أقوال الصُّحف
الاستاذ جبران مسّوح
صاحب مجلّة ” المختصر ” الصّادرة في بونس ايرس بالأرجنتين
يرسل تحريرين
الى السفّاح بشارة الخوري
والى رئيس الوزارة رياض الصّلح
جبران مسّوح هذا الصّحفيّ النبيل الذي تطوّع فاحتضن القضيّة الداهشيّة ، ونشر بمجلّته أنباء الجريمة المروّعة التي ارتكبها الباغية بشارة الخوري في سلسلة مقالات ناريّة انقضّت على رأس بشارة وذويه انقضاض الصواعق المدمّرة .
وقد أرسلت ماري حدّاد الى مسّوح مجموعة الكتب السوداء التي نشرها الداهشيّون عن جريمة تجريد مؤسس العقيدة الداهشيّة من جنسيّته اللبنانيّة لأن ماري حدّاد وعائلتها الداهشيّة عظم الأمر شقيقتها لور وشقيقها ميشال شيحا وبشارة الخوري وهنري فرعون , فجرّدوا داهشا من جنسيّته وشردوه .
وإذ ذاك أعلنت الحرب بين هذه الشرذمة الباغية على الحق والداهشيّين , وراحت الصّحف في الوطن والمهجر تنشر أنباء الجريمة فيتلهف الجمهور الى مطالعتها .
وقد أرسل جبران مسّوح الى بشارة المرتكب الجريمة والى رياض الصلح تحريرين يراهما القارئ منشورين بخطّ يد مسّوح , ننشرهما للذكرى وللتاريخ الذي سجّل اسم السفاح بشارة الخوري بين دفتيه , فيقرأ الناس أنباء جريمته المزلزلة فتلعن ألسنتهم مرتكبها . ومثلما سجلت جريمة الاعتداء على المسيح البريء هكذا سجّلت الجريمة التي ارتكبها بشارة الخوري . وستبقى وصمة عار أبديّ على جبينه الملطّخ بعار الاعتداء الشائن . وهكذا خلّد اسم بشارة الخوري إذ حشر نفسه بين زمرة كبار المجرمين الآثمين .
الدكتور داهش
وقالت أيضاً في العدد العاشر، شهر أيلول 1946
بقلم صاحبها الأستاذ مسّوح:
على القارىء أن يراجع كلّ ما نشرناه في أعداد المختصر عن هذا الرجل. وخلاصته أنّ الحكومة جرّدته من جنسيّته ونفته بنفوذ بعض رجال الإكليروس. ولم ننشر غير ذلك لأنّه لم يتّصل بنا غير ذلك.
ولكنّنا في كلِّ هذه المدّة كنّا نطلب إفادات من مصادر مختلفة – رسميّة وغير رسميّة – لنصل إلى الحقيقة. ولكن… لا جواب أبداً… سكوت تامّ… تطنيش تام…
وهذا التطنيش له في اللغة العربيّة أسماء مختلفة مثل: هذا حادث مضى فلماذا العودة إليه؟ أو: يجب كتم الحادث لأنّ فيه أشياء عائليّة. أو: هذه الفضائح ليس من الحكمة نشرها في الظروف الحاضرة ولا سيّما أنّها تتعلّق ببعض شخصيّات كبيرة. الخ.
ولكنّنا رغم هذا التطنيش توصّلنا إلى كلِّ ما نريده من التفاصيل. وهي أوراق ووثائق تقع في 792 صفحة. وكلّ ما هو خطير فيها مسحوبة صورته على الزنك. فصرنا نعرف كيف نُفي الدكتور داهش، ولماذا نُفيَ، وإلى أين نُفِيَ، وكلّ ما يتعلّق بذلك.
وسوف ننشر كلّ ذلك بالتتابع لأنّه حادث لا نظير له في كلّ هذا الجيل في كلّ الأقطار العربيّة. ومن واجب كلّ الكتّاب أن ينظروا فيه لأنّ علاقته رأساً بحقوق الإنسان، وحريّة التفكير والمعتقد والكلام، وهو إذا اهتممنا به يكون خطوة إلى الأمام لكلّ البلاد العربيّة من حيث محاربة الظلم وأحترام حريّة الرأي، وهو خطوة إلى الوراء إذا لم نهتم به، لأنّه من الأمراض السريعة العدوى.
اشترك كثيرون في حادث نفي هذا الرجل: منهم بعض الوزراء، ومنهم رئيس الجمهوريّة، ومنهم بعض كبار رجال الدين، وكبار رجال البوليس وغيرهم. ولكن جميع هؤلاء يتلاشى أثرهم شيئاً فشيئاً، وتظهر إمرأة، إمرأة داهية ذكيّة قديرة، هي التي تدير هذه الحرب ضدّ الدكتور داهش، وهي التي تمدّها بجميع أنواع السلاح.
ثمَّ يظهر للدكتور داهش أنصار يدافعون عنه، منهم أطباء ومحامون وأدباء ورجال صناعة يدافعون بكلِّ ما لديهم من القوى وبكلِّ ما في القانون من وسائل الدفاع. ولكنّ جميع هؤلاء يتلاشى أثرهم شيئاً فشيئاً ، وتظهر إمرأة ثانية، إمرأة داهية وقديرة وذكيّة، وتدافع عن داهش فيرتفع صوتها فوق جميع اصوات المدافعين عنه، وتبقى المعركة بين إمرأتين. ويحمى وطيس السلاح، الجائز وغير الجائز، فمن غازات إلى قنبلة أتوميّة، إلى نشر فضائح يندرُ أ، يُسطّرها قلمٌ أو يفلت بها لسان.
ولكنَّ الأغرب من كلّ ذلك، الغريب جدّاً جدّاً جدّاً هو أنَّ المرأتين أختان. من أب واحد وأم واحدة. ولذلك يمكن القول إنَّ الحادث من أغرب ما جرى من هذا النوع في تاريخ البشر.
لور بنت أنطون شيحا، زوجة الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة، هي الإمرأة الأولى التي تحاول أن تقضي على الدكتور داهش. ماري بنت أنطون شيحا، زوجة جورج إبراهيم حدّاد، هي الإمرأة الثانية التي تدير حركة الدفاع عن الرجل. ولكنّ زوجة الرئيس تربح الحرب. ويصدر المرسوم بنفي داهش، فيُلقى عليه القبض، ويُهان، ويُجلد حتى يتمزّق لحمه، ويُساق إلى حلب، ومن هناك إلى الحدود التركيّة، حيثُ يترك بلا جنسيّة عرضة لجميع الأخطار.
وينتهي دور السيّدة لور بعد هذا الإنتصار. وتبقى ماري في حومة الدفاع وحدها. وللإختصار سيكون اسمها ماري حدّاد، لأنّ اسمها سيرد كثيراً. فهي الشخصيّة الوحيدة الباقية بعد أنْ غمر التطنيش جميع تفاصيل الحادث. بقيت كأنّها الإنسان الوحيد الذي نجا بعد غرق الباخرة. بقيتْ لتدلُّ جميع كتّاب اللغة العربيّة، وجميع مفكّريها، وجميع من فيها من الرجال وأشباه الرجال، بقيتْ ماري لتدلّهم أين غرقت الباخرة التي غرقت معها حريّة الفكر وحريّة الكلام وحقوق الإنسان.
ولا تزال ماري حدّاد إلى الآن تناضل وتجالد وتعارك في سبيل إعادة ذلك المنفيّ واطلاق سراحه. سجنوها 75 يوماً في العصفوريّة، ولكنّها خرجت إلى حومة القتال رأساً تطالب بحريّة الإنسان.
إسمعوا كيف تخاطب ماري حدّاد حبيب أبي شهلا وزير العدليّة. تقول:
” كنْ متأكّداً إذا لم يحكم عليك بما تقتضيه العدالة، فانّنا نأخذ حقّنا بأيدينا، ولا يمكننا أن ننام على ضيم… وما دمتَ قد أعلنتها علينا حرباً، فانّنا نرحّب بها ونشنّها عليك حامية الوطيس… إذا لم نكِل لك بذات الكيل إذن ما أحقر حياتنا، وما أتفه مرامينا… إنّ الطيور ليست بأكملها ممّا تؤكل لحومها”.
واسمعوا كيف تخاطب الكردينال تبّوني:
” ثقْ بأنّني أشهرتُ عليكم سلاحاً حقيقيّاً، وسأقارعكم، وأنازلكم جميعاً حتى أسحقكم… إنّ الصخور الصوّانية الصلداء تلين وتفنى دون أنْ يستطيع الإضطهاد أن ينال من صلابتنا ومن صلابة إيماننا وصلابة عقيدتنا قلامة ظفرْ… سنرفع صوتنا عالياً، وسنبذل حياتنا إذا اقتضى الأمر في سبيل رفع الحيف عن الدكتور داهش وإعادة جنسيّته المسلوبة إليه… إنّ الذي يريد أنْ يداس تحت الأقدام هو حرّ، ولكن هذه الحالة ليست حالتنا، نحن لا ندير خدّنا لضارب. إنّنا أحرارٌ بمعتقداتنا وأعمالنا… إنّنا في عصر تحرير الأمم والشعوب، وعلى كلّ شخص أن يحصل على الحريّة وأن يستحقّها، وأمّا الجبناء فهم وحدهم يبقون عبيداً أرقّاء “.
ثمّ اسمعوا كيف تقف ماري حدّاد أمام الحكومة وكيف تخاطبها بهذه الكلمات:
” نحن من الذين يستقبلون بصدور رحبة أيّة حملة تشنُّ علينا إذا كانت مرتكزة على الدليل والبرهان… نحنُ نقدِّس الحريّة الفكريّ’، والقلميّة، والكلاميّ’، بشرط أن يفسح المجال لكلِّ فرد من أفراد الأمّة ليدافع عن نفسه ويردَّ البرهان بالبرهان. أمّا أن تسمح الحكومة لفرد بنشر ما يشاء على صفحات الجرائد بدون قيد ولا شرط، ويمنع الثاني من نشر أيّة كلمة دفاعاً عن نفسه، فهذا ما تأباه النفس الحرّة ولا يرضى به إلاّ الجبناء العبيد “.
هكذا تقول ماري حدّاد، وتقول الحقيقة، لأنّ إدارة المراقبة كانت تشطب كلَّ ردّْ يراد به الدفاع عن داهش، ورئيس دائرة المراقبة نجيب اليان صرّح بهذه الكلمات:
” إنّ وزير العدلية حبيب أبي شهلا أبلغنا أكثر من مرّة أن نرفض كلّ تكذيب لِما نشرته الصحف ضدَّ الدكتور داهش، وأن نرحّب بكلّ ما يراد نشره ضدّه “.
وقال في وقت آخر:
” لدينا أوامر عالية تقضي علينا برفض كلّ تكذيب يأتينا من الدكتور داهش أو من مريديه، وأ، نستقبل كلّ ما يأتي للنشر ضدّه “.
فإدارة المراقبة كانت سلاحاً لمنع المظلوم أنْ يدافع عن نفسه، ولا يستطيع أحد أنْ يكذّب هذا الظلم لأنَّ ثلاث صفحات من ذلك التشطيب مسحوبة على الزنك. فهي شهادة ناطقة بما تقوله ماري حدّاد .
ماري حدّاد في هذا الحادث كأنّها إميل زولا يدافع عن دريفوس… وكأنّها فولتير يناضل ضدَّ تهم محاكم التفتيش، ويراجع المحاكم في أحكام صادرة ما روعي فيها الحقّ والإنصاف. ولكنْ ماري حدّاد بزّت الإثنين، وأتت بما يعجز عنه الإثنان مجتمعين، ماري حدّاد في هذا الصراع كأنّها الأسد وقد تألّبت حوله جميع أنواع الحيوان.. وقد جرح الأسد وسالَ دمُه ولا يزال يصارع..ووقعت مخالبه الواحد بعد الآخر ولا يزال يصارع. تمزّق جلده وظهرت عظامه ولا يزال يصارع ولا يزال زئيره عالياً.
ولكن ليذكر حملة الأقلام أنّ ماري حدّاد من لحمٍ ودمٍ. وعار عليهم أن تقع في الميدان ولا تجدُ بينهم من ينجدها. إنّي أتحدّاهم جميعاً أن يظهروا في هذا المعترك الذي تدعوهم إليه المروءة والشرف والشهامة، وأتحدّى كتّاب لبنان أولاً.. أتحدّاهم جميعاً- كبارهم وصغارهم – ففي هذا الحادث نعرف الفراغ الذي تركه جبران خليل جبران – هل يوجد كاتب لبناني يسدّه أم لا يوجد. وإذا كنّا لا نجد جواباً على هذه الكلمات غير التطنيش المعهود… فعندئذٍ لا نُلام إذا وقفنا فوق قبر جبران لنخبره أنّ ماري حدّاد وحدها تدافع عن مظلوم ولا يوجد بجانبها رجل.
إنّ البلاد العربيّة بحاجة إلى يقظة في ضميرها فوق يقظتها في سائر الشؤون. والأمّة التي لا يزال ضميرها نائماً قلّما تفيدها يقظتها في شيء آخر، فاهتمامنا بهذا الحادث هو دليل على ما فينا من ضمير مستيقظ حي، والويل لنا إذا لم نبرهن عن ذلك في مثل هذه الحال.
إنَّ البشر لم ينتقلوا من الطور الحيواني إلى الطور الإنساني إلاّ عندما استيقظ ضميرهم، أي عندما صاروا يفهمون كيف يحبّون الحقّ ويمقتون الباطل. وهنا تظهر الفضائل التي هي مقياس رقي الشعوب. فنحن في حادث الدكتور داهش يجب أنْ نعرف أين الحقّ وأين الباطل، وأنْ نكون قوّةً فعّالة في تأييد الحقّ ومكافحة الباطل.
إنَّ كلمة حريّة لا تكفي أن نردّدها ونتغنّى بها لنكون أحراراً. بل يجب أن ندافع عنها عندما تكون في خطر. وإذا لم نعمل كذلك فإذن نحن لا نستحقّها.
وفوق كلّ ذلك ففي هذا الحادث درس إجتماعي خطير نحن أحقُّ الأمم بأن نكتب عنه كثيراً. فالتعصّب الديني هو العامل الأول في هذه الجريمة. ولكنَّ التعصّب ليس نوعاً واحداً كما تبيّن في سير هذه المأساة. بل هو نوعان: هجومي ودفاعي. والفرق كبير جدّاً بين الاثنين.
فضلاً عن إنّ مرض التعصّب انتقل في جسم الأمّة من مكان إلى مكان في السنوات الأخيرة. وضروري أنْ نعرف أين مكانه اآن لنحاربه في وكره.. كلّ هذه النقط المهمّة في الموضوع يجب أنْ نعالجها بحريّة وصراحة. ويجب أنْ نجابه الحقائق بلا خوف مهما كانت غريبة عن أذهاننا ومهما كانت بعيدة عمّا ألفناه من أنواع الفكير.
كلّ ذلك سوف يظهر جليّاً في تفاصيل هذه الكارثة التي لم تتمَّ فصولها بعد. فالكاتب الذي يثق بنفسه نحن نؤكّد له أنّ هذه ساعته. ويرانا على إستعداد لأنْ نمدّه بما يريد من التفاصيل والوثائق.
إنّ البلاد العربيّة تريد في مثل هذا الموقف أن تعرف هل عندها مفكّرون وكتّاب يستحقّون ثقتها أم هي فقيرة من هذا الوجه. هل يقودها أدباؤها أم هي تقود أدباؤها؟ هل عندها اقلام تحمي حريّتها أم يجب على عامة الناس وبسطائهم أن يحموا تلك الحريّة إذا هاجمها مهاجم؟ هل الأدب العربي قوّة فعّالة موجودة أمْ هو خلط وأوهام؟..
من هو داهش؟
في كلِّ التفاصيل التي وردت بقلم ماري حدّاد لم يرد اسمه إلاّ الدكتور داهش. ولكن المرسوم الذي صدر بإخراجه من البلاد يضع له إسم:” سليم موسى العشّي المعروف بداهش “. وفي الوثائق أيضاً أنَّ ” الدكتور داهش لبناني وإبن عائلة لبنانيّة ومولود في هذه البلاد “.
وهذا التعبير الأخير فيه شيء من الإبهام.. فلا نعرف أي بلاد، ولا إسم البلدة التي ولِدَ فيها، ولا التاريخ. فنعود إلى تلغراف نشرته شركة روتر بتاريخ 17 أيّآر 1946. يقول هكذا:” في مكان من صحراء شمالي العراق يقيم الدكتور داهش المنفي لحركة دينيّة تحتضن الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة. وهو ينتظر الفرصة السانحة للخروج من منفاه وتبليغ رسالته إلى الإنسانيّة… هو الدكتور سليم داهش الأشوري وعمره 34 سنة. ولِدَ في قرية صغيرة بين الفرات ودجلة… عاش في لبنان… يمضي أيّامه في المنفى في التأمّل.. نُفِيَ إلى البلاد التي ولِدَ فيها… يتلقّى أتباعه رسائل منه خلسة يحملها سعاة أمناء… درس الدكتور داهش في باريس، وكانت قدرته العجيبة على التنويم المغناطيسي موضوع دهشة علماء النفس الفرنسيين المبرزين “.
ثمَّ نترك تلغراف روتو ونعود إلى الوثائق فنجد هذه السطور:” موسى العشّي والد الدكتور داهش أقام مع عائلته في بيروت عاملاً في المطبعة الأميركيّة من سنة 1912 إلى سنة 1918. وفي إحصاء 1921 تقيّد الدكتور داهش في سجل النفوس مع والدته وشقيقته. وبقي في لبنان إلى سنة 1931. ثمَّ سافر إلى فلسطين وبقي ثلاث سنوات فلم يكن حاضراً إحصاء 1932. فعاد إلى لبنان سنة 1934 وطلب أن يقيّد اسمه، وتمَّ له ذلك “.
فنفهم من كلِّ هذه التفاصيل أنّ الرجل ولد بين الفرات ودجلة كما تقول روتو. ولكنّه عاش في لبنان وحصل على الجنسيّة كما حصل عليها سواه من الذين يقيمون في لبنان. وتذكرة جنسيّته مسحوبة على زنك تحمل رقم 516 وتاريخ 22 حزيران 1934.
محاكم تفتيش في بلادنا
مقال للأستاذ جبران مسّوح , صاحب مجلة المختصر, في العدد الثاني من السنة الأولى , شباط 1946
من حضن إبراهيم لحضن الشيطان الرجيم
جاء في إحدى جرائدنا التي تصدر في هذه العاصمة الخبر الآتي :
تلقّينا برقية بتوقيع من السادة جوزف حجّار وزوجته وأولاده وماري حدّاد وزينا حدّاد وعائلتهما وجورج إبراهيم حدّاد والدكتور عشّي والدكتور فريد أبو سليمان والدكتور خبصا وزوجته وأولاده بأنّهم أبرقوا لقداسة البابا بانفصالهم عن الكنيسة الكاثوليكيّة .
ويقولون إن إنفصالهم هذا مسبّب عن مساعي نيافة الكردينال تبّوني وسيادة المطران مبارك لدى السلطات ضدّ رئيسهم الدكتور داهش , مما أدّى الى نفيه وتجريده من الجنسيّة اللبنانيّة .
هذا هو الخبر بحرفيّته . ورغم ما فيه من الإضطراب والغموض نفهم منه أنّ إنساناً إسمه الدكتور داهش جرّد من جنسيّته ونفي , وأنّ ذلك كان بمساعي الكردينال تبّوني والمطران مبارك .
فمن هو هذا الدكتور داهش ؟ وما هو دخل الكرادلة والمطارين في شرائع البلاد حتى يتمكّنوا من نفي إنسان وتجريده من جنسيّته ؟
سألنا عن ذلك بعض الأشخاص الذين لهم إطّلاع على هذه الحوادث فقالوا : إنّ الدكتور داهش دجّال ؛ فسألناهم عن نوع تدجيله . وكل ما قدرنا أن نفهمه هو أن الرجل من الذين ينظرون الى بطن الكف فيعرفون الأمراض ويعطون علاجات لمداواتها .
عندئذ ذهبنا الى الأديب يوسف بو ورده لنسأله عن ذلك لأننا نثق بتفكيره كما نثق بنزاهته وهو يطالع بعض صحف الوطن تباعاً وكل ما أخبرنا عن الحادث هو هذا :
” إنّ الدكتور داهش يداوي أمراضاً كثيرة , ويقوم بأعمال تدلّ على ذكاء فائق , منها ما هو فوق المألوف , وأن جمهوراً من الناس يثق به , منهم أدباء معروفون ومن جملتهم حليم دمّوس الذي نشر تحت توقيعه أنّه شاهد بذاته هذه الأعمال الخارقة . ثم أن الدكتور داهش يشكّ فيما جاء في الإنجيل بشأن العجائب الدخيلة , ويعلم الناس عن عدم صحّة هذه الأعمال التي تخالف سنن الطبيعة الخ ” .
نستدلّ من ذلك على أن تدخّل الكرادلة والمطارنة في الموضوع هو الذي نستغربه , وكيف أن هذا التدخّل ينتهي بنفي الرجل وتجريده من جنسيّته , الأمر الذي لم تستطعه محاكم التفتيش فيما مضى .
من نحو أربعماية سنة ظهر في إيطاليا رجل إسمه برونو كان يشك بعجائب الإنجيل للسبب ذاته . أي لأنّها تخالف سنن الطبيعة . فقامت محاكم التفتيش تناقشه الحساب وحاكمته نحو أربع سنوات لكي ” يرجع عن ضلاله ” .
ولكن الرجل لم يخن ضميره , ولا محاكم التفتيش , ولا ” رجع عن ضلاله ” . فأحرقوه بالنار كما هو مشهور , ولكنّهم لم يجرّدوه من جنسيّته , بل بقي إيطالياً .
ومحاكم التفتيش في بلادنا قامت بمثل ذلك تماماً في قضيّة الدكتور داهش , فهي لم تحرقه لأنّ شرائع هذا العصر لا تجيز ذلك , ولكنّها نفته لأنّ شرائع هذا العصر تجيز النفي , ثم جرّدته من جنسيّته , وهو ما لم تعمله محاكم التفتيش من أربعة أجيال .
ثم نلاحظ من الخبر الذي نقلناه أن بين أتباع الدكتور داهش من هم دكاترة , أيضاً , أي اصحاب شهادات علميّة . فالرجل إذن لا يقود عامة الناس بل يلتفّ حوله أدباء ومفكّرون ومثقّفون . فهو ذو نظرة جديدة في الحياة , وله فكرة إصلاحيّة يريد أن يقدّمها الى هذا الوطن التاعس الذي لم تعد تروج فيه غير الأضاليل .
وهؤلاء المتظلّمون , لماذا يرفعون شكواهم الى البابا إذا كان عندهم حكومة تنصفهم ؟ أفلا نفهم من ذلك أنّ هؤلاء الشجعان الذين لا يخونون ضمائرهم ولا أنكروا قائدهم في ساعات الشدّة – ألا نفهم أنّهم إشتكوا الى الحكومة فلم تلبّهم , وطلبوا الإنصاف فلم ينصفوا . فلم يبق أمامهم إلاّ هذا الباب – باب الإنفصال عن الطائفة – وهو ما يلجأ إليه الناس عندما يسدّ الظلم في وجوههم جميع الأبواب .
نريد من قادة الرأي العام , ومن الكتّاب والمفكّرين والخطباء , ومن كل المنادين بالحرّية والإستقلال ونزع نير الإستعباد , ونريد من الحكومة أيضاً أن نعرف أين نعيش الآن . بالأمس ألقوا الناس في السجون في دمشق لأنّهم لم يصوموا رمضان . واليوم ينفى إنسان ويرّد من جنسيّته في لبنان لمثل هذا السبب .
فهل طردنا فرنسا من البلاد لكي نسلّمها الى السلطات الدينيّة ؟
إذا كان الأمر كذلك , فنحن إذن نسير الى الوراء , وما حكومتنا الحاضرة إلاّ آلة في يد محاكم تفتيش تشتغل في الخفاء , وتردّ الأوطان مئات السنين الى الوراء .
نترك الخبر الآن ونهتم قليلاً بعنوانه , أي بعبارة : من حضن إبراهيم لحضن الشيطان الرجيم ” فنريد أن نعرف تلك اليد الطاهرة ” التي سطّرت هذه العبارة , وأن نبحث معها في الأمر على ضوء العلم , أو أحكام السنن الطبيعيّة أو إرشاد العقل .
فمن هو إبراهيم هذا ؟ وما هو هذا الحضن الذي يسع ألوف الملايين من الناس ؟ ثمّ إذا انفصل أحد الناس عن طائفته ينتقل حالاً من ذلك الحضن الى حضن الشيطان الرجيم , بدون أن نفهم كيف يتمّ هذا الإنتقال .
لكي نصدّق كل ذلك يجب أن نترك العلم جانباً , وندع أحكام الطبيعة وراء ظهورنا , وندوس إرشاد العقل . ولكننا مع ذلك نصطدم بالآداب الإجتماعيّة التي لا تسمح أن يجتمع الرجال والنساء والأولاد والبنات في حضن واحد إلاّ إذا كان هناك حواجز تفصل بين الجنسين , وهو ما لم يذكره لنا أولئك الذين يتعيّشون , الى الآن , في نقل أولاد آدم من حضن الى حضن .
ثم نأتي هنا على ذكر حضن الشيطان الرجيم . فمن هو هذا الشيطان الرجيم ومن يقدر أن يثبت لنا وجوده ؟ وهل صحيح أن حضنه واسع مثل حضن إبراهيم فيسع كل بقيّة الطوائف ؟
وبعد هذا وذاك نصطدم أيضاً بالمبادىء الإنسانيّة . فهل صحيح أن البشر جميعهم يتوزّعون بين هذين الحضنين , ولا مقر آخر لهم إذا خطر لأحدهم أن لا يقيم في حضن ؟ وهل ينطبق كل ذلك على طبائع ذلك الإله الذي يقولون إنه شقوق رحيم ؟
إن الذي ينظر في أكفّ الناس ليعرف أمراضهم ويداويها , ثم ينكر عجائب الإنجيل التي لا يؤيّدها العقل ولا يصادق عليها علم ولا تدعمها سنّة طبيعيّة , إن الذي يعمل ذلك كلّه لا يكون دجالاً . ولكن الدجّال هو الذي يعلّم الناس حتى في هذا العصر خرافات الأحضان بكل وقاحة وبدون حياء أو خجل .
إن تعليم هذه الأضاليل هو إحتقار للعقل البشري , وازدراء بالكرامة الإنسانيّة , واستخفاف بأذهان الناس . ومع ذلك فنحن نترك هؤلاء المضللين أحراراً يسرحون ويمرحون , فلا ننفيهم ولا نجرّدهم من جنسيّتهم ولا نحرّك لهم ساكناً .
إننا نتركهم وشأنهم , ولكننا لن نسمح لهم أن يحوّلوا حرّيتنا واستقلالنا الى محاكم تفتيش .
البوُمُ الإله
العدد الحادي عشر، 15 أيلول 1946
مجلّة ” المختصَر “
في ليلة حالكة الظلام وقف بوم على غصن سنديانة. وبينما هو واقف أحسّ بخلدين ينسلاّن في هدوء بين جذوع الشجرة.
فنهرهما ناعقاً:” من هذا… يو. يو.. “.
فأجاباه بصوت مرتجف:” ماذا تريد منّا؟ فصرخ بهما:” أتركا المكان حالاً “.. فذهل الخلدان لآنّ البوم عرف أنّهما إثنان.. وهربا إلى حيوانات الغاب يقصّان ما جرى ويؤكّدان أنّ البوم لا شكَّ أعظم الحيوانات والطيور وأحكمها… وأنّه يرى في الظلمة ما لا يستطيعه سواه. ويجيب بحكمة وسداد رأي على كلِّ سؤال…
فدهش سكان الغاب من هذه العجيبة وألّفوا على الأثر وفداً من عقلائهم ليذهب في الليل ويختبر هذه المسألة، أي يضع البوم تحت التجربة والإمتحان.
ووصل الوفد إلى المكان المعين، وأحاط بالشجرة، وأخذ يلقي الأسئلة على البوم. فكان هذا يجيب عنها الجواب الصائب. فعرف عدد الوفد وأسماء أعضائه، وألوان جلودهم وريشهم، حتى عمّت الدهشة جميعهم وراحوا يتهامسون قائلين:
- حقّاً إنَّ هذا الطير يصنع العجائب وهو إله. فلماذا لا ننادي به ملكاً علينا فنتّقي بهدايته الضلال والأخطار، ونعيش في هذا الغاب عيشة الهناء والأمان.
واتّفقت كلمة الوفد على مبايعة البوم، ونودِيَ به ملكاً على جميع طيور الغاب وحيواناته. وكان إيمانهم بما فعلوه قويّاً لا يتزعْزعْ.
ولكن هناك ثعلباً خامره الشكَّ فقال لهم: يجب أن نعرف إذا كان البوم يرى في النهار كما يرى في الليل؟…
فغضبَ الجميع لهذه الوقاحة وعدّوا هذا الشكَّ جريمة لا تغتفر. وطردوا الثعلب من كلِّ منطقتهم لأنّهم لا يريدون أن يناقشهم أحد في قدرة البوم الذي ألّهوه ونصّبوه ملكاً عليهم.
ثمَّ عينوا يوماً تكون فيه حفلة التنصيب.. وقرّرت اللجنة التحضيريّة أن تكون الحفلة في النهار ليراها الجميع ويتسنّى لهم أن يشتركوا فيها ويفرحوا في مهرجانها.
وجرت الحفلة في فخفخة وبهجة… وأنشدت جوقات الطيور أناشيد السرور. وفي نهايتها مشى البوم على رأس موكب كبير من سكّان الغاب يترنّح في مشيته زهواً وخيلاء.. ويتلمّس طريقه بعينيه الكليلتين.. إلى أنْ شطَّ به الطواف وانتهى إلى خارج الغاب، فصار في الطريق الذي يسير به البشر بخيولهم وعرباتهم. فاقتحمها على رأس موكبة الطائع المستسلم إلى قدرته. ولم يحفل بمواكب البشر ودواليب العربات.
فصاح طير من الطيور ينذر بالخطر ثمَّ صاحَ آخر… وظلّت الرعيّة سائرة وراءه تأبى أن يتزعزعَ إيمانها.
وبسرعة البرق داست إحدى العربات الكبيرة ذلك الموكب.. فمات فريق من تلك الرعيّة، وجرح آخرون، ونجا عدد قليل في المؤخّرة.
ماري حدّاد
مغزى هذه الأسطورة أنَّ الإنسان إذا كان له رأي صائب في أمر فليس ذلك دليلاً على أنّه يفهم جميع الأمور، أو أنَّ المرء قد يكون شديد البصر في قضيّة ويكون أعمى في قضيّة ثانية.
وقالت ” المختصَر ” في عددها الحادي عشر، تاريخ 15 أيلول 1946:
بما أنّنا سوف نهتمّ من الآن وصاعداً بحادث الدكتور داهش يجب أن نقول شيئاً عن دعوتهِ التي حدث لأجلها كلَّ ذلك. وخلاصتها أنَّ الرجل يعتقد أنَّ الأديان الثلاثة بمنزلة واحدة، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.
وهو يريد أنْ يأخذ خلاصة هذه المذاهب ويجمعها في دين واحد.
ويرى أنَّ هذه أحسن وسيلة لاتّفاق الشرقيين وسيرهم وراء عقيدة واحدة وزوال كلَّ ما بينهم من الخلافات.
وطبيعي أنّ الأوساط الدينيّة هي أول من يهتمّ بهذا الدين الجديد. فكيف تلقّاه رجال القلانس، وكيف تلقّاه رجال العمائم؟ هذا ما يجب أنْ ننظر فيه جيّداً لنأخذ درساً جديداً عن التعصّب قد يكون من أعظم الدروس التي نحن بحاجة إليها.
وقد قلنا في غير هذا المكان كيف يكون التعصُّب هجوميّاً وكيف يكون دفاعيّاً. وإنّه مثل المرض ينتقل في الجسم من مكان إلى مكان.
ولم نذكر شيئاً عن اليهود لآنَّ التفاصيل التي وصلت إلينا ليس فيها ما يدلُّ على رأي أوساط الدين اليهودي في هذا المذهب الجديد. وقد يكون ذلك لقلّة عددهم في لبنان. أو أنّهم لم يشاؤوا أنْ يتداخلوا في هذه القضيّة بعدما أدّت إلى كلِّ هذه النتائج.
كلماتُ ” السائح “
وقالت مجلّة ” المختصَر ” في العدد الحادي عشر ما يلي:
في حادث الدكتور داهش سوف ننشر كلّ ما يصل إلينا من منشورات الصحف عن هذا الموضوع. فكلّ صحيفة قالت شيئاً نرجو أنْ تتكرّم علينا به لكي لا يضيع حقَّ أحد. ومن مجموع أقوال الصحف ومن الوثائق التي لدينا تظهر الجريمة بكلِّ تفاصيلها. فالأدلّة تأتي وتجتمع من تلقاء ذاتها حتى تشاهد الجناية كأنّها تتمثّل أمامك على لوحة السينما.
وفي عدد 18 تمّوز 1946 من مجلّة ” السائح ” وردت هذه الأسطر التي ننقلها بحرفيّتها وهي مكتوبة بقلم صاحب السائح عبد المسيح حدّاد الكاتب الحمصي المشهور. قال:
” كلّ ما ندركه في حادث الدكتور داهش أنَّ الفكرة الجديدة لا تعيش طويلاً إذا كانت غير صالحة للحياة. ولكنّها تعيش طويلاً إذا تناولتها أيدي الإضطهاد. أمّا إذا كانت صالحة للوجود فلا الحكومة ولا أكثريّة الشعب ممّا يقتلعها من تربة نفوس الأقليّة. ولنا في التاريخ عِبَرْ كثيرة تضع أمام أبصارنا الحقَّ الخالد.
إنّنا لا نستطيع السكوت عن مقاومة داهش ومقاومة دعوته من قبل الحكومة في حين أنّه لم يقمْ بدعوته بالسيف.. ولم يطلق سهمه إلاّ للجمع بين الأديان. فإذا كان نبيّاً كذّاباً فلماذا لم يترك وشأنه لتموت دعوته من تلقاء نفسها. فالباطل لن يثبتْ طويلاً. ولكنَّ الإضطهاد يحدث في تابعيه عوامل غريبة تحملهم على الثبات “.
عبد المسيح حدّاد
حِكَمْ داهشيّة
وقالت ” المختصَر ” في عددها الحادي عشر 15 أيلول 1946:
إذا كان عدوّك ضخماً غليظ الرقبة فذلك أفضل لك، لأنّه أسهل عليك غرز السكين في ثور من غرزها في برغوث.
الدكتور داهش
كلَّ شيء عظيم في النفس العظيمة. وكلَّ شيءٍ حقير في النفس الحقيرة.
الدكتور داهش
الحاكم المستبدّْ الذي يعتدي اليوم على زيد من الشعب سيعتدي في الغذ على عمْرْ الذي هو أحد أفراد الشعب أيضاً.
ماري حدّاد
مجلّة المختصَر
العدد الحادي عشر، 15 أيلول 1946
الدكتور داهش في الصَّحافة
شكّل الدكتور داهش والداهشيّة في أربعينات وخمسينات القرن العشرين ظاهرة إعلامية بامتياز، وشهدت الصحافة اللبنانية وقتذاك سباقاً جنونياً لنقل أخباره ومعجزاته، حيث تحوّل إلى مادة يومية مثيرة للجدل والفضول لا يمكن تجاهلها.
"المجلاَّت والجرائد"
- سامح الجباس بين الواقع والخيال
- شخص غامض بقدرات خارقة للطبيعة
- العلايلي و لقمان
- نام داخل صندوق حديدي في قعر نهر
- دار العين تطلق رواية «رابطة كارهى سليم العشي»
- داهش بين القلم والألم
- سليم العشى المعروف بـ داهش يحوّل الورق
- " رابطة كارهي سليم العشي" يشارك بمعرض الكتاب الدولي
- بين الدهشة ونداءات التنوير
- استغرقت 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي»
- سامح الجباس يناقش ويوقع رواية
لو كُشِف الحجاب أمام الانسان و شاهد ما يخبّئه المستقبل بين طيَّاته من آلامٍ و أحزان، لصُعِقَ هولاً و رُعباً
الدكتور داهش








