أقوال الصُّحف
تعليق الاستاذ أنطوان اليوسف على رسالة
الدكتور حسين هيكل باشا الى مؤسّس الداهشيّة
التي نشرت في جريدة ” البيرق “
حضرة رئيس تحرير جريدة ( البيرق ) الغرّاء المحترم
بمناسبة الرسالة البليغة التي نشرتموها بالأمس في جريدتكم ( البيرق ) الغرّاء والمرسلة من سعادة الدكتور حسين هيكل باشا الى الدكتور داهش زعيم الداهشيّة أقول :
انّني اجتمعت منذ شهر في القاهرة بالدكتور حسين هيكل . وقد استوضحني عن حقيقة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته ….ودهش كيف أنّ الصحافة اللبنانيّة لم تثر ثائرتها لظلم كهذا يقع بأحد أفراد اللبنانيّين ، ما دام الدستور يحرص على جنسيّة كلّ مواطن .
وكان صمتي خير جواب على أسئلة الباشا لأنّ الصحافة اللبنانيّة لم تثر هذه الحادثة الجليلة الخطر حينما وقع التجريد على مؤسّس الداهشيّة .
أمّا اليوم وبعد أن نشرتم رسالة هيكل باشا فانني أعدّها بادرة خير ووثبة جريئة نحو الحقّ . كما انّ رسالة الباشا هي حربة العدالة مصوّبة على وحش الباطل .
وقد أرسلت الى الباشا بضعة أعداد من ” البيرق ” لأنّني – فيما أذكر – قد تحدّث الدكتور حسين الى عدد من اللبنانيّين في القاهرة ، وتحدّث أيضا مليّا مع الأديب والشاعر اللبناني المعروف الاستاذ صلاح الأسير حول قضيّة الدكتور داهش ، وسأله كيف تجيز الصحافة اللبنانيّة لنفسها السكوت عن وزر عظيم كهذا يرتكب في عاصمة تنتهي الحوادث المؤلمة بين المصريّين والانكليز سيثير قضيّة تجريد الدكتور داهش في الصحف المصريّة . وسيحدث دويّا هائلا في صحافة الشرق كافّة . وهذا أعدّه أنا ( بصفتي مواطنا لبنانيّا ) لطخة عار على لبنان وصحافة لبنان : أي انّ الأديب المصريّ الكبير تبنّى القضيّة بمجرّد معرفته بها واطّلاعه على أسبابها ومسبّباتها ، بينما الصحافة اللبنانيّة لم تتجرّأ على الخوض في مسألة حيويّة لها صلة بكل مواطن ومواطنة . وهي في صلب الدستور اللبناني كحقّ مقدّس لكلّ فرد من أفراد الشعب .
وهكذا يسجّل التاريخ على صحافة لبنان صفحة سوداء لا تمحوها الأجيال الزاحفة .
اذن فأنا – كلبناني صميم – أشكرك لأنك برهنت ، قبل الجميع ، على أنك صحافيّ جريء تقول الحقّ وتنشر الحقّ ولا تخشى في قوله ونشره لومة لائم ….
وختاما ثق يا سيّدي الفاضل بأنني لا أعرف عن الداهشيّة ما هي معتقداتها ، وما هي اهدافها ومراميها .
وكلّ ما أعرفه عنها أنّ مؤسّسها اضطهد وأبعد من لبنان لأنّ له صلة بآل حدّاد أقرباء الرئيس . وهذا سبب لا يبرّره عرف أو قانون لتجريد رجل ذي عقيدة من جنسيّته ، وجنسيّة المرء بعض حياته كما جاء في رسالة الدكتور هيكل المنشورة في ” بيرقكم ” الأغرّ .
واذا وددت أيها الصحافي الجريء الاجتماع بي لأطلعك على رأي هيكل باشا بعدما زار لبنان في الصيف الفائت ودرس قضيّة داهش عن كثب ، فانني لا أتردّد عن اعلامك برأي هذا السياسي الكبير والأديب الخطير – بما تركته جريمة ابعاد داهش بالظلم من أثر سيّء في نفسه . والسلام عليك .
أنطوان اليوسف
جورج شكور
يدخل واحة نبلاء الأدب الفرنسي
من بوابة … داهش
عبر سيرته الذاتية يصح أن يروي الإنسان سيرة الآخرين ؟ … ترى , لم السؤال ؟!…لم لا, في النهاية , ما دام السرد سرداً , و الحبكة مصانة المقام , فيها من الطيبات الأديبة و الروائية ما يليق بالبطل أو يكاد : ينبوع ماء فرات , متدفقة عذبة , يزيد عنصر المفاجأة من جاذبيتها …مفاجأة تحكمت بحياة الكاتب , فطبعتها بجمال من غير هذا العالم , فيما تحكم هو بالمفاجأة روائياً فإذا بالنتاج الفني( الرواية) يليق بروعة الموضوع , و بخصوصيته و فرادته و طهارته … و يتكامل مع الموضوع تكامل الاناقة و الرشاقة , الذكاء و الجمال , التهذيب و الصدق.
نعم … إن روعة الموضوع تستوجب مهارة أدبية نادرة كتلك التي يتحلى بها الكاتب جورج هنري شكور. هكذا ولد الجزء الأول من ثلاثية , أو رباعية ,”داهش”… و التي بدأها المؤلف ب..”اللقاء”.
إنه لقاء الشاب , الموسيقي , بمعلم أخيه شكري… الدكتور داهش, المصلح الإجتماعي المكتمل الصدق الناصع الضمير المتأهب الوجدان صاحب القدرات التي شاءها الله خارقة … فكانت المعجزات . معجزات الدكتور داهش التي هزت الأوساط السياسية و الصحافية و الثقافية , و الطائفية اللبنانية طيلة عهد رئيس الجمهورية بشارة خليل الخوري , على امتداد الأربعينات و لغاية 1952 تاريخ إسقاط الرئيس بواسطة الإضرابات و التظاهرات الشعبية.
الكاتب يبدع في وصف الإنتظار , على أحر من الجمر , إذ عصفت به النشوة على شاطئ بيروت , في المسبح الفرنسي , عندما سمع باسم الدكتور داهش .. للمرة الأولى … فتعلق به , بقدرة خفية , و امتزجت حرارة الإنتظار و الترقب باطمئنان من أوشك على بلوغ شاطئ الامان : نشوة الحقيقة.
على إيقاع الرشاقة اللغوية, التي يكتشف عبرها القارئ أديباً مميزاً باللغة الفرنسية لا يقتصر تميزه على الإتقان الرفيع للغة فولتير و سبك عباراتها بإتقان أين منه تقنية عتاة الصاغة … فتمتزج الكلمات بالجواهر , تلمع , تغريك , تندفع لالتقاطها فإذا بك امام جواهر اخرى تخالها من خارج الأبجدية … لا يقتصر تميزه على ذلك و إنما تراه بأم بصيرتك و قد استقر في واحة نبلاء الأدب الفرنسي…
على إيقاع هذه الرشاقة اللغوية يحملك الأديب الى عوالم معرفة الذات و رهفة الأحاسيس .. لتجد نفسك شريكاً لحسناء الحنين… ” نوستالجيا “… و الجمال بجوهره أنثوي الملامح و المخيلة … تذرف دموعاً حارة الطهارة و انت تقرأ حسرات الكاتب عن تلك الحقبة … حقبة الكمال في حياته … و قد ولت و لن تعود.
يكتب عنها بما تستحق أن يكتب عنها , فيغلق القارئ الكتاب قليلاً و يرحل بنفسه الى تخيل اللقاء بالحبيب في المستقبل الأقصى : مئات من السنين لا يدري أحد إن كانت ستمر كذلك النيزك الروحاني الذي انار كالبرق حياة الشاب على شاطئ المسبح الفرنسي.
المسبح الفرنسي … بيروت الحلوة التي يسيئون معاملتها على مر العهود حتى غدا ذاك ” البرج ” المنتصب بقلة ذوق و غطرسة , أشبه باللوحة الأثرية , يدين عهودهم أمام ضمائر الأبرياء.
الجزء الاول من سلسلة “داهش” يؤشر مسبقاً إلى نجاح الأجزاء المكملة للتحفة الأديبة التي يقدمها لعشاق القراء و عشاق الحقيقة الأديب جورج هنري شكور و هو يجلي … حقاّ يجلي في “أنسنة ” الأفكار الفلسفية حين يلبسها ” فساتين لغوية” و حلى جواهر أين منها تلك التي كانت تسحر الحسناوات في ” سوق الصاغة” في بيروت … بيروت المغتصبة التي بالكاد عرفها كاتب هذه السطور , و أبناء جيله , قبل الحرب, فإذا به يحتك بها جسدياً , بحواسه و أحاسيسه عبر كلمات جورج هنري شكور.
رواية أديبة عالية المستوى , بل شاهقة العلو الأدبي –اللغوي بقدر ما هي منجم فريد للمفردات و التعابير و الموسيقى اللغوية . و هي بلا شك تأريخ دقيق لحقبة من التاريخ اللبناني و من تاريخ الإنسانية . للكلمة سحر… حقاً سحر.
حسن
*الكتاب صدر في باريس
عن ” جون ليفرييــــــــه”.
حديث طريف عن الداهشية
وهذا ما نشرته جريدة ” العهد ” مع رسم ماجدا بتاريخ 6 شباط 1945
تفاصيل جديدة عن حادثة الانتحار. الفرق بين الداهشيّة والمسيحية. رأي الداهشيين بالنبي محمد. اراء بعض الرصيفات عن الداهشية. أول تصريح عن أهداف الداهشية وموقفها من الأديان السماوية.
أتينا في عدد سابق على ذكر صاحبة هذا الرسم وبعض العوامل التي أدّت الى انتحارها وهي في عنفوان شبابها .
ومنذ يومين اجتمعنا الى أحد معارفها الواقفين على حقائق الأمور ، فجرى بيننا وبينه حديث عن الطريق الداهشية ، ننشره كما أدلى به محدّثنا دون أي تعليق منّا.
وهو أول حديث يكشف الستارعن بعض أهداف هذه الطريقة الجديدة :
س : لقد كثرت الاشاعات حول وفاة الأنسة حداد. فهل لكم ان توافونا بأصدق رواية.
ج : إنّ ما نشرته (( العهد )) في المقال الأول كان أقرب الى الحقيقة كما شهد بذلك الذين عرفوا الفقيدة ومزاياها النادرة وعلاقة عائلتها بالدكتور داهش وأتباعه الذين أنا واحد منهم . وكانت الفقيدة تعتقد أن في الدكتور قوة ستستفيد منها البشرية اذا فهمت حقيقة الداهشية وأهدافها.
س : ماذا تقصدون بالداهشيّة ؟ وما الفرق بينها وبين المسيحية ؟
ج : الداهشية تحترم الأديان السماوية : الموسويّة والمسيحية والمحمدية ، وجوهر الأديان الالهية ، وغايتها الابتعاد عن بعض التقاليد والمراسيم الدينية المسرحية كعبادة الصور والتماثيل . وهي تسعى لافهام الناس أن يقتربوا من الزهد والمحبة والبساطة والقناعة ، والاعتراف بتعاليم السيد المسيح وسائر الأنبياء المرسلين الذين غيروا وجه العالم ، فكرا وقولا وفعلا ، كموس والمسيح ومحمد وبوذا وكونفوشيوس وسقراط وغيرهم من المصلحين والمجددين .
س : وهل تعترف الداهشية بالنبي محمد ؟
ج : كيف لا ؟ .. إنها اول من تقول إنه نبيّ أرسله الله نورا وهدى للعالم ليحطم الأوثان والأصنام ، ويرفع مستوى الأفكار البشرية بالكتاب المنزل ، ويغذي العقول والأجيال بتلك الأحاديث الشريفة الغالية التي ألقاها بذورا للأفهام ، وهو اليتيم الأمي والنبي العربي الكريم .
س : ما هي الرسالة التي بعث بها الدكتور داهش الى الفقيدة ماجدا ؟ وما هو أهم محتوياتها ؟
ج : هي رسالة عثر عليها بين أوراقها تحمل تاريخ 15 كانون الثاني 1945 . وأهم ما فيها أنه يحذرها من أي عمل إرهابي ضدّ أي شخص ، وأنّ الله سينتقم قريبا من ظالميه ومسببي محنته ..
ولمّا يئست من إتمام فكرتها وتنفيذ خطتها فضّلت الموت على الحياة ، فانتحرت . وفي الرسالة نبؤة صريحة عن مصير رئيس الجمهورية ، وقد تحققت .
س : من أين أبعث إليها بتلك الرسالة ؟
ج : من مدينة حلب . وذلك بعد ان نفي من الحدود السورية الى الحدود التركية من جهة إعزاز . وهناك نجا بأعجوبة من الخطر الذي كان يهدّده .
س : ولماذا اضطهد الدكتور داهش ؟
ج : لمسائل عائلية أولا . ثم لأن ( دعوته الجديدة ) قد أثارت عليه غضب رجال الدين بمجرد سماعهم تعاليم الديانة الداهشية وسماعهم أيضا بما يقال عن ظاهراته الروحية العجيبة .
س : تقول بعض الصحف أن الديانة الداهشية منبثقة من ( رمز داهشي ) فما رأيكم في هذا الكلام ؟ وهل يمكنكم تفسيرها لنا أو لسوانا ؟
ج : ليس الداهشيون في الهند أوفي الصين . إنهم في مدينة بيروت وأنحاء لبنان . وكذلك كان على هؤلاء ان يسألونا عن حقيقة تلك الرموز المقدسة ، فتعطى لهم رويدا رويدا عندما يعتنقون مذهبنا . وعندئذ يفهمونها جيدا ويتعجبون عندما يتبين لهم أنّ هذه الأحرف الرمزية تؤلف عبارات خطيرة ومعاني ثمينة كبيرة يرتكز عليها هذا المذهب الجديد الذي يريد البعض مناهضته لغايات في النفوس … في حين أن ّحرية الفكر والمعتقد نصّ عليهما الميثاق الاتلنتكي . فلماذا تريد بعض الصحف التّعدي على حرية الأخرين ؟ فالانسان حرّ بعقيدته خصوصا إذا توجهت روحهإلى المثل العليا ، وبالدستور اللبناني مادة تقول : حرية المعتقد مصانة .
إن في الحياة أسرارا عجيبة غريبة ، ولاسيما الأسرار الروحية التي تعلّق عليها الداهشية أكبر أهمية ، لأن لها اتصالا بالقدرة الالهية . وقد جاء في الكتاب المقدس (( أنّ الله روح )) .
وجاء في القران الكريم :
ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربيّ وما أوتيتم من العلم الاّ قليلا .
جريدة الأخبار
- الثلاثاء 17 تموز 2018
بعد ستة عقود على رحيل حليم دمُّوس: «بُلبُل المنابر» يستردّ اعتباره في جامعة الأزهر
بعد انقضاءِ 61 عاماً على رحيله، وبعد أَن كاد النسيانُ يحجبُ وجهه الأَدبيَّ والشِّعريَّ العملاق بفعل الظُّلم والجهل والتعصُّب، يهبطُ الشاعر حليم دمُّوس من عليائه، على أَجنحة الشعر، ويحطُّ رحالَه عند منبرٍ من منابر جامعة الأَزهر، واضعاً بذلك حدّاً للظلم الذي أَلحقَه به أَبناءُ بَجْدتِه طوالَ أَكثر من نصف قرنٍ من الزمن.
تعرّض لشائعات أَطلقَتْها السُّلطةُ اللبنانيَّة وسجن مرات عديدة
«بُلبُلُ المنابر» كان لقبَهُ الأَشهَر في جُملة أَلقابٍ عدَّة أَسبغَها عليه نُخبةٌ من مُعاصريه مِمَّن قدَّروا شاعريَّته ورِفعة فكره ونُبلَ أَهدافه حقَّ قَدْرِها. لقد كان بالفعل نظيرَ بُلبُلٍ هابطٍ من جنَّة الجنَّات، تُفصحُ أَغانيه عن روحٍ مُتساميةٍ مجبولةٍ بحُبِّ الله وأَنبيائه، وبحُبِّ الإنسانيَّة، ومَنذورةٍ لإسعاد أَبناءِ الحياة، وإرشادهم، وإنارة سُبُلهم، وتوحيد قلوبهم على المبادئ والأَهداف الرفيعة. وكان عن جدارةٍ شاعرَ الروح الذي احتضَن الأَديانَ السماويَّة المُنزَلة في قلبه وفكره وقلمه، وأَسكنَ وجوهَ الأَنبياءِ في مخيِّلته، فلم يَستثنِ ديناً من الأَديان أَو نبيّاً من الأَنبياء من إيمانه، على الرغم من كونه مسيحيَّ المولد والنشأَة. فغنَّى أَمجاد النبيِّ محمَّد بقَدْر ما غنَّى أَمجاد السيِّد المسيح والرسُل، وأَطلقَ صرخةً مُجلجِلة شاءَها أَن تُعيدَ حقيقة الوحدة الدينيَّة ووحدة الأُسرة البشريَّة إلى الأَذهان، وأَن تُزلزلَ أَركانَ التعصُّب والتفرقة في النفوس. وما كان أَحوجَ عالَمنا إلى صرخته تلك! ويا ليت البشر أَصغوا إليها بعدما جسَّدَها في قصيدته الخالدة «نشيد الملحمة العربيَّة»، قائلاً:
فوالله لو يدري الورى كُنْهَ دينهم/ لَما فرَّقوا ما بين عيسى وأَحمدِ
ولا أَطلقـوا يوماً قنابلَ مِدفـع/ ولا صَقلُوا للحَرب حَدَّ مُهنَّدِ
فأَنتَ أَخي ما دامَتِ الأَرضُ أُمَّنا/ وأَنتَ أَخي بالروح قبل التجسُّدِ
لعَمـرُكَ ما الأَديانُ إلاَّ نوافـذٌ/ تَـرى اللَّهَ منها مُقلـةُ المُتـعبِّدِ
تعالـيمُ إصلاحٍ وعَدلٍ ورحمَـةٍ/ فلا تَجعلُـوا منها سِلاحاً لِمُفسدِ
سأَنشُرُها في الخافقَيْنِ مَلاحمـاً/ على نَسْجِ «حسَّانٍ» ونَغمَةِ «مَعبدِ»
وأُلقي بُذورَ الحُبِّ في كلِّ بِيعَـةٍ/ وأُلقي بُذورَ الحُبِّ في كلِّ مَسجدِ
وأَلمُسُ في القرآن عيسى ابنَ مريَمٍ/ وأَلمـحُ في الإنجيلِ رُوحَ مُحمَّـدِ.
وإذا كانت يدُ الظُّلم والجهل قد حالَتْ دون إقبال الدارسينَ والنقَّاد على نتاجه الأَدبيِّ والشِّعريِّ والصحافي لاستخراج الدُّرَر المخبوءَة في حناياه، فإنَّ عودته الميمونة إليها كانت بفضل طلبٍ تقدَّم به المعيد البنداري عيد البنداري طايل، في أَواخر عام 2014، إلى جامعة الأَزهر، لتسجيل بحثٍ بعنوان: «حليم دمُّوس شاعراً»، على أَن يكون رسالته لنَيل درجة التخصُّص الماجستير في اللغة العربيَّة، في قسم الأَدب والنقد. وقد وُفِّق الباحثُ في تسجيل موضوعه، فكان ذلك انتصاراً للشاعر الظَّليم على ظُلاَّمه، وانتصاراً للحقيقة على الباطل.
وفي 28 آذار (مارس) 2017 وافقَت الجامعة على تشكيل لجنة الحكم والمناقشة الخاصَّة بالرسالة، على أَن تتمَّ مناقشتُها صباح يوم الأَربعاء 19/4/2017.
وقد رأَيتُ، من باب الوفاء، أَن أُنوِّه، في هذا السياق، بجميل الأُستاذ الدكتور هشام محمَّد محمَّد البيه على الباحث والرسالة معاً، وعلى جميع الذين سيقرأُون تلك الرسالة في مستقبل الأَيَّام. فهو الذي وضعَ مؤلَّفات الشاعر بين يدَي الباحث، طالباً إليه أَن يطَّلع عليها، ويقرِّرَ ما إذا كانت توافقُ هَواه بحيث تكونُ موضوعَ رسالته العتيدة. وما كان ذلك ليَحدُث لولا أَنَّ الأُستاذ الكريم قد انجذَبَ، هو نفسُه، إلى تلك النفحات الروحيَّة والإنسانيَّة التي خلَّفَها الشاعر من روحه في شِعره، ولولا أَنْ هزَّتهُ قوَّةُ شاعريَّته وصدقُ طويَّته. ولا شكَّ في أَنَّ الجرأَة الأدبيَّة والفكريَّة التي يتمتَّعُ بها قد جعلَتْه يتخطَّى كلَّ الشائعات الكاذبة التي أَطلقَتْها السُّلطةُ اللبنانيَّة ورموزُ التعصُّب في لبنان حول حليم دمُّوس بسبب تأثُّره بفكر الدكتور داهش، المُناهضِ للتعصُّب الدينيِّ والمذهبيِّ والعرقيّ، والمُنادي بوحدة الأديان ووحدة الأُسرة البشريَّة، وأَحد أَبرز مُمثِّلي الأَدب الإنسانيّ في القرن العشرين. وكان ذلك قد حدثَ في واحدٍ من أَكثر العهود ظلاميَّةً وفساداً ومحسوبيَّةً وتضييقاً على الحرِّيَّات في لبنان (1943-1952)، وأَدَّى إلى اضطهاد الدكتور داهش وتَجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة ونَفيه خارج وطنه، بالظُّلم والاعتداء، وخلافاً للدستور والقوانين. كما تسبَّب بسَجْن الشاعر الحليم خمس مرَّاتٍ، مدَّة 300 يومٍ ويوم، دون أيِّ ذَنْبٍ جناه، وبالتعتيم على نتاجه الأَدبيِّ والشعريّ الفذّ سنواتٍ طويلةً، خلال حياته، وبعد رحيله.
والجديرُ بالذكر أَنَّ هذا الموقف المشرِّف للأُستاذ البيه قد رفدَتْه جامعةُ الأَزهر، من جهتها، بموقفٍ موضوعيٍّ لا يقبَلُ المَساسَ بالحرِّيَّات، أَو الانجرار خلفَ المعلوماتِ المغلوطة بحقِّ أَصحاب الفكر.
وفي 19 نيسان (ابريل) 2017، اجتمعَت لجنة الحكم والمناقشة في كلِّيَّة الدراسات الإسلاميَّة والعربيَّة بدمياط الجديدة، بَنين، جامعة الأَزهر، بحضور عددٍ من الأَساتذة والمهتمِّين، فتَلا الباحث البنداري مقدِّمة رسالته، قائلاً في مطلعها «إنَّ الأَدبَ العربيّ على مدار التاريخ قد حَفلَ بعددٍ كبيرٍ من الرموز والأَعلام الشاعرة الذين أَغفلَتهم الأَقلام وأَهملَتهم الأَبحاث، بِمَن فيهم الشاعر حليم إبراهيم دمُّوس الذي يُعَدُّ علَماً بارزاً من أَعلام الشِّعر العربيّ في العصر الحديث. وبدافع الرغبة في إحقاقِ الحقّ، عمدتُ إلى دراسته دراسةً جادَّة تعتمدُ على دراسة الأَغراض وتحليل النصوص، وإلقاءِ الضوء على قُدراته الفنِّيَّة، مُلتزماً الحياد والموضوعيَّة في كلِّ كلمةٍ، وفي كلِّ جملة، لعلَّ ذلك يُعوِّضُ شيئاً مِمَّا أَصابهُ من ظُلمٍ وإهمال».
بعد ذلك، أَشار الباحثُ إلى كيفيَّة حصوله على دواوين حليم، وعلى المصادر والمراجع اللازمة للبحث، بالقول: «وبعد تنقيبٍ وطول بَحثٍ، علمتُ أَنَّ نِتاجَ الشاعر المطبوع والمخطوط موجودٌ في المكتبة الداهشيَّة الخاصَّة في مدينة نيويورك، فقمتُ بالتواصل مع الأُستاذ ماجد مهدي، مُمثِّل (الدار الداهشيَّة للنشر)، فقام مشكوراً بِمدِّي بما لم أَتمكَّن من الحصول عليه من دواوين حليم الشعريَّة. كما حصلتُ على المصادر والمراجع والدوريَّات والرسائل الجامعيَّة التي أَفادَتني في الدراسة».
ويُلخِّصُ الباحثُ في مقدِّمته كيفيَّة استعراضه مراحلَ حياة الشاعر، ومكوِّناته الثقافيَّة، وآثاره الأَدبيَّة، ووقوفه على أَبرز أَحداث عصره التي كان لها أَثرٌ كبير في توجيه حياته ونتاجه الشعريّ. ثمَّ يَعرضُ موضوعات شعره التي تناولها بالبحث، وهي شعرُ الرثاء، وشعرُ الإخوانيَّات، والشعرُ السياسيّ، وشعرُ الوصف، والشِّعرُ في المرأَة، والشعرُ الدينيّ، وشعرُ المديح. ويُضيفُ قائلاً إنَّه قد أَلحقَ بتلك الموضوعات الدراسة الفنِّيَّة والمنهج الذي اعتمدهُ فيها. وقد أَشار، في السياق نفسه، إلى ما تركه الدكتور داهش وفكرُه من أَثرٍ كبير في حياة حليم وأَدبه وشعره، بالقول: «إنَّ البحث قد أَظهرَ أَهمَّ محاور الشعر الدينيّ التي اتَّكأَ عليها الشاعرُ في نَظْمِه، والتي تمثَّلَتْ في حُبِّ الذاتِ الإلهيَّة، وشعر المديح النبويّ، والزُّهد والحكمة، وتوحيد الأَديان. وهذه المحاور لم تكنْ غيرَ أَصداءٍ ضاقَتْ بها نفسُ الشاعر بعدما أَرهقَها الشرود، وأَمرضَها التمرُّد، فباحَ بها في شعره مُبتهلاً، ومُناجياً، ومُلتمساً العفوَ والمغفرة، عارجاً في معارج الروح العليا، مُزيِّناً شِعرَه بلمحاتٍ من الزُّهد وشذَراتٍ من الوعظ بعد مقابلته التاريخيَّة مع (الدكتور داهش)، والتي تُمثِّلُ نقطةَ تحوُّلٍ في حياة حليم وأَشعاره».
أَحد أَبرز مُمثِّلي الأَدب الإنسانيّ في القرن العشرين
بعد تلاوة المقدِّمة والانتهاءِ من المناقشة، قرَّرَت اللجنة مَنحَ الباحث درجة التخصُّص الماجستير بتقدير ممتاز. والحقّ أَنَّ هذا القرار قد مَحا ليلَ الظُّلم الطويل الذي حجَبَ وجه حليم دمُّوس عن لبنان والعالَم العربيّ، وأَعاد الشاعر إلى منبره، ورفع نتاجه الأَدبيَّ والشعريَّ العملاق إلى أَعلى مقام، واضعاً إيَّاه في متناول النقَّاد والدارسين، بالإضافة إلى الطبقات المُثقَّفة وعامَّة الناس، على حدٍّ سواء. ويقيني أَنَّه، في اللحظة التي تُليَ فيها، تبدَّل موقفُ التاريخ من حليم دمُّوس، فانقلبَ ليلُه صُبحاً، وظُلمُه عدالة! كما تحقَّقَ حَدْسُ الشاعر نفسُه الذي دوَّنه في أَربعينيَّات القرن الماضي، معلناً فيه انتصار كلمته، وإشراقة شمس شِعره، مهما طالَ ليلُ الظُّلم. فهو، مُذذاك، كان يرى بعين روحه، وهو خلفَ قُضبان سِجنه، ما ينتظرُ قبَساتِ شِعره ونثرِه من سلاسلَ وقيودٍ تَحُولَ دون بلوغها الأَسماعَ والقلوب. وكان على يقينٍ مُطلَقٍ بأنَّ تلك القبَساتِ العُلويَّة الصادقة لن تقوى عليها القُضبان، وأَنَّ الكواكبَ والنُّجومَ والشُّهبَ سوف تتلقَّفُ شُعاعاتِها وتَحفظُها إلى الساعة التي لا بُدَّ من أَن تُشرقَ فيها مثيلَ إشراقة الشمس من وراءِ الآكام! هذا ما باحَتْ به قصيدتُه «سجِّلي يا شُهب» التي جادَ بها من قلب السِّجن، آنذاك، قائلاً: قُـلْ لِمَنْ حَلَّ لدَيه سَقَمـي/ سيُلاقي بعـدَ حينٍ سَقَمَهْ
أَمِـنَ العَـدل بأَن يَحسبَـنيَ/ في عِـدادِ المُجـرمينَ الأَثَمَهْ
إنَّ مَـنْ قيَّـدتُمُ لـن تُسكِـتُوا/ فَـمَهُ أَو فِـكرَهُ أَو قَلَـمَهْ
سجِّلي، يا شُهْبُ، شِعري، وغدًا تُشرِقُ الشمسُ وراءَ الأَكَمَهْ
لقد أُتيح لي، بحُكم عملي في مجالات الكتابة والنشر، أَن أَطَّلع على مخطوطات الشاعر حليم دمُّوس، المنشورة منها وغير المنشورة. كما أَشرفتُ على تصحيح وطبع العديد من الكتب التي نَظمَها شِعراً، مثيل «بروق ورعود» و«ناثر وشاعر»، وكتبتُ المقالات الضافية فيه، مُتناولاً حياته وأَدبه وشِعره، إيماناً منِّي بأَنَّها تعودُ بالفائدة والخير على الناس جميعاً، وتُنيرُ أَمامهم سبيلَ الحياة، وتُجنِّبُهم التناحرَ الطائفيَّ والمذهبيّ، وتُحبِّبُ إليهم الحياةَ الأُخرى في ظلِّ الخالق العظيم. وفي أَواخر عام 2014، تواصل الباحثُ البنداري طايل معي عبر مجلَّة «الحقائق» اللبنانيَّة، بعدما قرأَ لي فيها مقالاتٍ عن الشاعر. وقد جرَت بيننا، نتيجةً لذلك، مراسلاتٌ جميلة على صلةٍ بدراسته ممَّا يمكنُ اعتبارُه مثالاً يُحتذى في التعاون من أَجل رِفعة الفكر.
وإلى ختامٍ أَقول إنَّ تلك الرسالة قد دوَّنها التاريخُ في صفحاته بأَحرفٍ من نُور! وسوف تبقى فيه مثالاً للدارسين والنقَّاد في ردِّ الاعتبار لكلِّ أَديبٍ أَو شاعرٍ ظُلمَ في حرِّيَّته وفكره. حَسْبُ الأَجيال الطالعة أَن تُردِّد مع الشاعر الحليم هذه الأَبياتَ الأَربعة التي كتبها، قبل سبعين عاماً، واصفًا فيها حقيقة أُدباء الشرق، والمصيرَ البهيَّ الذي ينتظرُهم بعد الموت، قائلاً:
لقـد جَهِلوا قَدْرَ الفـتى في حَيـاتِهِ / فعَـاشَ شَقيّاً وهـو للعِلـمِ شَيِّقُ
فتى خَدمَ الأَوطانَ عشـرينَ حِجَّـةً/ وذابَ كمِصباحٍ بهِ النُّـورُ يَخفُـقُ
وما أُدبـاءُ الشـرقِ إلاَّ كـأَنجُـمٍ/ تُـرى في ظلامِ الليـلِ إذْ تتأَلَّـقُ
وكَمْ من أَديبٍ عاشَ في الأَرضِ مُهمَلاً / وبعدَ الرَّدى في ظُلمـةِ القَبرِ يُشرِقُ
* كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا.
جريدة الأخبار
- آداب وفنون
- وجوه من الماضي
- ماجد مهدي
- الثلاثاء 9 نيسان 2019
ماري حدَّاد… وحسبُكِ في هذا النضال أن تكوني إميل زولا!
- آداب وفنون
- وجوه من الماضي
تعرَّفتُ إلى ماري حدَّاد في صيف عام 1969، في منزلها القائم في منطقة «زقاق البلاط» في بيروت، وكانت، آنذاك، في العقد الثامن من عُمرها. كانت مُصابةً بمرض تقوُّس الظهر بفعل وطأَة السنين التي راكمَتْها في رحلة العمر. لكنَّها كانت شامخة الرأس كعهدها عندما جابَهَت ظُلمَ ذوي القُربى الذين حكموا لبنان في أَربعينيَّات القرن الماضي، واعتدَوا على حرِّيَّتها الفكريَّة، خلافاً للدستور والقوانين. في تلك الحِقبة، استلَّت قلمها كما يُستلُّ السيفُ اليمانيُّ من غِمده، وأَعملَتهُ في كبريائهم وصلَفِهم، وظُلمهم وفسادهم، فعفَّرَت رؤوسهم، ولم تُخفضْ رأسها لأَحدٍ غير الله والحق! وقد خاطبها، عهدذاك، الصحافيُّ السوريّ الكبير جبران مسُّوح، صاحب جريدة «المُختصَر» الصادرة في بونس إيرس في الأَرجنتين، في رسالةٍ بعث بها إليها، في معرض دفاعه عنها، فقال: «الحادثُ بجُملته شبيهٌ بحادث دريفوس في تاريخ فرنسا. وحسبُكِ في هذا النضال أَن تكوني إميل زولا. ولكنْ لا بأس يا ماري. وعلينا أَن نُوقظ هذه الأُمَّة لإنقاذ ضميرها من الهلاك!».
كانت ماري حدَّاد أَديبةً مرموقة تكتبُ باللغة الفرنسيَّة، وتُجيدُها إجادة أدباءِ فرنسا الكبار. وكان القلمُ رفيقَ ساعاتها وسميرَ أَيَّامها، يشوقُه دوماً أَن يتسلَّل إلى يدها ليتبرَّكَ منها، ويُلملمَ ما أَمكنَه من قبَساتِ فكرها ليُعلِّقُها فوق القراطيس نُجيماتٍ تُضيءُ الدروب. صدَر لها كتاب «الساعات اللبنانيَّة» Les Heures Libanaises عام 1937، في بيروت؛ وهو مجموعةٌ من القصص القصيرة زيَّنها بعضٌ من لوحاتها الفنِّيَّة. وقد أَطلق المستشرق الروسيّ، فلاديمير بلوندين Vladimir Blondin، عميد كلِّيَّة الدراسات الشرقيَّة في جامعة سانت بطرسبورغ في روسيا، عليها لقب «المُنوِّرة اللبنانيَّة» أُسوةً بالمُنوِّرين اللبنانيِّين سليم البستاني (1848-1884) وجرجي زيدان (1861-1914) وفرح أَنطون (1874-1927) وجبران خليل جبران (1883-1931) الذين كانوا من روَّاد الحركة التنويريَّة الواسعة التي شملَت مصر وسوريا ولبنان وغيرها من الأَقطار العربيَّة في الستِّينيَّات من القرن التاسع عشر إلى جانب عددٍ آخر من المفكِّرينَ والأُدباء والسياسيِّين العرب التقدُّميِّين.
ماري حدَّاد في أَربعينيَّات القرن العشرين
وكانت ماري حدَّاد كذلك فنَّانةً موهوبة بدأَت مسيرتها مع الرسم عام 1920 بدافع الرغبة الشخصيَّة لا غير. لكنَّها عادت فحصَّلَت بعض التدريبات الفنِّيَّة، خلال عامَي 1924 و1925، على يد الفنان الفرنسي كوبير Kober الذي كان يمتلك مدرسةً للفن في بيروت، في ذلك الزمن. وقد اتَّسعت شهرتُها بسرعة نظراً لشَغفها الكبير في رسم البورتريه لبعض مواطنيها، وبخاصَّةٍ البدو منهم، ولمناظرِ الطبيعة الجميلة في لبنان، وحازت لقب «فنَّانة البدو» Bedouin Artist نظراً لاهتمامها الكبير بهذا الجانب الفنِّيّ، وإبداعها فيه.
في عام 1930، أَصبحت رئيسةً لجمعيَّة الفنَّانين اللبنانيِّين. وفي عام 1933، دعاها السفير الفرنسي في لبنان، الكونت دي مارتِِل Le Comte de Martel، إلى إقامة معرضٍ لأعمالها الفنّيّة في باريس، فلبَّت الدعوة. وقد كانت الفنّانة الأولى والوحيدة من لبنان التي مُنحَت القبول بالمشاركة في«صالون الخريف الخاصّ بالقصر الكبير» Le Salon d›Automne du Grand Palais.
بعد ذلك، أُقيم أَوَّلُ معرضٍ خاصٍّ بلوحاتها في غاليري جورج بِرنهايم Galerie Georges Bernheim في باريس، فاقتَنت الدولة الفرنسيَّة إحدى لوحاتها، وكانت تُمثِّلُ منظراً لجبلٍ في لبنان. وقد كتب الناقدُ الفرنسيُّ الشهير لوي ڤوكسِل Louis Vauxcelles، آنذاك، دراسةً قيِّمةً عنها خصَّ بها كاتالوغ بِرنهايم الفنِّي. واستمرَّ في دعمه لأَعمالها طيلة مسيرتها الفنِّيَّة. وقد بقيت حدَّاد تُتابعُ عرضَ أَعمالها كلَّ عامٍ في غاليري بِرنهايم، ولم تتوقَّف عن ذلك إلاّ في عام 1940 عندما اندلعَت شرارةُ الحرب العالميَّة الثانية. كما قامت بعرض أَعمالها الفنِّيَّة في لندن ونيويورك، فبرزَت كفنَّانةٍ مُتميِّزة في جناح جمهوريَّة لبنان في المعرض العالَميّ في نيويورك لعام 1939. وكان لها حيِّزٌ في «معرض كليڤلاند الدولي» لعام 1941.
اتَّصف أَدبُ ماري حدَّاد وفنُّها بنزعةٍ إنسانيَّة ومَسحةٍ جماليَّة هما في أَساس خلودهما على مرِّ الزمن. فكلاهما أَشبهُ بقبساتٍ مُضيئة فاضت من نفسٍ مُتساميةٍ شاعرة فيها من النُّور ومن التوق إلى الأَعلى ما يُجنِّبُها التعثُّر في الظُّلمة، ويُبعدُها عن جاذبيَّة الأَهواءِ والرغبات، ويَشيلُ بها صعوداً نحو عين الشمس!
تلك السيِّدة، بكلِّ ما كانت عليه من مثاليَّةٍ وخُلُقٍ رفيع، وجدَت نفسَها، هيَ وأُسرتَها، في أَحد أَيَّام عام 1942، في حضرة رجُلٍ تبيَّن لها بالدليل القاطع أَنَّه رجُلُ الحقيقة الخالدة؛ رجُلُ الهَدْي والمحبَّة والإيمان بالله وبالروح في عالَمٍ غارقٍ في المادية والفساد! رجل يعدُّ من أَبرز مُمثّلي الأَدب الإنساني، و«يأتي المعجزات، بفضلٍ من الله، من أَجل إثبات حقيقةِ وجوده، ووحدةِ أَنبيائه ورسالاته، ويُناهضُ التعصُّب بكلِّ أَشكاله، ويهزأُ بالأَمجاد والأَلقاب، ويؤمنُ بعدالة الله ويُسلِّمُ بمشيئته!
كان الدكتور داهش ذلك الرجُل! ولقد وجدَت ماري حدَّاد فيه ضالَّتها المنشودة، والحُلمَ الذي كان يراودها منذ الطفولة! لم تصدّق في البدء ما نُقل لها عنه، إلى أَن جاءَت إليه بنفسها، مُصطحبةً زوجها الأَديب جورج حدَّاد وبناتهما الثلاث، للتحقُّق من صحَّة ما سمعوهُ عنه. هناك، لمسَت الحقيقة لمسَ اليد، وشاهدَت بأُمِّ عينها ما سمعَتْه عنه بأُذنها، وأَيقَنت أَنَّ ذلك الطالعَ من وطن أَرز الربّ يَحمل أَمانةً سامية، لا لوطن الأَرز وأَبنائه فحسب، بل للدُّنيا بأَسرها وشعوبها قاطبةً، وأَنَّه لن يتوانى عن تأديتها مهما عظُمَت المصاعب وغلَت التضحيات!
وأَعلنَت تأييدها له في دعوته؛ وكذلك فعلَت أُسرتُها. ومُذذاك، لم يعد إيمانُها مقتصراً على السيِّد المسيح ورسالته فحسب، كونها مسيحيَّة المولد والنشأة، بل أَصبح يحتضنُ أَنبياءَ الله ورسالاتِهم، بلا استثناء، بمن فيهم النبيّ محمَّد (ص) ورسالته. وقد أَعلنَت وزوجها جورج حدَّاد عن قناعاتهما تلك على رؤوس الأَشهاد، ما أَثار عليهم أَقرباءَهم وسواهم من وجوه التعصُّب المقيت في لبنان مِمَّن كان لهم نفوذٌ في السُّلطة في تلك الحِقبة. لم يمضِ زمنُ طويل حتَّى تسنَّم صهرُها بشاره الخوري سدَّة رئاسة الجمهوريَّة، فراح يضطهد الدكتور داهش، مُقحِماً جميع السلطات القضائيَّة والأَمنيَّة والصِّحافة في الاعتداءِ عليه، بالظلم والافتراء، وخلافاً للدستور والقوانين. وقد أَدَّى ذلك الاضطهادُ إلى تجريد الدكتور داهش من جنسيَّته اللبنانيَّة، ونَفْيه إلى الحدود السوريَّة التركيَّة في محاولةٍ للقضاءِ عليه، بمُقتضى مرسومَيْن ظالمَيْن صادرَيْن عن رئيس الجمهوريَّة، من غير أَن يُقدَّم للمحاكمة، ومن دون أَن يُبلَّغ بما صدَر بحقِّه من أَحكام.
لكنَّه تمكَّن، بعد أَكثر من شهر، من العودة سراً إلى بيروت، مُرفَقاً بعناية الله. ومن مُحتجبه القسريّ فيها، احتكم إلى قلمه، سلاحه الوحيد في مواجهة مُضطهديه والدفاع عن قضيَّته العادلة، وفي المطالبة باسترداد حرِّيَّاته وحقوقه. وقد دامت تلك الحرب القلميَّة ثماني سنواتٍ متواصلة، ولم تتوقَّف إلا بعدما ثار الشعبُ اللبنانيُّ على ذلك العهد وأَسقطه إلى غير رجعة.
كانت القضيَّةُ في نظر الدكتور داهش قضيَّةَ الحرِّيَّة الفكريَّة بامتياز، فانبرى يُسجِّلُ أَحداثَها بنفسه في عشراتٍ من الكتب التي باتت تُقرأُ اليوم على أَنَّها جزءٌ من تاريخ الاضطهادات الكبرى في تاريخ الإنسانيَّة. وقد بدَت ماري حدَّاد من خلالها كالرئبالة الجريحة التي تأبى الضَّيْم، فلا تهدأُ حتَّى تَنتزعَ حقوق المَظلومِ من ظُلاَّمه! منذ اللحظة الأُولى للاعتداءِ عليه، استلَّت قلمها النبيل، وراحت تُدبِّجُ البيانات إلى أَبناءِ وطنها، وإلى رئيس منظَّمة الأُمم المتَّحدة، وسفراءِ الدول وقناصلها المُعتمَدين في لبنان، ورؤساء وملوك الدول العربيَّة، شارحةً لهم فيها حقيقة مبادئ الدكتور داهش وأَهدافه، وتفاصيل الجريمة المُرتكَبة بحقِّه، ومُطالبةً إيَّاهم بالتدخُّل العاجل لوَقْف تلك المَظلِمة وجرِّ مرتكبيها أَمام العدالة. وقد صدرت كتاباتُها تلك في كتبٍ عدَّة إلى جانب كتب الدكتور داهش؛ وكانت جميعُها طافحةً بأَخبار المظالم في البلاد وسرقات المسؤولين لأَموال العباد. والجدير بالذكر أَنَّ بعضاً من صِحافيِّي المهجر وأُدباءِ البلاد العربيَّة أَسهموا، هم أَيضاً، في إظهار الحقيقة في القضيَّة، من قبيل الدفاع عن الحرِّيَّات التي كانت في جوهرها. وقد كان أَسلطَهم قلماً وأَبدعَهم أُسلوباً وأَكثرَهم صرامةً في دفاعه الصحافيُّ جبران مسُّوح.
وكان من نتيجة تلك الحملة القلميَّة أَن أُوقفَت ماري حدَّاد، وسُجنَت أَكثر من مرَّة، وزُجَّ بها في مستشفى المجانين المسمَّاة «العصفوريَّة» لتقضي فيه 73 يوماً مع فاقدي نعمة العقل، بالظلم الرهيب. لكنَّ المسؤولين خافوا من مغبَّة التمادي في إبقائها خلف تلك الجدران المُرعبة، فأَطلقوا سراحها. وفور خروجها منه، كتبَت مذكِّراتها عمَّا شاهدته من جرائم ارتُكبت في ذلك المكان الجهنَّميِّ الحافل بالويلات. وقد رأَيتُ أَن أُقدِّم شذَراتٍ مِمَّا جاد به قلمُها ضمن البيان الذي رفعَتْه إلى أَبناءِ وطنها، وناشدَتهم فيه أَن يرفعوا الصوت عالياً ضدَّ الجَوْر، وأَن يحتجُّوا معها باسم الحقيقة وباسم الحرِّيَّة، على حدِّ قولها. وها هي:
«إنَّني أَشهدُ أَمام الله أَنَّ الدكتور داهش هو مثالُ النبالة والشرف. وهو بتعاليمه السامية يَنشُدُ أَرفَع وأَطهَر ما يصلُ البشرُ إلى معرفته من أَخلاقٍ كريمة وآدابٍ رفيعة، ويُعلنُ لإخوانه أَنَّ الحياة ليست إلَّا مرحلةَ تجربةٍ وتهيئةٍ لحياةٍ ثانية، وأَنَّ العدالة الإلهيَّة تقتصُّ من الأَشرار وتُكافئُ الأَخيار».
اتَّصف أَدبها وفنُّها بنزعةٍ إنسانيَّة ومَسحةٍ جماليَّة
«إنَّ الدكتور داهش يُنادي بالإخاء بين البشر قاطبةً مهما اختلفَت عناصرُهم وتعدَّدَت شرائعُهم، ويُبشِّرُ بضرورة التعاون بين أَفراد المجتمع ليزول الشقاءُ والفقر، مُعلناً أَنَّ الناس مُتساوون أَمام الله، وأَنَّ القُدوة الحسنة هي خيرُ موعظة…»
ويُوافيها قلمُ جبران مسُّوح، مُدافعاً عن الدكتور داهش وعنها، على غير معرفةٍ شخصيَّةٍ بكليهما، فيقول: «إنَّ داهشاً يفتكرُ بمقابلة كبار المُصلحين في التاريخ ليَبحثَ معهم حالَ هذه الإنسانيَّة التعِسة التي تنتقلُ من شقاءٍ إلى شقاء، ومن خطرٍ إلى خطر. هو يفتكرُ بهذا الشرق البائس الحزين الذي كان مهبطَ الذكاءِ البشريّ، فأَصبح أُلعوبةً بين أَيدي التخاذُل والانقسام. هو يَجمعُ أَقوالَ جميع المُصلحين الشرقيِّين ليَستخرجَ منها قوَّةً واحدة تَجمعُ الشمل وتُوحِّدُ الغايات وتؤلِّفُ بين القلوب…».
كما يُخاطبُ ماري حدَّاد، فيقول: «إنِّي أَحترمُ جهادكِ العنيف وصبركِ على مقاومة الخصوم… وهذا الحادث هو أَعظمُ حادثةٍ جرَت في الشرق في هذا الجيل. وإنِّي كلَّما قرأتُ تفاصيلها، أَرى ماري حدَّاد فوق الجميع. بل أَنتِ فوق لبنان، كلِّ لبنان.. لأَنَّكِ تدافعينَ عن مبدأ وعقيدةٍ دفاعاً قصَّر عنه جميعُ الرجال. اكتُبي لي لأَسمع صوت سلامتكِ، يا حمامةً بين قطيعٍ من الذئاب».
■ ■ ■
قُبيل اليوم الأَخير من عام 1972، حضرتُ إلى مستشفى «أُوتيل ديو» Hôpital Hôtel-Dieu في بيروت للاطمئنان على صحَّة ماري حدَّاد، فرأَيتها في شبه غيبوبة. وفي اليوم الأَوَّل من عام 1973، فارقَت الحياة، فرافقَها رهْطٌ من ملائكة الله إلى العالَمِ السعيدِ البعيدِ المُعَدِّ للأَبرار الأحرار من أَمثالها! في تلك الربُوع القُدسيَّة، غدَت تلك «المُنوِّرةُ اللبنانيَّة» نَجمةً سعيدةً تشعُّ في الآفاق، وتزيدُها نوراً على نُور! وقد ضمَّ «مُتحف داهش للفنّ» Dahesh Museum of Art القائم في «مانهاتن» في نيويورك بعض أَعمالها الفنِّيَّة. مَن يدري، فلعلَّ تلك الأَعمال تشعُّ، هي أَيضاً، بأَنوار الجمال الإلهيّ فتُضيءُ قلوب أَبناءِ الحياة!
* كاتبٌ لبنانيٌّ مُقيم في كندا
جريدة الأخبار
- ماجد مهدي
- الثلاثاء 19 أيار 2020
النظم المادّية أمام التحدّي: أزمة كورونا في ضوء الفكر الداهشي
هل يسقطُ العالَمُ وتتداعى صروحُه بفعل السيَّال الخفيّ كورونا الزاحف بلا هوادة في كلِّ اتِّجاه، والذي يحملُ في ثناياه الموت الزؤام، حاصداً الأَرواح بلا رحمةٍ أَو إشفاق؟! وهل تسقطُ معه النُّظُم المادِّيَّة الجائرة المُجحِفة بحقوق الفقراءِ والبائسين والضُّعفاء، والتي لا تُقيمُ وزناً للرحمة والتسامح والمُفاداة والأُخوَّة الإنسانيَّة؟! هل تسقطُ الدساتيرُ المثاليَّة العظيمة التي تُقدِّسُ الخير والحقَّ والعدالة والحرِّيَّة والمحبَّة والسلام، والتي أَفرغها القيِّمون عليها من رفيع معانيها بفعل الحروب والمظالم والأَطماع؟! وهل تسقطُ الشِّرعة الدوليَّة لحقوق الإنسان، الرائعة المضامين والأَهداف، بعد أَن أَحالتها القوَّة الغاشمة حبراً على ورق؟!
وهل تسقطُ مُنظَّمة الأُمم المتَّحدة التي ما برحَت، منذ نشأتها، جسداً بلا روح، وخُطباً طنَّانةً في السلام لم تتعدَّ أَصداؤها جُدران القاعات التي أُلقيَت فيها؟! هل تسقطُ الإمبراطوريَّاتُ والممالكُ والدُّول، وتسقطُ معها الجحافلُ والمُدمِّراتُ وحاملاتُ الطائرات والأَسلحةُ الفتَّاكة والإستراتيجيَّات أَمام كائنٍ خفيٍّ، مجهول الأَصل والهويَّة، يتصرَّفُ على هواه وكأَنَّه القضاءُ والقدَر الذي يتحكَّمُ بشؤون البشر وحياتهم وموتهم إلى أَجلٍ لا يعلمُه إلّا الله وحدَه؟! وهل تسقطُ النُّظُم الماليَّة العالميَّة القائمة على الجشع والطمع والغدر والخيانة، والتي تتلاعبُ بثروات الشعوب والأَفراد، وتحرمُهم منها إرضاءً لرغبات الأَقوياءِ الطامعين؟!
هل تسقطُ اقتصاداتُ العالَم بعد أَن شلَّ ذلك الشبحُ معظم شرايين الحياة فيه، وأَرغم الشركات على الإقفال، وملايين العمَّال على التوقُّف عن العمل هرباً من وجهه واتِّقاءً لخطره؟! وهل يسقطُ الساسةُ والحكَّامُ والرؤساءُ والملوكُ والقادةُ الذين لا يرعَون في الشعوب إلّاً ولا ذِمَّة، ولا يخافون الله، والذين لا عهدَ لهم بالشعور الإنسانيّ، وبالمُثُل العُليا وقِيَم الروح الخالد وعدالة السماء؟! وهل يسقطُ الملايينُ من أَبناءِ الحياة أَمام ذلك المُهاجم النانومتريّ الذي تربَّع على عرش الكُرة الأَرضيَّة، هازئاً بالكراسي والعروش والمُسمَّيات والأَلقاب والقوَّات والثروات؟! هل نشهدُ كلَّ ذلك بعد أَن شهدنا سقوط القيَم الروحيَّة والأَخلاقيَّة والإنسانيَّة وانحلالها في العالَم أَجمع تحت أَقدام المادَّة الفانية؟
كتب الدكتور داهش: «من العار أَن تموت قبل أَن تقوم بأَعمال الخير نحو الإنسانيَّة»
لقد اجتاحَ كوڤيد التاسع عشر كورونا الهزيلُ الجُرم العالَم كلَّه، وأَحاله إلى سجنٍ كبير يُحيطُ به الموتُ والفناءُ من كلِّ جانب، وتقضُّ الآلامُ والمخاوف مضاجع بنيه. وقد استبسل كثيرون في مواجهته، وبذلَ أَطبَّاءٌ ومُمرِّضون أَرواحهم وهم يقومون بالواجب الإنسانيّ. فإذا لم يتدارك حكَّامُ العالَم وقادتُه الوضع العالميَّ المُتهالك بروحٍ من التعاون الأَمثل، وبالسرعة القصوى، من أَجل إنقاذ ما تبقَّى من أَرواحٍ وخيراتٍ وتُراثٍ حضاريٍّ خالد، فإنَّ عالَمنا سيؤولُ إلى السقوط، لا محالة، ليقوم مقامهُ عالَمٌ جديد ينبثقُ من بين الرُّكام والحرائق والمظالم ورُفات الضحايا، وقد تكونُ الكلمة فيه للعدالة والحرِّيَّة والمحبَّة والأُخوَّة الإنسانيَّة والتعاون التامّ بين الشعوب والدول؟! لكنْ، أَليس الأَجدى بالساسة وقادة الرأي أَن يجتمعوا، اليوم قبل الغد، بروحٍ سمحاء، ويوحِّدوا الجهود والطاقات في مواجهة الداهية الداهمة، ويُطفئوا نيران الفتن والحروب والأَطماع، ويُبادروا إلى وضع أُسُسٍ لذلك العالَم الجديد المؤمَّل قبل أَن يتعاظمَ الخرابُ والدمارُ، وتعُمَّ المجاعة، ويتساقطَ المزيدُ من الضحايا؟
«من العار أَن تموت قبل أَن تقوم بأَعمال الخير نحو الإنسانيَّة!»: هذه الكلمة هي من كتاب «كلمات» للدكتور داهش الذي رهنَ عُمره وأَدبه وفكره من أَجل إعادة الاعتبار لقِيَم الروح الخالد والمُثُل العُليا! قرأتُها عندما كنتُ في ربيع الشباب، واتَّخذتُ منها، مُذذاك، نبراساً يُضيءُ سبيلي في الحياة! وقد رأَيتُ بأَنَّها تستحقُّ أَن تُرفَع شعاراً في هذه المرحلة العصيبة من التاريخ البشريّ. شعار يُخفِّفُ من وَقْع المُلمَّة على الأُمم، ويبعثُ فيها الأَملَ بالخلاص، ويستنهضُ الهِمَم، ويوحِّدُ القلوب، ويُلهبُ شُعلة التضحية والمُفاداة في النفوس من أَجل إنقاذ الأُسرة البشريَّة! فعملُ الخير في مثل هذا الزمن المُرّ هو شرفٌ أَثيل يَنشُده الأَبطالُ الرُّحماء ذوو القلوب الكبيرة، فيخوضوا غماره قبل أَن يعانقوا الموت ويدخلوا إلى قُدس الأَقداس، خاشعين بين يدَي الله!
كان الهمُّ الإنسانيّ يحتلُّ موقع الصدارة في اهتمامات الدكتور داهش؛ وكان يسعى لأَن يستبدل وجه الحياة الدميم الشرِّير المُظلم بوجهٍ جميلٍ خيِّرٍ نورانيّ، رغم قناعته بصعوبة تحقيق غايته. ولذلك، كان يُثني على كلِّ ما هو إيمانٌ وخيرٌ وحقٌّ وعدلٌ وحرِّيَّةٌ وفضيلةٌ وإنسانيَّةٌ في البشر والحياة، ويثورُ على كلِّ ما هو إلحادٌ وشرٌّ وكذِبٌ وظُلمٌ واستبدادٌ وحروبٌ ورذيلةٌ ولاإنسانيَّةٌ فيهما. ولم يكنْ يستثني أَحداً من أَحكامه الصارمة، ثناءً كانت أَو نقداً. وكان يؤمنُ إيماناً قاطعاً بأَهمِّيَّة السلوك البشريّ وانعكاساته الحتميَّة على مُجريات الأَحداث التي تقعُ للأَفراد والشعوب، وحتَّى للعالَم نفسه، وبأَنَّ مصاير البشر والكائنات مرهونةٌ بما يأتونه من خيرٍ أَو شرٍّ في الحياة. فالصُّدفة لا وجود لها، في نظره، والسببيَّةُ الروحيَّة قانونٌ كونيٌّ شامل يسري على جميع الكائنات وفق نظامٍ إلهيٍّ وضعه الله لعالَمنا الأَرضيّ. أَمَّا الجزاء، فهو، في قناعته، من نوع العمل؛ فما يزرعُه الإنسان إيَّاه يحصد. ولطالما كان يُردِّدُ الكلمة الشهيرة «إنَّ الله يُمهِلُ ولا يُهمِل»، للتدليل على رحمة الله وصبره ومَنْحه الفرص للجميع قبل أَن تنفذ فيهم أَحكامُ عدالته التي لا مردَّ لها! وكان يُطلقُ تحذيراته المشُوبة بالخوف والحزن على البشر، حيناً، وبالغضب والثورة، حيناً آخر، نتيجة تماديهم في القتل والظُّلم وإشعال الحروب وإغراقهم في الرذائل.
وقد عرضَ في مقدِّمته للجزء الأَوَّل من كتابه «قصصٌ غريبة وأَساطيرُ عجيبة» صورةً بانوراميَّةً شاملةً ومُختصرة للواقع البشريّ، كما يراه، استَثنى منها إنساناً فرداً لا غير، قائلاً: «إنَّ على الكُتَّاب واجباً مفروضاً هو قولُ الحقيقة دون سواها. فلماذا يحاولُ الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداءَ الفضيلة بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دُنيانا! لهذا يرى القارئُ أَنَّ حُكمي على أَبناءِ الكرة الأَرضيَّة من رجالٍ ونساء هو حكمٌ صارم، ولكنَّه حقيقيّ. فالغشُّ هو السائد، والباطلُ سوقُهُ رائجة، والاعتداءُ لا يُنكرهُ مُنكِر، والفسادُ مُتفشٍّ في عواصم الكرة الأَرضيَّة بأَسرها، والفِسقُ والفُجورُ مُسيطران على الجنس البشريِّ بأَسره، والأَطماعُ حدِّث عنها ولا حَرج، وكَسْبُ المال، ولو بطريق الحرام، غايةٌ وليس وسيلة، والرذيلةُ صرعَت الفضيلة، والشرُّ بَسَطَ جناحَيْه وراحَ يرودُ أَرجاءَ الكرة الأَرضيَّة، نافثاً فيها سُمومهُ الرهيبة. وقد استجابَ له أَبناءُ الغبراءِ بقضِّهم وقضيضهم. هذه هي الحقيقة، والحقيقةُ لا يستطيعُ إنكارها إلّا كلُّ جاحدٍ كاذب. فما كتبتُهُ عن السلوك البشريّ أُؤمنُ به إيماني بوجود خالقي، إذْ إنَّه حقيقةٌ واقعة، بل حقيقةٌ مخيفةٌ صادعة لا يأتيها الباطلُ من الأَمام أَو الوراء. رجُلٌ واحدٌ فقط تفوَّق بصلاحه، وصدقه، وصفاءِ روحه، وإخلاصه للحقيقة، وبَذْله نفسه عن الآخرين، وتمسُّكه بالفضيلة المُثلى. إنَّه غاندي نبيُّ القرن العشرين!».
هل نشهدُ قريباً سقوط العالَم ونُظُمه الظالمة؟
كان الدكتور داهش يعتبرُ السلوك البشريّ البابَ الذي يُفضي بالإنسان إلى سعادةٍ أَو شقاء، وذلك بنسبة اختياره للخير أَو الشرّ. وكان يرى بأَنَّ الإلحاد قد تفشَّى، وبأَنَّ الشرورَ، اليوم، قد فاقَتْ، أَضعافاً مُضاعفةً، شُرورَ سادومَ وعامورة، ويُحذِّرُ، المرَّة تلو المرَّة، من مصيرٍ مُرعبٍ يتهدَّدُ الأَرضَ وقاطنيها نتيجةً لذلك. ففي عام 1969، وخلال وجوده في مدينة برلين بأَلمانيا، قام بزيارة ملهى ليليٍّ، وفق برنامج القائمين على الرحلة، فتأَثَّر جدّاً لما رآه يُمثَّلُ في داخله «من إثمٍ وفجور». وتحت عنوان «إباحيَّةٌ مرذُولة»، دوَّن مشاهداته فيه وأَحكامه عليها ضمن كتابه الخاصّ عن تلك الرحلة.
أَمَّا المواقعُ الأَثريَّة التاريخيَّة التي كان يزورُها في خلال رحلاته، فقد كان يستعيدُ من خلالها صفحاتٍ مطويّةً من التاريخ البعيد، بكلِّ ما فيها من خيرٍ وشرّ. ففي روما، وإثر زيارته كنيسة القدِّيس بطرس، حضرَته للتوّ صورُ المآسي التي كان يتعرَّض لها الرسُل على أَيدي البشر، فأَطلق العنان لثورته على مُضطهديهم، قائلاً: «إنَّه المكانُ الذي صُلب فيه القدِّيسُ العظيم بطرس الرسول تلميذُ السيِّد المسيح. وقد طَلب ذلك المُتبتِّلُ القويُّ الإيمان أَن يُصلَب معكوساً، إذْ قال: أَنا لا أَستحقُّ أَن أُصلَب مثلما صُلب سيِّدي الإلهيّ؛ لذا أَطلبُ أَن أُصلَب ورأسي إلى الأَسفل! وهذا ما فعله جلّادوهُ الأَجلاف به! وبعد مرور مئاتٍ من الأَعوام، بُنيَت كنيسة القدِّيس بطرس فوق رُفاته، وقدَّرهُ ملايينُ البشر التقدير العظيم بعدما كانوا يتهكَّمون عليه وعلى رفاقه من التلاميذ الذين آمنوا بالمسيح. الويلُ لكِ أَيَّتها البشريَّة الكافرة! أَيَّتها الإنسانيَّة الغارقة في ذنوبكِ، المُشبَعة بآثامكِ الهائلة! ويلٌ لكِ من يوم الدِّين، لأَنَّكِ اتَّبعتِ شهواتِ قلبكِ، وابتعدتِ عن طريق النور والحقِّ واليقين. بالأَمس صلبتم رجُل البرِّ والصلاح، وقتلتم كلَّ مَن اتَّبع ذلك الإيمان العظيم! واليوم تبنون الهياكل، وتقيمون المعابد فوق رُفاتهم، أَيُّها المنافقون!».
في يقيني أَنَّ مثل هذه المواقف الإصلاحيَّة الصادقة الصارمة التي تنتصرُ للخير وتنتفضُ على الشرّ لا بدَّ وأَن تعود بالخير على الإنسانيَّة! والمستقبلُ هو الكشَّاف! فتَحيَّةُ إكبارٍ وإجلال إلى أَرواح الذين سقطوا وهم يقومون بالواجب الإنسانيّ في هذه الظروف العصيبة، وإلى الذين ما زالوا يخاطرون بحياتهم عند خطوط الدفاع الأُولى، وإلى الذين يبذلون مالَهم لردِّ خطر الموت أَو غائلة الجوع عن الوجوه الحزينة، وإلى الذين وضعوا أَنفسهم في خدمة إخوانهم في الإنسانيَّة لوجه الله الكريم. وتحيَّةٌ روحيَّةٌ خالصة إلى السيِّدة الجليلة فيروز، أَرزةُ الربّ، على استحضارها روح النبيِّ العظيم داوود ومزاميره الخشوعيَّة الخالدة في غمرة المحنة، وعلى تلاوتها صلواته الروحيَّة المُفعمة بالخشوع والخضوع بصوتها المَهيب! وحسبيَ أَن أُردِّد مع الدكتور داهش دُعاءَه: «رُحماكَ، ربِّي، وارفعْ عنَّا البلاءَ الخفيّ. فبقوَّتك الإلهيَّة تزولُ المخاطر، وتتحوَّلُ الشرورُ لخيراتٍ وبركاتٍ عميمة!».
* كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا
نشرت جريدة ” الجهاد ” في عددها الصادر بتاريخ 24/3/1953 تحت
عنوان : داهش يهاجم بشارة الخوري ، ما يلي :
اليوم عاد !!
الرجل الذي شغل الناس شهورا بحالها في عهد الشيخ بشارة الخوري ، واتّهموه بحمل شبح الجنون الى عدّة شخصيّات سياسية ونسائية ، يفتح قلبه لأول مرّة بعد ظهوره من جديد ، واسترجاعه الجنسية اللبنانيّة ، ويتحدّث عن نفسه ، وعن جلساته الروحيّة …والظواهر الخارقة للطبيعة التي استطاع تحقيقها على رؤوس الأشهاد !
كان ولا يزال أشبه بالاسطورة !
اسمه – كما يقول المقرّبون اليه – سليم العشي …ولقبه ، كما يعرفه الناس في ثلاثة أرباع الدول العربيّة والشرق الأوسط ، هو الدكتور داهش .
قيل منذ سنوات انّه اختفى نهائيّا ….
قيل أيضا انّه اغتيل على حدود ايران ، وانّ اتباعه في البلاد العربيّة قطعوا لأجله الحدود ، واتّشح اكثرهم بالسواد .
ثم ظهر فجأة …وعادت الابتسامة الى شفاه الداهشيّين من جديد :
لكنّه هذه المرّة كان شخصا آخر !…انّه يهرب من عدسات التصوير . يغلق بابه في وجوه الصحفيّين . يعتذر عن مقابلة غير المرغوب فيهم ، ويختفي من درب كلّ من يحاول الاستطلاع أو التجسّس عليه !
ولكنّ الرجل ما لبث ان تكلّم :
قال الرجل الذي تبدو على محيّاه مسحة من الطيبة :
” نفتني حكومة بشارة الخوري في البداية الى بلدة ” اعزاز ” القريبة من مدينة حلب ! وبعد ذلك أفلتّ من الرقابة في بلدة ” اعزاز ” وهربت الى العراق ، ثم استقرّ بي المقام في بلاد العجم حيث نزلت في ضيافة عائلة ايرانية تعتنق المذهب الداهشيّ ” .
ألم تأت بظواهر روحانية في العراق أو ايران ؟
كانت في الواقع جلسات سريّة . فقد كنت في عداد المختفين !
أوكتو بلا سم !
وعدنا نسأل الدكتور داهش :
هل صحيح انّك تخترق الجدران ؟
انني منحت قوة روحية تتيح لي القيام باعمال خارقة وذلك لاثبات وجود عالم آخر .
وعاد الدكتور ابو سليمان يقول :
أنا والاستاذ أدوار نون نشهد بأنّ الدكتور داهش يخترق الجدران بكلّ سهولة . فقد ذهبنا ذات مرّة لزيارة أحد الأصدقاء ، عندما هممت أنا والاستاذ نون برنّ الجرس ، اختفى الدكتور داهش ، ووجدناه داخل المنزل …قبل أن يفتح الباب !
وسألنا خارق الجدران :
بماذا تفسّر هذه الظاهرة ؟!..
كما قلت قوّة تمنحني ايّاها …الارواح !
هل أحضرت لأحد الأشخاص شيئا من بعيد ؟
خذوا باريس مثلا . لقد عاد الدكتور خبصا من العاصمة الفرنسية ، بعد أن أنهى فيها دراسته الطبيّة ، وجاء إلي يتحدّاني …ويطلب مني أن أعيد اليه في بيروت مفكّرة تهمّه جدا فقدت منه في باريس !
وهل أعدتها اليه ؟
بكلّ تأكيد
. وكان ذلك في جلسة روحيّة !
بماذا تفسّر هذه الظاهرة ؟
- لا أملك وسيلة تفسيرها . انّها ظاهرة خارقة للطبيعة !
طهرا …بك دجّال !
ودخلنا مع الدكتور داهش في حديث آخر ، فسألناه :
هل تعرف الدكتور طهرا بك ؟
أجاب باستخفاف :
أسمع به !
هل له شيء من قوّتك ؟
بل هو مشعوذ دجّال ، قام رفيقي الدكتور أبو سليمان بكشف ألاعيبه ، وفضح أساليبه حتى في التلفزيون . انّه يعتمد في شهرته على مائدة المسامير التي ينام عليها دون أن تخترق المسامير ظهره !
وبماذا تفسّر هذه اللعبة ؟
مسألة بسيطة . انّ كثرة المسامير وملازمتها لبعضها البعض ، تجعلانها متوزّعة على الجسم ، بحيث لا تخترقه ولا تترك عليه أكثر من علامات !
ما دمت فريد عصرك …فلماذا اضطهدوك في عهد الشيخ بشارة بدلا من أن يكرّموك ؟
كل ذنبي مع الشيخ بشارة ، ان السيّدة ماري حدّاد ، شقيقة زوجته لور اعتنقت المذهب الداهشي .
لقد اتهموك يومها بافتتان الناس !
الناس أحرار اذا افتتنوا بي …ما دام ذلك لن يلحق بهم أيّ أذى !
قالوا عنك انّك تغرّر بالنساء !
هذه دعاية مغرضة اشاعتها الصحافة اللبنانية بتحريض من بشارة الخوري ومن الاكليروس المسيحي اثناء العهد البائد .
قالوا أيضا انّك تسبّبت في جنون بعض الناس !
مجرد اشاعات لتأليب الناس عليّ ، ومنعهم من مساندتي اذا ما فكّر المسؤولون في اضطهادي ! لكن للتاريخ يجب أن يقال ان بشارة الخوري جنّ عقابا له على اضطهادي وتجريدي من جنسيتي وذلك بقوّة روحية .
والآن ؟؟
لقد عدت الى سابق جنسيتي ، وصدر قرار باعادتها إلي ، ونشر القرار في الجريدة الرسميّة !
وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا .
داهش.. وبشارة الخوري
المستقبل – السبت 17 أيار 2003 – العدد 1298 – شؤون لبنانية – صفحة 6
“شغلت قضية الداهشية المجتمع اللبناني محدثة ضجة مدوية في الصحافة اللبنانية. ويذكر خليل زعتر: “خاف ذوو ماري حداد آنذاك، لا سيما لور شقيقة الرئيس الراحل بشارة الخوري، بعدما التحقت أختها ماري حداد بالداهشية، فحاولوا إحالة داهش الى السلطات للمحاكمة وحظر نشاطه، بعدما جرّدوه من الجنسية اللبنانية ونفوه الى حلب ومن بعدها الى الحدود التركية التي وصل اليها من دون أوراق ثبوتية. فاعتقل آنذاك واتهم بالتجسس وحوكم محاكمة سريعة أعدم على أثرها فظهرت صور إعدامه في الصحف، إلا انه سرعان ما عاد الى بيروت (!) بعدما أعدمت إحدى شخصياته الست بحسب خليل زعتر.
وقد تعرض داهش خلال هذه الفترة الى التشهير، واتهم بالشعوذة. وزادت المعركة ضراوة حينما انتحرت ماجدة حداد الأديبة والشاعرة باللغة الفرنسية احتجاجاً على الظلم الذي لحق بداهش. فيما عمدت شقيقتها ماري الى مقارعة رئيس الجمهورية رأساً برأس، موزعة ما سمى الكتب السوداء التي نشرت فيها مفاسد الحكم.
ويقول زعتر “يرى الداهشيون ان ما فعله رئيس الجمهورية بداهش هو ما عجّل بزوال دولته والانتفاضة عليه، بل انهم نسبوا لكتبهم السوداء دوراً رئيسياً في تعبئة الشعب ضده”.
يقول خليل زعتر معلقاً على الاضطهاد الذي تعرّض له الدكتور داهش على يد رئيس الجمهورية الراحل بشارة الخوري، “بأنه يشكل جريمة اضطهاد تعسفية ظالمة. فالدكتور داهش أُوقف ظُلماً وجُرّد من جنسيته اللبنانية وشرّد خارج الأراضي اللبنانية بطريقة بوليسية سرية وبمعاملات مخالفة للدستور والقوانين والأنظمة المشروعة، من دون تقديمه الى محاكمة ولو صورية. وقد أكد آنذاك مجلس شورى الدولة ان المرسوم رقم 1822 الذي أصدره الرئيس بشارة الخوري في 6/9/1944 والذي على رأسه جرى تجريد الدكتور داهش من جنسيته هو مرسوم مخالف للقانون.
مقالة بعنوان “داهشيات زافين” لعبدو وازن نشرت في صحيفة “الحياة” بتاريخ 29 سبتمبر 2010
«داهشيات» زافين
الاربعاء, 29 سبتمبر 2010
عبده وازن
Related Nodes:
يــستــحق الإعلامي اللبناني زافين تحية خاصة على الحلقة الأخيرة من برنامجه «سيرة وانفتحت» (المستــقـبــل)، أولاً لجرأته في خوض قضية طالما كانت «محظورة» إعلامياً وخطرة، ثم لتعمّقه فيها وإلقاء نظرة شاملة عليها، تاريخياً وسياسياً و «عقائدياً». قضية الحلقة كانت عن «الدكتور داهش» هذا العالم الروحاني، الذي يعدّ من الشخصيات الإشكالية النادرة في لبنان، وقد انقسمت الآراء حوله، بين أتباع مؤيدين له ومتحمّسين لفكره، وبين أعداء أو خصوم رافضين له ومتهمين إياه بالشعوذة والدجل. واللافت في الحلقة التلفزيونية أن زافين فتح السجال على مصراعيه، متيحاً أمام «الداهشيين» أن يعبّروا عن آرائهم ومواقفهم بصراحة، وأمام المعترضين الذين أمعنوا في نقد «الدكتور الداهش» وفي وصفه بالساحر والمشعوذ. وبلغت الحلقة ذروتها عندما استطاعت كاميرا البرنامج أن «تقتحم» عالم «داهش» المتواري في قلب منزله القديم، المقفل الأبواب والنوافذ، والمغلق أمام أي زائر ولو كان من الجيران. وكان دخول الكاميراً رهيباً حقاً، فالبيت هو أشبه بالمعبد الغريب الذي تحتل جدرانه صور «داهش» وشعارات وتخطيطات وأيقونات، عطفاً على الأثاث والستارات والكواليس التي أضفت على البيت جواً طقسياً. وهناك في هذا المنزل، أطلّت سيدة عجوز، كأنها قادمة من إحدى الأساطير، بشعرها الأبيض وعكازها، وراحت تسرد أخباراً عن «داهش» الذي عرفته والذي ورثت عقيدته عن أمها ماري حداد، شقيقة المفكر اللبناني ميشال شيحا، وشقيقة زوجة الرئيس اللبناني بشارة الخوري، الذي اضطهد «داهش» وحاربه ونفاه، انطلاقاً من موقعه الرئاسي.
«الدكتور داهش» للذين يجهلونه – وهم كثر جداً وربما الغالبية – مفكّر وأديب لبناني ولد مطلع القرن العشرين في فلسطين ثم نزح مع عائلته الى لبنان وتبنى الجنسية اللبنانية ودرس وأعلن عقيدته في مطلع الأربعينات وهي «الداهشية»، وتجمع بين الدين والفكر والبعد العقائدي. وراح يدعو من خلالها الى عقيدة جديدة لم يكتب لها أن تنتشر إلا ضمن حلقة من أتباعه والمريدين الذين أيّدوه وساروا على خطاه. ويروى أن «داهش» قام بـ «خوارق» كثيرة ردّها خصومه الى الشعوذة، أما أتباعه فإلى قدراته الروحية الفائقة. وقد شغل «داهش» الإعلام والصحافة وانضم الى عقيدته مثقفون وكتاب وشعراء وأناس عاديون. إلا أن التهم التي أطلقت عليه رافقته حتى بعد مماته. والآن بات له متحف في أميركا يحمل اسمه.
يستحق زافين التحية على جرأته في خوض موضوع ما زال محظوراً وممنوعاً وفي كشف «المسكوت» عنه في الثقافة اللبنانية. ولعلها المرة الأولى يجرؤ برنامج على إلقاء هذا الضوء الساطع على مفكر وروحاني شغل الذاكرة اللبنانية طويلاً وما زال يشغلها، على رغم الحصار الذي ضرب حوله، رسمياً ودينياً.
دعوى خطيرة تقيمها ماري حدّاد
على الرئيس السابق بشارة الخوري
وقرينته لور وميشال شيحا
ماري حدّاد الداهشيّة تقدّم عريضة لرئيس الحكومة
طالبة محاكمة بشارة الخوري وشيحا والسيدة لور
أوّل محاكمة من نوعها حافلة بالأسرار
جريدة الشرق 27 تشرين الثاني 1952
أشرنا في عدد أمس الى الوفد ” الداهشي ” الذي قابل حضرة رئيس الوزراء السيد خالد شهاب مطالبا بالسماح للدكتور داهش بالعودة الى لبنان ، ويقول أحد مندوبينا المحليين أن السيدة ماري حدّاد شقيقة السيدة لور ، قرينة السيد بشارة الخوري رئيس الجهورية السابق ، وقد قدّمت لرئيس الوزراء عريضة تطلب فيها مقاضاة صهرها السيد بشارة الخوري وشقيقها السيد ميشال شيحا ، وشقيقتها السيدة لور ، وتطلب محاكمتهم علنا على زجها في السجن دون حقّ أو عدل نكاية وانتقاما لتمسكها بعقيدة لا يريدون أن تدين بها .
وفي العريضة المذكورة تتّهم المذكورين أعلاه بأنهم داسوا الدستور والأنظمة وأوردت أسبابا عن الغاية من اعتقال الدكتور داهش وتجريده من جنسيّته اللبنانية وابعاده عن لبنان الى الحدود السورية فالتركية ، ممّا كان سببا في نشر سلسلة الكتب السوداء التي كانت أول مسمار في نعش عهد السيد بشارة الخوري .
ويقول أحد أركان الداهشيين أن محاكم لبنان ستشهد أول دعوى من نوعها يماط اللثام فيها عن كثير من الأسرار الرهيبة التي لم تتصل بأحد .
الدكتور داهش في الصَّحافة
شكّل الدكتور داهش والداهشيّة في أربعينات وخمسينات القرن العشرين ظاهرة إعلامية بامتياز، وشهدت الصحافة اللبنانية وقتذاك سباقاً جنونياً لنقل أخباره ومعجزاته، حيث تحوّل إلى مادة يومية مثيرة للجدل والفضول لا يمكن تجاهلها.
"المجلاَّت والجرائد"
- سامح الجباس بين الواقع والخيال
- شخص غامض بقدرات خارقة للطبيعة
- العلايلي و لقمان
- نام داخل صندوق حديدي في قعر نهر
- دار العين تطلق رواية «رابطة كارهى سليم العشي»
- داهش بين القلم والألم
- سليم العشى المعروف بـ داهش يحوّل الورق
- " رابطة كارهي سليم العشي" يشارك بمعرض الكتاب الدولي
- بين الدهشة ونداءات التنوير
- استغرقت 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي»
- سامح الجباس يناقش ويوقع رواية
لو كُشِف الحجاب أمام الانسان و شاهد ما يخبّئه المستقبل بين طيَّاته من آلامٍ و أحزان، لصُعِقَ هولاً و رُعباً
الدكتور داهش








