الحقيقة الروحيَّة
في الوحدة الوجوديَّة
أنا أؤمن بأنَّه توجد عدالةٌ سماويَّة ، وأنَّ جميع ما يصيبنا في الحياة الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدار إنْ هو إلا جزاء وِفاق لما اجترحناه في أَدوارنا السابقة من آثامٍ وشرور ، ولهذا يجب علينا أَن نستقبل كل ما يحلّ بنا من آلام الحياة ومآسيها ، غير متبرِّمين ولا متذمِّرين ، بل قانعين بعدالة السماء ونُظُمِها السامية .
مدخل الى الداهشيّة
تمهيد
دواعي ظهور الرسالة الداهشيّة
هذا الكتاب لن يكون موضوع لهو وتسلية . حسبنا ما تستنزف أُلهيات الحياة من جراح الناس . شئته مشحوناً برعد الروح , مصهوراً بلهب الإيمان , مطروقاً بمطرقة العقل والحجّة الحاسمة .
جئتكم بطعام لم يذقه البشر منذ ألفين من السنين : طعام سيكون منأً وسلوى لبعض , وسمّاً زعافاً لبعض ؛ به سيقوى ويستيقظ كثيرون , وبه سيسقط ويخزى عديدون ؛ لكنّ الحياة المتصاعدة لا تبالي إلاّ بالأقوياء الأنقياء من أبنائها , فلهم وحدهم تسلم قيادها .
لم يشهد التاريخ البشريّ , منذ فجره الجليّ , قلقاً متفاقماً , ويأساً متعاظماً , وحياةً مأساويّة يقاسيها معظم الناس , كما يشهد في هذه الحقبة من القرن العشرين .
فالفرد يقلقه إضطراب العيش , وغموض الغد , وفقدان النظام النفسي الصحيح , وتضعضع الفكر في غمرة المذاهب والفلسفات المضطربة المتناقضة , وفراغ الحياة من معنىً يبعث فيها الأمل والعزاء والقوّة .
والمجتمع يقلقه تنافر مصالح أفراده , وتمزّق وحدة أبنائه , وتلمّس شيعه وأحزابه سبلاً متضاربة للخلاص , وطرقاً يائسة لإقامة دولة آمنة عادلة فاضلة .
والعالم يقلقه تنافس دوله في التبشير بالسلام , وتسابقها في إيقاد الحروب وزرع الخصام , وتخوّف الشعوب الضعيفة من مطامع القويّة , وضياع الثقة ما بينها , وتباري الأمم في تطوير أسلحة الفناء وامتلاكها , وإقتراب شبح حرب ذرّية عالميّة تقضي على الحياة والحضارات . وفي كل ذلك أمسى العلم مطيّة مسخّرة لأهواء النفس ونزوات الشرّ , وتقلّص دور العقل ليخلي مكانه للجنون .
هذا القلق المأساويّ , بل هذا التمزّق النفسي , ما كان ليفترس عالم القرن العشرين , لو لم يهن الإنسان لديه , ويجعل نفسه شلواً بين شدقيه . فالبشر زاغوا عن المثل العليا الصحيحة التي بوسعها أن تنفخ فيهم روحاً يدفعهم في طريق الإتّزان الشخصي , والسلام النفسي , والتكامل الحضاري , وبالتالي الرقيّ الحقيقيّ ؛ وانجذبوا الى مثل عليا زائفة , إستمدّوها من قيم عارضة إعتباطيّة , وقوىً بشريّة وهميّة ظنّوها الحقيقة المعزّية الكبرى , فاذا هي سراب علقت به عيون مخدوعة , وعقول أوهنتها أهواء النفس , فعجزت عن الرؤية الجليّة الصائبة . وقد ظهرت آثار هذا الإنحراف بتفاقم يأس الأمم , يوماً بعد يوم , وبدء إنهيار آمالهم القديمة , في بناء عالم يسوده السلام والعدل والمحبّة والفضيلة والسعادة .
المصير الفاجع الذي صار الإنسان إليه , ما كان إستحقّه لو لم يختاره راضياً . فقد آثر أن ينهج المسلك الماديّ الخارجي , لأنّه يشبع غرائزه البهيميّة , وميوله الفرديّة الأنانيّة , ونزعاته الإجتماعيّة العدائيّة , بما يقدم له من لذّة حسّية آنية سهلة , ومجد دنيويّ سريع , وعصبيّة إقليميّة طمّاعة ؛ وتنكّب عن المسلك الروحيّ الداخلي الذي في إنتهاجه التصاعدي وحده , يكون تكامل الإنسان , وتساميه االحقيقي , وصحة مخطّطاته , وسلامة مؤسّساته , بما يتيح له من هيمنة النزعات الإنسانيّة الخيّرة على الميول السفليّة الشرّيرة , في الفرد والمجتمع . لقد فضّل الإنسان , لإنحلاله النفسي , وتقاعس الإرادة السامية فيه , مدنيّة مادّية صخابة سطحيّة تمتع حواسه , وترهق نفسه , على حضارة روحيّة هادئة عميقة , تجذب السفلي فيه الى العلوي , والخارجي العرضي الى الداخلي الجوهري , وتغمره بسلام وسعادة دائمين .
وقد أغرى البشر في سلوك ذاك الطريق المنحرف تخلّيهم عن الإيمان اليقيني الثابت بوجود الروح وخلودها ؛ وفهم اليوم , بأكثريّتهم الساحقة , إمّا كافرون أو مؤمنون مشكّكون . هذا الوضع النفسي القلق , الجاحد أو المشكّك , المتأثّر بنزعة مادّية خارجيّة في الرؤية والحكم والتصرّف وبضغط الجوّ العلمي , الواقعي , التجريبي , دفع الجميع الى مطالبة واعية أو غير واعية بإثبات واقعي غير نظريّ , لوجود الروح : إثبات علمي يطمئّن قلق الإنسان , ويبلسم جراحه النازفة , ويضيء الأمل بالخلاص في نفسه , ويزيل الشكوك التي أثارتها الإكتشافات والإختراعات التي بهرت عينيه , إثبات يكون بحجم العصر ومستواه .
وما كان للمذاهب الفلسفيّة أن تقدم ذاك الإثبات الواقعي , وهي عمارات عقليّة نظريّة متباينة , كلّ منها بني على قاعدة تقرّها فئة وتنكرها أخرى . وما كان للمذاهب الدينيّة الراهنة أن تأتي أيضاً به , ما دامت براهينها كلّها نظريّة .
وما كان للعلوم العقليّة المعروفة نفسها , أن تقدّم ذاك الإثبات الواقعي أيضاً , ما دام الروح لا يحدّ بمقياس , ولا يسخّر لمشيئة الإنسان , وما دامت وسائل العلم تجريبيّة محدودة . وإزاء هذا العجز البشري الشامل , وضرورة الإيمان الملحّة لإنقاذ الكثيرين , لم يبق إلاّ للروح نفسه , وهو الأعلم والأقوى , أن يعلن ذاته ووجوده للناس, بإذنه تعالى ورحمته .
وإذا الروح يتنزّل من لدنه تعالى على رجل من لبنان , هو الدكتور داهش , ليملأ بحقيقة وجوده العظمى فراغ نفوس الكثيرين , وليبهر أبصار المنكرين , ويذلّ عتو المستكبرين … ويعزّي قلوب المتواضعين .
وما كان الإنسان يمكنه التحقّق من وجود الريح , وهو لا يراها , لولا تحريكها الأغصان والأشياء , ولفحها وجهه ؛ فآثارها تنبىء عن وجودها .
وما كان الإنسان ليستطيع التثبّت من وجود العقل لولا ثماره وآثاره . فليس بوسع المرء أن يعاينه أو يتلمّسه أو يتحسّسه ؛ ومع ذلك لا يخامره أن يجحده , لأنّه يتّخذ من أفعال العقل ومنتجاته شهوداً حاسمة على وجوده . كذلك الروح , ما كان للإنسان أن يتيقّن من وجوده لولا آثاره وثماره الخارقة , فهي الشاهد الأصّدق عليه .(1)
والعلوم , ثمرة العقل الفضلى , لا تعدو أن تكون في سيرها التصاعدي , سعياً الى مزيد من الكشف عن القوانين الطبيعيّة التي هي ملمح من ملامح الحقيقة الإلهيّة الأزليّة اللامتناهية ؛ ومع ذلك فهي برهان كاف على قدرة العقل ومدعاة لإجلاله . أفلا تكون معجزات الروح – تلك التي تتحدّى العقل البشري في حشوده وطاقاته وإمكاناته وإختباراته , فيقف دونها قزماً عاجزاً مدهوشاً – حجّة أقوى على عظمة الروح وسلطانه , وقدرته الخارقة الفائقة ! وهيهات ما بين قوّة تحدّها أبعاد المادّة وتخضعها قوانينها , وقوّة تتفلت من نواميس المادّة وأبعاد الزمان –المكان ! هيهات ما بين سراج باهت هو العقل وشمس وضّاءة هي الروح !
العقل البشريّ الذي عجز فاستعلى فأنكر , هو الذي سيقف موقف الحرج , هذه المرّة , أمام إستطاعة الروح وسطوع وجوده . فإمّا أن يأتي بما يأتيه الروح من ظاهرات ومنجزات معجزات , وإمّا أن يخضع لرسول الرحمن مسلّماً تسليماً .
ولدى تأكّد وجود الروح المفارق لعوالم ” المادّة ” , المتخطّي لأبعادها , القاهر لقواها , المعجز لبني البشر , ماذا يتأتّى لنا من فائدة ومغزى ؟ فيما إذ تتبدّل نظرة الإنسان الى كل شيء وكل قضيّة , وتتغير مواقفه وتعليلاته وتقويماته ومعانيها . فبدل أن يكون تفسيره للكون ” مادّياً ” يصبح ” روحيّاً ” , وبدل أن تكون قيمه ومثله مستمدّة من قولى مادّية إعتباطيّة عارضة , قوىً خارجيّة وهميّة زائفة , تستمدّ من قوى روحيّة جوهريّة حقيقيّة خالدة . إذ ذاك يتيسّر له فهم أن وراء المنظور لا منظوراً , ووراء المحسوس لا محسوساً , وأن ذلك اللامنظور , أللامحسوس , سرمديّ , قوي , عادل , يعطي كل نصيبه من الحقّ ثواباً وعقاباً ورحمة ؛ وعندئذ يتشوّف الإنسان الى ما بعد القبر , وقد ثبت لدي تواصل بقاءه النفسي , وارتباط مصيره اآتي بواقعه الحالي , وبناء حياته اللاحقة على حياته السابقة, وتجلّى له الخالق سبحانه مصدراً أعظم للقوى الروحيّة , وغاية نهائيّة لتطوّر الكائنات , وتكامل الحياة , فتدفعه يقظته الروحيّة الى توجيه سلوكه وتفكيره توجيهاً يضمن له رقيّاً حقيقيّاً , وخلاصاً حقيقيّاً , وسلاماً نفسيّاً فرديّاً وجماعيّاً حقيقيّاً .
آمل أن يكون الكشف عن دواعي ظهور الرسالة الداهشيّة نوراً يساعد القارىء على متابعة السير في دروب هذا الكتاب الثلاث :
1 – حياة الدكتور داهش الإعجازيّة .
2 – معجزات الدكتور داهش .
3 – الحقائق الروحيّة الداهشيّة مؤيّدة بالخوارق .
القسم الأول
حياة الدكتور داهش الإعجازيّة
الطفل المعجزة:
في القدس , مدينة الأنبياء , ولد الدكتور داهش , في مطلع حزيران سنة 1909 .
والده موسى الياس أليشي ( نسبة الى أليشع النبي ) , و والدته شمونة ابنة حنا مراد كانون . عاشا , قبل زواجهما , في مـا بين النهرين , الأب في بلدة إفسس , و الأم في بلدة آزخ ؛ و كانا ينتميان الى الطائفة السريانية , تلك الطائفة التي تتكلم الآرامية , لغة المسيح , حسب كثيرين من المؤرخين .
ثم اعتنق موسى البروتستنتية , و أنشأ مدرسة , في مسقط رأسه , انصرف فيها الى تعليم الناشئة بنفسه .
و كانت شمونة احدى تلميذاته , فاجتذبت نظره باستقامتها وذكائها , فمال قلبه اليها , و اقترن بها .
ثم هاجرا الى فلسطين , في ظروف خطيرة و مؤلمة , و استقرا في القدس , حتى ولد لهما صبيّ , بعد ثلاث بنات .
و تشاورا في ما يسميانه ,فقر رأيهما على ان يفتح الوالد الكتاب المقدس , عفوياً , و يضع إصبعه , دونما نظر , على احدى الصفحتين .و اذا بأنمله على عبارة وردت في العهد القديم : ” فولدت ابناً , فدعاه سليمان , و أحبه الرب” ( سفر الملوك الثاني 12: 24) . فسميا طفلهما سليمان , ثم خففا اسمه , فصار (سليم) (2).
و ما إن أخذ الصبي يدرج , حتى ترك والداه القدس الى حيفا , ثم انتقلا , مع أولادهما , الى بيروت , حيث سكنوا في حي المصيطبة , بملك جرجي ناصيف.
و في فلسطين , حرّف اسم العائلة من (أليشي) الى (العشي) .
المعجزة الأولى : في المهد تكلم :
كان الطفل ما يزال في المهد , عندما أصابه مرض عضال . فقلق عليه والده الذي كان يعمل في مطبعة الجامعة الأميركية ببيروت, واتصل بطبيب أمريكي اسمه الدكتور سميث . فحضر, ووجد الطفل في غيبوبة ؛ فعالجه بالعقاقير حتى يسترد وعيه ؛ لكنه فشل . و إذ بدأ اليأس يتسرب الى نفس الأم , و همّ الطبيب بالإنصراف , نهض الطفل فجأة , و قد شفي بصورة عجائبية , و أخذ يتحدث الى الطبيب الأمريكي , بالإنكليزية التي يجهلها تماماً, ذاكراً له الدواء الذي كان عليه ان يعالجه به . فكان عجب الطبيب أعظم من عجب الأم , و راح يحدث معارفه بما رأى و سمع .
تكلمه بالهندية :
حدثني رجال مسنون كانوا يعيشون , في محلة المصيطبة ببيروت , قبيل الحرب العالمية الأولى , و بينهم السيد انطوان بارود , أنه بينما كانوا واقفين في تلك المحلة يتحادثون , اذا برجل غريب يمرّ, فيطرح عليهم أسئلة بلغة لم يفهموها , فيلتف الناس حوله, يحاولون التفاهم معهم , دونما جدوى .
و اذا بصبيّ في حوالي الخامسة من عمره, يدخل بينهم , متقدماً الى الرجل الغريب الزيّ واللسان , و يروح يحدثه بطلاقة باللغة نفسها التي كان يتكلّم بها . و تبدو علامات السرور على وجه الغريب , فيشكر الطفل , و يمضي في سبيله , بينما تأخذ الدهشة الناس ؛ فيسألون الطفل كيف استطاع ان يتفاهم معه , و بأية لغة ؟ فيجيبهم :
-كان يتحدث بإحدى لغات الهند , و قد سألني عن وجهة يقصدها , فبينتها له .
و يسأل الناس المدهوشون الصبي عن اسمه , فيعرفون انه سليم العشي .
الصيد الإعجازي :
روى لي السيد أنطوان بارود انه , بعيد الحرب العالمية الأولى , قصد شاطئ بيروت , صباحاً , يبتغي صيد السمك . فأمضى ساعات وهو يلقي شبكته , في البحر , ثم يخرجها فارغة .
و فيما هو يهم بالعودة الى منزله , يائساً , اذا بصبي في حوالي الحادية عشرة من عمره , يقفز على رمال الشاطئ , متقدماً اليه . فنصحه بأن يلقي شباكه في مكان عينه له ؛ لكن الصياد رفض , مؤكداً أنه ألقى شباكه في المكان نفسه مراراً, و لم يظفر بشيء . و اذ ألحّ الصبي عليه , ألقى الصيد بارود شبكته , ثم جذبها ؛ فإذا هي مثقلة بالسمك . وأعاد الكرة , مراراً , فكان يخرج بصيد وافر , كل مرة , حتى استولت عليه الدهشة . و لم يلبث ان عرف ان الصبي هو جاره في محلة المصيطبة , و انه هو نفسه الذي كلم الهندي , منذ بضع سنوات .
الشفاء العجائبي:
فيما كان المسيحيون من أهالي محلة المصيطبة يحتفلون بعيد مار الياس ( إيليا النبي) سنة 1920 , اذا بأحد الصبية يذهب و يجيء بسرعة , على دراجة , بين الناس , في الشارع . و فجأة يحدث له اصطدام , فيسقط أرضاً , و يجرح , و تصاب دراجته بالتواءات ؛ فيأخذ بالعويل .
و بينما كانوا الناس يتجمعون حوله ليساعدوه , و قد علا نواحه , شق الطفل الخارق زحام الجموع الى الصبي الجريح , ووضع يده عليه قائلاً :
– قم , واذهب الى بيتك بسلام . شفيت جروحك بإذن الله .
و تلتئم جراحه في الحال .
ثم يضع الطفل العجيب يده الثانية على الدراجة فتختفي منها الإلتواءات و الكسور.
و يتحدث سكان المحلة بهذه المعجزة في حيرة و بلبلة من أمر قوة الطفل العجائبية.
اليتيم المعذب:
في 25 كانون الأول سنة 1920, توفي والد الطفل المعجز , بعد ان اصيب بالسل, و أعيا داؤه الأطباء ؛ فدفن في مصح هملن , في الشبانية ( لبنان ).
فوضع سليم و شقيقته الصغرى أنتوانيت في مدرسة للأيتام تابعة للإرسالية الأمريكية في غزير, إحدى قرى جبل لبنان .
لكن الصبي ساءت صحته , بعد مضيّ أشهر قليلة ؛ فترك المدرسة ، و كان آخر عهده بها .
وروى رفاقه عنه معجزات ونبوءات كثيرة قام بها , في المدة القصيرة التي أمضاها بينهم .
و قد لازمته الأمراض حوالى ثلاث سنوات , بعد ان أصيب بالعدوى من أبيه , حتى قارب الموت ؛ لكن العناية الإلهية أنقذته و عافته .
الفتى الشغوف بالمعرفة :
كان سليم شغوفاً بالمعرفة ؛ لكن وضع أسرته الإقتصاديّ لم يسمح له بمتابعة دروسه في مدرسة كبيرة , ولا بابتياع الكتب .
فما ان تحسنت صحته مع بداية عام 1923 , حتى أخذ يستأجر الكتب من المكتبات , فيطالعها و يطيل السهر عليها .
عينان تشع نوراً:
ذات ليلة من عام 1923 , أطال الفتى العجيب سهره , في منزل خالته بالقدس , و هو يطالع أحد الكتب المقدسة . فما كان من خالته الأميّة الاّ ان اسرعت و اطفأت قنديل الكاز الذي يستضيء به , ودعته الى النوم حرصاً على صحته و على زيت الإنارة .
إمتثل الفتى لرغبتها . لكن , لم يمض هزيع من الليل حتى استيقظت الخالة , فرأت نوراً يضيء زاوية الغرفة , و الفتى جالس يقرأ. فنهضت مغضبة , و في نيتها اطفاء القنديل و إخفاؤه , وأيقظت زوجها , ليؤدبا معاً الفتى العاصي .
لكنهما سرعان ما تسمرا في الأرض مشدوهين , مذعورين ؛ اذ كان القنديل غير مضاء , و نور ساطع غريب يشع من عينيّ الفتى العجيب .
لم يفهما من الأمر شيئاً , ولم يحصّلا منه الا الخوف , فاتّصلا , عند الصباح , ببعض رجال الدين المسيحيين , و شرحا لهم ما حدث للفتى . فأكّد رجال الدين لهما ان ” مسّاً شيطانيّاً ” قد أصابه , و ان الكتاب الذي يطالعه قد يكون تلبسه روح شرّير .
عادت المرأة و زوجها الى المنزل , و الفتى غائب , فبادرا الى الكتاب الذي كان يطالعه , و أحرقاه في إحدى زوايا المنزل .
و ما ان عاد الفتى حتى طالبهما بالكتاب ؛ فأنكرا ان يكونا على علم به . فتوجّه غاضباً الى حيث آثار الرّماد , و ضرب بيده عليها ؛ فإذا الرماد يتكوّن كتاباً كما كان.
و شاع الخبر في الجوار , زارعاً في نفوس الناس الجاهلين الخوف من الفتى الخارق.
مشيه على صفحة الماء:
بدءاً من سنة 1926, أخذت عجائبه تتكاثر , و يزداد شهودها . و في عيد مار الياس, من هذا العام , صنع خوارق كثيرة , أمام جمع غفير , في بيروت , حتى أصبحت أخبار معجزاته موضوعاً يومياً في أحاديث الناس.
ثم انتقل الى بيت لحم . وذات يوم كانت ضفاف برك النبيّ سليمان التي تقوم قرب المدينة التي شهدت ولادة المسيح , تغصّ بالروّاد و المتنزهين , و فيهم كثيرون من السريان , بينهم السيّد كوريّة ملكي عبد الله . و كان الفتى المعجز حاضراً. فذكر أحدهم مشي المسيح على الماء ؛ فقال الفتى الخارق :
– ماذا تقولون عني , اذا مشيت فوق ماء البحيرة , ذهاباً وأيّاباً؟
فاستعظموا الأمر , و استبعدوه .
و على التوّ , بدأ يسير على صفحة الماء رويداً رويداً كأنما يسير على الأرض , حتى اجتاز البحيرة كلها , ثم عاد أدراجه الى نقطة انطلاقه .
و فحص الشهود المشدوهين الكثيرون حذاءه , فوجدوه غير مبلّل ؛ فإزداد عجبهم . و سأله كوريّة عبد الله كيف حصل ذلك ؟ فأجابه :
– أنا أسير فوق المياه كما أسير على اليابسة (3).
الفتى المؤدب:
ما ان بلغ الفتى العجيب الرابعة عشرة من عمره , حتى أخذ يشفع خوارقه التي يصنعها , في مدن فلسطين , بتقريعه رجال الدين على انحرافهم عن تعاليم المسيح , و اتّجارهم بتعاليمه المقدسة , وبفضحه سلوكهم الشائن و أعمالهم الخفية المنكرة, داعياً الصبية الكثيرين الذين كانوا يلتفون حوله , الى عدم الإنخداع بأقوالهم ؛ حتى بلغ ذروة حملته عليهم , في بيت لحم , سنة 1927؛ فضجّ الكهنة منه , و استعدوا عليه رجال السّلطة و كان رجال الدين يتهدّدونه في كنائس بيت لحم , و يتوعّدون كل من يتردد اليه , محذّرين الشعب منه . لكن خوارقه كانت تزداد , و نفوذه في الناس كان يتعاظم , على صغر سنه , لأن الله أيّده بسلطانه .
داهش الناس:
ما ان ناهز الفتى الخارق العشرين من عمره , حتى أخذ يلتف حوله عدد من المثقفين الفلسطينيين ممن مالت قلوبهم الى الأمور الروحية , فتتلمذوا له . وكان بينهم الشاعر مطلق عبد الخالق والوجيه توفيق العسراوي (4) .
و ذات يوم من سنة 1929 , ألهم الفتى العجيب بأنه يجب ان يغير اسمه و يتخذ اسماً روحيّاً , و بأنه سيعطى الإسم الجديد عن طريق القرعة . فأخبر تلاميذه بذلك ؛ فعمدوا الى كتابة اسماء كثيرة , على قصاصات من الورق , ثم طووها و خلطوها . و اختار”سليم ” واحدة منها , فإذا فيها إسم ” داهش” . لقد أراد الله أن يعرف رسوله من بعد , بهذا الإسم الروحيّ , وبه تشيع عجائبه بين الشعوب , ليكون داهش الناس .
الدكتور داهش :
بعد ان اّتسعت شهرة داهش , و تناهت أخبار معجزاته الى المحافل العلمية في باريس, أرسلت اليه جمعية المباحث النفسية الفرنسية تستضيفه . فسافر اليها برفقة شقيقته أنطوانيت .
و اذ طلب اليه ان يري المجتمعين معجزة من معجزاته , أجابهم أنه سيريهم آية يونان النبيّ .
فطلب أن يوضع في صندوق حديديّ و يحكم إغلاقه , و يدفن في قعر نهر السين , سبعة أيام , تحت الحراسة المشددة .
أجفل المجتمعون , أولاً بخطورة العرض ؛ لكنهم عادوا فقبلوا , عندما كتب لهم إقراراً بأنه هو المسؤول عن عاقبة طلبه .
و بعد أن فحصته لجنة طبية قاموا بتنفيذ طلبه .
و بعد مضيّ سبعة أيام , و أمام 150 شاهداً من المهتمّين بالأمور النفسية , رفع الصندوق و فتح . و اذا بالجسمان الساجي يتحرّك , و بالوجه الواجم يبتسم .
بعد هذه المعجزة المذهلة , منح داهش شهادة العلوم النفسية من قبل ” الجمعية النفسية الدولية ” SOCIETE PSYVHIQUE INTERNATIONALE بتاريخ 6 أيار 1930 , ثم شهادة الدكتوراه من قبل ” معهد ساج ” SAGE INSTITUE الإنكليزي في باريس , بتاريخ 22 أيار 1930 .
و هكذا اقترن لقبه العلميّ بإسمه الروحي , ليعرف بهما بين الناس . ألم يشتهر ابن داوود النبيّ بحكمته , حتى بات لا يعرف الا بإسم (سليمان الحكيم ) ؟
الأديب المعجز :
بدأ الدكتور داهش بتدوين أفكاره و عواطفه من سنة 1927 ؛ حتى اذا بلغ أواسط العام 1933 , كان قد أنهى تأليف كتابه الأول “أسرار الآلهة “. و قبل تمام العام نفسه , أنجز تأليف كتابه الثاني ” قيثارة الآلهة ” , فالثالث ” ضجعة الموت ” .
و ما بين 1933 و 1950 توالت مؤلفاته حسب الترتيب التاريخيّ التالي : القلب المحطم , الإلهات الست , كلمات , جحيم الذكريات , الدهاليز , النعيم , الجحيم , بروق و رعود , عواطف وعواصف , مذكرات يسوع الناصري , نشيد الأنشاد , ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا , عشتروت و أدونيس , نبال و نصال , من وحي السجن و التجريد و النفي و التشريد , أوهام سرابية و تخيّلات ترابية , الحمامة الذبيحة أو شهيدة الداهشية الأولى ماجدة حداد , ابتهالات خشوعية , مذكرات دينار .
و بين 1950 و 1983 ألّف الدكتور داهش عشرات الكتب الأخرى التي تضم , في ما تضم , مجموعة ” قصص غريبة وأساطير عجيبة ” بأربعة أجزاء, و سلسلة ” حدائق الآلهة ” و ” فراديس الإلهات في عشرين جزءاً , و سلسلة ” الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية ” في اثنين و عشرين جزءاً , بحيث أربت مؤلفاته على المئة و الخمسين .
و قد خاض الدكتور داهش معظم الميادين الأدبية , و جلّى فيها.
الرسالة الإلهيّة :
ان المعجزات التي صنعها الدكتور داهش لم تكن غاية بحد ذاتها , بل وسيلة , و بكلمة اصحّ شهادة على صحة الرسالة الإلهيّة التي كان الدكتور داهش يشعر بإرهاصاتها , و يرتقب بشوق عظيم ان يحققها الله على يديه , منذ حداثته ؛ حتى اذا ما بلغ السابعة والعشرين , سنة 1936 , سجّل في كتابه ” كلمات ” شعوره قائلاً :
” أشعر بأني أحوي في أعماقي قوة روحية خفية هائلة تودّ الإنطلاق , لتقوم بعمل خطير عظيم ؛ و لكني أكتبها الى أجل معلوم . و لن يمضي غير قليل حتى تتفجر ينابيعها , و تجتاح في طريقها كل ما يعترضها من حواجز و عقبات , ثم تبرز للعيان جلية , واضحة , لا لبس فيها و لا غموض ” (5).
و ما ان انقضى العام المذكور حتى أثبت الدكتور في كلمة استقباله للعام التالي هذا القسم العظيم :
” أقسم بك , يا خالقي , انه لو وجد ملايين
من الأغبياء المارقين , أو الخونة المماذقين ,
و ملأوا طروس الأرض ,
لا بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره , قائلين بها :
” ان رسالتي هذه غير صادقة ” ,
لمشيت رافع الرأس , موفور الكرامة .
و سأبقى على تبشيري و إذاعة رسالتي ,
حتى تعم الأرض , و تنتشر في السماء أيضاً .
و لن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها , يا الله ,
ما دمت انت تمدّني بقوتك الالهية .
و هذه يميني يا خالقي ,
أرفعها لك من أعماق قلبي
الذي لا يخفق الاّ بذكر اسمك القدّوس ,
برهبة و خشوع كليين”(6) .
و كان على الأرض ان تنتظر حتى 23 آذار 1942, لتشهد تمام الحدث الجلل , اذ ان الأرواح العلوية تنزّلت , في هذا اليوم , على الدكتور داهش , بحضور المؤمن الأول الأديب يوسف الحاج , معلنة قيام الرسالة الداهشية , و بدء التاريخ الداهشي في العالم , و ذلك في أول جلسة روحية عقدها مؤسس الداهشية .
الجلسات الروحيّة
تعقد الجلسة الروحية في ضوء النهار, أو تحت الكهرباء الساطعة , و دون إحراق بخور , او إقامة سواتر, أو سدل حجب. وتتمّ المعجزات فيها بوضوح كليّ , و يقين ملموس , و بكل بساطة . و لا يهم اذا كان حاضروها قليلين أو كثيرين , مؤمنين أو ملحدين ؛ ذلك بأن الخوارق التي تحدث فيها لا تتأثر بإرادة شهودها , لأنها حقيقية , و القوة الروحية التي تجترحها بواسطة الدكتور داهش, لا شيء يصّدها أو يثنيها , لأنها إلهيّة.
و قد أوضح مؤسس الداهشيّة الفرق بين الجلسة الروحيّة و” الوساطة الروحية ” التي ما زالت تخدع كثيرين , بقوله:
“الجلسات الروحية التي أعقدها ليست علماً , و ما كنت لأستطيع القيام بها من غير إذن الله, فهي منحة سماوية خصّني تعالى بها في هذا العصر , ليكون فيها مساعدة للتائقين الى الحقيقة وللراغبين في الإيمان و الإستقامة و التوبة . أما ” الوساطة الروحية ” التي يدعيها بعض الناس المحترفين , كوسيلة مزعومة لاستحضار الأرواح, فهي بعيدة عن ” الجلسات الروحيّة ” التي أعقدها , بعد الأرض عن السماء ؛ و ما عليك إلاّ ان تحضر , بعينين مفتحتين و ذهن نابه , جلسة من جلسات أولئك القوم , ثم تحضر جلسة روحية , حتى تدرك الفرق العظيم , و كيف يختلط الظلام بالنور, و يلتبس الحق بالباطل في أذهان الناس ! ذلك بأن “الوساطة الروحيّة” المزعومة ليست , في الحقيقة , الاّ شعوذة و تدجيلاً قد ينطليان على بسطاء العقول , إنما لا ينطليان على الأذكياء المستنيرين . والداهشية تفنّد ببراهين ساطعة لا يمكن النيل منها سفسطات أولئك المشعوذين المحترفين الذين يضلّلون الناس بتوافه الحيل و المخرقات , و اللذين هم أعجز من أن يعطوا حتى دليلاً ضئيلاً واحداً على صحة أعمالهم الإحتيالية (7) . “
إضطهاد مؤسّس الداهشيّة و أتباعه:
بعد اعتناق الأديب يوسف الحاج الداهشيّ , تتابع المؤمنون بها من رجال الأدب و العلم , و أعيان المجتمع . و كان بينهم رئيسةنقابةالفنانين , الأديبة ماري حداد , شقيقة زوجة رئيس الجمهوريةاللبنانيّة الأسبق بشارة الخوري , فآمنت هي وزوجها وأفراد عائلتها .
إزاء هذا المدّ الإيماني الجديد يغزو المجتمع اللبناني , في مختلف طوائفه , موحّداً بينها , مزلزلاً أوهامها و تقاليدها البالية , محدثاً ضجّة مدوّية في الصحافة اللبنانية و العربية , خاف رجال الدين المسيحي أن يضعف نفوذهم في لبنان و يتلاشى , فأخذوا ينسجون المؤامرات على رجل الروح , متعاونين مع رئيس الدولة بشارة الخوري وزبّانيّته .
حاولوا , أولاً , إقناع ماري حداد بالتخلي عن عقيدتها الجديدة ؛ لكن مساعيهم تحطّمت على صخرة إيمانها الوطيد.
إذ ذاك , حاولت السلطات إحالة رجل الروح على المحاكمة , بتهم راحت تدبر من يفتريها عليه. ففشلت فشلاً ذريعاً؛ و المدعي العام المركزي الأستاذ ديمتري الحايك الذي كلفه رئيس الدولة بهذه المهمة , بدل ان يصدر اتهاماً بحق الدكتور داهش , آمن برسالته السماوية .
حينئذ, عمدت السلطات الى استمالة النواب بمختلف الأساليب الترغيبيّة و الترهيبيّة , ليقرّوا مشروع قانون يمنع ” مناجاة الأرواح “, و بالتالي يمنع الدكتور داهش من ممارسة نشاطه , و اجتراح معجزاته ؛ لكن المشروع سقط , أيضاً . عندئذ, نشطت السلطات , بالتعاون مع رجال الدين المسيحي , الى تشويه سمعة رجل الروح الطاهر , بتلفيق الشائعات و الإفتراءات الخسيسة عليه, و تذييعها بين الناس , في الكنائس, و المدارس , والصحف . و منع الداهشّيون من الردّ على تلك الحملات من الأكاذيب الدنيئة.
أخيراً , لجأت السلطات الى أساليبها الجحيميّة لمحاربة رجل الله , فألقت القبض عليه في 28 آب 1944؛ و دونما محاكمة , زجّت به في السجن . ثم ما لبثت أن سجنت الداهشيين البارزين , تباعاً, بينهم الأديبة ماري حداد نفسها دونما محاكمة أيضاً.
و في 9 أيلول 1944, نفت السلطات مؤسس الداهشية الى خارج الحدود اللبنانية , بعد ان جرّدته من جنسيته اللبنانية , بطريقة تعسفيّة خرقت بها الدستور , و بعد ان سامته من الجلد و العذاب و الإهانة ألواناً . ثم أبعد من قبل السلطات السورية الى الحدود التركية.
و هكذا , شرّد رجل الروح , و رمي في بحار الأخطار تتقاذفه أمواجها , من دون أن يعلو , في لبنان , صوت واحد يدافع عنه , من نائب او صحافي أو قاض أو مواطن عاديّ
وحدها أصوات من وراء البحار , من أميركا الجنوبية, كانت تسمع غاضبة ؛ و كان أعلاها و أجرأها صوت الأديب جبران مسوح , صاحب مجلة ” المختصر” , الصادرة في بونس إيرس ( الأرجنتين ) . و مما قاله في حملته على مضطهدي الداهشيّة التي امتدّت نحو سنتين :
” جميع أعداء داهش سوف ينكسرون . و أحط ما في انكسارهم هذا أنهم سوف يحملونه الى قبورهم ؛ لأن هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء , و لا تذوب عناصرها في الفضاء . فهي ترافق مرتكبيها , ملتصقة بهم , مندمجة بخلاياهم . فتذكر كلما ذكروا , و يذكرون كلما ذكرت . فهم و هي عظة و ذكرى لكل الأجيال القادمة (8).”.
رجل الروح يؤدب و ينذر متنبئاً:
بعد مضي شهر واحد على نفي مؤسس الداهشية , تمكن رجل الروح من العودة سراً الى لبنان . و من عرينه , و رغم انوف الألوف ممن يترصدونه, نجح في شنّ حملة إعلامية رهيبة , لم تعرف الأرض مثيلها , ضد الطغاة و زبانيتهم . فوضع و وزع , على نطاق واسع , 66 كتاباً أسود, و 165 منشوراً تناولت رجال الحكم و الدين ممن تآمروا عليه , ففضحت مخازيهم , و هتكت أسرارهم و مؤامراتهم على الشعب .
و قد ساعدت هذه الكتب و البيانات السوداء على إيقاظ الشعب وإثارته ضد حكامه البغاة , فأسقط بشارة الخوري من على كرسيّ الرئاسة سنة 1952 , و انتخب كميل شمعون رئيساً للجمهورية , فرد الجنسية للدكتور داهش, في أول عهده , سنة 1953.
نبوءة خراب للبنان :
في 4 كانون الثاني سنة 1948, نشرت جريدة ” الحياة ” البيروتية ” و بعض الصحف اللبنانية الأخرى نبوءة الدكتور داهش , مفادها ان بيروت ستحترق بالكبريت و النار , و ان الخراب سيعمّ لبنان من أقصاه الى أقصاه , وذلك نتيجة لاضطهاد الدولة لمؤسس الرسالة الداهشيّة , وسكوت الشعب الممثل بنوابه و قضاته و ادبائه و صحافييه عن هذه الجريمة .
و لأن أبعاد هذه النبوءة الرهيبة تخطت منطق المراقبين , وناقضت رغبات الظالمين و الطامعين , فقد وقفت الصحافة منها موقف الساخر .
لكن التاريخ , اليوم , بعد النكبات المروعة التي حلت بلبنان وشعبه , هو الذي يستهزئ بأولئك الساخرين (9).
اهتمام الدكتور داهش المثلث : الرسالة و الثقافة و الفنّ:
بعد ان استرد الدكتور داهش جنسيّته السليبة بكفاحه العنيد , انصرف الى إتمام رسالته الإلهيّة ؛ فكان ، حتى ساعة متأخرة من الليل , يستقبل زائريه الذين كانوا يتقاطرون عليه بالعشرات , يومياً, فيعاينون معجزاته , و يستمعون الى تعاليمه الروحية , و بينهم كثيرون من الصحافيين الذين كانوا ينشرون في صحفهم تحقيقات مثيرة عن معجزاته , مؤيّدة بالصور الفوتوغرافية التي تسجل مراحل اجتراح الخوارق.
و بدءاً من سنة 1969 , باشر الدكتور داهش ” رحلاته حول الكرة الأرضية ” التي دوّن وقائعها في سلسلة تحمل هذا الإسم , وتضم 22 جزءاً. و قد سجّل فيها مشاهداته , و انطباعاته , و أحكامه البتارة على مجنية القرن العشرين , حيثما حلّ.
فضلاً عن ذلك , و عن وضعه عشرات المؤلفات الأخرى , صرف مؤسس الداهشيّة قسطاً وافراً من وقته , لإتمام إنشائه مكتبة ثقافية جامعة كان قد بدأ تجميع كتبها , منذ عنفوان شبابه , و قد ضمّت , حتى الآن , نحو 200 ألف كتاب في لغات متعددة , اختارها بنفسه من بلدان كثيرة , لتكون تراثاً للداهشيين يستحثّهم على الإستزادة من المعرفة.
كذلك تمكن , بفضل مراسلته للفنانين و معارضهم , تلك المراسلة التي بدأها منذ غلواء شبابه , و اشتملت على نحو نصف مليون رسالة , كما بفضل رحلاته الكثيرة , من إنشاء متحف داهشيّ للفنّ يضمّ ألوف القطع النفيسة في الرسم و النحت . و سيقام هذا المتحف , بعد أن يتهيأ بناؤه قريباً.
و في أول أيلول سنة 1980 , غادر مؤسس الداهشيّة لبنان , ليتابع جولاته في بلدان العالم , و يتمّ رسالته الروحيّة .
تلك كانت الخطوط العريضة لحياة الدكتور داهش العجيبة . بعد ذلك , فلنقترب , أكثر , من عالم المعجزات الداهشيّة , و لنر أنواع الأعمال الخارقة التي قام بها الرجل العظيم .
القسم الثاني
معجزات الدكتور داهش
يشكل هذا القسم من الكتاب جزءاً كبيراً من محاضرة ألقيت
في المنتدى الكبير بالجامعة الأمريكية –بيروت بتاريخ 12 أيار 1970
عندما دعتني ” رابطة الإخاء الروحيّ ” –رابطة الجامعيين المستنيرين –الى إلقاء هذه المحاضرة عن ” معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان ” , هزّتني خطورة الموضوع : فمن جانب رجل تتعالى قامته فوق هذه الأرض ، منذ نحو خمسين سنة , و تتكاثف الهالات حوله , و تزدحم الألغاز و الأسئلة , وينقسم الناس , و يعلو اللغط , و تشتدّ الحملات , ثم يسود الصمت , حتى كأن الرجل قلعة , لا بأيدي البشر رفعت مداميكها , عن أسوارها تتزحلق الآفات والإتهامات , و عن تشامخها المتزايد رفعة , يرتد الطرف المتجرّئ المستكبر كسيراً . و من جانب آخر إهتمام بالغ بوحدة الأديان , بل بمصير الروح و الإنسان , يلف العالم من الفاتيكان الى أميركا الى أثينا الى لبنان , حتى ليخيّل الى المتأمّل أن ضرورة الوحدة الدينيّة باتت ملحّة , و انها اندرجت حاجة جوهرية في الإتجاه الوحدويّ الثقافيّ الإجتماعيّ الحضاريّ في العالم .
لكن خطورة الموضوع دفعني الى إقتحامها أمران : الأول ان المحاضرة تلقى في إحدى قاعات الجامعة الأميركية , حصن الفكر الحرّ الجريء في لبنان , و الثاني ان المحاضرة و تاريخ إلقائها من خوارق الدكتور داهش نفسه . فبعد أن أبلغتني ” رابطة الإخاء الروحي” أن المشرفين في الجامعة , بالإتّفاق مع مجلس الطلبة , عيّنوا يوم الثاني عشر من أيار موعداً لإلقائها , عدت الى الوثائق الداهشية التي بين يديّ , فارتعشت إذ رأيت في بعض الصحف العائدة الى سنة 1942, أن المحاضرة الأولى في موضوع الداهشية ألقيت في هذا التاريخ نفسه , و الثاني عشر من أيار , منذ ثمانية و عشرين عاماً . و قد ألقاها , يومئذ , في نادي المهاجرين , أول مؤمن بالداهشيّة , الأديب المرحوم يوسف الحاج (10). و ما إن اتصلت بالدكتور داهش أعلمه بهذا الإتّفاق العجيب الذي لم أعتبره محض صدفة , بل ترتيب روحي غريب , حتى أطلعني على امر أغرب , وهو نبوءة من نبوءاته كتبها الشاعر الزحليّ , المرحوم حليم دمّوس بخطّ يده , منذ ثمانية و عشرين عاماً , في سياق الوقائع الداهشية المتسلسلة التي كان يدونها يومياً , و مفادها أني سألقي محاضرة محاضرة حول معجزات الدكتور داهش في تاريخ اليوم المذكور و في الجامعة الأميركية . يوم كتب حليم دمّوس النبوءة , بخط يده , كنت في السادسة من عمري , و ما كانت الداهشية لتطرق مسمعي الاّ بعد نحو عشرين سنة .
ما هي المعجزة ؟
كل مثقف ثقافة علمية صحيحة يعرف, كما أعرف , أن العالم محكوم بقوانين طبيعية ثابتة . فقانون الحركة , و قانون الجاذبية , وقانون النسبية , و قانون حفظ الطاقة , و غيرها كثير, كلها كائنة في الوجود , مذ الوجود كان . و كل ما يستطيعه العقل الإنسانيّ هو أن يرفع الحجب تدريجياً عن القوانين التي ما تزال مستورة . لكن الإرادة البشريّة , أية كانت , لا تستطيع خرق القوانين الطبيعية . و هذه حقيقة يؤكدها العالم الفيزيائي الكبير ماكس بلانك(11), الحائز جائزة نوبل, و المكتشف نظرية الكوانتا , كما يؤكدها سائر العلماء . فنواميس الطبيعة لا تخضع لإرادتنا , إذ أنها كانت موجدة قبل ظهور الحياة على الأرض , و ستبقى بعد زوالها .
لكني , على إقتناعي العلميّ الراسخ بخضوع الإرادة البشرية للقوانين الطبيعية , و إستحالة وجود أي إنسان يستطيع خرقها , كما العلم يثبت ذلك , فقد أتيح لي , في أثناء ملازمتي للدكتور داهش مدة سبع سنوات (1963- 1970) , أن أشهد , عشرات المرات , قوانين الطبيعة تخرق على يديه خرقاً ساطعاً. ذلك ما دفعني إلى تحرّ كبير , و تحقيق دقيق , و تثبت طويل ,لم , أترك في خلاله , أي كتاب معتبر يبحث عن الأمور الخارقة , الاّ جلبته , و إن كان في موسكو أو واشنطن أو لندن أو باريس, ثم قرأته و نقدته . وقد شاهدت بعيني , و لمست بيدي , عشرات الخوارق , يصنعها الرجل العجيب أمامي , وتبقى آثارها , بل يشاهد آثارها آخرون , ممن لم يعرفوه و لم يجتمعوا به . لم أكتف بذلك , بل إجتمعت مع عدد كبير جداً , ممن شهدوا خوارقه مثلي , و سمعت منهم مباشرة وقائع ما عاينوه , ونقدت ما رووه , و قابلته بما نقله غيرهم . ثم وضعت ما جمعت على محكّ العلوم الطبيعيّة و النفسيّة و الإجتماعيّة , و على محك الدين والمنطق , و من كل ذلك خلصت الى النتيجة التالية : إن ما يتم من ظاهرات غريبة على يدي الدكتور داهش هو خوارق و معجزات حقيقية, لا يمكن أن تصنف بين ألعاب الخفة أو الإيهام, أو السحر(12) , أو الفقر الهندي, أو مناجاة الأرواح , أو التنويم المغنطيسي(13). و ليس الدكتور داهش هو الذي يصنع تلك الخوارق , بمشيئته , لأن إرادته , كإرادة أي إنسان , خاضعة لقوانين الأرض التي فيها ولد ؛ إنما يصنع تلك المعجزات قوة روحية غير أرضيّة , لا تخضع لقوانين عالمنا , لأنها خارجة عنه, متفوّقة عليه , و هذه القوة اتخذته وسيطاً روحياً, و إناءاً مختاراً , ورسولاً هاديّاً.
و مثلما أن الريح يمكن إثبات وجودها , من جرّاء تحريكها بعض الأشياء , و أن الطاقة المغنطيسية يمكن تأكيد وجودها , من جرّاء تأثير جاذبيتها على بعض الأجسام , مع أنه لا يمكن رؤية الأولى و لا الثانية , و لا القبض عليهما , هكذا لا بد من التسليم بأن وراء كل معجزة قوة روحيّة هي سببها , قوة تتخطى المعرفة البشرية , و” تخرق ” القوانين الطبيعية .
غير أن ” خرق ” القوانين الطبيعيّة يجب أن يفهم فهماً نسبياً , إذ إنه يبدو هكذا بالنسبة إلينا نحن البشر ؛ في حين أن المعجزة , بنظر الروح و الكائنات العلوية , إنما هي نتيجة قدرة فائقة تتخطى العلم البشريّ بأبعاد لا تحدّ .
و قد أوضح مؤسس الداهشيّة هذه الناحية , في أثناء إيضاحه أمر الجلسات الروحيّة بقوله :
” يمكنك , مثلاً , أن تحضر معك صحن الطعام الذي تتناول فيه طعامك بمنزلك , و هذا الصحن مادته بورسلين . فعندما تتجسد الروح , بإمكانك أن تطلب إاليها أن تحوّل لك مادته الى خشب.
” و للحال , يتحوّل الصحن , و أنت ممسك به بكلتا يديك , الى صحن خشبي يبقى عندك بمادته الخشبية طوال الأيّام و الأعوام . كما بإمكانك ان تطلب الى الروح أن تحوّله , مثلاً, الى مادة حديدية ؛ وبلحظة يثقل وزنه, إذ يتحول الى صحن حديدي , بينما انت ممسك به جيّداً بكلتا يديك . و هكذا يمكنك أن تطلب الى الروح أن تحوّله لآي نوع تحبه أنت , الى قصدير أو كريستال إلخ…” (14) , ثم يردف قائلاً:
” لقد سألنا الروح عن كيفية هذا التحول , فشرحته لنا بما يلي . قالت الروح :
” تعرفون أن لكل مادة إهتزازاً ذا سرعة معينة , فللخشب سرعة معيّنة , و للحديد سرعة أخرى , و للفولاذ كذلك , و هكذا لسائر المواد ؛ إذ لكل مادة منها سرعة إهتزاز تختلف عن سرعة المادة الأخرى . فعندما تطلبون ان أحول منضدة خشبية , مثلاً الى منضدة حديديّة , أرفع ذبذبة المادة الخشبيّة الى مستوى ذبذبة المادة الحديديّة , فيتحول الخشب الى حديد ” (15) .
ولا يخفى أنّ اختلاف الذبذبات بين الأجسام , سواء أكانت عناصر بسيطة أم مواد مركبة , ملازم لاختلاف تركيبها الذريّ .
كذلك فقد زاد مؤسّس الداهشيّة ماهيّة المعجزة إيضاحاً عمليّاً , في معرض شرح روحيّ أدلت به الروح أمام عدد من الشهود , بينهم الشاعر حليم دمّوس , و ذلك بعد ان شهدوا عدة معجزات كانت تحرق فيها أشياء , من سندات ماليّة و رسوم و غيرها , حتى تتحول رماداً , ثم يعاد تكوينها بلمح البصر (16) .
قالت الروح الناطقة بفم الدكتور داهش ما أوجزه مؤرخ الوقائع الداهشية , حليم دمّوس , على الوجه التالي :
” لا شيء في هذا الكون يضيع البتة . فالأزهار التي تذبل , اليوم , و تتساقط , تعود ثانية , مثلما كانت قبل أشهر خلت ؛ و مثلها الأثمار.
” فأين كانت ؟ و كيف أتت؟ و ما هو السرّ في ذلك ؟
” أنتم لا تستغربون كيفية حدوث مثل هذا الأمر , لأنكم تعودتموه وألفتموه , فأصبح لديكم طبيعياً . و لو عقلتم لشاهدتم ان كل ما يحيط بكم يحمل طابع المعجزات و الخوارق , و لكنكم لا تنتبهون .
” فهذا القانون هو نفسه الذي يسري على الشيء الذي تحرقونه و تظنون انه اضمحل الى الابد . و لكنه , في حقيقته , لا يكون قد تلاشى , بل حدث فيه تغيير فقط أنتم تجهلونه , و تجهلون ناموسه و قانونه . فهو , و الحالة هذه , كشجرة الورد التي تذوي وتتساقط أرضاً في فصل الشتاء , لتعود بأجمل حلتها و أروع أناقتها عندما يأتي فصل الربيع .
“فعندما تعيد لكم الروح بذلة أحرقتموها , أو مائدة ألقيتموها طعمة للنيران , او سواهما من الأشياء الماديّة , تكون قد قامت بعمل طبيعيّ تعرف سرّه , لأنها أصبحت في عالم الحقيقة , و أنتم تجهلونه , لأنكم ما تزالون في عالم المادة .
” فضلاً عن ذلك , فأنتم تحملون أجساداً مادية تحجب عن عيونكم مشاهدة الأسرار التي رفعت عنها الستائر لمن خلعوا عنهم , هنا , رداء الجسد البغيض”.
و قد دلّلت لنا الروح المرشدة على صحة حديثها الإرشادي ببرهان مادي.
بذار تنمو و تثمر فوراً
قالت الروح :
” أعطوني نوعاً من البذار الذي تريدونه انتم , لأعطيكم دليلاً ثابتاً لا يدحض”. فأتيناها بفول يابس , و بعدس , و ببزور البطيخ الأحمر. فقالت:
” أحضروا لي قصعة كبيرة , و إملأوها بالتراب”.
ففعلنا . ثم طلبت قدحاً من الماء ؛ فأحضر أيضاً . و هنا قالت :
” انتبهوا لما سأقوم به أمامكم ” .و هنا , أخذت الروح من كل نوع حبة واحدة , أي فولة , و عدسة , و بزرة بطيخ , ووضعتها في التراب ؛ ثم سكبت عليها كأس الماء . و للحال , نبتت عروق خضراء , و جعلت تمتد … ثم – يا للدهشة الرائعة ! – جعلت هذه العروق تحمل ثمراً !
و لم تمض دقيقة واحدة , حتى ارتفعت غرسة الفول و هي ممتلئة بقرون من الفول الأخضر !
و هكذا شتلة العدس!
و تلتها بزرة البطيخ… و إذا بها تحمل بطيختين لم أذق في حياتي أحلى مذاقاً منها ! فدهشنا , ووجمنا , و ما عاد أحد منا ليحير كلاماً . فقالت الروح :
” أما الشرح , فها إني أدلي به إليكم , فإسمعوه وعوه:
” عندما يزرع أحدكم نوعاً من البذار , يحتاج بالطبع الى كمّية من الهواء , ومقدار معلوم من نور الشمس التي تشرق عليه , كل صباح , كي تغذّيه بسيّالها العجيب . أمّا التربة , فانّها تنعشه , وتعطيه قوّة النمو . وتشترك العناصر الطبيعيّة في مساعدته , حتى تكتمل العناصر التي تهبه الحياة , فينمو ويعطيكم الثمر .
” إذاً , كيف إستطعت أنا أن أنمّيه بدقيقة واحدة ؟
” الجواب : بما أنني ” روح ” , وقد تكشّف لي أسرار الحياة الأرضيّة , فقد عرفت ما أغلق عليكم فهمه . لهذا إستعنّت بسيّالي الروحيّ الخاص , فوهبت هذه البذور الكمّية التي كان يجب أن تحصل عليها بمدّة ثلاث أشهر , بواسطة الشمس والماء والهواء . فأنا قد أعطيتها للبذور في الحال , وليس كالمعتاد , فاستكملت حاجتها من الغذاء الذي هي بحاجة إليه , والذي تحصل عليه عندما تزرع , في خلال الأشهر التي تكون فيها ضمن التربة . فلم يعد عجباً أن يكمل نموّها , ويحين أكلها بدقيقة .
” وقد قمت بهذه الظاهرة وشرحتها لكم , كي أعلمكم أن لا شيء عجيب علينا , نحن معشر الأرواح , بعدما تفهّمنا الأسرار التي كانت خافية علينا مثلكم , عندما كنّا في أجسادنا , كما أسلفت القول ” .(17)
ألغاية من المعجزات :
أن الغاية العامة من كل معجزة هي مساعدة شهودها والسامعين بها على الإيمان بأللّه , وما يستلزم ذلك من إيمان بالقيم الروحيّة وممارستها ؛ ذلك بأن حدوث المعجزة يؤكّد تأكيداً مباشراً وجود روح خارق القدرة والمعرفة يجترحها ؛ والروح قوّة إلهيّة تشهد لمبدعها الأزلي وتخشع لذكره .
وبهذا الإيمان يتأكّد لأصحابه مصدر الرسالة الداهشيّة السماويّ .
لكن المعجزات تحمل أيضاً , أحياناً , غاية خاصة , كالمساعدة , أو الشفاء , أو الإنقاذ من الموت , أو إيضاح العقيدة الداهشيّة .
وحسبنا , هنا ,أن نتأمّل جليّاً في معجزة واحدة من مئات المعجزات الداهشيّة الملموسة الثابتة , لنتبين قدرة الروح وعلمها الخارقين , وما يستتبعان من إدراك لضعف الإنسان وجهله وغروره , إزاء العظمة الإلهيّة .
صحيفة تتكوّن قبل خمسة أيّام من صدورها
في 28 تشرين الثاني 1943 , يدخل السيّد فيليب حدشيتي , وهو شاب مثقف , الى منزل الدكتور داهش في بيروت , وبيده صحيفة ” لو جور le jour ” اللبنانيّة اليوميّة التي تصدر بأللغة الفرنسيّة . أتى يريد التثبّت مما ملأ الأسماع من أخبار المعجزات الداهشيّة . أتى جاحداً وجود أللّه عزّ وجل , منكراً وجود الروح , نافياً وجود الخلود والثواب والعقاب . دخل منزل الهداية ممثّلاً معظم البشر . مع فيليب حدشيتي , كانت الإنسانيّة بأسرها تمتحن , وضميرها وعقلها في الميزان .
وعد الزائر بجلسة روحيّة , سمع أن فيها تتنزّل الأرواح العلويّة , وتتجلّى القوّة الإلهيّة ؛ لكنّه لم يصدّق . فأخذ يتصفّح جريدته , ويكتب على هوامشها ما يخطر في باله من أسئلة مختلفة , ليطرحها في أثناء إنعقاد الجلسة العتيدة .
وعقدت الجلسة الروحيّة : تسامى الدكتور داهش بسيّاله الأسمى , حتى إتّصلت به وتجلّت فيه روح قدسيّة , هي نسمة إلهيّة عالمة كل العلم , قادرة كل القدرة .
ولكن , ما يثبت ذلك ؟
دار بين الروح , تنطق بفم الدكتور داهش والحدشيتي هذا الحوار :
- هل تؤمن بألله تعالى ؟
- أصدقك القول يا دكتور , أنني لا أؤمن بوجوده .
- وماذا تريد كي تؤمن ويظهر خطأك الفادح ؟
- أريد معجزة .
لا شكّ بأن فيليب حدشيتي – شأن ملايين البشر – قد إستمع , من قبل الى مواعظ رجال الدين ؛ فما أفادته . ولا ريب بأنّه قرأ كتابات دينيّة أو فلسفيّة تحضّ على الإيمان , وتستشهد ببراهين مختلفة ؛ لكنّها ما أجدته نفعاً . كان يشعر أن شيئاً واحداً يمكن أن يبدّل حياته , ويغير رأيه , هو المعجزة , العمل الذي يعجز عنه البشر جميعاً , ولو إجتمع علماؤهم وعباقرتهم بعضهم لبعض ظهيراً ؛ العمل الذي , إن حدث , برهن برهاناً حاسماً , أن وراءه قوّة فوق قوى البشر .
وحدثت المعجزة بكلمة قالتها الروح : أنظر الى الجريدة التي معك .
وإذا العدد الذي أحضره الحدشيتي معه , وهو يحمل تاريخ 28 تشرين الثاني 1943 , يتحوّل الى عدد آخر يحمل تاريخ 3 كانون الأول , أي عدد سيصدر بعد خمسة أيّام . لقد تغيّرت النصوص كلّها : تغيّرت الموضوعات والعناوين والأحداث والإعلانات والصور … تغيّر كل شيء , عدا ما كتبه الحدشيتي في هوامش الصحيفة ؛ فوجده بقي مثلما خطّه بيده!
لقد حصل حدث عظيم : قوّة لا شكّ بأنّها غير بشريّة , لأنّها قامت بعمل غير بشريّ , قوّة قدرتها خارقة , وعلمها خارق , سخّرت عناصر الكون وقوى الطبيعة , واستطاعت أن تمحو كلّ ما في الصحيفة , مبقية على خطوط الشاهد فقط , لتنزل محلّ ما محت نصوصاً ومواد جديدة , مرتّبةً ترتيباً جديداً .
لو كان في يدك ورقة مطبوع عليها بضعة أسطر , فاختفت منها هذه الأسطر , بلمح البصر , ودون اللجوء الى أيّّة وسيلة مادّية , لكان عليك أن تقول , إذا كنت من ذوي العقول الصحيحة : هذا عمل غير بشريّ ! ولكن , إذا أمّجت الأسطر , وحلّت محلّها أسطر أخرى طبعت بدون أللجوء الى أيّة وسيلة مادّية , فلا شكّ بأن خشوعك سيزداد , وسيعظم يقينك بأن القوّة التي أحدثت هذه الظاهرة هي قوّة روحيّة تسمو على قوى البشر ومداركهم وعلومهم بما لا يحدّ ! فكيف بك , إذا أمّحت نصوص مطبوعة منبسطة على عدّة صفحات كبيرة , لتحلّ محلّها نصوص أخرى مختلفة عنها كلّ الإختلاف , ومرتّبة ترتيباً دقيقاً آخر !
ولكن , حتى الآن , لم تتّضح , بعد , كل أبعاد المعجزة التي حدثت . ذلك أنّه بعد خمسة أيّام , صدر عدد ” له جور ” le jour حاملاً تاريخ 3 كانون الأول 1943 . وقابل الحدشيتي عدده العجائبي الذي احتفظ به بالعدد الجديد , وإذا المفاجأة العظمى ! إنّه العدد نفسه من كلمته الأولى حتى الأخيرة !
قبل خمسة أيّام , كثير من احداث العالم لم يكن قد وقع بعد ؛ وكثير من الأحاديث والوقائع السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة والثقافيّة والعسكريّة والإجراميّة … المحلّية والعالميّة لم يكن قد تمّ بعد . قبل خمسة أيّام , جميع الأمور التي ظهرت في عدد الثالث من كانون الأول كانت ما تزال في ضمير الغيب ؛ ومع ذلك , عرفت وهي في عالم الغيب , بتفاصيلها ودقائقها , أفكاراً وأقوالاً وأعمالاً وأحداثاً , وصيغت , ونظّمت , وطبعت ؛ وكل ذلك بلمح البصر , وبغير يد ولا آلة ! وما دامت عرفت بتفاصيلها , وتطوّراتها , وتشابكاتها , فهذا يعني أنّها قد وجدت بالنسبة للروح القدسيّة , قبل أن توجد بالنسبة للبشر .
أيمكن أن يقوم بهذا العمل غير قوّة إلهيّة ؟ إذ ما الفرق بين تكوين كوكب بكلّ ما فيه من أناس يتفاعلون ويتعاملون , وتكوين هذا العالم الذي انطوت عليه الصحيفة , خمسة أيّام قبل أن يوجد ؟!
لقد طلب الحدشيتي معجزة ليؤمن , فأتته المعجزة . أتته بهذه القوّة الجبّارة , لتخاطب عبره , البشر جميعاً ممن هم معاندون ومكابرون , حتى لا تبقى لديهم أيّة حجّة (18) .
شهود معجزات الدكتور داهش
قبل الخوض في معجزات الدكتور داهش , لا بدّ من إبداء ملاحظتين إيضاحيّتين :
أولاً , إنّ الذين عاينوا خوارقه , وشهدوا لها قبلي ومعي , كانوا في أكثريّتهم الساحقة من الطبقة المثقّفة ثقافة عالية واعية . فبينهم الأطباء والمهندسون , والأدباء والأساتذة الجامعيّون , والأساقفة والشيوخ , والصحافيّون المحنّكون , والمدّعون العامّون , والمحقّقون العدليّون , والقضاة والمحامون , وعدد كبير من النوّاب والوزراء وكبار الموظّفين . كلّهم شهدوا بأن ما رأوه حقيقة يقينيّة ثابتة , لا جدال فيها , وإن إختلفت تأويلاتهم وتعليلاتهم لمصدرها (19) .
ثانياً , إنّ كثيرين من هؤلاء الشهود , بعد أن تثبّتوا تثبّت توما , سطعت حقيقة الرسالة الداهشيّة في ذواتهم , فآمنوا بها , وضحّوا من أجلها بكلّ غال , وقاسوا الإضطهاد والتعذيب حتى من أنسبائهم وذويهم: فالأديبة الفنانة السيّدة ماري شيحا حدّاد عانت الأمرّين من شقيقتها لور , زوجة بشارة الخوري , رئيس الجمهوريّة أللبنانيّة الأسبق ؛ فقد أمرت أختها زوجة الرئيس بسجنها , لتردّها عن معتقدها الجديد ؛ لكنّها أصرّت وعاندت وتمسّكت بإيمانها الصخريّ ؛ فأشاعت أختها , إذ ذاك , بأنّها مجنونة , وأمرت بحجزها في مستشفى الأمراض العقليّة ؛ لكنّها ما لبثت أن خرجت منه عزيزة النفس , وطيدة الإيمان , سليمة العقل , كما كانت , وتابعت ممارسة أدبها وفنّها وملازمة الرجل المعجزة (20) .
والوجيه الأديب جورج حدّاد , عديل الرئيس الأسبق , آثر أن يتخلّى عن مجد دنيويّ وثروة طائلة ’ وأن يسجن طوال شهور في سبيل معتقده ؛ لأنّه لمس اليقين معجزات باهرة وإرشادات روحيّة وسماويّة أعادت إليه الإيمان بأللّه والروح والفضيلة . وقد توفي في 17 آب عام 1969 (21) .
والدكتور المرحوم جورج خبصا , طبيب الأمراض الجلديّة الشهير , تخلّى عن منصبه كأستاذ للطبّ في معهد الطبّ الفرنسي , إحتجاجاً على مقال نشرته جريدة ” البشير ” اليسوعيّة ضدّ الدكتور داهش , سنة 1942 . وقد توفي في 8 تشرين الثاني 1969 . كان المؤمن الثالث .
والدكتور فريد أبو سليمان استعفى من وظيفته في الدولة كطبيب رسمي , بعد أن خيّر بين أن يضاعف راتبه , وأن يتخلّى عن معتقده الداهشيّ . كان المؤمن السادس .
والشاعر حليم دمّوس أمضى في السجن والعذاب زهاء سنة من أجل تمسّكه بإيمانه وإيثاره الروحيّات على المادّيات , وقد توفّي في 27 أيلول 1957 (1) . وقد كان المؤمن الثاني .
والمدّعي العام المركزي في بيروت , سابقاً , الأستاذ ديمتري الحايك , نحّي عن منصبه كمدّع عامّ , بعد أن طلب إليه أن يوجّه الى الدكتور داهش إتهاماً باطلاً , ورفض الطلب . وقد عاين الكثير من معجزاته , وآمن برسالته .
و لا حاجة لأن أسرد جميع أسماء من ضحوا و ما زالوا يضحون بكل غال في سبيل الدعوة الروحيّة الجديدة . و لن أحدثكم عن نفسي و ما عانيت ، فحكايتي تقتضي مذكرات طويلة.
هؤلاء جميعاً ، أيعقل أن يكونوا كلهم ضحايا الوهم مدة عشرات السنين ؟! أيتركون المنصب الرفيع , و الثروة الطائلة , و العيش الهادئ , و صداقات الناس , و عشرة ذويهم , مفضلين عليها العذاب , من أجل أوهام ؟! و أولئك المئات , أيكونون أيضاً ضحايا الوهم طوال تلك السنين ؟!
كلا و ألف كلا . لو لم تكن الحقيقة ساطعة لما شهدوا لها , و لو لم يلمسوا بأيديهم و يتحققوا بعقولهم ما هو أعظم من الدنيا , لما تركوا أمجادها و إغراءاتها غير آسفين عليها .
أصناف المعجزات الداهشية :
المعجزات التي ظهرت على يدي الدكتور داهش ليست صنفاً واحداً أو حتى عشرة أصناف , بل هي مئات الأنواع ، تشمل الإنسان و الحيوان و النبات و الجماد , و كلها مادي محسوس ثابت : ثابت في بقائه , ثابت في امتحانه , ثابت في الصورة الفوتوغرافية . و من يستطع أن ينظر إليها جميعاً دفعة واحدة, بألوفها و شمولها وعظمتها الخارقة , لا يسعه إلا أن يخشع و يمجد القوة الروحية الجبارة التي تصنعها . و هي لو فصلت كلها لاقتضت عدداً كبيراً من المجلّدات الضخمة لاستيعابها.
فمن أصناف المعجزات التي تمت على يدي الدكتور داهش بقدرة الروح العليّ :
– شفاء الامراض المستعصية شفاء فورياً؛
– الإنقاذ من الموت , أو من أضرار الحوادث الجسيمة ؛
– تصوير وقائع الحياة , و تسجيل أحاديث الناس الحرفية , مهما كانت خفيّة و أينما كانوا , بصورة عجائبية ؛
– التنبؤ بتفاصيل الأحداث المقبلة , مهما تعقدت و تعددت وتنوعت ؛
– معرفة الفكر و الحلم وما يكتمه الإنسان ؛
– التكلم بأي لغة كانت ؛
– إحياء الجماد و ميت الحيوان ؛
– تجسيم الصور؛
– تكوين الأشياء قبل وجودها المحسوس, و إعادتها الى الجمود بعد فنائها ؛
– إنماء النبات , و إنضاج فج الثمار , بلمح البصر ؛
– تغيير طبائع الأشياء و وظائفها , و تكبيرها و تصغيرها وإطالتها و تقصيرها و تغيير أشكالها و ألوانها ؛
– تحويل المعادن العادية الى معادن كريمة , و الأوراق العاديّة الى عملة فعليّة ؛
– تحويل أوراق اليانصيب الخاسرة الى رابحة لشتى القيم ؛
– معرفة الضائع و استحضاره بلمح العين ؛
– نقل الأشياء المادية من مكان الى آخر بطرفة جفن , و إن وزنت الأطنان, و بعدت ألوف الكيلومترات ؛
– و إن أعظم معجزاته , برأيي ، هو تعدد شخصياته و قدرتها الروحيّة الخارقة .
هذا بعض من أصناف العجائب التي تجري على يدي رجل الروح الخارق , معجزة القرن العشرين . و سأكتفي , لضيق المجال , بذكر ستة نماذج منها , دونما تفصيل , مرجئاً الحديث عن تعدد شخصياته الى القسم الثالث من هذا الكتاب . و لن أقتصر على ما شاهدته أنا , بل سأذكر أيضاً , بعض ما عاينه غيري , و تعدّد شهوده الثّقات , و تأكّد لدي تأكّد اليقين .
نماذج من معجزات الدكتور داهش
1- شفاء الأمراض:
لئن احرز الطب إنتصارات في هذا العصر, فثمة حدود يقف عندها و قيود يتقيد بها . فمن جانب , ما زالت أمراض و عاهات خارج سلطانه , و من جانب آخر ,إذا كان الطب قادراً على شفاء أمراض كثيرة , فإنه لا يستطيع شفاءها بلمح البصر, أو دونما عقاقير. و شفاء المعجزة يتميز بأنه شفاء فوري و ثابت لداء مستعص. و للبيان , أكتفي بذكر معجزة شفائية واحدة:
طفل يشفى من الشلل و الجنون
ابتلي الطفل أيلي معلوف , سنة 1964 – و هو في عامه السادس – بالشلل و الجنون , إثر إصابته بالتهابات و اختلال في سحايا الدماغ . و قد نقله ذووه عبثاً من طبيب الى طبيب , , ومن مستشفى الى آخر, حتى استقر به الأمر في مستشفى ” أوتيل ديو ” حيث أمضى أسبوعين ، من غير أن يطرأ تحسن على وضعه الصحي الجسمي و العقلي .
و بعد ان انفق ذووه اموالاً طائلة , يئسوا من شفائه , وأحسوا تفاقم الخطر عليه , قصدوا المشعوذين ممن يزعمون كذباً , مخاطبة الجنّ و الاستعانة بوسائل السحر التدجيليّة , و لم يدعوا منهم واحداً مشهوراً إلاً إلتجأوا إليه . و بعد أن استنفد الدجّالون و صفاتهم الغريبة , و كادوا يستنفدون أموال قاصديهم , احتيالاً و ابتزازاً ، تيقن جد الطفل الياس ربيز وامه السيدة نوال أنّ شفاءه مستحيل. و ألهم الجدّ أن يتوجّه بحفيده الى الدكتور داهش ؛ فقصده بصحبة ابنته والدة الطفل . و أمام المفجوعين و طفلهما , صعّد الدكتور داهش دعاءً . و حدث الشفاء العجائبي , فكان تكذيباً مخزياً للمشعوذين , و استصغاراً لقدرة العلم حيال قدرة الروح الإلهيّ .
و قد تمت عشرات المعجزات الشفائية الأخرى غير هذه . و قد حظي بنعمة الشفاء العجائبي , من أمراض أو عاهات مختلفة , الآنسات زينا حداد , ماجدا حداد , و كرايس غبريال , وآخرون كثيرون .
2- الأجوبة الكتابية العجائبية :
72 جواباً ترتسم بلمح البصر تحت 72 سؤالاً
إن الوزير السابق الأستاذ إدوار نون , بعد أن شاهد كثيراً من معجزات الدكتور داهش المحسوس الدامغة , أراد الاستزادة من المعرفة الروحية , فكتب في منزله اثنين و سبعين سؤالاً تتعلّق بمستقبل البشريّة و الأنظمة السياسيّة , وأمور غامضة عن الإنسان و الأديان مما لم يتوصل العلم , بعد , الى تقرير حقائقه النهائيّة . و قد وزّعها على نحو ثلاثين صفحة من الورق الكبير المستعمل في الطباعة على الآلة الكاتبة , و ترك فراغاً بين السؤال و الآخر , مفسحاً المجال لكتابة الأجوبة . ثم قصد منزل الدكتور داهش . و كان الحاضرون كثيرين؛ منهم: آل حداد , و حليم دمّوس , و الدكاترة أبو سليمان و خبصا و عشيّ . و قد اطلعوا جميعاً على أسئلة الأستاذ نون المعقدة . ثم وضعت الأوراق في ظرف ؛ و سرعان ما عقدت الجلسة الروحية . و فجأة لمس الدكتور داهش الظرف المحتوي على الأوراق , قائلاً : ” أتتك الأجوبة “. و كانت دهشة الجميع عظيمة حينما فتحوا الظرف , و رأوا اثنين و سبعين جواباً قد خطّت بوضوح , وبلمح البصر , تحت الإثنين وسبعين سؤالاً الموزّعة على نحو ثلاثين صفحة . هذه الوثائق العجائبيّة ما يزال المحامي الكبير يحتفظ بها حتى الآن , وهي تحتاج الى أكثر من يومين لمجرّد نقلها (22) .
وعشرات هم الّذين أعرفهم ممن تمّت لهم معجزة الأجوبة الكتابيّة , فضلاً عن نفسي .
3– تغيير طبائع الأشياء :
مئات بل ألوف هي المعجزات التي غيّرت طبائع الأشياء :
صحن البورسلان يأتي به زائر من منزله , وعليه علامات تميّزه , فيتحوّل في الجلسة الروحيّة الى صحن خشبي أ, زجاجي أ, ذهبي , وتبقى العلامات المميّزة نفسها عليه .. ويتحوّل الماء خمراً , والورق حجراً , والحجر معدناً كريماً .
تحويل الورق الأبيض الى عملة لبنانيّة
عدّة مرّات قصصت أوراق بيضاء من طلحيّات كبيرة , ودوّنت عليها إسمي وكتابات شتى , وإذا بها تتحوّل في حضرة الدكتور داهش الى عملة لبنانيّة من فئات مختلفة , وعليها باق إسمي , وما دوّنته بخط يدي .
مثل هذا التحويل العجائبي حدث أمام المئات , من بينهم مندوب مجلّة ” الأسبوع العربي ” (23) والسيّد حافظ خيراللّه مندوب جريدة ” النهار ” (24) .
وقد صوّرت الصحيفتان مراحل المعجزة في لحظات حدوثها نفسها ؛ فثبتت حقيقتها في الصور الفوتوغرافيّة , كما ثبتت أمام أعين الناس .
تحويل أوراق اليانصيب الخاسرة الى رابحة
ومن تغيير طبائع الأشياء , تحويل أوراق اليانصيب الوطني الخاسرة الى رابحة . وقد تمّت أمامي هذه المعجزة , إذ تحوّلت ورقة خاسرة الى ورقة تربح عشرة آلآف ليرة لبنانيّة . كما تمّت أمام الأستاذ محسن سليم , نائب بيروت السابق (25) , وأمام كثيرين آخرين .
وما يزال كثيرون يذكرون الضجّة الكبرى التي حدثت , بعد أن تحوّلت ورقة يانصيب خاسرة الى ورقة تربح عشرة آلآف ليرة لبنانيّة , أمام القاضيين محمود البقاعي ومحمود النعمان , والمحامي شفيق السردوك , رئيس بلديّة بيروت , والدكتور فريد أبي سليمان , بحيث إضطرّت مديريّة اليانصيب الوطني الى تكذيب الخبر , خوفاً من تقاعس الناس عن شراء أوراقها . ولكن المديريّة أضطرّت , أيضاً , الى دفع العشرة آلآف ليرة للدكتور أبي سليمان , حينما قدّم إليها الورقة العجائبيّة , وذلك بعد أن فحصتها وتثبّتت من صحّتها مدّة أيّام ( 26) .
4– معجزات الإحياء :
إحياء الجماد ؟ ! إحياء الموتى ؟! ولما لا , ما دام الروح الإلهيّ قادر على كلّ شيء يصنع ذلك .
بكلمة تموت العصافير , وبكلمة تعود الى الحياة
في عشرين كانون الثاني 1944 , أمام الشيخ منير تقي الدين والصحافي إسكندر ريّاشي , ويوسف الحاج , وحليم دمّوس , وقبيل حملة الإضطهاد التي شنّت على الدكتور داهش , وقف الرجل العجيب أمام قفص العصافير , وبحركة من يده , إنقلبت العصافير ميّتة . والتفت الدكتور داهش , إذ ذاك , الى زائريه قائلاً : ” هكذا نفعل أيضاً بالرجال الظالمين ” (27) .
وبعد ظهر اليوم نفسه , وبحضور الأستاذ إدوار نون , عقدت جلسة روحيّة , طلب الحاضرون فيها أن تعاد الحياة الى الطيور الميّتة . فاستحضرت جثثها من الحديقة , ووضعت في القفص ؛ وإذا المعجزة تتم , فتعود العصافير الى غنائها .
رسم العصفور يتجسّد لحماً ودماً .
ويشير الدكتور داهش , مرّة , الى لوحة فنّية رسمتها السيّدة ماري حدّاد , وفيها عصفور على شجرة . فتتحرّك الألوان من اللوحة , وتتخذ لحماً ودماً وريشاً , وتتحوّل الى عصفور يوضع في القفص سنتين . أمّا مكانه في أللوحة فبقي أبيض فارغاً ( 28) .
فسبحان المميت المحيي , القادر على كلّ شيء ؛ وما أغبى الإنسان وأتفهه ساعة تسكره بعض الإختراعات العلميّة , فيعمى , ويستكبر , ويتألّه , ويجحد ربّه . فأين عقل الإنسان القزم من جبروت الروح ؟ !
5– معجزات التكوين :
تكوين شيء غير موجود ! تكوين شيء قبل وجوده ! تكوين شيء بعد فنائه ! الأمور الثلاثة سواء في نظر الروح العليّ . وذلك بأن القادر على خلق المجرّات , والمهيمن على الموت والحياة قادر على فعل كل شيء .
مستندات ووثائق , وسندات ماليّة وصور , أحرقت أمام كثيرين , وأعيد تكوينها بلمح البصر !
أوراق ملأى بالكتابات تحرق ثم يعاد تكوينها
عدّة مرّات حدث لي أن ملأت ورقة بالكتابات المختلفة , ثمّ أحرقتها بيدي ّ , واحتفظت برمادها . وإذا الدكتور داهش يكوّن مجدّداً تلك الورقة التي أحرقتها , وعليها كتاباتي كلّها نفسها . وذلك كان يحدث لي , وأنا في حضرته , أو وأنا في منزلي , بعيداً عنه . فالمعجزة تتمّ أينما كان .
ومن أغرب خوارق التكوين وأبعثها على الخشوع على قدرة الروح الإلهيّ , إثنتان : الأولى حدثت للسيّد فيليب حدشيتي , وقد سبق الكلام عليها ( 29) .
ندى تتجسّد
أمّا المعجزة الثانيّة فقد حدثت سنة 1943 , أمام الأستاذ إدوار نون , والدكتور خبصا , والسيّد جورج حدّاد , والأديبة ماري حدّاد , وغيرهم ؛ وهي في غاية الغرابة .
فبينما كانوا مجتمعين بالدكتور داهش في جلسة روحيّة , إذا بصبيّة حسناء تتجسّد , فجأة أمامهم , تحت النور الساطع . فيبهت الجميع , ويظنّون أنّهم يتوهّمون . فتفاجئهم الفتاة بقولها : ” لا تظنّون أنّكم واهمون , فما ترون هو حقيقة أكيدة . إسمي ندى , وقد أتيت من عالم ماديّ آخر إليكم ” . فلم يصدّق الحضور أعينهم , حتى سارعوا الى تحسّسها بأيديهم ؛ فإذا هي لحم ودم كالبشر . لكنّها كانت تلبس فستاناً , وتحمل حقيبة لم يكونا من الزيّ الدارج في الناس , سنة 1943 .
وبعد تسعة عشر عاماً , تزور الدكتور داهش الصبيّة نفسها , وقد أصبحت في عداد سكّان الأرض . وكانت بالعمر نفسه الذي تجسّدت فيه قبل تسعة عشر عاماً , وتلبس الثوب عينه , وتحمل الحقيبة عينها .
وقد أوضح الدكتور داهش للمجتمعين , إذ ذاك , وفيهم من شاهدها قبل تسعة عشر عاماً , أنّ هذه المعجزة الإلهيّة تؤكّد تأكيداً حاسماً إستمرار الحياة وتقمّص النفوس , وانتقالها بعد الوفاة من دور حياتيّ الى دور حياتيّ آخر في الأرض , أو من كوكب الى كوكب آخر , حسب درجة إستحقاقها .
6– معجزات النقل :
هذه معجزات كانت سبباً لإيمان كثيرين .
مفكرة تحضر بلمح البصر بعد ضياعها 12 سنة
فالدكتور خبصا فقد مفكّرته في باريس , قبل تعرّفه الى الدكتور داهش بإثنتي عشرة سنة , وفي الجلسة الروحيّة ولدت المفكّرة بين يديّه .
قفّاز يحضر بسرعة البرق بعد ضياعه 3 سنوات
والدكتور فريد أبو سليمان فقد قفّاز يده اليمنى , وبحث كثيراً عنه فما وجده . وحينما تعرّف الى الدكتور داهش , بعد ثلاث سنوات , عقدت له جلسة روحيّة , فخطر في باله أن يمتحن حقيقة وجود الروح وقدرتها , فسأل الدكتور داهش أن يعرف موضع القفّاز الضائع , إذا كان حقّاً قادراً . فأجابه فوراً : ” إنّه في يدك ” .
وحمل الطبيب قفّازه الى بيته , وهو لا يصدّق عينيه , حتى قارنه برفيقه , وكان الإثنان مستعملين ؛ فإذا هو القفّاز الضائع نفسه. وقد أراه المئات من السائلين .
قلم حبر ذهبيّ يحضر بطرفة جفن بعد ضياعه بين الثلوج
والأستاذ إدوار نون , كانت قرينته السيّدة إيزابيل قد أضاعت بين الثلوج , وهي أثناء التزلّج باللقلوق (30) , قلم حبر ذهبيّاً , وذلك قبل تعرّفهما الى الدكتور داهش بعدّة سنوات . وكانت ترافقهما , يوم إذ , في رياضة التزلّج , السيّدة رينه , قرينة الشيخ فؤاد الخوري , شقيق الرئيس اللبناني الأسبق .
وفي جلسة روحيّة حضرها كثيرون , وبناءً على طلب الأستاذ نون , إستحضر رجل الروح القلم بطرفة عين . فكان ذلك كافياً , ليخبر الأستاذ إدوار نون الرئيس اللبناني بأنّ ما يصنعه الدكتور داهش ليس أوهاماً وخداعاً لآل حدّاد وغيرهم , إنما هو حقيقة ثابتة لا تقبل الشكّ , والبرهان على ذلك إستحضار القلم التي أضاعته زوجته , قبل سنوات , وقد كانت ترافقها قرينة شقيقه الشيخ فؤاد .
ساعة تحضر بلمح البصر بعد ضياعها 3 سنوات
والأنسة أوديت كارّا فقدت ساعتها في ليبيا , قبل تعرّفها الى الدكتور داهش , بثلاث سنوات ؛ وإذا الساعة تعاد إليها في جلسة روحيّة .
خاتم ماسيّ ضائع يولد بصورة عجائبيّة
والسيّدة فاطمة البلطجي , قرينة السيّد محمود البلطجي , أضاعت خاتماً من الماس ثميناً جدّاً , وطرقت أبواب المنجّمين ومن لفّ لفّهم , طوال عام كامل , دونما جدوى , حتى تعرّفت , أخيراً الى الدكتور داهش ؛ فعقدت لها جلسة روحيّة , كان من جملة حاضريها زوجها , وابنها عليّ , والسادة وفيق زنتوت , وصلاح وحسن البلطجي , والدكتور أبو سليمان . في أثناء الجلسة إلتفت الدكتور داهش الى زوجها قائلاً : ” إفتح كفّك ” ؛ ففعل . ثمّ قال له : ” أطبق كفّك ” ؛ ففعل . فضرب له يده المطبقة قائلاً : ” إفتحها الآن ” . وشده الجميع ’ لأن الخاتم الضائع ولد في كفّ السيّد محمود البلطجي (31) .
طلب مساعدةً فامتلأت جيوبه بألوف الليرات
والمستشرق الإنكليزي دانيال أوليفر , Daniel Oliver , رئيس مدرسة ” الفرندز ” Friends في رأس المتن , حضر جلسة روحيّة في عشرة كانون الثاني 1944 , وقد ضمّت عشرات الشهود ؛ منهم : الشيخ منير عسيران , والأطبّاء توفيق رزق , إنطوان جدعون , جورج خبصا , فريد أبو سليمان , نجيب العشّي , شاهين صليبي , والسيّدة روز صليبي , والسادة فرنسيس , أمين نمر , شريف البيضاوي ” مفوّض البوليس ” , جورج نجّار , طانيوس مجدلاني , وسواهم من سيّدات وسادة .
وفي الجلسة الروحيّة قال الدكتور داهش : ” من يريد شيئاً فليطلبه ” . فقال دانيال أوليفر : ” بما أنّ الحرب العالميّة , قائمة , فإنّ الإعانات الماليّة , التي كانت ترسل إليّ من أميريكا , لأجل الميتم , لم تصلني منذ أكثر من عامين , بسبب عدم وجود مواصلات مضمونة . لهذا أطلب أن تساعدني الروح , وتستحضر لي مبلغاً من المال الموجود في الجمعيّة بأميريكا , كي أستطيع الإستمرار في إيواء الأيتام في مدرستي ” .
وما كاد أوليفر ينهي كلماته , حتى قال له الدكتور داهش : ” مد يدك الى أيّ جيب من جيوبك , فتجد مطلوبك ” .
وأخرجت من جيوب أوليفر الأربعة 23 ألف ليرة سوريّة .
دخل المستشرق الإنكليزي منكراً وجود الروح , وخرج مؤمناً بأللّه والروح وقدرتها , وبالرسالة الداهشيّة .
صخرة تنتقل عشرات الكيلو مترات عجائبيّاً
وقصد , مرّة , الدكتور داهش , بصحبة الدكتور خبصا , ويوسف الحاج , وحليم دمّوس , غابة الشبّانية التي تبعد عن بيروت حوالي 30 كيلو متراً , حيث كان يملك يوسف الحاج أيضاً أرضاً . وجلس الجميع على صخرة يتجاذبون الحديث . وكتب دمّوس على الصخرة بيتين من الشعر هما :
جلسنا على صـخر وفي ظــلّ غابــة شربنا على ذكر ” المؤدّب ” ماءنــــا
أقول لصحبي ” والحبيب ” بجانبـــــي على صخرة الإيمــان نبني رجــاءنا
وبعد أن عادوا الى منزل الدكتور داهش , قال الرفاق الثلاثة له : ” حبّذا لو كرّرنا الجلوس معك على تلك الصخرة ” . فقال : ” وما يمنع أن نجلس عليها الآن , ما دامت هذه رغبتكم ؟ ” . فقالوا : ” وكيف يتمّ هذا الأمر والغابة في الشبّانيّة ونحن في بيروت ؟ ” فأجاب : ” أنظروا الى فضاء الغرفة ” . وإذا بهم يرون كتلة ضخمة تتهادى في هبوطها الّلطيف , حتى كأنّها قطعة قماش في الهواء . وما أن حطّت على أرض الغرفة , حتى أمسكوا بها ؛ فإذا هي صلبة لا تزحزح . وبعد أن تفحّصوها , ووجدوا عليها بيتي الشعر تأكّد لهم أنّها الصخرة نفسها التي جلسوا عليها . فخشعوا وجّدوا أللّه , وفهموا قول السيّد المسيح : ” لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل , لكنتم تقولون لهذا الجبل : إنتقل من ههنا الى هناك فينتقل , ولا يعثر عليكم شيء ” ( متّى 17 : 19 ) .
و بقيت الصخرة في المنزل الدكتور داهش , مدة طويلة , معروضة يشاهدها مئات الزائرين , حتى فتتها العمال , فيما بعد , وأخرجوها .
فكر بذهب مخبوء فأحضر الروح فوراً نماذج منه
و في إبان حملة الاضطهاد ضد الدكتور داهش , قرّر رئيس المجلس النيابي , صبري بك حماده , أن يزور الدكتور داهش , ليتثبت بنفسه من حقيقة خوارقه ؛ فعقدت له جلسة روحية , و كان الشهود يربون على الثلاثين ؛ بينهم النواب , يومئذ , السادة : أديب فرزلي , وديع شقير, و محمد بك العبود , و السيد بهيج بك الخطيب رئيس دولة سوريا السابق , و السادة فيليب أندراوس , و خليل بك معتوق , و جورج نجار , و الشيخ حسن المكي من علماء الأزهر , والسيدة غوين زوجة قنصل أميركا القديم , و غيرهم من سيدات وسادة .
التفت الدكتور داهش الى رئيس المجلس النيابي , و سأله ماذا يريد ؟ فطلب صبري بك استحضار شيء يفكر فيه و لا يقوله . فأجابه الدكتور داهش :” عرفت بما تفكر تماماً , فهل تريد إحضار الشيء الذي تفكر فيه بأكمله ؟ فإذا قلت : نعم , يحضر فوراً “. فأجاب رئيس المجلس : ” كلا, لا أريده بأكمله , بل أريد منه شيئاً كبرهان ملموس”؛ فقيل له :” إفتح كفك ” , ففتحها . ثم قيل له : ” أغلق كفك ” ؛ ففعل . و إذ فتحها , ثانية , وجد فيها خمسة دنانير ذهبية عثمانية قديمة التاريخ . و في غمرة الدهشة , سأله الحضور بماذا فكر ؟ فأجابه :” فكرت في صفائح خبئت في أراضينا , أثناء الحرب العالمية الأولى , و هي, كما فهمت , ملأى بالدنانير الذهبية ؛ لكنهم يجهلون مكانها تماماً “. و عندما سأله أحد الحضور :” لماذا لم تطلب استحضار الذهب بأكمله ؟” أجاب صبري بك : ” خوفاً من أن يوزع على الجميع , فيكون لي فيه شركاء”. و احتفظ رئيس المجلس بالليرات الذهبية شهرين , ثم عاد فباعها الى احد الصيارفة (32).
******
لقد ثبت بالبرهان المادي , و بألوف الشهود , أن الدكتور داهش , طوال نصف قرن , و هو يبهر العقول , و يحير العلماء والفقهاء بمعجزاته في جميع المجالات . و رغم عواصف الشكوك التي أثارها حوله المغرضون , و رغم الحملات العنيفة المشهرة التي قامت بها صحف رخيصة مأجورة , و رغم محاولات يائسة , مدّة عشرات السنين , لإظهار معجزاته بمظهر الخداع , باء جميع المتجنّين و المفترين الظالمين بالفشل , على كثرتهم و نفوذهم , وبقيت حقيقة الدكتور داهش ساطعة تصفع المستكبرين , و تنادي الجميع , و لا سيّما المخلصين لقضية الروح إخلاصاً حقاً , والصادقين في نشر الإيمان بالله بين البشر بدل الإلحاد .
لذلك , فالبحث في تعاليمه و معجزاته , أعتبره في رأس الأبحاث الملحة الضرورية , لأن لاشيء يمكن ان يصحح المفاهيم المنحرفة , و يعيد الإنسان الى القواعد الصحيحة مثله , و لا قوّة يمكنها ان تزرع الأمل في صحراء الحياة , كالقوّة التي تتجلى على يديه , إذا استطاعت العقول ان تتجه إليها جريئة , لإنقاذها , و إذا تمكنت النفوس من ان تتخطى التقاليد و المصالح المذهبية , لاستلهامها .
فعلى المخلصين الواعين أن يفسحوا الطريق أمامه ؛ فإن كان ما يأتي به بطلاناً و زوراً , فإن نصف قرن من الزمن لكاف لفضحه . و إن كان ما يأتي به حقيقة , فالويل ثم الويل لمن يعرقل سيره ,ويشوه نصاعته , لأن العبء الذي ستحمله الأجيال الآتية عنقه سيكون أثقل من حجر الرحى .
و لم يشهد التاريخ أن الحق , كان و لو مرة , يصدر عن الكثرة و ركام العدد . فالحقائق العلمية أعلنها أفراد قلائل لجمهور من الناس كانوا شكاكين بها , رافضين لها . أذكروا سقراط (33) و غاليليو (34) . و الحقائق الروحية أعلنها أفراد قلائل لبشريّة ضالّة قاومتهم و اضطهدتهم . أذكروا الأنبياء و المرسلين جميعاً . و الهداة القليلون, بين الكثرة الساحقة الضالّة , يبدون للكثرة كالمجانين . لكن هؤلاء المجانين هم الذين يخلّدون .
تلك كانت جولة سريعة في عالم المعجزات الداهشيّة . فلنطرق , الآن , باب العقيدة التي قدمها رجل الروح الى الراغبين في تفهّم الحقائق الروحية , و الاهتداء بها , من أجل خلاصهم .
القسم الثالث
الحقائق الروحية الداهشية
كان هذا القسم بمعظمه , في الأصل , محاضرة ألقيت في 21 أيار 1971
في قاعة الاحتفالات الكبرى في كلية الحقوق اللبنانية
من لبنان من بلاد أرز الربّ , أخاطب الإنسان الضائع , الهارب من قلق نفسه , ومن أشباح مأساته , الباحث دونما جدوى عن الطمأنينة . من أرض المشرق , أرض الأنبياء , أخاطب إنسانيّة أسكرتها كبرياء الإكتشافات العلميّة , وخدّرتها خمرة الأطماع , والشهوات الدنيويّة , فنزفت جراحها , واقترب الفناء الرهيب حثيثاً منها , وهي ما فتئت تظنّ أنّ نضارة الحياة ما زالت ملء جسدها .
للساعين وراء الحقيقة الهادية , وهي تهرب منهم , أقول : لو كانت الهداية في نظريّات المفكّرين , واجتهادات الفقهاء , وأراء الزعماء , والأرض ملأى بهم , إذن لسطعت شمسها , وتوحّدت إشعاعاتها , واطمأنّت في نورها العقول . لكن الحقيقة الهادية بعيدة عنهم , فهي ترفض النجزّؤ والتناقض , وتأبى أن تكون أوهاماً وافتراضات , ونتائجها شرّاً ورذيلة وفساداً , لأنّها وجود حيّ يجب أن يفعل فعلاً خيّراً في الفرد والمجتمع .
للباحثين عن السعادة في الإغراءات الجنسيّة , والمتع الحسّية , والأمجاد الماديّة , والإغراق في الرفاهية , أقول : لقد حان الوقت لتصحوا من خدركم , فتدركوا أنّكم تبصرون سراباً لا ماء , وتقبضون على جمر يحرقكم وأنتم لا تشعرون , وأنّكم تحاولون الهرب من كوابيس الفواجع الجاثمة فيكم وحولكم , بمجرّد إغماض العيون , وهذا منتهى الجنون .
فما الذي يبهر عيونكم , يا بني وطني وأبناء الأرض ؟
أمدنيّة غربيّة أم شرقيّة ؟ ومدنيّة العالم , اليوم , شجرة امتدّت فروعها , وتعالت أغصانها , حتى كادت تملأ الأرض وتلامس السماء , لكنّها شجرة إن بهرت البصر , بكت لها البصيرة , لأن لبّها بدأ ينخر , ونسغ الحياة فيها أخذ يجفّ , وجذعها يتهيّأ لضربة الفأس القاضية , وأغصانها تعدّ محرقةً للنار العظمى .
ما الذي يفتن عقولكم , يا بني وطني وأبناء الأرض ؟
أسفن فضائيّة تحطّ على القمر ؟ والظلم مستشر في نفوس البشر ! حقوق تؤكل , وأراض تغتصب , ومشرّدون يتعيّشون على البؤس والجهل والأحقاد ! وضعفاء بين أنياب وحوش أسياد ! أم تفتنكم مصانع جبّارة , وأسلحة قهّارة , ومختبرات عظيمة , ومكتشفات عجاب , ومبان تناطح السّحاب ؟ ونفوس الناس خراب يباب , والسيّد الآمر الناهي شريعة الغاب !
من الشواطىء التي أطلقت الحرف الى أرجاء المعمور , من المشرق الذي بزغت فيه شمس المسيحيّة والإسلام على العالم تبدّد الديجور , من مهبط الوحي العريق , تعود الحقيقة الروحيّة الحضاريّة الكبرى لتظهر , فتنبّه ضمائر الراقدين , وتبعث الأمل في قلوب اليائسين , وتزف عكّاز الهداية للعميان والمقعدين , وتقدّم خشبة الخلاص لركّاب سفينة الأرض الغارقين ؛ إنّها الحقيقة الداهشيّة .
فما هي الداهشيّة ؟
قبل أن أقدّم خلاصة عن حقائقها الروحيّة , لا بدّ من إيضاح .
في القسم الثاني من هذا الكتاب , ذكرت عدداً وافراً من خوارق الرجل العظيم , وكلّها محسوس دامغ الحجّة , ثابت على الزمن وفي الصور , مؤيّد بأسماء عشرات الشهود من الإختصاصيين والمثقّفين النابهين , وذلك يصفع شكوك المفترين المكابرين والمؤوّلين المعجزات الحقّة تأويل خداع أو إيهام .
إنّ المحاكم المدنيّة والجزائيّة تصدر حكمها في أيّة قضيّة – وقد يترتب على الحكم حياة أو موت – إذا ما تهيّأ لديها بضعة إثباتات مادّية وبعض شهود . وخوارق الدكتور داهش معروضة أمام محكمة العالم منذ نصف قرن ؛ وألوف هم الشهود الذين يؤكّدون صحّتها , وفيهم مدّعون عامّون , وقضاة كبار , ومحامون لامعون , وأطبّاء مشهورون , وأدباء , وأساتذة جامعيّون , وصحافيّون من مختلف الجنسيّات . أفلا يكفي هذا الحشد من الشهود لتتنبّه الضمائر الحيّة , وتتجرأ النفوس الشريفة فتعلن الحقيقة الروحيّة الكبرى , بصوت مدوّ في كلّ أنحاء العالم ؟ ! خصوصاً أنّ بين الشهود مئات ممن يجمعون الى الكفاءات الثقافيّة العالية سيراً نقيّة وأخلاقاً سامية ؛ إذ فضّلوا التخلّي عن مناصبهم ومكاسبهم المادّية , ودخول السجون , ومعاناة الإضطهاد والآلام , على أن يتخلّوا عن إيمانهم بحقيقة تيقّنت منها عيونهم , واقتنعت بها عقولهم , واهتزّت لها قلوبهم .
فإن كانت الكفاءة العلميّة لا يوثق بأهلها , والكفاءة المسلكيّة لا يطمأن الى شهادة أصحابها , فما الذي يجعلنا نؤمن بالحقائق العلميّة وهي ألوف , ولم يختبرها منّا إلاّ القلائل ؟ إذ من يجرؤ على الزعم بأنّه قاس سرعة النور بنفسه , وفحص تكوين الذرّة بعينه , وحلّق بين الكواكب , وغاص في أعماق البحار , ودرس ما فيها من أسرار , مطّلعاً بنفسه على كلّ الحقائق العلميّة التي يسلّم بها دونما جدال ؟ !
وما الذي يجعلنا نؤمن بمعجزات السيّد المسيح ؟ ونحن لم نر منها معجزة واحدة , ولم يخبرنا بها أحد من المؤرّخين أو المعارضين , إنما عدد قليل جدّاً ممن آمنوا بها , بعد أن رأوها أو سمعوا عنها !
إنّ المنطق السليم يجعلنا نؤمن بالحقائق العلميّة كما نؤمن بمعجزات المسيح , لأنّ الذين خبروها وشهدوا لها كانوا يتمتّعون إمّا بكفاءة ثقافيّة أو بأمانة خلقيّة , فكيف بنا والشهادات على معجزات الدكتور داهش تتواتر وتتكاثر حتى الألوف , ومن أنصاره وأخصامه على السواء , ومن عدد كبير من الذين يجمعون العلم الرفيع الى الخلق النبيل ! وكيف بنا ورجل الخوارق ما زال حيّاً بيننا , يستقبل عشرات الوافدين يوميّاً , فيصوّر عجائبه المصوّرون , ويحتفظ بإثباتاتها المادّية الزائرون , ويخرج الكافر من لدنه مؤمناً باللّه وأنبيائه دونما تفريق , ويخرج المعاند المكابر شاهداً لحقيقة المعجزات , وإن لم يؤمن , لعلّة فيه , بدعوة صاحبها . ولا عبرة بقلّة ممن زاغت قلوبهم , وعميت عيونهم , واستؤجرت أقلامهم , فآثروا الباطل على الحقّ ؛ فدولة الباطل ساعة , ودولة الحقّ الى قيام الساعة .
ومع ذلك , فما دام الرجل بيننا , فلكم الحقّ في أن يكون إيمانكم كإيمان توما مبنيّاً على اللمس . فقد سعينا وتيقّنا , فما عليكم إلاّ أن تسعوا لتتيقّنوا . ولكن , ” طوبى للذين آمنوا ولم يروا ” ( يوحنا 20 : 29 ) , كما قال سيّد المجد .
من المعجزات التي ثبتت , إذن , لدى الألوف , ننطلق لإعلان الحقائق الروحيّة الداهشيّة , فيكون سيرنا , لا في فضاء النظريّات والتخمينات الفلسفيّة أو اللاهوتيّة , بل على أرض الواقع الصامد .
الحقائق الداهشيّة
لئن استطاع العلماء أن يكشفوا عن بعض أسرار الوجود , فما يزال مغلقاً دونهم ما لا يحصى منها . ولذا فهم يقفون وسط بحار المجهول المحيطة بهم حائرين خاشعين .
لقد أثبتوا , بعد مراجعات كثيرة , وتجارب طويلة , وجهود جبّارة , أنّ الجماد ليس جماداً , فالحركة تحييه , كما تحيي غيره من أنواع الكائنات , وأنّ في أساس تكوينه , كما في أساس تكوينها , الطاقة الكهربائيّة المغنطيسيّة , وأنّ هذه الطاقة لا تفنى , فهي محفوظة في الكون .
ولكن , ما سرّ هذه الطاقة ؟ وما مصيرها بعد زوال مظاهرها المحسوسة ؟ وما صلة الإنسان الجوهريّة بغيره من الكائنات ؟ وكيف تتطوّر الحياة ؟ وماذا قبل الولادة وبعد الممات ؟ هذه الأسئلة ومتفرّعاتها , ما برح العلم عاجزاً عن الإجابة عليها .
أمّا الإجتهادات الفلسفيّة , والتأويلات المذهبيّة , فتناقضاتها تزيد الإبهام والبلبلة , وقيمتها تلزم صعيد التخمينات والنظريّات , فلا تكتسب قوّة الحقائق الواقعيّة .
وهنا خطورة معجزات داهش , فهي تستبق العلم في ما تزفّ الى المعرفة البشريّة من فضّ أسرار وإيضاح غوامض , وفي ما تهدي الى الحائرين من أمر دينهم ودنياهم نوراً ساطعاً يضيء لهم الطريق .
حتى الأمس القريب , كان العلم هو السبّاق , والمذاهب الدينيّة تحاول اللحاق به , جاهدة مرغمة . حسبنا الإلماع الى مأساة غاليليو ( 1564 – 1642 ) , ومقاضاة محكمة التفتيش الكنسيّة الرومانيّة لتقدّم المعرفة بمقاضاته , كما الى الحكم الذي أصدره بيوس العاشر , سنة 1907 , ضدّ الحركة العلميّة الحديثة .
أمّا اليوم , فالمعجزات الداهشيّة هي التي تطرح التحدّي على العلم , فيجري وراءها لاهثاً . ذلك بأن الداهشيّة ليست نظريّات وافتراضات , بل حقائق روحيّة مدعومة بالبراهين المحسوسة . وللمرّة الأولى في التاريخ , يرفع القناع عن المجهول بهذه القوّة والعظمة .
فما هي خلاصة هذه الحقائق ؟
يمكن إجمالها بخمس :
1 – وجود الروح وخلودها .
2 – السيّالات الروحيّة هي نسيج الكون وقوام كائناته .
3 – السببيّة الروحيّة والجزاء العادل .
4 – التقمّص .
5 – وحدة الأديان الجوهريّة .
الحقيقة الأولى :
وجود الروح وخلودها
الكتب الدينيّة كلّها تحدّثت عن وجود الروح , كذلك أكثر الفلاسفة . ومع ذلك , فليس من عصر شاع فيه الإلحاد والتشكيك بوجودها كهذا العصر . ذلك بأنّ الناس باتوا لا يؤمنون بالمجرّدات . فهم يطالبون بإثبات ماديّ لوجود الروح يكون بمستوى العصر , لآنّ العلم المنتشر في أرجاء المعمور رسّخ في أذهانهم منهج التحقّق الماديّ الإختباريّ .
وليس ثمة من برهان ماديّ ساطع على وجود الروح إلاّ المعجزة . فهي ” بخرقها ” قوانين الطبيعة الأزليّة التي تحكم البشر جميعاً , تثبت أنّ القدرة التي تصنعها لا يمكن أن تكون قدرة بشريّة . فأعظم الإختراعات , وإن تكن الصواريخ والسفن الفضائيّة , لتبدو ضئيلة باهتة لصاحب البصيرة النيّرة , حيال أيّة معجزة من أي نوع كانت . ذلك بأنّ المنجزات العلميّة ليست سوى أعمال بشريّة يستفيد بعضها من بعض , ويبنى أللاحق منها على السابق , ومهمّتها محاولة الكشف عن المزيد من أسرار الطبيعة والإستفادة منها ؛ وهي لا تستطيع خرق قوانينها , بل تجاريها . وكلّ إنسان بوسعه القيام بالأعمال العلميّة إذا ما راعى الشروط والظروف والوسائل المادّية المقتضاة . أمّا المعجزة فليست من قدرة البشر , وإن احتشد لها علماؤهم من جهات الأرض الأربع .
فهل إستطاع الأطباء , على التقدّم العظيم الذي حقّقوه , أن يشفوا أيّة علّة أو إصابة عضويّة بغير عقاقير , أو دونما لجوء الى عمليّات جراحيّة لدى الإقتضاء ؟ هل إستطاعوا أن يقفوا , مثلاً , أمام برصاء متهرّئة اللحم ويقولوا لها : فلتشفي . وتشفى على الفور ؟
أو هل يستطيع العلماء مجتمعين أن يحوّلوا ورقة يانصيب خاسرة الى ورقة رابحة بمجرّد أمرها ؟ أو أن يكوّنوا صحيفةً , قبل صدورها , بعدّة أيّام , بمجرّد قولهم : كوني , فتكون ؟
ذاك لم يحدث ولن يحدث , لأنّه لو جرى , لخرج الإنسان عن طبيعته البشريّة , وأصبح إلهاً , أو روحاً تطيعه المادّة وتخضع له القوانين التي ما أرادها أللّه تخضع إلاّ لمشيئته , لأنّه مبدعها وحافظها .
أمّا الدكتور داهش فقد إستطاع ذلك , ويستطيعه يوميّاً , لكن ليس بقدرته البشريّة , بل بقوّة الروح العليّ الذي اتّخذه إناءً مختاراً , ليصنع معجزات الهداية , على يديه .
وفي القسم السابق من هذا الكتاب , ذكرت مفصّلاً عشرات المعجزات الملموسة الدامغة التي إجترحها رجل اللّه , أمام مئات من الشهود المثقّفين الكفوئين , مما يدع أعاظم العلماء والمفكّرين , في حيرة وذهول , خاشعين عاجزين .
فإزاء هذه الخوارق لا يسع ذا البصيرة النيّرة إلاّ التسليم بوجود قوّة روحيّة تتخطى القدرة البشريّة , وتخرق القوانين الطبيعيّة وتهيمن على الكائنات , تماماً كما يسلم المرء بوجود الطاقة المغنطيسيّة من جرّاء ملاحظته تأثير جاذبيّتها على بعض الأجسام , مع أنّه لا يستطيع القبض على الطاقة المغنطيسيّة .
فإذا ما زدنا الى خوارق الدكتور داهش التي لا تحصى , مئات من النبوءات سلّمها الى مئات الأشخاص , إزداد يقيننا بوجود هذه القوّة الروحيّة المتفلّتة من قيود الزمان والمكان التي تكبّل كلّ بشريّ .
ثلاث نبوءات تتعلّق برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة
ومن هذه النبوءات ثلاث تتعلّق برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الأسبق , بشارة الخوري :
الأولى , سلّمت الى عقيلته السيّدة لور في 13 تشرين الثاني 1943 , إثر إلقاء السلطة الفرنسيّة القبض عليه ؛ وذلك بعد توسّلها الى الرجل الخارق لإطلاعها على مصير زوجها , وذلك بواسطة شقيقتها الأديبة ماري حدّاد التي كانت آمنت بالرسالة الداهشيّة . وممّا جاء فيها أنّ بشارة الخوري سيعود الى الحكم في 22 تشرين الثاني 1943 , مع إيضاح ملابسات الأحداث التي ستجري .
والثانية نشرتها جريدة ” الصحافيّ التائه ” في 20 شباط 1944 ؛ وخلاصتها أنّ إضطهاداً سيشنّه بشارة الخوري على الدكتور داهش , وسينزل جزاء روحيّ بالمضطهد , وذلك بكسر يده من كتفه , فيضطرّ الى قصد القدس للإستشفاء , في 15 شباط 1945 . وقد تمّت النبوءة بحذافيرها , مع العلم أنّها نشرت , قبل نحو عام من وقوع أحداثها .
والثالثة تكشف تاريخ موت بشارة الخوري , وقد اطّلعت عليها إبنته السيّدة هوغيت كالان بواسطة صديقتها السيّدة وداد نفّاع .
ولو أردنا تفصيل كلّ النبوءات الداهشيّة لملأنا بها مجلّداً . حسبنا الإلماع الى نبوءاته بفوز الأستاذ بشير العثمان في الإنتخابات النيابيّة , مع ذكر عدد الأصوات التي سينالها , وسقوط السيّد محسن سليم , ومصرع الرئيس الأميركيّ جون كندي , وقد تسلّم النبوءة به عشرات الأشخاص , منهم المحامي والوزير السابق إدوار نون , وذلك قبل مقتله بمدّة طويلة (35) .
كلّ تلك الخوارق والنبوءات تلزم الواعين من البشر الإيمان بوجود الروح وقدرتها . وذلك يستتبع , لزاماً , التسليم بثلاثة أمور :
1 – الإيمان بوجود اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ الروح تشهد له , فهي نفثة إلهيّة من ذاته , لا يشوبها دنس , ولا يلطّخها أيّة كثافة ” مادّيّة ” . وهو مبدعها ومعادها . ولأنّها من جوهره الخالد فهي خالدة .
2 – الإيمان بوحدة الأديّان ؛ لأنّ روحاً عليّاً واحداً أوحاها , وغاية سامية واحدة حرّكتها ؛ وبالتالي السعي نحو تحقيق هذه الوحدة في وجود واقعي حيّ .
3 – التسليم بمعرفة الروح الخارقة المحيطة بالأسرار كافّة , والعمل بإرشاداتها الخيّرة .
ومن إرشادات الروح ألاّ يضيّع البشر وقتهم في البحث عن جوهر الألوهيّة , والأختلاف حولها ؛ لأنّ من ولدوا في الأرض لم يعطوا أن يعرفوها . ولسان حال الداهشيّين , إزاء هذا الأمر , قول هاديهم :
إستسلام
عبثاً يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الألوهيّة .
فحوادث الدهور قد مرّت وهي تواكبهم ,
والقبور فغرت أفواهها , وضمّت من الأنام مواكبهم ,
الكلّ فان ؛ وليس من خالد سوى اللّه والسماء ,
ومقاصده الخفيّة في خلقنا خفيت حتى على الأنبياء .
فلنخشع , ولنضرع , كي نرتع في جنّاته السّرمديّة (36 ) .
الحقيقة الثانية :
السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته
و السيّالات الروحية تعني قوى إشعاعية حية غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم الماديّة .
و السيّالات جميعها ذات إدراك و إرادة و نزعات , لكن على درجات متفاوتة .
و قد تأكد لنا , من مئات المعجزات التي شاهدناها و شاهد مثلها الألوف غيرنا , أن السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته ؛ هي الجوهر الخالد الذي يوحد الموجدات , و إن اختلفت مظاهرها المحسوسة . و ليست الطاقة الكهربائيّة المغنطيسية التي اكتشف العلم أنها في أساس الوجود كله إلاّ صفة من صفاتها .
فخصائص الحياة النفسية ليست في الإنسان فقط , بل هي أيضاً في الحيوان و النبات و كل ما يسمى ” مادة ” .
ووجود السيّالات في البشر , على تفاوت في العدد , و الميزة , و الدرجة , بين فرد و فرد , هو الذي يسبب تباين القدرات الجسدية والعقلية , و اختلاف الميول و المواهب النفسية عندهم . كما إن انسجامها و سموها في الإنسان يبعثان السلام و الاتزان في نفسه , وتناقضها و انحطاطها يسببان الاضطراب و الاختلال . كذلك , فإلى تشابهها أو تباينها , في الأشخاص و الجماعات , يعود التجاذب والتحابّ , أو التنافر و التباغض .
هذه القضايا البشرية , ما يزال المشتغلون في علم النفس يحاولون الوصول الى تفسيرها , جاهدين , من غير أن يطمئنوا الى رأي صائب يتفقون نهائياً عليه , بينما أدركت الداهشية حقيقتها و سرها من زمن بعيد.
و قد أتيح لي , كما لكثيرين غيري , أن نتيقن من أن الفناء الذي يطرأ على الأشياء , إنما هو تبدل محصور في مظهرها الحسي النسبي , و لا يمس جوهرها الحي .
فمراراً كنا نحرق أشياء مختلفة , بينها أوراق مالية , و سندات أو صور أو مخطوطات , أو تحطم أمامنا كؤوس بلوريّة و ما أشبه , ثم يعيد الدكتور داهش تكوينها , كما كانت , بلمح البصر , و بقوة الروح العليّ . و شهود هذا النوع من المعجزات يعدون بالمئات . أكتفي منهم بذكر النائب السابق محسن سليم , و الأديب جورج حداد , و الوزير السابق المحامي إدوار نون , و السيدة ناديا غبريال , والسيدين أنجلو بولو و امين نمر . وسبق أن فصّلت في القسم الثاني من هذا الكتاب , معجزة إحياء العصافير الميتة أمام الشيخ منير تقي الدين و الصحافي إسكندر رياشي.
فهذه المعجزات التي تعيد الحياة الى الميت , و الشيء الذي احترق أو تحطم , الى وجوده السابق نفسه , إنما تؤكد أن السيّالات الروحيّة خالدة , سواء أكانت في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد .
أما الحقيقة الأغرب التي أوضحتها الداهشية , فهي أن كل كائن , بل كل عمل أو رغبة أو فكر , يكون لها نموذج حي او صورة أو تسجيل تحفظ روحياً في عوالم خاصة , كشهود على حياة الكائن و سلوكه و أعماله . و إيضاح ذلك يتم في المعجزات التالية :
حمامة نوح تعود الى الأرض
في 11 حزيران 1943, عقدت جلسة روحية كان من حاضريها الأديب جوزف حجار , و عقيلته السيدة آندره , و مؤرخ الوقائع الداهشية حليم دمّوس .
و ما إن ارتعش داهش بالروح , حتى سمع الحاضرون حفيف أجنحة خفيّة , سرعان ما تبعه تجسد حمامة ناصعة البياض ظهرت في فضاء الغرفة المغلقة , و حطت على كتف السيدة آندره , و في منقارها عرق زيتون أخضر يقطر ماء .
و قد أوضحت الروح , بفم الدكتور داهش , أن هذه الحمامة إنما هي حمامة نوح نفسها . و قد حفظ سيّالها , بعد موتها , في عالم روحي خاص . و كذلك عرق الزيتون , و الماء الذي يقطر منه , حفظ سيّالاهما , أيضاً , بعد زوالهما . وهكذا كل موجود بعد تلاشيه .
و مكثت الحمامة في منزل الرسالة الداهشية ما ينيف على ستة أشهر , كانت في أثنائها تطير من غرفة الى أخرى , و تحط على أكتاف الزائرين , و تأكل من أيديهم بطمأنينة , حتى إذا حل صباح 27 كانون الأول 1943, شاهد المجتمعون في المنزل , تلك الحمامة العجيبة تحوم فجأة حول رأس رجل الروح , ثم تمضي تحوم فوقه مصعدة في فضاء الغرفة , و حجمها يتضاءل شيئاً فشيئاً , حتى تصبح بحجم النحلة محتفظة بشكل الحمامة ؛ و تستمر تصغر , حتى تعجز العيون عن إبصارها . و هكذا تعود الى العالم الذي هبطت منه .
كذلك , فعشرات هي المرات التي كان يفاجأ فيها زائرو الدكتور داهش باطلاعهم عنده على أحاديثهم مسجلة بحرفيتها , و أفكارهم الصامتة مدونة بخلجاتها , و أوضاعهم المختلفة مصورة بتفاصيلها. ذلك ما جرى مع السيدة رسمية الحريري و زوجها , و السيدين شفيق المقدم و مصطفى الخطيب , و الآنسة إيلين ضاهر و شقيقها نقولا , و غيرهم كثيرين . مع العلم أنهم كانوا , ساعة حديثهم أو تفكيرهم أو عملهم , منفردين في منازلهم , بعيدين عنه .
بهذه المعجزات وحدها نفهم معنى الآية القرآنية :” و إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه , و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم ” (الحجر : 20 ) , و الآية القائلة : ” يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون ” (النور:24). كما يتحقق أمامنا ما قاله السيد المسيح :” أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس يعطون عنها جواباً في يوم الدين ” ( متى 12: 36). و يضيء في أذهاننا قوله تعالى : ” أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم و نجواهم ، بلى و رسلنا لديهم يكتبون ” ( الزخرف : 80).
الحقيقة الثالثة :
السببيَّة الروحيَّة و الجزاء العادل
إن الأحداث اليومية التي تقع , من مرض و موت و خسارة , أو شفاء و نجاة و ربح , و غير ذلك , يعللها معظم الناس بأسبابها المادية المباشرة , و إن جهلوها فبالصدفة . فإن تدهورت سيارة , مثلاً , و قتل فيها فرد , و جرح ثان , و سلم آخر, عللوا اختلاف مصاير الركاب بالصدفة , أو بأسباب مادية محضة .
و فضل المعجزات الداهشية أنها توضح أنها مصاير البشر ونتائج أعمالهم تشرف عليها قوة روحيّة عادلة حكيمة مدبرة , لا يفوتها شيء , مهما صغر و دق , و لا يعجزها أمر , مهما عظم وتعقد .
فالصدفة لا وجود لها , على الإطلاق . و السببية قانون كوني شامل ؛ لكن الإنسان لا يدرك منها سوى الوجه المحسوس , أو الذي يستطيع عقله وعيه , بينما تبقى العلة الحقيقية , و هي دائماً علّة روحية , محجوبة عنه . فالمرء , سواء مات في فراشه ميتة هنيئة , أم في حرب , أم إثر حادثة معينة , فتحديد أجله إنما يكون بموجب نواميس روحية , وفق استحقاقاته و درجة سيّالاته . فأن حان أجله , فاجأه الموت أينما كان , و لم يعصمه حصن , و لا بحر , و لا طبيب , في أي مكان. و إذا لم يحن أجله أنقذ مما لا ينقذ منه سواه .
و بغية الإيضاح الواقعي, سأعطي مثلين عجائبيين:
بطيختان ترتفعان ثم تسقطان بصورة عجائبية
خلاصة المعجزة الأولى انه بينما كان الدكتور خبصا بصحبة الدكتور داهش وراء صيدلية حمادة في بيروت , إذا برجل الخوارق يرتعش بالروح و يخاطب رفيقه قائلاً :” أنظر الى هذا البائع الجوال” . و كان إزاءهما على بضعة امتار بائع أمام عربة عليها بطيخ . فأشار الدكتور داهش بيده , فإذا بطيخة ترتفع في الهواء , وتقع على الأرض محطمة . ثم أعاد الإشارة , فارتفعت بطيخة أخرى, و سقطت محطمة . فسأله الدكتور خبصا , متأثراً : ” لكن لم ذلك ؟ فهذا البائع مسكين , و هذه الخسارة تكلفه غالياً “. فأجابه الروح العليّ بفم الدكتور داهش :” أجريت ذلك أمامك , لأعلمك أن العدالة تجري على جميع الكائنات , كبيرها و صغيرها , بصورة طبيعية , من غير أن ينتبهوا لكيفية سيرها . فهذا البائع ربح أكثر مما يجب له في هذا النهار , و ربحه غير الحلال , و إن يكن ضئيلاً , خسره بتحطم البطيختين . و لو لم أرك ذلك بالمعجزة , لتتنبه , لكانت العربة سقطت في حفرة من غير انتباه صاحبها , و لتدحرجت البطيختان نفسهما من فوقها و تحطمتا “.
هذه المعجزة , و كثير من أمثالها , وضحت للداهشيين أن ما يزرعه الإنسان يحصده , و أن أعمال البشر جميعاً , وعلاقاتهم بعضهم ببعض , تترتب عليها نتائج من شأنها أن تقيم العدل الإلهيّ بينهم .” فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره , و من يعمل مثقال ذرة شراً يره”(سورة الزلزال:7- 8) و ” إن الله لا يظلم مثقال ذرة ” ( سورة النساء:40)
أما المعجزة الثانية فتوضح كيف تتم المساعدات الروحية وفق استحقاق أصحابها .
سيارة تخترق شاحنة دون أن تصاب هي أو ركابها بخدش
في 3 آب 1964, زار السيد شفيق المقدم الدكتور داهش بصحبة عقيلته السيدة رباب و شقيقتها .و كان في الجلسة آخرون .
فارتعش رجل المعجزات بالروح و قال لشفيق :” إن حادثاً فظيعاً سيقع لك و لأسرتك قريباً , و لكن لا تخف, فإني سأطلب مساعدة روحية من العناية الإلهية لرفع الخطر عنك .” و طلب الدكتور داهش الى الدكتور أبي سليمان الذي كان حاضراً , أن يرسم الرسم الداهشي المقدس, و يضمنه دعاءً لله عز و جلّ , لرفع الخطر. ووقع الحاضرون جميعاً أسماءهم على الدعاء.
و بعد ثلاثة أيام من هذه الزيارة , و عند الساعة الحادية عشرة و النصف ليلاً , بينما كان السيد مقدم عائداً مع بعض أفراد أسرته من النبطية , (37) , في سيارته البويك , و هو يجري بسرعة كبيرة تتراوح بين 120 و 140 كلم في الساعة , وصل الى منعطف خطر , فحاول أن يخفف السرعة , لكنه فوجئ , بعد نحو خمسة أمتار من المنعطف , بشاحنة كبيرة واقفة في عرض الطريق الضيق , بسبب عطل طرأ عليها , و امامها بقعة موحلة , و كان الطريق مسدوداً بها, و على أحد جانبيه , صخور عالية , و في الجانب الآخر هاوية . وفقد شفيق السيطرة على سيارته , ووجد نفسه وجهاً لوجه , أمام موت رهيب. و زعق الجميع للمشهد الفظيع , و للمصير الرهيب المنتظر , و برق في رؤوسهم الدكتور داهش ووعده بتخليصهم من الكارثة المتوقعة. و شاهدوا سيارتهم تصطدم بسرعة فائقة بالشاحنة , ويتقصف المعدن أمامهم , و يتحطم الزجاج , و يحسّ السائق بالصدمة في صدره ؛ كل ذلك في ثانية , و في ثانية أخرى , كانت السيارة و ركابها في الجانب الآخر أمام الشاحنة . لقد تمت المعجزة , و أنقذت الأسرة من الموت الشنيع , بإذن الله , و مساعدة رجل الله. فاخترقت السيارة بصورة روحية إعجازيّة الشاحنة , من غير أن تمسّ بخدش واحد , لا هي ولا ركابها . فحمد الجميع الله و مجّدوه , وازدادوا يقيناً و إيماناً بالدكتور داهش و بصحّة رسالته . (38)
فأية قدرة في العالم تستطيع فعل ذلك ؟ أن تجعل كتلة عظيمة من الحديد تخترق كتلة أخرى من غير خدش يصيبها ؟ أن تسحق المعدن على اللحم و العظم , فيعلك البشر و سيارتهم في صدام رهيب , ثم ينجوا من الموت المحتوم , و لا جرح في أجسامهم ! إنها قدرة الله , وحده سبحانه , تتجلى على يدي عبده و مصطفاه داهش العظيم .
هذه المعجزات و امثالها تجعلنا ندرك معنى قول السيد المسيح : ” أليس عصفوران يباعان بفلس , و مع ذلك فواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم . و أنتم فشعر رؤوسكم جميعه محصى , فلا تخافوا , فإنكم أفضل من عصافير كثيرة” ( متى 10: 29 – 31) . كما تجعلنا نفقه معنى الآية الكريمة: “و لكل أمّة أجل , فإذا جاء أجلهم , لا يستأخرون ساعة , و لا يستقدمون ” ( سورة الأعراف : 34) .
الحقيقة الرابعة :
التقمُّص
لقد أدرك حقيقة التقمص فلاسفة عديدون , منهم فيثاغورس وافلاطون , و آمن بها , اليوم , مفكرون كثيرون , بينهم نابغة لبنان , جبران خليل جبران . و كانت عقيدة التقمص قوام البوذيّة و الأديان الهندوسيّة عامة . و صرح بها القرآن الكريم , دونما تفصيل في قوله : ” كيف تفكرون بالله , و كنتم أمواتاُ فأحياكم, ثم يميتكم , ثم يحييكم , ثم إليه ترجعون ” ( سورة البقرة : 28 ) , و في آيات كثيرة أخرى اعتمدتها عدة مذاهب إسلامية شيعية , أو درزية , لإعلان إيمانها بالتقمص. كما ألمع إليها السيد المسيح في مواقف كثيرة , منها قوله لتلاميذ يوحنا المعمدان الذين سألوه عمن يكون معلمهم , فقال لهم : ” إذا أردتم أن تقبلوا فهو إيليا المزمع أن يأتي ” ( متى 11: 14) , و كذلك جوابه لتلاميذه , بعد ان سألوه لماذا تقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً ؟ فقال لهم : ” إن إيليا قد أتى , و لكنهم لم يعرفوه , بل صنعوا به كل ما أرادوا… ففهم التلاميذ , حينئذ , أنه عنى بكلامه يوحنا المعمدان ” ( متى 17 : 12 و 13 ) .
لكن الداهشيين إن آمنوا بما أنزل في الكتب المقدسة , فهم يدعمون إيمانهم بمعجزات محسوسة تؤكد التقمص , بانتقال السيّالات الروحية من جسد الى آخر في الأرض , إنساناً كان أو حيوان او نبات أو جماداً.
فمن الحقائق التي تكشّفت في الجلسات الروحيّة الداهشيّة أن يسوع الناصري هو أحد تجسّدات المسيح الكثيرة في الأرض . وسيّالات المسيح هي التي صنعت الحضارات الإنسانيّة , و ما تزال تصنعها . و هي متغلغلة في الرسل و الانبياء من مثل إبراهيم وموسى و داود و سليمان و محمد … كما في الحكماء و الهداة من مثل بوذا و كونفوشيس و لاوتسو و سقراط و ديوجينس و غاندي… و ما كان يتاح للدكتور داهش أن يؤسّس الرسالة الداهشيّة , و يعقد الجلسات الروحيّة التي تتجلى فيها الأرواح العلويّة , و تصنع المعجزات , لو لم يكن بعض سيّالات المسيح .
كذلك فقد انتقلت بعض سيّالات الإسكندر الى نابوليون الأول , وبعض سيّالات الأخير الى هتلر ؛ كما انتقل بعض سيّالات ابراهّام لنكولن الى جون كندي , و بعض سيّالات رعمسيس الثاني الى صلاح الدين الأيوبي ثم الى جمال عبد الناصر(39) .
يقول مؤسس الداهشية نظريتنا في التقمص هي الآتية :
إن الأديان قاطبة تقول , بل تؤكد أن الإنسان يولد على هذه الأرض , و في أثناء حياته الأرضية يقوم بأعمال صالحة و أخرى طالحة . و عندما يتوفاه الله , يذهب الى النعيم إذا كانت أعماله صالحة , أو الى الجحيم إذا كانت أعماله شريرة . و يعمّر الإنسان 70 أو 80 أو 90 عاماً. و من هذه الاعوام , يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم , و 4 سنوات بالمرض , و 15 عاماً هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . إذاً الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .
” و من المؤكد أنه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثالياً , إذ إن دنيانا حافلة بشتى المغريات التي تسقطه في أشراكها التي لا ينجو منها ناج . فالمرأة له بالمرصاد , تستهويه فيندفع في خضم الشهوات العارمة , و حب المال يكبله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده , والعظمة, و حب الوجاهة , و الكبرياء الخ… جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكد .
” إذا! بالنسبة لما أكده مؤسسو الأديان , سيذهب البشر جميعهم الى جهنم النار المتقدة , و يمكثون مخلدين فيها من دهر الى دهر , و من أزل الى أبد . و هذا أمر غير جائز إطلاقاً , و ظلم رهيب؛ فرحمة الله عظيمة و عميقة . لهذا أعطانا فرصة إصلاح أنفسنا والإرتقاء بأرواحنا , فمنحنا نعمة التقمص . و ربما أعطانا إياها 6000 مرة نعود فيها الىعالم الأرض , لنتغلب , في خلال هذه التقمّصات الألفية , على ضعفنا البشري , و الأرتقاء بأرواحنا لنبلغ جنة النعيم .
” ففي خلالا هذه التقمّصات الستة آلاف , ممكن لأي بشري أن يحسن سلوكه في خلال دوراته الحياتية , و تكرار ذهابه و إيابه . فإذا تكرر مجيئه 6000 مرة , و بقيت أعماله شريرة , إذاً يستحق , إذ ذاك , أن يخلد في جهنم النار الخالدة بنيرانها , و هذا يكون عدلاّ و حقاّ “(40) .
كذلك يمكن أن تتجاوز السيّالات الأرض , في انتقالها من تقمّص الى آخر , فتنتقل الى كوكب علويّ أو سفليّ , حسب درجة إستحقاقها.
فعشرات هم الأشخاص النابهون , من مؤمنين بالداهشيّة أو غير مؤمنين , الذين شاهدوا الدكتور داهش عدّة شخصيّات , أي عدّة كائنات هي شبهه تماماً . وهي تجالسك وتحادثك ؛ لكنّها مع ذلك , ليست كائنات بشريّة , بل هي إمتدادات روحيّة لداهش تحيا في كواكب علويّة متفرّقة من الكون , ودرجتها الروحيّة تفوق درجة البشر الى حدّ بعيد , ولذا فهي لا تخضع لنواميس الأرض , (41) .
وليست تجسّدات السيّالات غير الأرضيّة مقصورة على شخصيّات الدكتور داهش , فقد حصلت تجسّدات أخرى عديدة أمام شهود كثيرين , ذكرت منها في القسم الثاني , من هذا الكتاب , تجسّد ندى (42) , وأكتفي , هنا , بذكر أحدها “
أحد سكّان الكواكب يتجسّد
في مطلع آب 1942 , كان الدكتور داهش برفقة الأديب يوسف الحاج , والشاعر حليم دمّوس , في منزل الأخير في رأس بيروت . وفي الساعة العاشرة ليلاً , إنتصب رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها الى السماء المتألقة بالنجوم . وما هي إلاّ لحظات , حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب وتتكاثف تدريجيّاً , الى أن إنجلت أخيراً عن كائن أشبه بالبشر , إنّما أحمر الوجه , نافذ النظرات , متألّق المحيّا ؛ وأخذ يحدّثهم بسرعة عجيبة , ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئاً . فتقّم الدكتور داهش , ورسم الرمز الداهشيّ المقدّس على فمه , فطفق يتكلّم العربيّة .
ومما قال : ” إنّه أحد سكان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة , وسبق أن كان أحد أبناء الأرض , منذ بضعة آلاف من السنين . وما أن مات , مخلّفاً جسده طعمة للديدان , حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ ” . وبعد أن حدّثهم بأمور خطيرة كثيرة , أخذ يتلاشى , أمامهم تدريجيّاً , حتى غيّبه المجهول .
بهذه المعجزات التجسّديّة أصبحنا نفهم ما عناه السيّد المسيح : ” إن في بيت أبي منازل كثيرة ” ( يوحنا 14 : 2 ) , وما قصده بولس الرسول : ” ومن الأجساد أجساد سماويّة وأجساد أرضيّة . ولكن مجد السماويّات نوع , ومجد الأرضيّات نوع آخر , ومجد الشمس نوع , ومجد القمر نوع آخر , ومجد النجوم نوع آخر ؛ لأنّ نجماً يمتاز عن نجم في المجد ” ( كورنثوس الأولى 15 : 40 – 41 ) . كذلك إتّضح معنى الآية الكريمة : ” فلا أقسم بمواقع النجوم , وإنّه لقسم لو تعلمون لعظيم ” ( الواقعة : 75 و 76 ) .
فالحياة تعمّ الكون بأسره , ذلك بأن الحياة هي المبرّر الوحيد لأي وجود . وما النعيم والجحيم سوى الكواكب والنجوم كلّها مرئيّها وغير مرئيّها . وتنقسم بلايين النجوم والكواكب الى 150 درجة علويّة و150 دركة سفليّة ؛ وتكوّن الدرجات عوالم النعيم , والدركات عوالم الجحيم . وكلّ درجة أو دركة تشتمل على ملايين الأجرام الماديّة ؛ كلّ جرم منها له أنظمته الخاصة وطبيعته وسكّانه . وفي سلم الحضارات الكونيّة يستوي الكوكب الأرضي على عتبة الدركات السفليّة .
وقد حان الوقت لندرك بفضل الداهشيّة , أنّ الإنسان ليس مقياس الحياة , كما كان يظن ّ , ولا حتى مقياس مظاهرها العاقلة , ولا هو ذروة تطوّرها , إنّما الإنسان كائن بسيط ضعيف , ومظهر متخلّف نسبيّاً من مظاهر الحياة الكونيّة التي لا حصر لها . وعليه أن يعرف حدّه وقيمته في سلّم الحضارات الكونيّة التي لا يستطيع أن يرقى الى عظيم مجدها ومعرفتها وقدرتها ونقاوتها وسعادتها , حتى بالخيال . فإذا ما أدرك أن ميوله وأعماله في حياته السابقة هي التي أوصلته الى هذه المرتبة الذريّة بين الكائنات السامية , توجّب عليه أن يسعى الى ترقية ذاته في المعرفة الحقيقيّة والروحانيّة ؛ لأنّ أمجاد العوالم العلويّة لا تنال بصاروخ ولا بسفينة فضائيّة , لكن بإرتقاء روحيّ داخلي يؤهّل الإنسان بعد موته , للتجسّد في الكوكب العلويّ الذي يستحقّ . وإلاّ فأنّه إذا سفّل نفسه , وتشبّث بالدنيويّات , يضع ذاته في جاذبيّة العوالم السفليّة ,فتتجسّد سيّالاته , بعد موته في كوكب يعظم فيه الجهل , ويتفاقم الشرّ , ويشتدّ الشقاء والعذاب .
وإنّما ما كنّا لنبصر شخصيّات الدكتور داهش والتجسّدات الأخرى , لو لم يأتي تجسّدها ضمن مقاييس الأرض . وهذا ما يفسّر عجزنا عن رؤية الروح كما هي , أو رؤية الملائكة وسائر الكائنات العلويّة على حقيقتهم .
فالعلم نفسه أكّد أنّ الإنسان محدود إدراكه الحسّي بشبكة من الحواس له حدود عليا وحدود دنيا لا يمكنه تجاوزها . فالعين لا تبصر من الموجودات إلاّ التي تتراوح أطوال مويجاتها الضوئيّة بي 7600 و4000 أنكستروم في الثانية , والتي تتحرّك بسرعة أدنى كثيراً من سرعة النور التي تبلغ 300,000 كيلومتر في الثانية . والأذن البشريّة لا تسمع من الأصوات إلاّ التي تتراوح بين 15 ونحو 20,000 ذبذبة في الثانية .
ولذا فالروح تبصرنا وتسمعنا , ونحن لا نبصرها ولا نسمعها .
الحقيقة الخامسة :
وحدة الأديان الجوهريّة
روح الإله الواحد هو الذي أوحى الشريعة الى موسى النبيّ , وجعل المسيح مصدّقاً ومتمّماً لما قبله : ” لا تظنّوا أنّي أتيت لأنقض الشريعة والأنبياء , لكن لأتمّم ” ( متى 5 : 17 ) , قال السيّد . وهو الذي جعل القرآن مصدّقاً لما قبله : ” نزّل عليك الكتاب بالحقّ مصدّقاً لما بين يديّه , وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى ً للناس ” (سورة آل عمران : آية 3 ) .
وكما ألزم المسيح الإيمان بموسى طريقاً للإيمان به , بقوله :” فلو كنتم تؤمنون بموسى لكنتم تؤمنون بي , لأنّه كتب عنّي . فان كنتم لا تؤمنون بكتبه فكيف تؤمنون بأقوالي ؟ ” ( يوحنا 5 : 46 – 47 ) , ألزم القرآن المؤمنين الإيمان بالأنبياء جميعاً , دونما تفريق : ” إنّ الذين يكفرون بأللّه ورسله , ويريدون أن يفرّقوا بين اللّه ورسله , ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض , ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقّاً , وأعتدّنا للكافرين عذاباً مهيناً .
والذين آمنوا باللّه ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم , وكان أللّه غفوراً رحيماً ” ( سورة النساء : آية 150 – 152 ) .
هذه الوحدة الروحيّة الدينيّة نسيها البشر , أو تناسوها , ولا سيّما في هذه البلاد , بلاد الأنبياء . بأيديهم نسجوا غشاوة على عيونهم , خيوطها من المطامع الأرضيّة والمصالح الشخصيّة والطائفيّة . فإذا الإله الواحد يتنازعونه آلهةً , ودين الروح الواحد يمزّقونه طوائف متنابذة متناحرة , مما دفع فئات من العاملين في القضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , بعد أن يئسوا من العودة الى الوحدة الروحيّة , والعمل بجوهر الدين القائم على المحبّة والفضيلة , الى الدعوة لطرح الولاء الدينيّ جانباً , وإحلال الولاء الوطنيّ محلّه , أو للتخلّي نهائيّاً عن العقيدة الدينيّة وإتّخاذ الإلحاد مذهباً وسبيلاً .
لا , ليس طرح الدين جانباً يحلّ معضلتنا ومعضلة الإنسان , ولا الإلحاد . أمّا أن لا نعبد إلهاً فذلك مستحيل , لأنّ الدين نماذج للنفس , لاصق بجبلّتها , إن حذفته من يقظتك , أطلّ عليك في نومك . إنّه حاجة نفسيّة جوهريّة , إذا لم يشبعها الإنسان بعث فيه خللاً وإضطراباً , من غير أن يدري مصدرهما .إنّها حقيقة يؤكّدها كبار علماء النفس , من أمثال كارل يونغ c. G. jung السويسري , وولفرد دايم الألماني w. daim , و شتوكار الفرنسي a. stocker. فالذين يدّعون أنّهم يعيشون دونما آلهة متوهّمون يخادعون أنفسهم , لأنّهم لم يحذفوا من نفوسهم حقيقة الألوهة , بل قنّعوها وشوّهها . فبدل الإله الكامل , إله المحبّة والعدالة والحقّ , الإله الأزليّ الأبديّ , موجد الكون ومنظّمه مصدر الخلق وغايته , توهّموا خارجهم أو في ذواتهم آلهة ناقصة مزيّفة , يعبدونها من دون أللّه , وهم لا يدرون : نصّبوا من الدولة أو الوطن أو الحزب إلهاً , أقاموا من الأرض أو الطبيعة أو الحياة إلهاً , شرّعوا مطامعهم ونزواتهم وشهواتهم أصناماً يقدّمون لها العبادة . هؤلاء جميعاً يعيشون في وهم الحقيقة , لآنّهم إستبدلوا النسبيّ بالمطلق , والجزئي بالكلّي , والعرضيّ بالجوهري , والزائف بالحقّ , والزائل بالدائم السّرمديّ . ولذا فرؤيتهم للحقائق تكون مختلّة , ومقاييسهم للقيم تكون منحرفة , لأنّها تتأثّر بطبيعة المثل الأعلى الذي يحرّكها ويهيمن عليها , وهو غير صحيح .
أمّا جعل الدين في هامش الحياة , أو أللامبالاة به , أو منحه أهمّية ثانويّة , فذلك يؤدّي تدريجيّاً الى الإلحاد , وقد يكون شرّاً من الإلحاد ؛ لأنّه سيفضي الى النتيجة نفسها بعد أن يجمّد الذات ويبلّدها, ويفرغها من حرارتها , ويعيّشها في فتور الإيمان , الذي قال المسيح عن صاحبه – وما أكثر أصحابه اليوم – : ” إنّي عالم بأعمالك , أنّك لست بارداً ولا حارّاً , وليتك كنت بارداً أو حارّاً . ولكن , بما أنّك فاتر , لا حارّ ولا بارد , فقد أوشكت أن أتقيّائك من فمي ” ( رؤيا يوحنا 3 : 15 – 16 ) .
ما الحلّ , إذن , يقول المتحمّسون للقضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , أنبقي على العصبيّات الطائفيّة تقسّم الوطن أشلاء , ويدّعي كلّ منها ملكيّة اللّه والسماء , حتى نفقد الدين والدنيا معاً ؟
الحلّ أوحاه اللّه عزّ وجلّ , لكان على الأذكياء الأنقياء أن يأتوا به : إنّه العودة الى جذور الإيمان الصحيح بوحدة الأديان وجوهر تعاليمها , عبر رسالة روحيّة جديدة مؤيّدة بالمعجزات , أرادها الباري هداية لهذا العالم التائه في ضلالاته , وللبنان قبل غيره .
فالروح الإلهيّ الذي يجري المعجزات على يدي الدكتور داهش , إنمّا يهبط من عليائه , ويصنع الخوارق بإسم اللّه والمسيح , وبإسم اللّه ومحمّد , وبإسم اللّه وموسى . فالأنبياء جميعاً أصابع الرحمة الإلهيّة منبسطة في هذه الأرض الشقيّة .
في حضرة الروح الإلهيّ , وفي حضرة المعجزات , يشعر الإنسان أنّه أخو الإنسان , وأنّه لا فرق بين أبيض وأسود وبين غنيّ وفقير , وعظيم وحقير , ومسلم ومسيحيّ وموسويّ وبوذيّ …
المسيحيّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر الإنجيل , والمسلم يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر القرآن , والموسويّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر التوراة , والبوذيّ يزداد إيماناً بتعاليم بوذا , ويتيقّن الجميع أنّ الروح الذي أوحى الى أنبيائهم وهداتهم إنّما هو روح إله واحد . عندئذ , يدركون أن الذي يفرّقهم ليس الخير , لكن الشرّ . وتكون عودتهم الى اللّه , على جسر من الإيمان النظيف , لا يقال عنه هو ” أفيون الشعوب ” ؛ إيمان يكون تجسيداً لحياة روحانيّة عمليّة لا نظريّة , تتحقّق فيها الفضيلة عملاً وقولاً وفكراً , ويتجلّى فيها التعاون والتحاب والتآخي والعدالة الإجتماعيّة بأجلى مظهر . فإذا امتنعوا عن الشرور , لا يكون إمتناعهم رهبة من القوانين البشريّة والروادع الزجريّة , لكن بدافع ذاتي منبثق من إرتقاء نفوسهم وقد سطعت فيها الحقيقة الدينيّة الواحدة , مجرّدة من الطقوس والقشور والطائفيّات التي زادها البشر عليها , وزادوا بها الحواجز والخصومات بينهم .
وقد يحتجّ بعضهم قائلاً : لئن آمنّا بوحدة الأديان , فكيف نوفّق بين المتناقضات في العقائد ؟
وجوابي أنّ الرسالة الداهشيّة قدّمت حلاّ لكل معضلة , حلاّ لم تخترعه إختراعاً , بل أوحته الروح حقيقةً منزلة . ولضيق المجال , أكتفي بعرض قضيّة خلاف واحدة بين المسيحيّين والمسلمين هي قضيّة صلب المسيح . ففي الأناجيل أنّه صلب , وفي القرآن : ” وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم ” ( سورة النساء : آية 157 ) . فأيّ الكتابين على صواب ؟ الحقّ أنّهما كليهما على صواب ؛ لكنّ الحقيقة لا يمكن أن توضّح إلاّ من ضمن الداهشيّة , وتوضيحها يتمّ ببرهان مادّي محسوس .
شخصيّات الدكتور داهش الستّ
لقد تبيّن لي , و لعشرات غيري أن للدكتور داهش ست شخصيات أخرى غير شخصه البشري ؛ و هذه الشخصيات كناية عن سيالات , أي قوى روحية هي امتدادات له كائنة في عوالم علويّة متباينة , و بإذن الله يسمح لها , أحياناً , أن تتجسد لإتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة , فتتخذ شكله البشري تماماً بحيث تصبح (شبهه) . و إذ ذاك , يمكن من كان حاضراً أن يجالسها و يحادثها , ويتحسسها , و يؤاكلها ؛ لكنه قد لا يستطيع أن يميزها عن داهش البشري , إلاّ إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة, و كان الناظر يعلم , سابقاً, ما يرتديه الدكتور داهش. و كثيرة هي المرات التي تظهر فيها فجأة , و تتوارى فجأة , بينما تكون أمامنا , و نحن ننظر إليها أو نسلم عليها .و قد يجتمع منها شخصيتان أو أكثر حتى الست , في مكان واحد , وقد تتجسد في اللحظة نفسها في أماكن مختلفة متباعدة . و قد تأكد لي و لكثيرين غيري , ممن شاهدوها أنها لا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض: فهي تخترق الحواجز و الجدران , وتنتقل لمح البرق من مكان الى آخر , و إن يكن من أقصى المشارق الى أقصى المغارب , وتسيطر على الجاذبيّة , فترتفع في الهواء و تمشي على الماء , وتثقل وزنها أو تخففه حتى تلاشيه ؛ و هي قادرة , بإذن الله , على صنع ما تصنعه الروح من معجزات .
مصرع الدكتور داهش ثم بعثه
و من عجائبها الباهرة أنه في 28 حزيران سنة 1947 , ألقي القبض على إحدى الشخصيات في أذربيجان من أعمال إيران , فقتلت رمياً بالرصاص , و دفنت في البلد عينه , في أول تموز من العام نفسه ؛ و ذلك لأن فتنة دامية كانت قائمة في أذربيجان و لم يستطع الدكتور داهش إثبات هويته , إذ إن السلطات اللبنانية جردته من الأوراق الرسمية , بعد حكمها عليه بالنفي ظلماً .
و قد نشرت الصحف في لبنان و جميع البلاد العربية نبأ مقتل الدكتور داهش و صور مصرعه . و أنشئت فيه مئات المراثي (43) . و مع ذلك , كان مؤسس الداهشية ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحق. أما شخصيته التي أعدمت في أذربيجان , فسرعان ما بعثت من الموت , لأن الموت غير قادر عليها ؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض , لأنها ليست من الأرض .
و لو يرحب المجال , لكنت أذكر من الأحداث المفصلة عن ظهورها وإختفائها ما يملأ مجلداً . حسبي أن أذكر , من بين العشرات الذين شاهدوا تجسّداتها كما شاهدتها : الأستاذ إدوار نون و السيدة قرينته , و الدكاترة شاهين صليبي , و جورج خبصا و فريد أبو سليمان و نجيب العشي , و السادة جورج حداد , و بولس فرنسيس , و نقولا ضاهر , و إميل قساطلي , و أمين نمر , و حسن بلطجي , و السيدات ماري حداد , و زينة حداد , و ناديا غبريال, و هيلدا مراد, وأوديت كارّا , و ليلى مراد , و غيرهم و غيرهن كثير …
فالأناجيل إذ تؤكد صلب المسيح , إنها تؤكد صلب شخصيّة من شخصياته ؛ لكن الإنجيليين , لسبب روحي لم يوضّحوا ذلك , إنما اكتفوا بالإشارة , بعد الصلب , الى أن المسيح المصلوب بعث من الموت , و كان يظهر و يختفي أمام تلاميذه عدة مرات ؛ و القرآن الكريم , إذ يقرّر عدم صلب المسيح , إنما يعني عدم صلب عيسى بن مريم الشخص البشري المولود , موضحاً أن الذي صلب إنما هو شبهه ؛ و ما شبهه إلاّ إحدى شخصياته .
و هكذا نرى أن الداهشية , لا بالنظريات , و الآراء المتضاربة , بل بالبراهين الحسّية تظهر وحدة الإسلام و المسيحيّة و وحدة ما أنزل من قبل ومن بعد .
و بعد , فمن هو داهش؟
إننا لا نؤمن به إلهاً, بل نؤمن بأنه هاد من هداة الله طبقاً للآية القرآنية الكريمة :” و لكل قوم هاد ” (سورة الرعد : 7 ) . و نحن قوم تبلبلت أفكارنا , و تجزّأت أدياننا و تناحرت مذاهبنا و شاع الكفر فينا , و تغلب النفاق على الإيمان , فتدخلت رحمة الله , و أرسلت إلينا هادياً , يهدينا الى سبيل يخرجنا من حيرتنا و اضطرابنا و مآسينا , ويعيد الينا الثقة بالمسيح و الأنبياء والإيمان برب العالمين .
و من الهداة من وهبهم الله عقلاً نيراً و نفساً نقية , كسقراط و غاندي و الإمام علي , و منهم من أيدهم تعالى بروح من لدنه , فصنعوا المعجزات بقدرة العليّ , تصديقاً لدعوتهم الروحية . والروح , كما قال السيد المسيح : ” يهب حيث يشاء” ( يوحنا 3: 8 ) , و قد شاء أن يهب في لبنان , أفنرفضه فنكون من الأغبياء الخاسرين ! والخالق سبحانه هو الذي يختار من يريد من الناس لإحلال روحه فيه , تصديقاً لقوله :” رفيع الدرجات , ذو العرش , يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقي” (غافر:15) , و قد شاء أن يلقي الروح على رجل من أرض الأنبياء هو داهش. أفنناقش الله و نرفض مشيئته ؟
لم يبارك التاريخ مضطهدي سقراط و بوذا و المسيح و الرسول العربي و غاندي , بل لعنهم , و خلد اولئك الهداة و الرسل والمصلحين , و خلّد رسالاتهم . أما المؤسسات و التكتّلات و الدول كلها التي قاومتها , فقد قضى التاريخ عليها بالفناء و دمغها باللعنة الأبديّة .
ذلك بأن الحضارات لا تقوى على البقاء الاّ بغذاء القيم الروحية. و كل شعب تخلى عنها مصيره الإنحلال و التبدد , مهما تعاظم وشمخت مدنيته , و مهما صال و جال الباطل فيه , فالباطل دولته قصيرة , و التاريخ شاهد على ذلك . و القيم الروحية لا سياج لها إلاّ الرسالات السماويّة و الدعوات الإنسانية .
حتى الحركات الإجتماعيّة الثورية تستمد مقومات إصلاحها من تلك القيم . فالعدالة و الأخوة و التعاون ورفع الظلم و الإستثمار التي تنادي بها , تجد أصولها في الرسالات الروحيّة الصحيحة . و القيمة الحقيقيّة لكل حركة إصلاحيّة تكون بنسبة تطبيقها تطبيقاً عمليّاً تلك القيم الروحيّة .
و إذا كان المتاجرون بالقدسيات قد أفرغوا الأديان من معناها الروحي القويم , كوجود حي سام فاعل في الإنسان فرداً و جماعة ,ليجعلوها نظريات و غيبيات و أدوات لكسب المغانم و بسط النفوذ , فإن الداهشيّة , بمشيئته تعالى , ظهرت لتدعو الى إعادة الأديان لنقائها الأصلي و تأثيرها الخير الحيّ ووحدتها الروحيّة , فتبني نفوس الناس فرداً فرداً, مواطنين شرفاء أنقياء السريرة , أبطالاً أحرارا ًمتعاونين متحابين عادلين , أناساً تسامى فيهم الإنسان , وتصاغرت البهيمة .
فالأنظمة مهما كانت صالحة لا تؤدي وحدها الى أي إصلاح حقيقي إذا كان الإنسان فاسداً . فالإنسان وجد أولاً , و النظام من أجله وجد . و هل يمكن بناء صرح قويّ , مهما كانت عبقرية مهندسه, إذا كانت حجارته سريعة التفتت ؟ و ماذا ننتفع بالكأس , و إن تكن ذهباً ما دام الماء فيها سمّاً زعافاً , و نحن عطاش ؟ و هل تتبدل قيمة اللوحة التافهة إذا ما أحيطت بأطار ثمين ؟ فكل إصلاح جذريّ , لا يبلغ هدفه ما لم يصلح الفرد نفسه .
ألا فلنرفع الغشاوة عن بصائرنا , و لنع أننا لسنا وحدنا في الكون , فنكف عن الإستكبار و التأله . و لندرك أن الإرتقاء الصحيح يقضي بأن نتخذ لنا مطلقاً صحيحاً فنجعل الله كمالنا و غايتنا الأخيرة , لتستقيم الطريق التي تبلغنا السعادة العظمى . الا فلنفهم أن اضطراباتنا و ضعفنا و تخلفنا و مشكلاتنا و حيرتنا و شقاءنا سببها كلها نحن , و نحن مختارون و مسؤولون . و ما لم نغير أنفسنا , فلن تغير أوضاعنا . أما قال العليّ : ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” ( سورة الرعد : 11) ؟
******
كان محور هذا الكتاب رجلاً ليس كالرجال. عاش في الأرض , وكان غريباً عنها . الشعوب كلها إنتظرته و الأديان جميعها نادت بمجيئه . و إذ أتى , لم يعرفوه لأنهم قاسوه بمقاييسهم , و بموازينهم و زنوه . و ميزانه هو الذي أرسله , خالق الكون وحده .
نزل في لبنان , فأهدى اليه تعاليمه الروحية خبزاُ سماوياً يقيه من الجوع و الويلات , و أيّد رسالته بخوارق محسوسة مذهلة عاينها ألوف من أهل العلم و الأدب فنبذ لبنان خبزه المقدس , و أنكر معجزاته .
إنه الدكتور داهش .
سيبقى التاريخ يحدث عنه خاشعا ً ممجداً , كما يحدّث عن الرسل و الهداة ؛ أما لبنان الذي جحده , فقد حل به ما حل بسدوم وعامورة , من لعنات و نكبات .
فهل يصحو لبنان من سكرته الشيطانيّة ؟ و هل يستفيد العالم من أمثولة لبنان القاسية , فيتدارك نفسه , قبل أن تجتاحه الكوارث الوشيكة , و الحروب الإباديّة , بتفهم تعاليم الداهشيّة السماويّة , واعتناق مثلها الروحيّة العليا التي توحد بين الاديان , و تحتضن الوحي و العقل معاً , و تزفّ العزاء و الخلاص الى ملايين المعذبين ؟
المراجع
( 1) أنظر: c.s lewis ,miracles, collins, fontana books, 1968, p. 9-66
(2) كلمة (سليم ) , باللغة العربية , تؤلف الأحرف الأربعة الأولى من كلمة (سليمان )
(3) أنظر مقابلة كورية ملكي عبد الله مع مجلة ” اللواء” الصادرة في بيروت , عدد 97 , تاريخ 6 تشرين الثاني 1964.
و قد وردت , في المقابلة , أسماء شهود آخرين لمعجزة المشي على الماء , هم : ديمو هيمو , عزيز عيسى , يوسف شاشان , يوسف حنو.
(4) توفي توفيق العسراوي في 10 كانون الثاني 1937 , متنسكاً في أحد كهوف البتراء في الأردن , بعد أن وزع أمواله على الفقراء . كما توفي مطلق عبد الخالق في 15 تشرين الثاني 1937. و قد نظم مطلق ” ضجعة الموت ” للدكتور داهش شعراً , و خلف ديواناً اسمه ” الرحيل” .
(5) كتاب” كلمات ” طبعة أولى , بيروت , 1939 , ص 104 – 105؛ و طبعة ثانية , مزيدة و منقحة , دار النار و النور, بيروت 1983 , ص 149.
(6) حدائق الآلهة : ” ذكريات الماضي” دار النسر المحلق, بيروت , 1980 , ص 57-58.
(7) مجلة ” بروق و رعود ” , العدد الثالث , بيروت , 1968 , ص 230.
(8) مجلة “المختصر” السنة الأولى العدد العاشر ( أيلول 1946) , ص 5.
(9)أنظر تفصيل النبوءة , في كتاب الدكتور داهش ” أفراح و أتراح ” من سلسلة ” حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية ” , دار النسر المحلق , بيروت , 1980 , ص 86-87. راجع كذلك ” النهار العربي و الدولي ” عدد 336, تاريخ 10 – 16 تشرين الأول 1983, ص 82.
(10) أديب و خطيب لبناني . توفي سنة 1956. أرخ ” الوقائع الداهشية ” من 23 آذار 1942 حتى 13 أيار 1942, إذ باشر الشاعر حليم دمّوس تدوينها بعده فوراً . لازم مؤسس الداهشية عدة سنوات . من مؤلفاته : الدكتور داهش و الروحانية .
(11) MAX PLANK , L’image du monde dans la physique moderne, ed. Gonthier, 1963,p.6.
(12) لا نكون مخطئين إن نحن قلنا عن المؤمنين بالسحر , في القرن العشرين , إنهم ما يزالون يعيشون في ” عصر ذهني حجري” و ذلك بأن العالم الاجتماعي جايمس فرايزر قد استنتج من دراسته الطويلة لمظاهر السحر في العالم أنه طبيعي أن يسبق, في الجانب الذهني من الثقافة الإنسانية ” عصر سحري” , كما يسبق , في الجانب المادي, عصر حجري. أنظر:
j.g. FRAZER , The golden Bough , a study in Magic and Religion , Ab. Ed ., London , Macmillan and Co .,1963, p. 65.
(13) لقد فند عدد من العلماء أوهام الفقر الهندي و مناجاة الأرواح و و التنويم المغنطيسي و أظهروا أنها علوم مزيفة لا حقيقة لها أنظر:
- BOLL, L’occultisme devant la science ,p.u.f., paris
(14) مجلة “بروق و رعود” بيروت و1968و العدد الأول وص 5
(15) المصدر السابق نفسه و ص 6-7 .
(16) أنظر حليم دمّوس : “المعجزات و الخوارق الداهشية المذهلة “, دار النار و النور , بيروت , 1983, ص 75( إحراق سندين موحد بألفي جنيه و إعادة تكوينهما ثانية ) و و ص 106
( رسوم المحامي نون و آنجلو بولو)
(17) المصدر السابق ص 50- 53
(18 ) أنظر المصدر السابق و ص 100
(19) لقد أجرت مجلة ” اللواء ” البيروتيّة مقابلات مع كثيرين من شهود معجزات داهش
أنظر ” اللواء” سنة 1964, من العدد 73 حتى 97 و العدد 102, و سنة 1965, الأعداد 111, 133, 143.
(20) توفيت ماري حداد في أول كانون الثاني 1973؛ أما بشارة الخوري فقد توفي سنة 1963.
(21) كان المؤمن الرابع . و قد صنع تابوته بيديه من ألواح الصناديق الخشبية القديمة . خلف مخطوطات بالفرنسية حول الداهشية و البابوية.
(22) انظر نجوى سلام براكس: حليم دمّوس و الإتجاه الروحي في أدبه . رسالة ماجستير. دار النسر المحلق للطباعة و النشر, بيروت ,1983.
(23) أنظر مجلة ” اللواء” البيروتية , عدد 92, تاريخ 2-10-1964
(24)العدد 263, تاريخ 22-6-1964
(25) ملحق النهار, العدد 8986, تاريخ 21- 3 – 1965
أنظر كذلك مجلة ” اللواء” البيروتية , العدد 78, تاريخ 26- 6 – 1964.
(26) أنظر مقابلة مع النائب الأستاذ محسن سليم في مجلة ” اللواء” البيروتية , العدد 84, تاريخ 7-8-1964.
(27) أنظر مجلة ” اللواء” البيروتية , العدد 73, تاريخ 22-5-1964
(28)قول الدكتور داهش هذا جاء جواباً لشهود المعجزة الذين سألوه : ترى , ماذا سيكون موقفه من رئيس الجمهورية بشارة الخوري إذا بدأ باضطهاده. و قد نشر اسكندر الرياشي خبر المعجزة في جريدته ” الصحافي التائه” , بعد بضعة أيام.
(29) أنظر مقابلة مع السيدة ماري حداد في مجلة “اللواء” البيروتية, العدد 89, تاريخ
11-9-1964
(30) أنظر صفحة 55 من هذا الكتاب
(31) من مراكز التزلّج الشهيرة في لبنان . علوها 1600 متر؛ و هي تقع شمالي نهر ابراهيم وينابيع أفقا.
(32) أنظر مقابلة أجرتها مجلة ” اللواء” البيروتية مع السيدة بلطجي, العدد 75, تاريخ
5-6-1964
(33)أنظر مقابلة مع صبري بك حمادة , في مجلة ” اللواء” البيروتية , العدد 91 , تاريخ
25- 9- 1964
(34) فيلسوف يوناني شهير(نحو 470- 399 ق. م. ) . أنشأ علم الأخلاق . مبادئ فلسفته انتقلت الينا عبر ” محاورات ” أفلاطون و كزينوفون تلميذه . اتهمه أعداؤه في السلطة بالخروج على الدين القويم, فأجبروه على الانتحار بشرب السم.
(35) عالم فيزيائي و فلكي إيطالي ( 1564- 1642). أجبرته محكمة التفتيش الكنسية الرومانية على الركوع و إنكار صحة نظرياته الفلكية العلمية , لأنها كانت تناقض نظرية المنيسة , و اضطهدت أفكاره التي أيدها العلم الحديث.
(36) أنظر صحيفة ” الجريدة ” البيروتية , تاريخ 29-11-1963, ففيها صورة عن نبوءة مصرع الرئيس الاميركي جون كندي.
(37) الدكتور داهش : ” بروق و رعود ” , بيروت , 1946, ص 108.
(38) مدينة في جنوب لبنان
(39) أنظر مقابلة مع السيد شفيق المقدم في مجلة ” اللواء” البيروتية , عدد 86, تاريخ 21-8-1964.
(40)راجع الدكتور داهش :” قصص غريبة و أساطير عجيبة ” بأجزائه الأربعة , دار النسر المحلق, بيروت ؛ فهي ملأى بأخبار التقمص الواقعية.
(41) الدكتور داهش :” قصص غريبة و أساطير عجيبة ” الجزء الثاني , ص 11- 12.
(42) سيفصل الكلام على شخصيات الدكتور داهش في سياق الحديث عن الحقيقة الخامسة ” وحدة الأديان الجوهرية” .
(43) راجع صفحة 74 من هذا الكتاب.
(44) أنظر ” مراثي” الأدباء و الشعراء و الصحفيين و الأطباء و المحامين و رجال الدين و الحكام و القضاة بمؤسس العقيدة الداهشية ” , دار النسر المحلق, بيروت , 1979.
فهرس
مقدمة: بقلم ماجد مهدي
تمهيد : دواعي ظهور الرسالة الداهشية
القسم الأول : حياة الدكتور داهش الإعجازية
إهتمام الدكتور داهش المثلث: الرسالة و الثقافة و الفن
القسم الثاني: معجزات الدكتور داهش
القسم الثالث : الحقائق الروحية الداهشية
الحقيقة الأولى : وجود الروح و خلودها
الحقيقة الثانية : السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته
الحقيقة الثالثة : السببية الروحية و الجزاء العادل
أنا غريب في هذا العالم، و كم احن إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الدكتور داهش








