العودة الى المُطلق
أُسس العقيدة الداهشيَّة
- استسلام
- الابتهال الاول
- الابتهال الثاني
- الابتهال الرابع
- الابتهال الحادي عشر
- أللّـــه
- ضراعة لخالق البرايا
- نشيد مؤمن
- سلام
- شوق عارم
- يا عالم الروح الطاهر
- أسرار الموت والحياة
- أُغنية ملاك
- الحُلم الهابط الى أرض البشر
- الكوكب فومالزاب
- حلم مُذهِل
- رحلة وردة جوريَّة
- سلام على الديار العلوية
- مدينة الاحلام الفاتنة
- مدينةُ الأحلام
- مدينة سكّانُها لا يموتون فهم خالدون
- استسلام
- إلى فادي الأنام
- إلى معدن الطهر و النقاء
- رسول السلام
- ليس لنبيٍّ كرامةٌ في وطنه
- إستقبال عام 1937
- استقبال عام 1970
- أشعر بأنّي أحوي
- إلى ابنتي في عالم الغيب
- إلى ولدي في عالمه المجهول
- أنا القوى الجبارة
- أنا ثائر
- أنشودة الروح
- أيّها الحُسّادُ الموتورون
- سأُبوتقُ البشر
- سأعود
- ظنك خائب
- عندما تغربُ شمسي
- عنكبوت النسيان
- ليس من يقظ سواي
- مات داهش
- نشوة روحية
- نصح وإرشاد
- وداع عام 1943
- إبتهال
- أرضكم هذه
- المنبوذ
- المؤدّب
- انا نارٌ تهوي على اللؤماء
- تخيلات ستحققها الأيام
- ثورة إله
- جبروت
- حلم غريب
- صعاليك
- غضبة مروعة
- يوم الإنتقام
- إستقبال عام 1980
- الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروع
- لبنان أيها التعيس
- معركة جهنمية مبيدة
- وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
- وداع عام 1944
- الأرض الزانية
- الضباب
- اليوم الأخير
- أيضاً إلى أخي سليم
- تخيلات نووية
- حذار ثم حذار
- خراب الأرض
- فشا الإلحاد فيها
- ليلة الأهوال المزلزلة
- نيويورك و ناطحات سحابها
- ومادت بهم دنياهم
- الإنسان
- العدالة الموءودة
- المال والله
- المال
- تراب
- تمثال الحريّة
- ثعالب
- حقارة البشر وضعتهم
- خياتنا التافهة
- ذئاب مفترسة
- غرور الإنسان
- فقاقيع
- الشجرة المشطورة لقسمين
- الكونتينار وصناديقه ال25
- حديث بين بصلتين خضراوين
- شجرةُ معرفة الخير والشر
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثاني
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثالث
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع
- الحذر واجب
- الديانة الداهشية
- الديانة الداهشية
- الرسالة الداهشية تهاجر
- رسولة الله
- سأغنّي
- كلمات
- كلمة أول حزيران
- والدة داهش
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثاني
- قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثالث
- قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع
يقول يسوعُ الناصريُّ: “لا تظنُّوا أنِّي أَتيتُ لأَنقضَ الناموس أو الأنبـياء، إنِّي لم آتِ لأَنقضَ لكن لأُتمِّم،” (متّى 5: 17) هو نفسه قال أيضًا لتلاميذه: “إنَّ عندي كثيرًا أقولُه لكم، لكنَّكم لا تُطيقون حَمْلَه الآن. ولكن متى جاءَ ذاك روحُ الحقّ، فهو يُرشدُكم إلى الحقِّ جميعًا، لأَنَّه لا يتكلَّم من عنده بل يتكلَّم بكلِّ ما يسمع ويُخبرُكم بما يأْتي.” (يوحنّا 16: 12-13)
تاسعًا البشر وضاعتُهم وشرورُهم
مهداة إلى من أحبه كثيرًا
الإنسان هذا الوحش الشرس والذئب المفترس.
إنه أعدى أعداء نفسه فكيف بسواه من أبناء جنسه!
ينامُ والحقدُ ملء جفنيه، والضغينة تكمنُ بين جنبيه،
ودم ضحاياه يلوث يديه، وبسمة الغدر تعلو وجنتيه،
وتمتمة الإثم تقطنُ في شفتيه.
ويستيقظ بينما يتلظى في صدره بركانٌ ثائر يتأجج بالشهوات الملونة،
فيرتكب أحط أنواع الاعتداء الشائن،
شأنه منذ قذفت به أمه إلى مستنقع دنياه الأثيمة.
هناؤه في إيقاع الضرر بالغير،
وحُلمُه الذهبي زرع بدور الشفاق لمن يستطيع إليه سبيلاً.
راحته بالقضاء على فريسته براحتيه،
وسعادته بالاجهاز عليها بساعديه،
فلا بارك الله في صُنع يديه.
الشفقة لفظةُ خرافية لديه،
والعدالة كلمة لا يتلفظ بها سوى معشر المجانين،
ولذته الدائمة في سماعه عويل الثكالى وآلام المفجوعين.
يلقاك فيرحب بك كأنك شقيقه الوحيد،
ولو استطاع لنحركَ من الوريد إلى الوريد،
ول تكشفت لك دخيلته لهالك الأمر وذُعرت،
ولفررتَ من هذا الشيطان المتسجد، المتصنع الرقة، المتكلف الرحمة،
وما هو الا جلاد لا حياة له دون سفك دماء الأبرياء.
يراوغُ صديقه ويداوره،
وفي الفرصة السانحة يطعنه بخنجر خيانته فيصرعه،
ثم يطلق عليه عقارب نذالكته تشفيًا بمصيره.
كلماته المعسولة سم زعاف قاتل لا ترياق يشفيه،
وبسماته إذعرفت على حقيقتها يفضل عليها لذعات أرهب أفعوان كريه.
إنه ذئبُ كاسر يختبئ بجلد إنسان لأنه أبدي المخاتلة والروغان.
أنت تسعى بإخلاص لنعمته، فما يلقاك إلا بنقمته.
سعيه الحثيث حيث مواخير الشرور والموبقات،
يستقطرها خلاصة عهرها وحثالة فجورها.
واعلم أيها الغبي الأرعن أن البشر يخطبون ودك عندما تكون سيدًا لا مسودًا،
ولكنهم لا يتوانون عن تحطيمك وتهشيم عرشك وقصم ظهرك
إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلاز
وهم يواصلون السعي ليل نهار في سبيل تحقيق هذا الحلم…
إذ لا يطيقون أن يشاهدوا من هو أسمى منهم…
سواءً أكان هذا السمو في المنصب أم في أي أمرٍ آخر سواه.
فلا يعرنك ما تجده منهم من خضوع أرغمتهم عليه ملابسات الحال،
وإذا قدر لهم النجاح، وكُتِبَ لهم الفلاح،
واستطاعوا أ، ينتزعوك من منصبك، ويغفروا بالرغام انفك،
إذ ذاك تجدهم قد تهللوا، وانشرحت خواطرهم، وانفرجت أساريرهم.
أولست أصبحت فردًا عاديًا مثلهم؟
أما إذا سألتني:
– وماذا يجديهم عملهم المحزن معي
ولم أجرم بحقهم حتى أنال هذا الجزاء منهم؟
أجيبك للحال:
- أو تناسيتَ أيها الفطن الأريب
أننا معشر الإنسان قد أطلق علينا منذ القديم اسم: البشر،
ومختصر هذه الكلمة أيها الحصيف هو شر؟
والحقيقة التي لا مهرب لنا منها أن جميع أعمالنا هي شرب شر.
فيا رعاك اللهَ! كن يقظًا ولا تثق بمن جبلَ من طين ملوث.
أو ظننتَ أن الطين أيها المسكين
سيرتفعُ يومًا فينقلب إلى مادةً سماوية يوثق بها؟
وأنى لمثل هذا الموغل في الشرور والتائه في الديجور
أن يؤمن جانبه ويُطمأن إلى صحبته،
وليس سوى الجرائم في جُعبته.
إنه كالثعبان يطربُ الطرب كله عندما ينفثُ في الإنسان سُمَّه…
واسمع يا صحبي حقيقة صاحبك الإنسان،
فهو مسبوك في الرجس، مسكوك في الدنس،
مجبول في الرذيلة، منغمس في النقيصة،
مغتسل في البذاءة، معتمد في الدناءة؛
ينامُ في فراش الدنس دون أن يبكته ضمير،
وهل لمثل هذا الإنسان من ضمير؟
نعيمه في دنياه أن يُقيم في بيروت الآمنين مناحات متسلسلة،
وفردوسُه إصغاؤه لنشيج من أوقعهم في شباكه واصطادهم بأشراكه.
دأبُهُ السعي للخراب الشامل
وإن لم يكن في ذلك إفادةً مضمونة له.
فقد جُبل على حب الدمار وخرق الذمار.
وكم يطربه أن يرى جميع ما حوله بلقعًا خرابًا وقفرًا يبابًا.
واصغِ لما أقصُّه عليكَ من صفات هذا الإنسان المجبول بسماد الفساد.
إنه يرقُص فرحًا لنبأ صاعقة دمَّرت مساكن جيرانه،وجرفت مواطن إخوانه.
فما علين ما دام قد سلمت داره ونجت آثاره؟
ويثملُ عندما يتمكن من الاحتيال على ضحية من ضحاياه،
فيبتزُّ منه ما يكون قد أدخره لرد غائلة الجوع وعري أطفاله المساكين.
فهو يردد اسم الله تعالى ويقسم بابنه الحبيب بأغلظ الأقسام،
بينما يبتسم في أعماق فؤاده ممن يعتقدون بمثل هذه السخافات.
يتمنى أن يتحكم بأمرك وينفرد بإدارة دفة مصيرك
ليُذيقك من البلاء أصنافًا متعددة الألوان،
ويجرعك من كأس المذلة والهوان.
هو يكرهك كراهيةً عميقة جدًا،
ولكنهُ يُظهر لك الحب والارتياح لأنك أقوى منه وأثرى.
يهددك بقبضة يديه من وراء جدران غرفته
الشاهدة على جرائمه،
العارفة بحقارة نفسه وروحه.
يجالسكَ وهو يتمنى أن يخطف ملك الموت روحك،
وينتزعها من بين أضلاعك، ويستلها من سويداء فؤادك
إذا كان له فائدة مهما كانت ضئيلة من وراء ذلك.
يزدري بشؤونك ولا يهمُّه تعاستكَ وشقاؤك.
يتمنى سحقك ومحو اسمك كي يبرز اسمه ويتحدث الناس بشأنه.
ينشي بفحيح الصل، ويسكر من عواء الذئاب،
ويستأنس بنعيق البوم في أحلك الليال الداجية.
يهدد السماء بقبضة يده بينما بعوضةٌ حقيرة توردُه موارد التهلكة.
يشمخُ بأنفه وكأنه إلهٌ عظيم القدر، رفيع الشأن،
هبط تلطفًا منه إلى عالم الأرض
رحمةً منه بالإنسانية التي لا تستحق أن تشاهد له ظلاً،
ولو عرف حقيقته لصعُق هولاً، ولتوارى من نفسه خجلاً؛
فهو في حقيقته من أقذر المخلوقات وأتفهها شأنًا.
إنه دابةٌ دائبةُ التمرغ في حمأة النقائص المعيبة،
وجيفةٌ تعافُها جرذانُ المراحيض.
يتناول الفاكهة الرطبة الجنية ليعود فيُخرجها أقذارًا
تنبو العينُ من رؤيتها والنفس من تنسم رائحتها.
أما ما يخرجه أنفه من سوائل مخاطية
فمما تتقزز النفس من أوصافه الكريهة.
وحدث يا صاحبي ولا حرج عليك عندما يُصاب بالبثور،
ذات القيح والصديد والقشور.
واذكر يا عشضيري هذا المخلوق المتعجرف الحقير
عندما يتنفس ويصوت قسرًا عنه،
فتتصاعد على الأثر روائح خناقةى يستعيذ منها سيد الأبالسة،
فيطلق ساقيه للريح عائدًا إلى جحيمه
مفضلاً إياه على ما تنسمه أنفه من لوثة طاعونية موبوءة…
وقل له:
- أما زلت تعتقد بعظمتكَ أيها المسكين الحقير؟
ثم حدث وحدث وحدث!!!
فيا قارئ مقالي،
تمعن في نصيحتي مليًا لأنني عجمتُ عُودَ الإنسان،
فعرفتُ أي ثعبان لئيم يكون،
فلا يغرنك حُسن مظهره، وحاذر من قُبح مخبره،
فقد نبهتك من حيلته، وكشفتُ لك عن دخيلته،
فحذار يا صاحبي منه حذار، وتذكر قول المعري:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذْ عوىا وصوَّتَ إنسانُ فكدتُ أطيرُ
بيروت، 4 كانون الثاني 1945
يا أعواد المشانق،كم لك من ضحايا بريئة شريفة!
وكم من أثمة لم يتأرجحوا بحبالك القوية!
ولؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدلية!
إن دموع الآباء والأبناء تشق الفضاء
وصرخاتهم العميقة تخترق السحاب فالسماء
لا كنت يا أحكام! وتباً لك أيتها القوانين السخيفة!
عندما صممت أن أقوم برحلة حول العالم، ذهبت إلى شركة الطيران وقلت لها:
-إذا منحتني تذكرة سفر مجانية فإن الله سيزيد دخل الشركة.فنظر إليّ المدير نظرة تهكمية،وقال لي:
-ليس عندنا وقت نضيّعه،فادفع تجد دفتراً يخوّلك القيام برحلة ترى فيها الكرة الأرضية بأسرها.
واضطررت أن أدفع،لأن اسم الله لم يكن جوازاً صالحاً لمنحي دفتراً مجانياً. وكانت أول مدينة نزلت فيها روما.
وعندما غادرت فندق الهلتون الذي نزلته عند وصولي إلى روما،قلت للمسؤول:
-إن الله سيعوّضكم أضعافاً إذا لم تتقاضوا مني أجرة منامي.فقال لي:
-الوقت لا يسمح لي بمبادلتك المزاح،فادفع وارحل.
فدفعت صاغراً ثم رحلت.
وفي مدينة نابولي ابتعت سلعة من متجر كبير، وقلت لمن باعنيها:
-أنا مؤمن بالله فلا تأخذ ثمنها منّي.
أجابني:
-آمن بالله أو بالشيطان، فهذا أمر يخصك.أما ثمن السلعة فيخصني.
فدفعت الثمن و خرجت.
وفي باريس أعجبت بلوحة زيتية،وقلت لصاحب المتجر:
-حلمت أن الله قال لي أن لا أدفع لك ثمنها،إذ يجب أن تهبني إيّاها مجاناً، فيكافئك الله على عملك.
فأجابني:
-انا لا يهمني ما قاله الله لك/وما يهمني هو قبض ثمن لوحتي.أما مكافأته لي فأنا بغنى عنها لأنها وهمية وسفسطة كلامية.
فأجبرت على ان أدفع له وأهرول خارجاً.
وفي بلجيكا استبد بي العطش الشديد، فشربت زجاجة من عصير البرتقال، وقلت لصاحبة متجر المبردات:
-لقد نسيت محفظتي في الفندق فسامحيني بالزجاجة التي شربتها بوجه الله.
فاستشاطت غضباً وقالت :
-لن تغادر مكانك قبل أن تدفع ثمن ما شربته.
أما وجه الله فدعه لك لترى وجهك فيه كالمرآة.أما أنا فدعني أشاهد وجه الفرنك،فهو انفع لي من وجه إلهك المزيّف.
وفي أمستردام-هولندا-تناولت طعام الصباح بأحد مطاعم المدينة.
وعندما نهضت لأخرج مثلت دوراً، إذ جعلت أبحث في جيوبي ثمأخرجها فارغة.
وقلت لمن أحضر لي الطعام:-لقد فقدت محفظتي،فتأكيداً لوصية السيد المسيح الذي قال”إن جاء عدوّك فأطعمه،وإن عطش فأسقيه”،وأنا لست عدواً لك:وأنت تدين بدين المسيح، فتنفيذاً لوصيته تجاوز عن ثمن الغذاء.
فأجابني:
-ولكنك ستجد محفظة نقودك في السجن.
فقلت له:
-هل هذا هو تكريمك لكلام مسيحك؟
أجابني:
-أنا أكرّم الدينار لا المسيح، وجميع أبناء البشر مثلي،فنحن متساوون.
وفي ديسلدورف-ألمانيا-لم أجد مكاناً في أي فندق ذهبت إليه لأن معرض المطابع الدولي كان معقوداً آنذاك .وقد وجد لي مكتب الإستعلامات مكاناً أنزل فيه عند عائلة.
فمكثت عندهم ثلاثة أيام.وعند انقضائها قلت لرب المنزل:
-إن الله أمر بإكرام الغريب.فتنفيذاً لوصيته الإلهية،وتكريماً لأقواله السرمدية،أطلب أن تعفيني من أجرة الغرفة،وعند عودتي إلى بلادي أسدد لك الحساب.
وإذ ذاك احمرّت عيناه وانتفخت أوداجه،وكاد أن يلقيني من النافذة. وقال لي:
-حقائبك عندي حتى تدفع لي إستحقاقي.أما خرافة الله فنحن اليوم في القرن العشرين.وكلامك كان يصدق في العصور المظلمة لا اليوم. إذ إننا نعيش في عصر العلم، عصر النور والمعرفة.
وفي كوبنهاكن -الدانمارك- قصصت شعري و قلت للمزيّن:
-ما هي ديانتك ؟ أجابني:
-مسيحي.
قلت له :
-المسيح قال”من أخذ رداءك فأعطه أيضاً قبعتك”.لهذا أطلب منك أن لا تأخذ ثمن إصلاحك لشعري.
أجابني:
-أنت ومسيحك أغربا عني،بعد أن تريني وجه الكرنات العشرين أجرة عملي.
وفي هلسنكي –فنلندا-ركبت الباخرة النهرية، وقمت فيها مع سواي من السياح بنزهة حول الجزر الفنلندية.وقبل أن أدخل الباخرة قلت لقاطع التذاكر أن يعفيني من دفع ثمن التذكرة لأن الله يحب عمل الخير.فقال لي:
-نحن الغربيين عمليون.أما أنتم الشرقيون فخياليون فادفع أو دع الله يدفع عنك.
وفي ستوكهولم بآسوج أحببت أن أقوم برحلة في أوتوبيس مع غيري من السياح إلى الكرة الآسوجية.
وقلت للشركة المولجة بإعطاء التذاكر أن تهبني تذكرة مجانية تخوّلني القيام بهذه الرحلة.وأكملت-أن الله لا يضيّع أجر المحسنين.
فأجابني المسؤول:
-أنا لا أؤمن بالله أو بالشيطان،فكلاهما عندي سيّان.فإذا كنت مؤمناًبأحدهمافدعه يعطيك تذكرة الرحلة،وإلاّ فدعنا نرى عرض أكتافك.
وعند ذاك نقدته ثمن التذكرة.فابتسم وقال لي:
-هذا هو الله الذي يعرفه أهل هذا العصر،أما الله الذي تعنيه فقد دفنه العلم ولن تقوم له بعد اليوم قائمة.
وبعد غد سأذهب إلى أوسلو بالناروج،ثم اغادرها بعد أيام إلى لندن،ثم إلى النمسا،وأخيراً إلى اليونان.
ولكنّي لن أجرّب ما جرّبته في العواصم التي ذكرتها لأن الأجوبة ستكون واحدة.
فيا أيها الدينار،
يا صاحب المجد والقوة والإقتدار،
يا صاحب المقدرة الفذّة العجيبة،
يا من يحبك جميع سكان الكرة الأرضية.
لقد تفوقت على الخالق تجاه الخلائق.
فالخالق قد خلقك فتعاظمت عليه…ونجحت.
وهنا أعجوبة الكون الكبرى.
أمخلوق ويتفوق على الخالق فيتمسك به الجميع،ويطلبه الجميع، ويتوسّل إليه الجميع،ويعبدونه دون الله؟!
والشعوب تراها تزحف حيث يكون ،ضارعة إليه أن يزورها لتتبارك به، وملوك الأرض يطلبونه بشوق عظيم!
وحكام المعمورة يلجّون في طلبه،ودكتاتور ودنيانا يقلبون الأرض ويقبّلونها في سبيل الحصول عليه!
وغيد هذه الدنيا وصباياها، وأجمل الجميلات فيها يبذلن ما حباهنّ الله به من جمال في سبيل الحصول على بعضه!
فالخالق فشل من حيث انتصرت أنت!
أتوجد قوة تعلة قوة هذا الدينار الجالس على عرش القوة والإقتدار.
إن الله أصبح عند البشر مجهولاً،والدينار أصبح هو المعروف والمعترف به.
إن هذا إلا للغز عجيب غريب لا يستطيع أي مخلوق بشري أن يفك طلاسمه ويرفع الأختام عن رموزه ليهتك أسراره.
إن مخترعك أيها النضار إن هو إلا الشيطان الرجيم بعينه. لقد أوجدك ليوجد الشر في الدنيا.
أوجدك لتعم الخطايا،وتعظم الرزايا،وتطغى البلايا.
أوجدك كسلاح يحارب به الله عز و جل،وقد نجح هذا الشيطان الأثيم.
فالبشر قد عبدوا النضار، وتخلّوا عن الله خالق الليل والنهار.
أوجدك ليوجد الشقاق،وليعمّ الكذب ويعظم النفاق.
أوجدك ليضمّ كل أهل الكرة الأرضية إلى جهنمه المتقدة بالنيران ذات التأجج الأبدي.
فيا لله!يا خالق الاكوان،وموجد العوالم المعروفة والمجهولة!
أما آن لقدرتك الإلهية أن تبطش بهذا المال الأثيم؟
فببطشك به تكون قد بطشت بإبليس اللعين.
إن صبرك،يا الله،هو عظيم وعظيم جداً.
فعندما ترغب إرادتك الإلهية أن تنهي سلطة المال في أرضنا الشقية بوجوده، إذ ذاك يعمّ الصلاح أهل الأرض.
وعوض أن يضمهم إبليس إلى مملكته الجهنمية المتأججة بالنيران الخالدة الأبدية، تستضيفهم السماء في جناتها العجيبة ذات البهجات السرمدية.
مدينة أوبالا الأسوجية،في 18/6/1972
الساعة الثانية بعد الظهر
بقلم الدكتور داهش
يا مال! يا مال!
يا ضالة كل بشريّ يقطن هذه الغبراء!
أيها القذر،أيها النذل،أيها النتن!
يا منبع الآثام، ومبعث الآلام،ومثير الأشجان!
أيها التنين الفاتك، والوحش الباطش!
أيها الجبار!أيها الذليل!
أيها الشامخ بأنفه إلى ما وراء السحاب!
أيّها الآمر الناهي،العاجز الحقير،
الخسيسي اللئيم،والوغد الزنيم!
توار عنّي،ولا تدن منّي.
فما عدت لآبه بك بعد اليوم.
أشح بوجهك الكريه عنّي،
واحجبه،يا هذا ،وراء ضباب رجسك
المالئ برائحته النتنة الموبوءة رحاب الدنيا؛
رجس قتال،فتّاك،تعافه النفوس،وتمجّه الأذواق!
ومن أنت؟
-أنت أعجز بكثير من أن تستطيع إغرائي،
يا من يسبّح باسمك جميع الأمم،
ويخرّ لهيبك عظماء الملوك!
إيه! أيتها القوة العجيبة!
أيّها الباسط حكمه على هذه الأرض و من عليها من إنسان!
يا سرّ الأسرار و لغز الكزن،
بل يا مذلّ الفلاسفة،ومحقّر الحكماء،و مسفّه العلماء!
يا مال!..
يا ضالّة العظماء والصعاليك والملوك والأفراد!
يا مطمع كل حيّ لفظته الحياة على سطح هذه الكرة الحقيرة.
لقد نشدك الفيلسوف العظيم!
وطلبك الحكيم العليم!
ورجاك السيخ الهرم المحطم!
ودعاك الشاب الطرير اليافع!
واستصرخك الطفل الصغير!
وناجاك من أعماق صومعته الناسك الزاهد!
وتذلّل أمام قدميك الراهب الجليل!
بل يا من دعتك المومس نم فراشها القذر،
والملكة من قصرها المناطع للسحاب،
والحبر الوقور من قمة المعبد،
والحسناء اليافع من خدر الطهر والعفاف!
نعم،والأنبياء من وراء أكمة المناجاة،يا مال!
والأولياء والأدنياء،والصالحون والطالحون،
والأبرار والأشرار،والأطهار والفجار!..
كل هؤلاء نشدوك وطلبوك،ورجوك ودعوك،
واستصرخوك وناجوك،وتذللوا أمام قدميك!
نعم،وكانوا لك العبيد الطائعين،
والخدم الأمناء،والتبع الأذلاء!
فأجبت طلاب قوم، وخيّبت آخرين.
فاسزادك الأوّلون،وانتحب أسفاً عليك الآخرون!
إيه ،إيه!و من تكون أنت يا مال؟
أنبيّ أنت؟
كلا، ما أنت بالنبيّ…
بل أنت أعظم من نبيّ!
الأنبياء،يا مال، عشرات و مئات،
منهم جاءوا هذه الأرض ومضوا كما جاؤوا،
مخفقين فاشلين،
يندبون ضياع الوقت،وفناء المجهود.
جاؤوا،يا مال،ومضوا كما جاؤوا،
ولما يستطيعوا جمع الشعوب تحت راية واحدة،وعلم واحد!
أما أنت،أيّها (السيال) العجيب،
فلقد جمعتهم إليك كما تجمع الدجاجة فراخها،
وأنت جالس على عرشك السحريّ دون أن تنبس ببنت شفة،
ودون أن تبدي حراكاً،
بل ودون أن تأبه أيروق الناس بطنك أم ظهرك،
وجهك أم قفاك!
جمعتهم،يا مال تحت رايتك المادية.
فما هي إلاّ هنيهة وتمرّ…
حتى كانوا وهم المتوحدو المذاهب،
المتفقو المشارب،والمتقاربو الأهداف!
وما هي إلا هنيهة وتمر…
حتى كانوا وهم الركع السجود،
المتمرغون بالأوحال،المتعفرون بالتراب،المقبّلون للنعال!
وما هي إلا هنيهة وتمر…
حتى كانوا وهم الكافرون بنعمة الرحمن،
المتشبثون بنقمة الشيطان!
وما هي إلاّ هنيهة و تمر…
حتى كانوا وهم العبدان الأرقاء،
وأنت السيد البطل،
المتربع على عرشك العجيب،
مدمدماً دمدمة السعالي،
مقهقهاً قهقهة العفاريت!
أجل،أجل،يا مال!
ما أنت نبيّ،بل إله!
أجل،أنت هو-وليس غيرك-
إله هذه الكرة…هذه الأرض!
أي نذير البلايا،ومنبع الرزايا، وينبوع الخطايا! لقد انتصرت.
وكان انتصارك أن ربحت المعركة على طول الخط،
وإلى يوم يبعثون.
انتصرت يا مال!…
ومن ثمّ-ليت الله يحجب حياتك-احتجبت.
وأخذت ترقب تمام المأساة،من وراء الحجاب،
بهدوء و أمان،وفرح واطمئنان.
يا للبشرية ! ما اتعسها وأشقاها بك،يا مال،
إذ تخطت محجة الصواب،إلى القفر اليباب،
وأنت بقيت حيث أنت،
تنشد أناشيد الفوز والنصر،
وتردفها بقهقهات أشبه بعواء الذئاب،
ونشيج بنات الليل.
أجل،وكم من مآس مثّلت على مسرحك،يا مال!
الألم المرير،والثكل الفاجع،والأمل المخفق،
والحزن القاتل،والندم الصريع،والأسى المتلظّي،
والشك الباهت،واليأس الممضّ،
والتشاؤم الساهم،والتطيّر الحائر…
كل هذه المآسي ما كانت لولاك،يا مال.
كم من والدة ثكلت وحيدها!
وكم من أخ صرع أخاه!
وكم من صديق جفا صديقه!
بل،وكم من عدوّ تقرّب إلى عدوّه!
وكم من عشيقة هجرت عشيقها،
وحبيب تناسى حبيبته!
وكم من والد قذف ولده،
وولد هجر أباه!
بل وكم من غادة لعوب أسرتها بصفرتك الوهّاجة،
فباعت نفسها لأجلك،
كما تباع السائمة في سوق المزاد!
نعم،وكم من قبلة طبعتها امرأة فقيرة حسناءعلى فم نتن موبوء فظيع الرائحة طمعاً بك!
بل و كم من أسنان صفراء كريهة
تعافها خنازير الفلاة وجعلانها
قبلتها غادة طريرة وهي تمسك أنفاسها،
وتكاد تقذف بأحشائها…كي تنال بعضاً منك!…
نعم.وكم أهرق في حندس الليل من دموع،
وأريق في وضح النهار من دماء!
كم أنّات! كم آهات! كم زفرات!
كم نفثات! كم عبرات! كم حرقات!…
أنّات اليتامى،وآهات الأيامى!
زفرات المساكين،ونفثات البائسين!
عبرات اليائسين،وحرقات الموؤودين!
كم و كم!…
وكم من عواطف ونزعات، و ميول ورغبات،
وأماني ونزوات،وأهداف واتجاهات…
فاضت أرواحها حسرة وأسى بين يديك،
وبقيت على الأرض أشلاء ممزقة لا حركة فيها ولا سكون!
فأخذت أنت تهزأ من فيضان الأرواح، وتمزيق الأشلاء،
دون أن تذرّ لك عين، أو يخفق فيك فؤاد.
آه…وليتك اكتفيت بأن تظلّ الميول مستقلة،
والرغبات مفرّدة…
بل أخذت-يا ويحك!-تمزج العناصر،
وتجعل من البسيط مركباً،ومن الفرد مجموعاً.
أخذت تسلّط هذه الميول والرغبات على بعضها البعض،
فأغار القويّ على الضعيف،
وتواطأ الغنيّ على الفقير،
وتآمر الوصيّ على اليتيم،
وهزئ العالم بالجاهل،
والذكي بالغبي،والعاقل بالمجنون.
وكان من جرّاء ذلك،يا مال،
ضحك وبكاء،ويأس ورجاء، وسعادة وشقاء!
وكان الراقد على الفراش الوثير،والسندس الحرير،
والملقى في عرض الشوارع،
تلهب جسده العاري سياط الرعود القاصفة،
وتسفع وجهه الهزيل خناجر الريح الهزيم!
وكان ذو الحسب والنسب،وذو المال والولد.
وكان ذو المرارة المفطور، والكبد المصهورة، والقلب الكسير.
وكان الشامخ بأنفه،والسائر على الأرض مرحاً،والمختال الفخور.
وكان الوضيع الخامل،والخائف المتواري، والمسالم الحزين.
وكان،وكان…مما نعرف وممّا لا نعرف،يا مال!
أجل،يا مال!
ولولاك ما كان خديعة وهوان، ولفّ ودوران!
لولاك لما كان طعن وقتال،وصراع ونزال!
لولاك لما كان بؤس وشقاء،وكذب ورياء!
لولاك لما كان معاص وخطايا،وأرزاء وبلايا!
لولاك لما كان تنافر وشحناء،وحقد وبغضاء!
نعم،ولولاك لما كانت بدايتنا نهاية، ونهايتنا بداية!…
نعم،نعم،ولولاك لما كان ما كان.
ويك، يا بادرة النحس، وطالع الشؤم!
كفاك،كفاك!
ألق مرساتك،وقف دورانك.
ألم يحن للمأساة أن تنتهي،
و للبشر أن يخلصوا ممّا منك يلاقون؟
آه! يا مال!
في سبيلك خرّت صروح،ودكّت حصون!
وتحت موطئ قدميك تدحرجت تيجان،وتطايرت أذقان!
وعلى مذبحك زهقت أرواح،وطاحت رؤوس!
وبين سراديب هيكلك تدحرجت عمائم،وتناثرت قلانس!
نعم،نعم…وتحت أروقة جهنمك
صهرت أكباد،وتحرّقت قلوب!
نعم، وطيّ هزيم رياحك،
تمايلت مفاصل،وتقطعت أوصال.
نعم،نعم…وأنت ما زلت حيث أنت،
لا ترتوي من ظماء،ولا تشبع من جوع!
أجل،يا مال!
أنت ما تزال حيث أنت!
بك بطل الحق،وحق الباطل!
بل،بك فضلت الرذيلة،ورذلت الفضيلة!
وبك فحش الطهر، وطهر الفحش!
نعم، و بك انتفخ الوهم فصار حقيقة،
وتقلّصت الحقيقة فصارت وهماً!
نعم، بك، ضخمت السخافة فصارت حكمة،
وضمرت الحكمة فصارت سخافة!
نعم، يا مال، نعم.
بك ساد اللئيم وذلّ الكريم!
إيه! وبك تأخر الشجاع،وتقدم الجبان!
نعم،نعم…وبك فشل الفائز،وفاز الفاشل!
وبك انتصر المبطل،وانكسر المحق!
إي،إي…وبك جهل العالم،وعلم الجاهل!
وبك ساد العبد واستعبد السيد!
نعم، وبك اشتهر فرد، وخمل ألوف!…
نعم،يا مال،نعم!
وبك انخفضت رؤوس،وارتفعت أقدام!
وبك،يا مال،وبك…
تناكر المعارف، وتعارف الأضداد!
وبك خفيت الظاهر، وظهرت الخفايا!
إي،إي… وبك صار ما لا يصير،وكان ما لا يكون!
أفّ لك ما أغشمك! وما أقساك!وما أكربك!وما أبلاك!
أبعد عنّي!
فما أنا بالمطيق النظر إلى هذا الوجه المتكسّر البشع،
تبرز منه فروع أسنانك السنديانية التكوين،
وكأنها جبابرة الأجيال المنصصرمة التي تلقي الرعب العنيف
في قلوب هرقل،وشمشون،وعنترة الفرسان،
لو قدّر ورجعوا إلى عالم الدنيا!
ويك!…
من لي حتى أحطمك تحطيماً، وأسحقك سحقاً،
وأدعك تحت موطئ قدميّ هباءة حقيرة
تدوسها النعال،وتذورها الرياح…
من لي؟ هل من يساعدني على ذلك من بني البشر؟
مساكين بنو البشر،يا مال!
إنّ فيهم المنقطع النائي، والغريب المحزون،
والمتشرد الجائع، والمستهتر المجنون،والموتور الثاكل.
وفيهم الجشع الطمّاع،والآمال الطموع،
والبخيل الكز،والوجل الجبان،والتزمت الحريص.
وفيهم الفتان المغري،والعاشق الولهان،
والشيخ المتصابي،والحكيم المتغابي.
وفيهم كثير،يا مال!
فهل في مقدور واحد أن يجمع بين هذه الميول المتباينة،
والنزعات المتنافرة،والاتجاهات المتباعدة،
فيساعدني على تحقيق أمنيتيّ بتحطيمك تحطيماً،
و سحقك سحقاً،ثم محقك محقاً؟!
نعم يوجد واحد في مقدوره ذلك:
هو أنت،يا مال، أنت لا غيرك!
فافن من هذه الأرض وتلاش،
يحلّ الهدوء محلّ الصخب،والسعادة محلّ الشقاء.
أفهمت الآن؟
لماذا لا تنتحر،إذن،
وتريح الناس من غوائل شرّك وأحابيل مكرك؟
كلا،كلا.
إنك أضنّ بنفسك من أن تقدم على قتلها.
وإن فطرتك أبعد من أن تتنازل عمّا جبلت عليه
من حب الهزء من البشر والاستخفاف بهم.
نعم،أنت جبلت على أن تهزأ بالمساكين،
وترقص على أشلاء البائسين،ثم تعصف باليائسين…
ولن يأتي الوقت الذي ستزول فيه عن وجه هذه البسيطة
حتى تتوحّد ميول البشر ونزعاتهم،
فيتناسوك ويجعلوك موطئ النعال…
حينذاك-وحينذاك فقط-
تقدم،يا مال،على الإنتحار مكرهاً،
فيستريح البشر من كيدك ومكرك،وتنتهي المأساة.
أجل.ولكن متى تنتهي المأساة،متى؟
إنها أحلام،بل هي عين الأوهام!
يا مال،يا مال!…
عيون كثيرة مطبقة أجفانها تحت الثرى.
وستبقى كذاك،أبد الدهر في سبيلك وبسببك!
آه!..وكم ستغمض يدك المرعبة
من عيون نعساء مكحولة،دون ما رحمة ولا إشفاق!
أوّاه!..أيّها المتحكم برقاب العباد،
منذ وجد الكون حتى الساعة وإلى انقضاء الدهر،
أشح بوجهك عنّي،
فما أنا من المؤمنين بك.
وسأظلّ محتقرك مزدريك،
حتى ساعة انتهاء أجلي،وانطفاء حياتي!
القدس في 5 يناير سنة 1935 داهش من كتابه” القلب المحطّم”
كلُّ ما فيها تراب يسير فوق تراب.
مُكرَهينَ نأتي إليها لنخوض منها العُباب.
تسحرُنا ببهارجها الزائفة فيسيل منّا اللُعاب.
حكماؤها، علماؤها، جهابذتها، فلاسفتها، أراهم كألعاب.
سواءٌ أوُلِدَ أحدهم أم سواه قد غاب.
مهازلُ الحقيرة تضحكني: من سهل، ووعر، وجبل، أم من غاب.
ترى الشعوب تضجُّ بالملاهي، ولو عقلوا لكانوا من الندّاب.
تسألهم عن دنياهم فيجيبونك إنّها كشهد مُذاب.
يطلبون من المتشائمين أن يقيموهم عنهم كنوّاب .
يرتكبون أحطّ المعاصي ويقولون: إنّ ربّكَ غفورٌ توّاب،
وهم في أعماق نفوسهم لا يؤمنون بالعقاب أو بالثواب.
ترى أوقحهم يقذف السماء بأقذع ما عنده من سُباب،
ويلعن الجحيم ، ثمّ يكفربالنعيم، ويعود ايهزأ بالرباب.
وينكفؤا ليدعو من هم على شاكلته من الشيبِ ومن الشباب.
فمنهم من يعزف على عوده ، وآخر على قانونه، ثمّ سواه يعزف على الشبّاب ،
أناشيد المكرِ واللؤمِ والجحود، ثمّ يتبجّحون بالأنساب.
والقدر تراه ينظر إليهم برهبوت، وقد استلّ من جعبته النشّاب.
خسئت هذه المرذولة بما فيها من أسباب،
إذ عشّشت فيها الرذيلةُ طوال أدهار وأحقاب.
نحن نسير في رحابها كالسائر على رؤوس الحراب.
ولن يمضِي عليها أمدٌ طويل حتى تنقلب إلى خراب .
نرائي إذ نقوم ببناء معبدٍ وصومعةٍ أو محراب.
سكّان العوالم المضيئة يشاهدوننا وكأنّنا قدّسنا في جراب.
نقضي أعمارنا البائسة التعسة بين مجيء وذِهاب،
وفي كلّ دورٍ من أدوارنا تجدنا ما زلنا كألذئاب .
نحطُّ على مستنقعات الرغبات مثلكما يحطُّ على الجيفِ الذباب.
نتبع من يقودنا إلى الموبقات ، ونكون له من الأذناب.
نعتدي على الآمن الوادع من الإنسان أم من ذي ناب.
أشدّنا إقداماً على المعاصي ذلك الذي تراه قد تاب،
وذاك الذي يدّعي ميناً وتدليساً بأنّ رشده إليه قد ثاب.
جميعانا أشرار . ولكن أحدنا يطلق أفاعيه من النافذة، وآخر من الباب.
جميعنا نتمسّك بالقشور التافهة دون اللُباب.
نتشبّثُ بشهواتنا مثلما تتشبّثُ بالعظمةِ الكلاب،
ونحطّ على المآثم بجبروتٍ كانحطاطِ الخطّافِ أو ككلاّب.
نخوض غمرات المنايا ونتقلّب بين أحضان العذاب،
ثمّ نقول: للّه ما أطيب أمانينا ، إنّها أحلام عذاب!
أرى كلَّ من في الدنيا يجوبون محيطها ويمخرون هذا العباب،
ما بين طالب مالٍ وجاهٍ وساطةٍ وسطوةٍ وغيرها من الأسلاب.
فذاك يقول: للّه ما أجمل الدنيا فعيشي فيها قد لذّ وطاب!
وآخر يقول: واهاً فإنَّ أملي بها قد تبخّر وذاب!
وشقيق له يقول: واحسرتاه! فإنَّحلمي الذهبيّ قد تلاشى وخاب!
وآخر به جِنّةٌ للعبث واللهو وشرب الأنخاب،
وسواه يقول: إنّ العمر أثير رقيق شفّاف الإهاب،
وآخر مشغول ومغوفٌ بكلّيته برشف الرُّضاب،
ثمّ ترى جمهرة كالحة الوجوه وقد لازمها النتحاب.
مهازل تسير في الدنيا وقد فُقِدَ منها النصِّاب،
كأنّها أشباح المنايا وقد تغلغلتْ في حنايا الأنصاب.
شظايا الدهر سترمينا بقذائفها، إنّنا بها سنُصاب.
حيّرتني هذه الخليقة بالصامت منها وبالصخّاب.
زرتُ المقابر فشاهدتُ نُجْلَ العيون، وقد بدت منها الأوقاب،
وذوتْ ناضرات الوجنات، وزال منها حسنها الخلاّب،
واستوى في ( مدينة الصمت) الرهيب صاحب التاج مع الحطّاب،
وفي أجداثها الباردة تمزّقَ ذلك البرقع وعنه الغطاء قد انجاب.
تأملْتُ الراقدين بحسرة، وقلت لهم: أين، الآن، أمانيكم أيّها الطلاّب؟
لقد انقضت أحلامكم وتلاشت مثلما يتلاشى السحاب!
وقرأتُ، على رخامة قبرِ عاهلٍ، ما فيه الكثير من المديح والأطناب،
فخاطبته: أنبئني أين من كان يحتاط بك من الحُجّاب؟
وهل وُضِعَ بينهم وبينك اليوم حجاب؟
وهل غادرت رياضك وقصورك وخلّفت وراءك الهضاب؟
وهل نفضّتَ يديكَ من الصروح الفخمة ذات القباب؟
وماذا دهاك حتى انطلقتَ دون جنودك الأبطال الصّلاب؟
وأنت الذي كنت ترود الدنيا مع جيشك اللجِبِ أيّها الجوّاب؟
خاطبته طويلاً… ولمّا لم يَرِدْني منه جواب،
حنيتُ رأسي احتراماً لحرمة الموت، واحتاطَ بكياني ضباب،
وقلتُ: للّه درُّ هذا الدهر، فإنَّ دنياه دولاب،
تغدق عطاياها على كلِّ مجرمٍ وغدٍ وهو سلاّب نهّاب،
وتدفع بنقمتها على من يرهب الجريمة ومن شبحها يهاب.
ثمَّ عدّتُ لنفسي وقلتُ: علَّ لحكمة ما نراه لهذا الإرهاب،
ودرسٌ واجبٌ لكلِّ فردٍ ممّن يكون قد استراب.
عدّتُ وخاطبتُ من تحت الثرى وقد أخذني من كثرتهم العَجَبُ العُجاب،
فمن ملك إلى قائد، إلى فيلسوف، إلى شاعر، إلى تاجرٍ فقصّاب،
وقلتُ لهم: إعلموا بأنّكم ستقدّمون، الآن، أمام باريكم الحساب،
فمن عمل الصالحات سيكافأ عليها، وبعكس هذا سيكون العقاب.
ثمَّ رحلتُ عن ( مدينة الصمت) وحلّقتُ بأفكاري مثلما تحلّق العُقاب،
وناجيتُ نفسي بحزن قائلاً: حقّاً إنّنا من التراب،
وسنعود إلى التُّراب!
بيروت،15 تمّوز 1944
أيّها التمثال العظيم!
يا رمز الحريّة!
والحريّة معشوقة شعوب الأرض طرّاً،
بيدك الجبّارة ترفع مشعلها،
هذا المشعل الأبديّ النور!
يا من أصبحت أشهر من نر على علم!
ألا تعلم بأنك أخطأت بإعطائك الجميع الحرية التامة،
دون أن تقيدها ببعض القيود الضرورية؟!
لقد أبحتها حتى للزنجي والتركي والعربي والعجمي،
ولجميع من يقطن في المدينة التي تنتصب فيها.
لكن الضرر كان واضحاً من وهبك الحرية
للغادات الناعمات الغاديات الرائحات.
لقد خلعت عليهنّ رداءك العظيم،
فهرعن وخلعن بدورهن ثيابهن،
وأصبحن كما ولدتهنّ أمهاتهنّ!
أرأيت أيها التمثال العظيم
أن الحرية يجب أن يكون لها قيد يصونها
كي لا تفقد معناها!
لقد تلوثت هذه الحرية بعدما لطختها أفعالهنّ.
وثق بأن نهر الهدسن نفسه
لأعجز أن يستطيع غسل ما التصق بالحرية،
ورفع الأدران والأوشاب التي امتزجت بهذه الحرية
امتزاج الروح بالجسد!
ويا أيها التمثال الشهير!أشهر سيف نقمتك،
واضرب به الخارجين والخارجات
عن طريقك القويم وصراطك المستقيم.
وقوّم اعوجاج من سوّلت لهم نفوسهم السير بطريق الباطل،
يا أيها المانح النعمة لملايين الملايين.
أيها التمثال الجبار المنتصب كالقدر المهيب!
دعني أكون سوط نقمتك،لأسوط به اللواتي أسأن إلى حريتك.
ودعني أرفع هذا السوط وأخفضه على أقفية المنخثين
من رجال هذا العصر وخنافسه الحقيرة؛
فالخنفسة تسحقها النعال،
ومن تخنفس حاقت عليه اللعنة،
فأصبح بحاجة للنعل كي يؤدبه ويقوم اعوجاجه،
فيعود إذ ذاك صوابه إليه.
وداعاً أيها التمثال العظيم ! يا رمز الحرية العظيمة
التي تتوق إليها نفس كل بشري يقطن في هذه الغبراء!
نيويورك في18 أيلول 1969
منتصف الليل
يا رجال الدين ودجاجلة العصور السحيقة
يا من تغلفون الباطل بطلاء الحق الشامل
وتطلون الحق بغلاف الختل الباطل
لقد شططتم عن الطريق القويم وضللتم
واتبعتم أهواء قلوبكم السوداء وضللتم
أيها المراؤون،إن نيران الجحيم ستكون بكم محيقة
لقد أوغلت البشرية في العماية،
وضلت سبل الهداية،
وطمست المادة على حواسها المعروفة والمجهولة،
فإذا بها قطعة منها لا تتجزأ.
البشر لا يعبدون إلا المادة،
وقد اتخذوها لهم إلهاً دون الله،
يعبدونه ويقدسونه ويحرقون البخور أمامه،
متعبدين خاشعين غير ملتفتين إلى سواه.
لقد اجتزت المرحلة الثانية من حياتي القصيرة هذه،
وأنا أنعم النظر بما يقوم به كل من أبناء جلدتي،
فإذا به سخف وهراء.
عاشرتهم،واختلطت بشخصيات متعددة
تظن أنها بلغت من الأدب والكمال الشيء الكثير،
ولكن لدى الحقيقة وبعد التحقيق والتمحيص،
رأيتهم ذئاباً خاطفة في أثواب حملان وديعة.
وجهاء؟!وما هي هذه اللفظة…؟
إنهم يظنون أنفسهم كالآلهة مرتبة ومنزلة،
وتراهم يشمخون بأنوفهم التي سيتخذها الدود له مقراً!
وعندما يسير أحدهم متبختراً في الشوارع،
يظن نفسه أنه الطاغية الجبار الذي لا يصطلى له بنار.
أيها المتعجرف الصلف،
إنني أهزأ بك وبمن هو على شاكلتك!
أعلمني ما هي معلوماتك التي تتباهى بها،
بل ما هي معارف أعظم فيلسوف،
مثلما يطلق عليه هذا الإسم أهل الكرة الأرضية؟
وهل قدم أو أخر في شيء- مهما كان من البساطة-
عن الحقيقة التي نشدها من يطلق عليهم اسم الفلاسفة
من قديم الزمان؟
إذن لم هذه(العنجهية) الكاذبة؟
لست أدري!
أوليسوا بشراً..؟
والمعروف عن البشر أنهم يسيرون
مثلما كان يسير أسلافهم منذ القدم.
وشأن المتعلمين لا يختلف أيضاً عن هذه الطبقة.
فكيف إذن بالطبقات الأخرى الجالهة؟
فالحقيقة التي يجب أن تذاع،
والتي لا يعتورها أي لبس أو غموض،
أن البشرية قد أوغلت في الشر،
وانغمست بالأعمال الدنيئة،
وخاضت مستنقعات الصغائر.
فما دامت الإنسانسة
قد وصلت إلى هذه الدرجة من الإنحطاط الأخلاقي،
فما الذي يدعني أن أحترم كبيرهم أو صغيرهم،
عظيمهم أو حقيرهم،
سائدهم أو مسودهم؟
إنني أعتبر الحيوانات العجماء والحشرات السامة
خيراً من أرباب العظمة الفارغة.
وأعتقد بل أجزم وأؤكد أنه لا عدالة في دنيانا التاعسة،
بل ظلم فادح صارخ مما يأتيه البشر الأدعياء.
هذا هو رأيي،
فإن حاز مقبولاً أو لم يحز فإنني أذيعه للملأ
سواء أغضبوا أم رضوا،
ولا يهمني رضاؤهم أو غضبهم،
ما دمت أعلن حقيقة لا يستطيع إنكارها أحد ما.
ولذا تراني أحيا بها وأموت لأجلها.
القدس أول نيسان 1933
عندما قذف بي العدم إلى عالم الوجود،
كنت ذرة في عالم الهناء والخلود.
تلك الدقيقة ،كتب عليّ الشقاء.
فوفي خضم هذه الحياة نؤت بالعناء.
بين سلسلة الآلام المتلاحقة ترعرعت،
وبأحضان الشقاء والكرب العميق نشأت،
حتى أكملت العاشرة.
ومن ذلك التاريخ،
إبتدأت المعرفة الدنيوية تنطبع في أعماقي،
واتخذت عادات البشر لي قانوناً،
أسير على ما يسيرون عليه.
ونقش، أيضاً، في نفسي الحزن و الفرح،
وجميع العوامل البشرية الاخرى
التي لم أكن كقيداً بها قبل مجيئي إلى أرض الفساد.
وعندما أكملت العشرين،
أحاطت بي رزايا دنيانا
إحاطة السوار للمعصم.
وكانت جميع هذه الشرورخاضعة
للقانون الأرضي الذي يسير عليه الجسد الذي هو غلاف للروح النقية.
كنت قبل مجيئي إلى الأرض لا أعرف عن الشرور شيئاً.
وعندما ولدت وترعرعت،
خضت غمرات مطالب الجسد المادي
مدنساً الروح العلويّ.
إذن لم سمح الموجد للصلاح الطاهر
أن يندمج بالطلاح العاهر؟!
فكرت كثيراً دون أن أصل لنتيجة مقنعة
فنقصت حتى تأزف ساعة معرفتي.
ستنطوي عشرات السنين،
وستنحني هامتي من مرور الاعوام.
فالأعوام تنهب الزمان نهباً،
فهي كالبرق المومض الخاطف!
واعتمدت رأسي بيديّ،
ورحت أهيم في بوادي التخيلات،
علّي أفوز بحل عادل
لهذه الألغاز والمعميات،
ولكنني،واأسفاه! عدت دون نتيجة منطقية.
إن الحياة يا أخي،ليست سوى وهم باطل
وظل حائل زائل.
فالانهار الجارية وهي تصطخب،
والبحار الثائرة وهي تزمجر،
وكل ما في الكون من صاخب وصامت،
سيعتريه الذبول فالأفول.
فإذا ما انتهت،بعد ذلك صلتنا بالحياة،
بعدما يسيطر الموت على ربوع الكرة الأرضية
إذ ذاك نتجسد بعالم آخر.
وبعين الدهشة يتراءى لنا الخطأ
الذي كان جسدنا المادي
يخوض فيه غمرات الباطل المرذول،
وكنا ننقاد بطلباته الدنيوية.
فيا للجسد الحقير ورغباته الدنية!
ويا للروح السامية وأهدافها السماوية!
وفي عالم الروح سنعرف أخطاءنا التي جرفتنا و أسقطتنا،
فنتأسف لجهلنا الصارخ
الذي كنا نرسف بقيوده المتينة.
وفي عالم الروح، عالم الطهر والنقاء،
ننتشي برحيق الغبطة والسعادة الازلية،
وننشد أهازيج الحب مع الملائكة الأبرار،
ونبتهج بخلعنا جسدنا المادي الحقير
المبتلى بأوضار المادة الخسيسة.
فبعالم الروح تحيا الفضيلة المثلى
حيث لا يوجد مكر أو حسد،
ولا كبرياء،ولا دناءة،
ولا سفالة ،ولا جريمة،
ولا بغض،ولا نقيصة،
بل حب كامل، وسرور شامل،
إذ يظللنا العليّ القدير،
ويرعانا بحنانه اللانهائيّ.
ولكن، متى يأتي ذلك اليوم السعيد؟
وهل يجوز لنا الإندماج مع الملائكة الاطهار،
قبل أن نكون قد كفرنا عن أعمالنا الشريرة
تكفيراً ينيلنا ما نصبو إليه؟
كلا،بل يجب علينا التكفير أولاً،
وعندما نستحق أن ننعم بالسعادة الخالدة.
ومن أعالي السموات،
تتراءى لنا من خلال الأزمان السحيقة صور أعمالنا الماضية كغمامة سوداء مرعبة،
تذكرنا بما كنا نقوم به عندما كانت المادة
هي العامل المتسلط على عقولنا و نفوسنا.
فلنضرع إلى الله تعالى أن يرشدنا إلى الطريق القويم،
كي نقوى على محاربة الأدران والشرور،
فنقرب وقت خلودنا،
حيث تغمرنا السعادة مع الاتقياء الانقياء،
وإلا فالويل ثم الويل لنا
إذا ظللنا متجاهلين طريق العدالة
ومبتعدين عن الحق الذي يعلو و لا يعلى عليه.
10 نيسان 1933
رجال الدين أبالسة الدنيا ،بل وقود الجحيم في العالم الثاني!
إنهم كذبة مراؤون،بل أثمة مداجون
يدعون انهم لخطوات السيد المسيح يترسمون
وخطواته الطاهرة بريئة من أضاليلهم المنكرة
هم يقطنون القصور الشامخة يسمونها “أديرة”
ولم يكن لفاديهم مكان ليسند إليه رأسه في العالم الفاني!
ما حياتنا سوى ظل زائل وسراب حائل
ووجودنا كالبرق الذي ومض ومض ومضى..
يا لإنسان ما أتفه آماله وأسخف أوهامه!
وما أفشل غاياته وأضأل أحلامه!
وما أضحك مطامحه واتعس رغباته، وأبأس أمانيه!
فالغرور الحقير يقطن في شغاف نفسه،
فإذا كبرياؤه الممقوت تشرف على العالمين.
فهو يظن أنه فارس الميدان الأوحد،
وبطله الذي لا يشق له غبار، في كل مضمار.
فهو خدين الحكمة،ورب المعرفة،
وصِنْوّ العلماء الأفذاذ، ومختزن الفلسفة.
فهذا المدعي المغترّ،منذ اكتحلت عيناه بمشاهد عالم الأرض
قد جرفه تيار الحياة الصاخبة،
فإذاه مأخوذ مبهور بما تزخر به دنيانا الأثيمة…
فتجرفه مظاهر الحياة الكاذبة،
وتخلبه ببريقها الزائف وبما تضج به من كل زائل وفان.
وغروره السمج، وكبرياؤه القذرة..
يجعلانه يظن أنه اكتشف أسرار الحياة وفضّ مغاليق الموت المبهمة،
وافتض معميات الخلود…
أما الحقيقة فإنه يكون قد ازداد غباء على غباء،
وخاض مجاهل العماء السادر بعماء.
ويركبه الغرور الجامح فيظن ان الكرة الأرضية قد كوّنت لأجله؛
وأن بحارها و انهارها ،
وأزهارها و أشجارها و أطيارها،
وما تزخر به من شجون و شؤون..
إنما خلقت لأجله،
وهي مسخرة لمصلحته ،وتأتمر لأمره فيروح، وبسمة الإنتصار تعلو ثغره الأبلج،
رافعاً عقيرته لأبناء بجدته،
موزعاً عليهم عظاته،
شارحاً لهم معميات الأسرار الموصودة،
نافحاً إيّاهم بنعمة معرفته المزعومة…
وحقيقة الامر أنه عامه بالجهالة،
سادر بدروب الضلالة
تتوزعه شتى الأفكار الكمتضاربة،
فهو لا يعرف يمينه من يساره،
ولا يفقه من دنياه شيئاً .
وما يغيظ أن هذا الإنسان يعتقد إعتقاداً لا شك فيه
بأنه اتفوق على الاولين،وبطش بالآخرين،
فهم أمامه اماء وجهلة،
ولا شأن يذكر لهم إطلاقاً.
بينما الحقيقة تصفعه وتسفعه ببراهينها،
وتقذفه بيقينها،
فإذاه مغرور سخيف،
وتافه رهيف،وأرعن كفيف!
ولشدة غروره وبلهه يظن أنه علم خفاق
تفوق على أبناء قومه،
فإذاهم تجاهه أقزام..
فهو لا يحترم سوى كيانه،ولا يعترف إلا بمعلومته.
فشخصيته المغرورة أغلقت عليه باب الفهم الصحيح
فتقوقع على نفسه…
فليته علم أن أحقر الكائنات يمكنها أن تقضي على وجوده
موردة إيّاه موارد التهلكة،
معفرة أنفه في الرّغام
إن الإنسان أشبه بظل زائل وخيال حائل،
أو كحلم حالم يزول عند اليقظة،
أو كضباب إكتسحته العاصفة فتلاشى وغاب.
هذه هي حقيقة الغنسان المسكين الذي يملأ دنياه تبجحاً تافهاً
يستحق عليه أفدح سخرية من أقذع لسان ذرِب
فالإنسان يستحق ما يلاقيه في دنياه
من إرهاق وعنت وبلايا ورزايا،
ومنغّصات آخذة بعضها برقاب البعض،
ونكبات تنصبّ على الجميع دون رحمة أو إشفاق.
نعم..إن الإنسان يستحق هذا المصير التاعس،
إذ كم من المرات زار أرضنا عدد من الأنبياء،
رسل الله،
وشرحوا لنا حقيقة الوجود، والغاية التي خلقنا لأجلها،
وأطلعونا على أسرار روحية سماوية،
وأكدوا لنا أننا إذا سرنا على هداها،
وتنازلنا عن بعض لذات جسدنا الحسية الترابية،
فإننا ننال عوالم فردوسية متعها خالدة ولذاذاتها سرمدية.
وإذانا نهزأ بهم وبتعاليمهم،
ونسخر من أسرارهم الروحية وإرشاداتهم السماوية،
ونضطهدهم ونرشقهم بكل فرية،
ونَصِمهم بكل نقيصة وتهمة زرية،
ونستمر بممارسة لذات الجسد الذاتية.
وإذا هم ينطلقون من أرضنا،
عائدين لموطنهم الإلهي العظيم حيث النعيم الأبديّ.
يغادروننا ونحن ما زلنا غائصين برجساتنا الداعرة
ونجاساتنا العاهرة،
والأقذار المدنسة تطوقنا كتطويق السوار لمعصم الحسناء.
ألا ليعلم أبناء الأرض الغارقون بالمعاصي المطوقة إيّاهم حتى النواصي
بأنه توجد عين إلهية مراقبة تُحصي على مخلوقات العوالم بأكملها كل كبيرة وصغيرة مهما دقّت وضؤلتْ.
وليتأكد أبناء الأرض والعوالم المعروفة و المجهولة
بأن ساعة الحساب الرهيبة آتية وبسرعة خاطفة.
وساعتذاك الويل لمن يستحقّ العقاب الإلهيّ العادل،
فتلك الساعة المهيبة، تلك الساعة المخيفة،
ساعة عدالة الخالق الديّان،
تزمجر فيها رآبلة الحقّ،
وتدوّي فيها رواعد الرعود،
وتنقضّ فيها الصواعق المدمّرة،
فتبيد معشر الأشرار الفجار،
لتعود فتهبهم القدرة الإلهية الحياة ثانية،
ليخلدوا بعذاب أبديّ هائل المخاوف.
إن هؤلاء الأشرار الفجار سيلاقون جزاءهم العادل
هؤلاء الأشرار الذين جعلوا الشر دَيدَنهم
واعتنقوا الباطل، وحاربوا الفضيلة،
واعتدوا على المقدسات ،
وارتكبوا الموبوقات الدنيئة،
وهزأوا بالسماء وباريها هؤلاء سيبطش العليّ بهم فيجعلهم عصفاً مأكولاً،
ووقوداً لجهنم النار الأبدية الإتقاد.
في هذه الساعة المخيفة والحافلة بالرواعب المذهلة،
لن ينفع مال ولا بنون ولا مجد باطل أو سلطان زائل حائل.
فما تزرعه إيّاه تحصد.
فلنزرعْ بذوراً جيدة،
كي نحصدها خلوداً ممتعاً باللذاذات الأبدية،
هناك حيث نخلد بجنات النعيم إلى ما لا إنتهاء.
بيروت 15 تموز 1938
خلوت إلى نفسي،واستعرضت أسماء بعض من يطلقون عليهم في عالمنا الفاني لقب(العظماء).فمن رعمسيس إلى نبوخذنصر،فنابليون بونابرت،إلى الإسكندر الكبير، فداريوس الفارسي، فتيطس، فأغسطس قيصر، فجنكيزخان،فتيمورلنك،فهولاكو، فهتلر، فموسيليني،فستالين،وغيرهم من كبار القادة والفاتحين…جميع هؤلاء مروا في كرتنا الأرضية مر السحاب العابر!
وأنا أشببهم بالفقاقيع التي تطفو إحداها على سطح الماء لفترة ثم يفجرها الهواء فتتلاشى بلحظة عابرة…وهكذا بقية الفقاعات التي تتفجر وتتلاشى بعضها إثر بعض!
فلماذا لماذا حاول الإسكندر اغتصاب العالم،وما الفائدة التي كان يرجوها حتى لو استعمر الكرة الأرضية بأسرها؟!أوليست نهايته الموت، والموت نهاية كل حي؟!
وكذلك بقية زملائه الفاتحين!…
وماذا لو تملكوا الأرض وما فيها بمن فيها ما دام مصيرهم إلى فناء ووجودهم إلى زوال!
إن المادة قد أخفت الحقيقة عنهم،وأطماعهم كانت ستاراً حديدياً تحتجب الحقيقة وراء حديده الرهيب.
إن ذكرى هؤلاء الذين دوّن التاريخ أسماءهم كعظمة تضمحّل،وتتلاشى معها هذه العظمة الكاذبة فوراً،عندما يذكر اسم المسيح أو محمد أو موسى أو بوذا،هؤلاء الأنبياء والهداة مؤسسي الأديان، والمبشرين بالإخوة الإنسانية.
فلا رصاص حاصد للأرواح، ولا مدافع تمزق الأشلاء فيعلو النحيب ويتصاعد النواح،ولا طائرات حربية تذهب بالرجال إلى عالم الأشباح…بل حب شامل،وعطف كامل،وأيد تصافح أيدياً بالأكف والأنامل.
الأنبياء فقط ليسوا بفقاقيع،فهم رسل الله البصير السميع.
فذكرهم يملأ دنيانا ويضفي عليها برداً وسلاماً.
هؤلاء هم العظماء ،وعظمتهم الروحية خالدة خلود الأبد.إذاً فليصمت الفقاقيع بعدما تجندلوا وتجندلت نعهم أطماعهم،فاندثرت عند ذاك أحلامهم.وإن خلدها لهم التاريخ فإنه تاريخ الإنسان المحدود التفكير.
وحيّا الله مؤسسي الأديان الذين يقودون الإنسان إلى الإيمان الذي سيدعه يرتع في جنات النعيم.
جيبوتي 17/11/1970
الساعة 12 ونصف بعد الظهر
نأتي الى هذا العالم باكين معولين، ونغادره باكين معولين. فواها” لك يا عالم البكاء والعويل
الدكتور داهش








