مخلّفا عالم الأرض الغارقة بالشقاء .

وفتح سوديام عينيه ، واذاه يجد نفسه مسندا رأسه الى صدر غادة رائعة المحاسن ، فذهل ذهولا هائلا ، اذ تذكّر أنه كان يحلم بأنه كان يجوس فردوسا زاهرا برفقة فتاة هي عينها التي يشاهد نفسه الآن مغمورا بين زنديها الغضّين البضّين .

وتذكّر أنه حلم بأنه قد عاش معها ردحا من الزمن في جنّة قطوفها دانية ، وأطيارها مغرّدة ، وفتنتها لا توصف .

كما تذكّر أن نتيجة حبّه لجوداميا قد أثمر فتاة ساحرة المحيّا ، وأسماها هو ووالدتها باسم راهاديا .

وكم كان ذهوله هائلا عندما شاهد راهاديا نفسها ، وقد انتصبت أمامه تناديه ، قائلة له :

يا والدي الحبيب ، هل أقتطف لك ثمر الحباجيد ؟

والحباجيد ثمر بحجم التفاح ، حلو المذاق ، لذيذ الطعم ، تكفي حبّة واحدة منه لأن تدع آكلها لا يشعر بالجوع شهرا كاملا .

فهبّ واقفا على قدميه ، والدهشة الهائلة تحيط السوار بالمعصم . وقال :

يا الله ! ماذا أراه ؟! وكيف حدث هذا الأمر العجيب ؟!

أم تراني قد جننت وفقدت عقلي ، وما أراه ليس سوى أضغاث أحلام واهم ! أو أني كالمشاهد للماء في السراب ، بينما لا ماء ولا شيء به يتعلّلون !

وتمتم : لقد حلمت بما أشاهده الآ، حقيقة لا شكّ فيها .

فأعنّي ، يا الهي ، أعنّي على حل هذه الألغاز والمعميّات .

واقتربت جوداميا منه ، وأفهمته بأنه الآن في عالم الفردوس يحيا معها منذ زمن ، وأنّ حبّهما قد أثمر ابنتهما راهاديا ، وأنّ الحلم الذي يراه في عالم الأرض لمدّة دقائق ، يحياه في عالم الفردوس هذا أعواما عديدة وسنين مديدة .

ثم بسطت يدها على جبينه ، ورسمت باصبعها على جبهته نجمة مخمّسة الأضلاع ، وقالت له :

بحق الله ، والنبي الحبيب الهادي ، والشخصيّات الست ، والسيّال العشرين أن ترى جثمانك في عالم الأرض .

واذا به يشاهد منزله الأرضي الذي عاش فيه منذ كان طفلا فيافعا ، فشابّا . وشاهد نفسه مسجّى على السرير الذي رقد عليه عندما حلم حلمه السعيد عن جوداميا ، وشاهد والدته ، وشقيقاته ينحن عليه ، وجمهرة من أصدقائه ومعارفه يحطون بجثمانه .

ثم شاهد عربة الموتى وقد وقفت أمام المنزل ، وأنزلوا منها التابوت ، وأدخلوه الى غرفته ، ثم حملوه وأدخلوه في الصندوق ، وأغلقوه عليه .

وكان هو واقفا بينهم ، فاقترب من والدته وهزّها من يدها ، وقال لها : – ها اني حيّ لم أمت ، فانظريني .

فلم تعره التفاتا . فتركها ، وذهب الى احدى شقيقاته ، ففعل معها مثلما فعل مع والدته ، ولكنها لم تسمع صوته ، بدليل عدم ردّها عليه ، فغادرها لشقيقته الثانية ، وفشل أيضا ، فذهل وتأكّد له أنه غير منظور لجميع من هم بمنزله . ولكنه كان يراهم ، ويسمع أحاديثهم ، ويحاول أن يرفّه عنهم ، ولكنّ محاولاته ذهبت أدراج الرياح .

ورافق جثمانه الى المقبرة …

وصلّى على جثمانه الكاهن ….

وقد أعطي ، بعد انفصام سيّاله عن جسده المعرفة الروحيّة ، فتكشّفت له حقيقة هذا الكاهن الداعر ، اذ عرف أنه قبل استدعائه من قبل والدته ليصلّي على جثمان ولدها ، كان قد فسق بامرأة ذهبت لتعترف له بخطاياها . فعندما عرف بأنها زنت مع الرجل الذي تهواه ، أكّد لها أن خطيئتها تغفر اذا سافحها ، فصدّقت أقواله واستسلمت لدعارته .

وهجم سوديام على الكاهن الداعر ، وصفعه بجمع كفّه على وجهه الصفيق ، قائلا له :

أيها الكاهن الزاني ، اصمت ولا تكمل قراءتك لفصل الانجيل ، فما أنت الاّ شيطان قذر ! ولكنّ الكاهن استمرّ بتمثيله ، فعرف سوديام أنّ الصفعة لم يشعر بها ، فتألّم لهذا كثيرا ؛ اذ تكشّفت له المعرفة الروحيّة فعرف أنّ هذا الكاهن ارتكب مثل هذا الاثم مرارا وتكرارا مع نساء عديدات . فضلا عن النذور النقدية التي كانت تدخل الى صندوقه وقد ملأ بها جيوبه ، فصاح قائلا : ليت العناية تدعني أنهض من التابوت لأذيع معلوماتي عن هذا الفاسق ليتجنّبه الناس ويتجنّبوا طغمته الفاسدة ، ولكنّ رغبته لم تحقّق ، اذ مكث ممدّدا في تابوته دون حراك .

ووضعت الجثّة في القبر وهي ضمن تابوتها المغلق ، وهيل عليها التراب ، وسوديام يرى هذه المراسيم والعجب آخذ منه كل مأخذ . وانفضّ الجميع كلّ عائدا الى منزله .

وكم وكم شاهد سوديام من مآس واسرار وفضائح وقبائح ، وعجائب وغرائب لا يمكن أن تصدّق ، ولكنها حقائق واقعيّة لا يأتيها الباطل .

لقد شاهد نساء ومعهنّ أولادهنّ وهنّ من غير أزواجهنّ ، بل نتيجة علاقات غراميّة مع من ارتبطن معهم بروابط جنسيّة .

وكم من فتيات مثاليات يظنّهنّ رفاقهنّ أنهنّ معدن الطهارة ، وما هنّ الاّ فاسقات رجيمات تخشاهنّ الأفاعي الرقطاء .

لقد تكشّف له حقائق الناس فهالته شرورهم وأخافته آثامهم واجرامهم ، وعرف لماذا لم يضع الله حاسّة سابعة للانسان وذلك لكي يمنع عنه أهوالا مرعبة اذا عرفها لتمنّى الموت فورا ، وهذه حكمة الله جلّت قدرته .

وفور مغادرة سوديام المقبرة ، عاد أدراجه الى عالم الفردوس بسرعة النور ، فبلغه ، واذا بحبيبته جوداميا تنتظره بفارغ الصبر ، ومعها ابنتها راهاديا الفاتنة . فاسقبلتاه ، وهرعت جوداميا الى بحيرة النسيان ، وطلبت منه الاغتسال بمياهها المقدّسة ، ففعل ، واذا به ينسى ما شاهده في أثناء الاحتفال بمراسم دفنه . كما نسي انه مات وانتقل الى عالم الفردوس . نسي كلّ ذلك لكي لا يتعذّب نفسيّا من توارد أفكاره المخيفة ، عندما يتذكّر ما شاهده من ختل البشر واحتيالهم ، ومن فسق النساء وتدنيسهنّ لشرفهن وهتك طهارتهنّ وتلويثها بالدنس الملطّخ بأقذار العار .

وظنّ سوديام بأنه خلق في هذا العالم الفردوسي بعدما نسي أنه كان في عالم الأرض ، مثلما يظنّ كلّ بشريّ أنه ولد في عالم الأرض ، ولم يسبق ولادته أيّ وجود له ، غير عالم بأنه كان في عالم آخر غير العالم الذي ولد فيه ، ولكن بمجرّد ولادته ينسى كلّ شيء عن عالمه الذي غادره ، وذلك لحكمة أرادها الخالق للخلائق .

بيروت ، الساعة 8 و38 دقيقة

من ليل 4/2/1979

 

سلام على الديار العلوية

 سلام عليك أيتها الديار العلوية!

سلام على ربوعك الرائعة البهية!

سلام على رياضك الظليلة السنية!

سلام على أرباضك الشاسعة الشهية!

سلام على أشجارك و اثمارك الندية!

سلام على الطمأنينة التي تسود أرجاءك التقية!

سلام على السكينة التي ترتع بها تخومك النقية!

سلام على الصدق الذي يحيا في مدينتك الزهية!

سلام على شمسك الساطعة بأنوارها السحرية!

سلام على البهاء الإلهي الذي يشمل مدينتك الجنية!

سلام على السعادة التي تغمر فراديسك الهنية!

سلام على من استطاعوا البلوغ لهذه الجنة القصيّة!

سلام عليهم يوم خلفوا وراءهم أرضهم التاعسة الشقية!

سلام عليهم لأنهم استطاعوا سحق شهواتهم ليبلغوا الأحذار السماوية!

سلام عليهم يوم ولدوا ، و يوم ماتوا، و يوم بعثوا في درتكم الإلهية!

 

باريس،30/5/ 1972 الساعة السابعة و النصف صباحاً

 

مدينة الاحلام الفاتنة

سلام لك يا مدينة الاحلام!

 سلام لأرضك الرائعة الفائقة البهاء!

سلام لغاباتك الظليلة الأشجار الوارفة الظلال!

سلام لمروجك العامرة بشتى الورود المذهلة الجمال!

سلام لحدائقك الغناء و مروجك السندسية الإلهية!

سلام لطيورك الصادحة على الأدواح السامقة!

سلام لبلابلك الغريدة و هي تنتقل على الاغصان لمورقة.

سلام لهدوئك الرائع و لسكينتك الحبيبة.

سلام لغدرانك المترنمة و لجداولك الرقراقة.

سلام لشلالاتك المهيبة و موسيقاها المسكرة.

سلام لشمسك الساطعة ببهاء أخاذ.

سلام لكواكبك ذات الانوار الساطعة الضياء.

سلام لروابيك العجيبة الأشجار المثقلة بالأثمار.

سلام لمن استطاع بنقاء صفحته،

 الولوج إليك، يا مدينة الاحلام.

سلام من مدلّه بك، مفتتن بربوعك،

مشتاق للسير بدروبك،

تواق أن يحيا في مروجك،

مستهام بحبك،

و يتمنى أن يعيش أبد الدهر بقربك.

 

بيروت، الساعة الخامسة من مساء 23/ 12/ 1975

 

مدينةُ الأحلام

حلّقت بخيالي نحو الأعالي … وإذا بي أرتقي ربوة فاتنة , تزينها أشجار من الذهب النقيّ تحمل أثمارا مذهلة من الجواهر الثمينة , وأوراقها من الزمرد الجمال ! وأعشاب غابها الهاجع بسكون من اليشب النادر والجزع اليتيم !

وكان النهر المتألق المياه فتنته تأخذ بالأبصار المدهوشة بما ترى . وحصباء هذا النهر الفريد من الفيروز واليواقيت الناصعة البياض والأميتيست البنفسجي .

وكانت كروم الغاب الغنيّ بوروده الفردوسيّة وبيلسانه المصوّغ مثقلة بعناقيد من اللؤلؤ الخلاب .

فتهت ممّا أشاهد , وجبت أرجاءه الحافلة برياحين جنّة الخلد العجيبة .

وشنّفت أذنيّ أنغام فردوسيّة تذهل سامعها وتدعه يحلق الى موطن الكواكب النيرة المتألقة .

وكان القارب المصنوع من ورود هذه الجنّة , وحبقها المصوغ , والمنتور المتعدد الألوان , وشقائق النعمان , يختلط بالقرنفل , والبابونيا , والزيزغون , والأضاليا , والزنابق الأنيقة . فأبحرت فيه , وإذاه ينساب بي في بحيرة يعكس صفؤها الأسماك الملوّنة وهي تسبح بمائها الفرات .وكان البطّ ينساب والأوز يمرحان على صفحة هذه البحيرة العجيبة الرائة بمفاتنها الخلاّبة . وتوقّف زورق المفاتن بي تحت شجرة ظليلة بأغصانها المتهدلة , فانبهرت بجمالها الأخاذ .

وكانت بلابل هذا الرض الإلهي تصدح على أفنانها بألحان عذبة أسكرتني , فحلّقت نحو الأعالي , وانتشت روحي لعذوبة هذا التغريد السماويّ . وتفتح وردة جمرية اللون , وخرجت منها حوريّة هي البدر التمام . وكانت ترتدي أنوار الشمس , وتتوّج رأسها بالبدر المتوهج بأشعته الشعرية , تحيط بها الكواكب النيّرة . وفجأة هبطت مركبة نورانية تقودها يمامتان لطيفتان , فأشارت الحوريّة لي بأن أصعد , وجلست بجانبي . واذا باليمامتين تبسطان أجنحتهما وتحلّقان نحو الأعالي .

ومضت الأعوام , وانقضت الأجيال , وفنيت الآجال وأنا أنعم بصحبة هذه الحورية الحوراء , دون أن أعلم بأن الدهور قد تلاشت لعظم سعادتي التي تعجز الأقلام عن وصفها .

لقد اجتزنا الكواكب , وجاورنا المجرات , واخترقنا السدم , ثم حطّ بنا الرحال في فردوس النعيم المقيم …

ثم استيقظت فإذا بي في أرض الجحيم اللعين .

كتبتها بالسيارة الذاهبة من فرجينيا إلى

واشنطن , في الساعة 10 و 35 دقيقة

من صباح 18\ 8\ 1978

 

مدينة سكّانُها لا يموتون فهم خالدون

كان أسد الله يسير في شوارع مدينة الأنوار الساطعة ,وقد استطال شعر رأسه حتى بلغ أسفل قدميه . وكان بريق شعره الذهبيّ يلمع تحت أنوار الشموس الستّة التي ترسل أنوارها على هذه المدينة الموغلة في البعد , في الفضاء الكونيّ اللامتناهي .

فنظام هذه المدينة السحريّة بمفاتنها يقضي على المرء , عندما يبلغ من العمر 500 عام , بأن يتحوّل لون شعره الشديد السواد إلى الذهبيّ . فمن يكلّل رأسه شعر ذهبيّ يعرف أنّ الأعوام قد تكأكأت على كاهله وطالت , ويتأكّد له أنه يحمل على منكبيه مئات من الأعوام البائدة .

كان أسد الله شابّا فتيّا , مفتول العضلات , قويّ الساعد , متين الأعصاب , حاضر البديهة , أديبا فطنا وأريبا . فهو لا يشقّ له غبار في مدينة الأنوار الساطعة . لقد رشف من العلم الرفيع ما اختزنه في عقله , فأصبح حجّة في العلوم والفنون والأدب الكوني , حافظا لتواريخ الحروب الكوكبية , مشتركا في الدفاع عن مدينته النورانية . فعندما حاول سكان كوكب السادلاييم اجتياح عاصمة مدينة الأنوار الساطعة , أبلى أسد الله بلاء رائعا , إذ حصدت آلات حرب هذا الشابّ الباسل المتمرس بفنون القتال أرواح أكثر من ألف مقاتل وكأنّهم ألعاب أطفال سخيفة .

وقد توّجت أكاليل المدينة الأكاليبتوس المقدّس رأس هذا البطل المغوار , وأقيمت له حفلات تكريمية كبرى . وأرسل كوكب اسمانديون أشعّته البنفسجية , فأحاطت بأسد الله , تأكيدا لبطولته . وقد تنسّم رائحة أنوار هذا الكوكب , فانتشت روحه . وجذبه هذا النور عندما تنسّمه فإذا هو قد ولجه ولوج المنتصرين الظافرين .

والمسافر من مدينة الأنوار الساطعة الى كوكب اسمانديون يحتاج إلى مركبة بسرعة النور , وإلى زمن يستغرق مليون عام نوريّ !

ولكن من يرسل هذا الكوكب أشعتّه البنفسجيّة اليه , ويتنسّمها , فأنه يجذب إلى الكوكب بلحظة واحدة , فيجد نفسه وقد أصبح يجوس هذه المدينة الخلاّبة التي زيّنها الله بفتنة فردوسيّة مذهلة .

واستقبلت غادات هذا الكوكب الصّيد البطل القادم اليهنّ , تحمله أشعة الكوكب العجيب , ورحن يرقصن له , وهنّ يهزجن أهازيج الترحاب بمقدمه , فثملت نفس البطل وابتهجت روحه .

وانتشى ممّا شاهده من جمال الكواعب الفرحات بلقائه , واستهوته أجملهنّ , فانحنى أمامها ولثم أناملها الغضّة البضّة , وإذا بها تطوّقه وتطبع على ثغره قبلة الزواج الذي لا تنفصم عراه , فهي خالدة من جيل الى جيل , ومن أزل الى أزل , ومن أبد إلى أبد . فالحبّ في هذا الكوكب الوضّاء خالد مدى الآجال والأدهار . ويقتضى ممّن ارتبط بهذا الوثاق المقدّس أن تلده من أحبّها وأحبّته عند انقضاء أعوامه الألف . وبعد بلوغه سنّ الألف عام وولادته , تصبح والدته زوجته مدى الأدهار الزاحفة .

كان أسد الله عندما اقترن ببهاء الربيع لا يتعدّى الخمسمئة عام . فهو ما يزال شابّا فتيا , طريّ العود , متين الأعصاب , تتدفق في شرايينه دماء الشباب الحارّة , فتمنّى لو تباد أعوام حياته ليحيا مع من أسرت قلبه واستهوت فؤاده .

والحياة في مدينة الأنوار الساطعة هي ألف من الأعوام , إذا لا يمكنه أن يشبع رغباته من حوريته التي خلبت لبّه إلاّ بعد مضيّ 500 عام ! ويا لها من مدّة طويلة تمنّى على خالقه أن ينسيه فيها فاتنة فؤاده كي لا يحيا أعوامه المديدة هذه حزينا , بائسا , يائسا , وشعلة حبّها مضطرمة الأوار في داخله , فتحيل حياته إلى شقاء رهيب .

وقاطن كوكب مدينة الأنوار الساطعة لا يمكنه , بأيّ حال , أن يقترن بأية فتاة مدينتها كوكب اسمانديون العظيم إلاّ بعد أن تتصرّم أعوامه الألف , وبعد انقضاء حياته ينتقل الى كوكب اسمانديون , وبمجرّد انتقاله تتغيّر سيّالاته , فتصبح منسجمة مع هذا العالم , وإذ ذاك يمكنه الاقتران بحبيبته – هذا إذا كان قد أوصل سيّالاته لتوجد في هذا العالم الفريد . ولشدّة رغبة أسد الله بمن استولت على عقله وخلبت لبّه , حاول تطويقها بذراعيه وارتشاف لماها , ولكنّه كان كمن يحاول أن يمسك الهواء بيديه , وإبقاءه في قبضته , وهذا من رابع المستحيلات .

وأخذه عجب كبير , إذ قال : كيف , إذا, قبّلتني , وشعرت بقبلتها وقد أسكرتني , وأضاعت نهاي , والآن أحاول تطويقها , فأراني أطوّق الفضاء , مع أنها بجانبي .

وإذا بصوت خفيّ يقول له :

” إنّ نظام هذا الكوكب الإلهيّ يسمح لك , كبطل آزرتك أنوار الكوكب البنفسجيّ فجذبتك اليه , أن تشعر بقبلتها لأنها ستكون زوجتك وحبيبتك عندما تنتهي أيّام حياتك في كوكب مدينة الأنوار الساطعة . وبعد هذه القبلة لا يمكنك الوصول إلى صاحبتها , وهي كذلك لا يمكنها لمسك أو الاجتماع بك حتى تنقضي أعوامك الألف . وإذ ذاك تنتقل إلى كوكب اسمانديون وتلدك حبيبتك المختارة . وعندما تنمو ويشتدّ عودك تكون زوجتك وأنت قرينها الحبيب “.

وحزنت نفس أسد الله , مع أنّ الاحتفاء بمقدمه كان عظيما , ومشاهد الأمكنة التي زارها كانت رائعة ومشوّقة للغاية . وكان طوال تجواله في مدينة الفنّ السامي منطويا على نفسه لعدم استطاعته المكوث مع حبيبة روحه المصطفاة .

عشرين عاما مكث أسد الله في هذا العلم العجيب الغريب . وقاطنو كوكب اسمانديون لا يعرفون النوم على الإطلاق . والليل لا يعرفون منه سوى اسمه , فالنور يغمرهم دائما , والضياء يرافقهم أنّى ساروا أو رحلوا . وعندما يسيرون يرسمون نجمة بأصبعهم على جبينهم , فإذا بهم يرتفعون في الفضاء , ويسيرون فيه كأنهم يمشون على اليابسة .

وكم أذهلته أشجار حدائق هذا الكوكب المذهل ! فأغصانها متهدّلة , وكلّ ورقة من أوراقها الغضّة ذات لون يختلف عن الآخر , فهي مجموعة غريبة من آلاف الألوان الباهرة . وأثمارها الجنيّة متعدّدة , فكلّ شجرة تحمل آلافا من مختلف أنواع الأثمار . وعندما يضع المرء ثمرة في فمه تذوب فورا , ومذاقها العجيب اللذّة يدعه مسرورا ومبتهجا , فيشيع الفرح في أطرافه ويحتلّ أعصابه .

وإذا حاول اقتطاف ثمرة أبهجه منظرها وكانت ذات سيّال مؤذ له , فأنها تنّبهه بصوتها الرخيم قائلة أنا له :

” إياك أن تقتفني , فأنا لسواك ممّن يستحقّون العقاب بالنسبة لأعمالهم السيئة ” .

والجزاء في هذا الكوكب السامي يقع على كلّ من لا يتقيّد بنظامه السرمديّ . وما كان اشد ذهول أسد الله عندما ولج غابة النعيم المقيم , وشاهد شجرة الطاووس السامقة , وقد حطّ على أغصانها الرائعة المفاتن آلاف من مختلف طيور هذا الكوكب الضاجّ بالمحاسن الفردوسيّة . وكلّ طائر منها يصدح بأغاريد عذبة تنسي المرء أحزانه وتزيل عنه أشجانه , فتمرّ الساعات , وتتلاشى الأسابيع , وتفنى الشهور , وهو تائه مذهول مبهور مما يسمعه من أنغام فردوسيّة تدخله إلى سماوات عامرة ببهجات قدسيّة لانهائيّة .

انقضت السنوات العشرون , وانطلقت أشعّة الكوكب البنفسجيّة فحملت أسد الله معيدة إياه إلى مدينة الأنوار الساطعة التي كان قد غادرها .

وقرعت طبول الفرح , وهرعت الملايين تستقبل بطلها المغوار العائد من كوكب هائل البعد . وطويت الأعوام وأبيدت , وأسد الله ما زال ينتظر فناءها جميعا كي يقترب من معبودته , وخالبة لبّه , وحبيبته التي اقترن بها بهاء الربيع التي تزوره في عالم أحلامه مؤكّدة حبّها العظيم وإخلاصها له وفناءها بغرامه المضطرم الأوار .

وكم تمنّى لو أمكنه الانتحار والتخلص من حياته ليذهب الى كوكبها الفاتن . لكنّ سكّان هذه المدينة العجيبة لا يمكن أيّا منهم أن ينتحر , ولو ألقى امرؤ نفسه من قمة أيّ جبل شامخ , وهوى الى الحضيض , لانتصب واقفا دون أن يخدش له ظفر . فالموت لا يأتي أيّ قاطن في هذه المدينة حتى تنتهي أعوامه الألف . لهذا فهو يحصي الثواني , ويتمنّى فناءها , فبفنائها بدء سعادته .

وبما أنّ مدينة الأنوار الساطعة لا موت فيها إطلاقا . فعندما يبلغ المرء عامه الألف يكون قد شاخ , وتوتّرت أعصابه , وانحنى ظهره لثقل الأيام ,وضعف بصره , واخشوشن صوته , وثقلت خطواته , وأخذ يترنّح يمنة ويسرة .

وعندما ينقضي يومه الأخير من عامه الألف , يتغيّر فجأة , فيولد طفلا رضيعا , ويروح ينمو مع الأيام , ويعيد سيرته الأولى , أي يحيا ألفا من الأعوام , ثانية , وبنهايتها يولد مرة أخرى , وهكذا دواليك …

وانقضى الأسبوع الأخير , وأصبح عمر أسد الله 1000 من الأعوام . وبانتهاء آخر دقيقة من عامه الألف اختفى أسد الله بغتة وهو جالس مع زمرة من أصدقائه . فعرفوا بأنه قد ولد في كوكب اسمانديون ذي الأشعة البنفسجيّة . فسكان مدينة الأنوار الساطعة علموا جميعا بحبّ بطلهم ل بهاء الربيع الفاتنة . فأقيمت الأفراح بهجة وحبورا لولادته منها .

وبالدقيقة نفسها التي توارى فيها جسد أسد الله عن العيان , ولدت بهاء الربيع طفلا جميل الصورة متين التركيب . وفور ولادته أطلق ضحكة رنّانة عرفت منها بهاء الربيع أنه كان متلهفا للقياها . فقبّلته وقالت له :

سأنتظرك خمسمئة من الأعوام حتى يشتدّ عودك يا حبيب نفسي الخفيّة . فأنا لك وأنت لي من قديم الزمان , ويد الحبّ التي ربطت مصيري بمصيرك لن تستطيع يد القدر أن تمتدّ اليها . فأننا سنلتقي معا في جميع أدوار حياتنا , وسنحيا معا , وننتقل من كوكب إلى كوكب مدى أدهار وأزمان لا يحصيها عدّ .

وأذيعت البشائر في هذا الكوكب البنفسجيّ معلنة وصول أسد الله بطل مدينة الأنوار الساطعة , وقد أصبح قرين بهاء الربيع أفتن حوريّة بهذا الكوكب .

وعندما اجتمع أسد الله ببهاء الربيع في كوكب اسمانديون , كان عمرها , إذ ذاك , 2500 من الأعوام . وقاطنو هذا الكوكب البنفسجيّ الأشعة يعيشون 10 آلاف من الأعوام , رجالا ونساء .

إذا عند ولادة أسد الله من حبيبته , كان عمر بهاء الربيع 3000 عام . وبعد أن يمرّ على ولادته 500 عام يمكنه ممارسة الحبّ مع قاطنة روحه . فيكون عمرها يومذاك 3500 عام , أي تكون في شرخ فتوّتها وربيع عمرها , إذ يبقى لها من الحياة 6500 عام . وعندما تنتهي أيّام حبيبته لبلوغها العام 10 آلاف , يكون هو في عامه ال 7000 , أي سيبقى بعيدا عنها 3000 عام , ولن يسمح بالتقائه بها بعد ذلك إلا ّ إذا كان قد أوصل سيّالاته الى العالم الذي ستكون فيه . كذلك درجتها هي تؤخذ بعين الاعتبار , فاذا كانت أعمالها قد أوصلت سيّالها لعالمه فلقاؤهما يتمّ , وإلاّ فلن يلتقيا , ربّما لآلاف من الأدهار تباد دون اجتماع .

إنّ النظام الإلهيّ في غاية الدّقة , وعلى المرء أن يتقيّد بالأوامر والنواهي الإلهيّة . وسواء أكنّا في كوكب الكّرة الأرضيّة أم في أيّ كوكب أو عالم أو مجرّة , فيجب علينا السيّر بموجب النظام الإلهي الذي وضعه الله للكوكب والأفلاك والسّدم والمجّرات المعروفة والمجهولة .

وارتفعت الأناشيد من جوقات كوكب اسمانديون ابتهاجا بتوافق سيّالات أسد الله وبهاء الربيع بدليل ولادته منها . إذا لقد أوصل سيّاله بأعماله التي حققها في عالمه الى درجة استحق معها أن يولد في اسمانديون البنفسجيّ الأشعة . وهذا أبهج قلوب سكان الكوكب السعيد .

وإذا بطيور شجرة الطاووس الفائقة الفتنة تصدح أنغام تغاريدها , معلنة الحدث العظيم , حدث ولادة بهاء الربيع لحبيبها أسد الله بطل كوكب الأنوار الساطعة .

أنهيت كتابة هذه الأسطورة في تمام الساعة الواحدة

بعد ظهر 17| 7| 1978 في الولايات المتحدة الأمريكيّة

 

نأتي الى هذا العالم باكين معولين، ونغادره باكين معولين. فواها” لك يا عالم البكاء والعويل

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!