العودة الى المُطلق

أُسس العقيدة الداهشيَّة

الحقُّ أحقَّ أنْ يُقال
  • استسلام
  • الابتهال الاول
  • الابتهال الثاني
  • الابتهال الرابع
  • الابتهال الحادي عشر
  • أللّـــه
  • ضراعة لخالق البرايا
  • نشيد مؤمن
  • سلام
  • شوق عارم
  • يا عالم الروح الطاهر
  • أسرار الموت والحياة
  • أُغنية ملاك
  • الحُلم الهابط الى أرض البشر
  • الكوكب فومالزاب
  • حلم مُذهِل
  • رحلة وردة جوريَّة
  • سلام على الديار العلوية
  • مدينة الاحلام الفاتنة
  • مدينةُ الأحلام
  • مدينة سكّانُها لا يموتون فهم خالدون
  • استسلام
  • إلى فادي الأنام
  • إلى معدن الطهر و النقاء
  • رسول السلام
  • ليس لنبيٍّ كرامةٌ في وطنه
    • إستقبال عام 1937
    • استقبال عام 1970
    • أشعر بأنّي أحوي
  • إلى ابنتي في عالم الغيب
  • إلى ولدي في عالمه المجهول
  • أنا القوى الجبارة
  • أنا ثائر
  • أنشودة الروح
  • أيّها الحُسّادُ الموتورون
  • سأُبوتقُ البشر
  • سأعود
  • ظنك خائب
  • عندما تغربُ شمسي
  • عنكبوت النسيان
  • ليس من يقظ سواي
  • مات داهش
  • نشوة روحية
  • نصح وإرشاد
  • وداع عام 1943
  •  
  • إبتهال
  • أرضكم هذه
  • المنبوذ
  • المؤدّب
  • انا نارٌ تهوي على اللؤماء
  • تخيلات ستحققها الأيام
  • ثورة إله
  • جبروت
  • حلم غريب
  • صعاليك
  • غضبة مروعة
  • يوم الإنتقام
  • إستقبال عام 1980
  • الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروع
  • لبنان أيها التعيس
  • معركة جهنمية مبيدة
  • وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
  • وداع عام 1944
  •  
  • الأرض الزانية
  • الضباب
  • اليوم الأخير
  • أيضاً إلى أخي سليم
  • تخيلات نووية
  • حذار ثم حذار
  • خراب الأرض
  • فشا الإلحاد فيها
  • ليلة الأهوال المزلزلة
  • نيويورك و ناطحات سحابها
  • ومادت بهم دنياهم
  •  
  • الإنسان
  • العدالة الموءودة
  • المال والله
  • المال
  • تراب
  • تمثال الحريّة
  • ثعالب
  • حقارة البشر وضعتهم
  • خياتنا التافهة
  • ذئاب مفترسة
  • غرور الإنسان
  • فقاقيع
  •  
  • الشجرة المشطورة لقسمين
  • الكونتينار وصناديقه ال25
  • حديث بين بصلتين خضراوين
  • شجرةُ معرفة الخير والشر
  •  
  • قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول
  • قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثاني
  • قصص غريبة وأساطير عجيبة الجزء الثالث
  • قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع
  •  
  • الحذر واجب
  • الديانة الداهشية
  • الديانة الداهشية
  • الرسالة الداهشية تهاجر
  • رسولة الله
  • سأغنّي
  • كلمات
  • كلمة أول حزيران
  • والدة داهش
  •  

يقول يسوعُ الناصريُّ: “لا تظنُّوا أنِّي أَتيتُ لأَنقضَ الناموس أو الأنبـياء، إنِّي لم آتِ لأَنقضَ لكن لأُتمِّم،” (متّى 5: 17) هو نفسه قال أيضًا لتلاميذه: “إنَّ عندي كثيرًا أقولُه لكم، لكنَّكم لا تُطيقون حَمْلَه الآن. ولكن متى جاءَ ذاك روحُ الحقّ، فهو يُرشدُكم إلى الحقِّ جميعًا، لأَنَّه لا يتكلَّم من عنده بل يتكلَّم بكلِّ ما يسمع ويُخبرُكم بما يأْتي.” (يوحنّا 16: 12-13)

حادي عشَر العدالة الإلهيَّة والتقمُّص

قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الأول

الحق  أحق أن يتبع

بقلم الدكتور داهش

 

بتاريخ 10/3/1976، و في الساعة الثالثة و النصف بعد الظهر، وصلت إلى نيويورك ابلطائرة الجامبو. و مكثت في أميركا عامين و نصف العام. و بأثناء إقامتي فيها كتبت معظم هذه القصص و الأساطير و عددها 85 قصة و أسطورة سيضمها مجلدان.

 و هي المرة الأولى التي أكتب فيها هذا النوع من الأدب الحافل بشتى الصور العجيبة الغريبة.

و القصة يعالج فيها الكاتب أحداث الحياة ووقائعها الحافلة بشتى الغرائب التي هي مزيج من الخير و الشر. و في النهاية يخرج بعظة و نتيجة تحضّ على الخير و تشجب الجريمة.

والقارئ لقصصي و أساطيري سيذهل لحكمي الصارم على كل ما تزخر به الحياة من شؤون و شجون.

 و سيرى أنني قسوت بحكمي على المرأة و الرجل أيضاً. و لكن الحقيقة أحق أن تذكر دون أن يسدل عليها رداء عاره، متسربل بشناره.

إن على الكتاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها. فلماذا يحاول الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداء الفضيلة،بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دنيانا!

عليهم أن ينقضوا انقضاض النسور على فرائسها، و قول الحق الصريح الواضح دون محاباة أو مواربة.

لهذا يرى القارئ أن حكمي على أبناء الكرة الأرضية من رجال ونساء هو حكم صارم، و لكنه حقيقي.

فأنا لا أتحامل عليهم تحاملاًً  غاشماً، إطلاقاً. و لكني أصف واقعنا الحياتي الحافل بالمعاصي، و المطوق الجميع حتى النواصي.

فالغش هو الاسائد، و الباطل سوقه رائجة،والاعتداء لا ينكره منكر، و الفساد متفشّ في عواصم الكرة الأرضية بأسرها، والفسق و الفجور مسيطران على الجنس البشري بأسره، و الأطماع حدث عنها ولا حرج، و كسب المال، و لو بطريق الحرام، غاية و ليس وسيلة، و الرذيلة صرعت الفضيلة، والشر بسط جناحيه وراح يرود أرجاء الكرة الأرضية، نافثاً فيها سمومه الرهيبة. و قد استجاب له أبناء الغبراء بقضهم و قضيضهم.

هذه هي الحقيقة، و الحقيقة لا يستطيع إنكارها إلا كل جاحد كاذب.

لهذا يرى القراء أن قصصي موسومة بهذا الطابع الذي لا يرحم رجلاً ولا يبرئ امرأة من الأوشاب و الاوزار الواقعية. و أنا لا يهمني آراء الغير إطلاقاً إذا كانت تشجب رأيي، فما كتبته عن السلوك البشري أؤمن به إيماني بوجود الخالقي، إذ إنه حقيقة واقعة، و بذله نفسه عن الآخرين، و تمسكه بالفضيلة المثلى، إنه:

 

غاندي نبي القرن العشرين

 

وبانطلاق غاندي إلى عالم الأرواح النقي التقي، أقفل الباب إذ لم يأت إلىعالمنا رجل صلاح آخر يماثله إطلاقاً.

وغاندي رحل عن دنيانا في الساعة  الثالثة بعد ظهر الجمعة الواقع في 30 كانون الثاني 1948، تاركاً أرضنا الغارقة في أقذارها و دناستها المشينة. و يوم مصرعه هلعت نفوس كبار رجال العالم و سياسييه، و غمر الحزن النفوس و ساد الذعر الأفئدة، و راحت صحف الدنيا ترثي أعظم رجال الكرة الأرضية.

وها إني أعيد نشر الكلمة التي صدرت في جريدة”الدفاع” الفلسطينية، بتاريخ شباط 1948، إذ قالت تحت هذا العنوان:

 

غاندي-نور وروح!

 

“من الغرب  و الشرق تجاوبت الأصداء تعليقاً على خسارة العالم بغاندي. و ما سبق في هذا العصر، أن شاع الحزن في نفوس الملايين على رجل، شيوعه على معلم الهند ومحررها ووالدها. و هذا وحده كاف لإيضاح تلك المنزلة التي كان يحتلها المصلح العظيم في نفوس الشعوب و الأفراد. و هو برهان، كذلك، على أن الشرق ما زال يدفع إلى العالم بالمصلحين ذوي الدعوة الإنسانية الشاملة.

لقد كان غاندي أرق و ألطف من أن يواجه بالقتل. كان نوراً له ما للنور من طبيعة الإضاءة في الظلام. و في عالمنا جوانب مظلمة كبيرة، فكان غاندي ساطعاً فيها باستمرار يهدي الحائرين، أقوياء و ضعفاء، إلى طريق الخلاص.

و في دنيا تفتقر إلى التضحية و المحبة، كان غاندي يلقي الدروس الرائعة فيهما. و حسبه أن احداً لم يستطع الرقيّ إلى مستواه. و إلى أن يستطيع الناس ذلك، سيبقون في حاجة ماسة إلى الاستقرار و سكينة النفس.

وما نحسب أذناً في هذه الدنيا لم يطرق سمعها اسم غاندي. و هو اسم رحيم ينزل على القلوب رخيماً كالغنم، عذباً كالفرات، مهيباً كالقداسة.”

فغاندي من امجده، و غاندي من أجله و أقدسه.

وبانطلاقه من ربوع دنيانا قضي على الفضيلة، إذ لم أر في عالمنا من يتشبث بناصيتها. فالجميع عبيد لشهواتهم البهيمة، كما هم عبيد لمصالحهم و عن يكن على آلام سواهم ممن يعتدون على حقوقهم ليكونوا الفائزين بالغنيمة الملوثة بطاعون الاغتصاب الدنيء.

وأخيراً، إنني أعلن بصوتي الجهوريّ قائلاً:

 

إن عالمنا مصاب بطاعون الشرور المحيقة، و قاطنوه أشرار فجار.

فيا ويلهم، يوم حسابهم، و هم يتقلبون بين أشداق النار الأبدية الاتقاد، جزاء وفاقاً.

 

الدكتور داهش

بيروت، في 4 كانون الثاني 1979

 

 

توطئة

 

بقلم غازي براكس

 

هوذا الدكتور داهش الذي تفرد بين الناس بأعماله، يتميز بين الادباء بخوارق قصصه!

وإذا كان هوميروس قد عرف بأساطيره الميثولوجية؛ و فولتير بقصصه الغريبة الاحداث، و دانتي برحلاته إلى النعيم و الجحيم، و إدجار ألن بو بأقاصيصه العجيبة، و جول قرن برواياته الخيالية، و تولستوي بتصوير الحياة الواقعية، فإن الدكتور داهش استطاع أن يجمع فيه ميزاتهم جميعهم، و يتفوق عليهم بما وهبه الله من خصائص روحية فريدة تتيح له غماطة اللثام عن أسرار الحياة و الموت و ألغاز الوجود المادي و الروحي.

فبعد كتابه المعجز ” مذكرات دينار” الذي هو أشبه بأوذيسّة القرن العشرين، يطلع الدكتور داهش على العالم الأدبي بخمس وثمانين قصة موزعة في جزءين. و هي قصص قصيرة جذابة، من أي جانب أتيتها عدت منها وملء راحتيك جنى لن ينسى مذاقه اللذيذ العجيب!

فان نشدت المتعة و التسلية و جدتها في موضوعاتها الطريفة، و أحداثها الغريبة و حبكها المشوقة المثيرة، و عقدتها المحيّرة المربكة،وحلها المدهش المذهل. و إن توخيت الفائدة و العبرة لقيتهما حيثما مررت،بلا وعظ مملّ أو إرشاد مزعج أو إسهاب مسئم. فالحياة هي التي تتكلم بألسنتها اللامحدودة، و تنطق بأحداثها اللانهائية، فإذا أنت محمولفي زورق الخيال، فوق أمواجها المتدفقة، تارة متهادياً،  طوراً مندفعاً، تشهد تحوّل الأسباب إلى نتائج و البذور إلى ثمار، في شريط من الأفراح و المآسي، و الآمال و الآلام، و الدمع و الابتسام، حتى لكأنك تسيح بين الآزال و الآباد، و قد تجمعت الحياةبين يديك نهراً خالداً!

تجول المؤلف في عالم الأرض. و الدهشة مستبدة بك، فكأنك لم تعرف الناس و لم تألفهم! فوجوههم غير التي عرفتها، بعد أن سقطت عنها الأقنعة! و حقيقتهم غير التي ألفتها، بعد ان بدت عارية، وكالحربة تطعنك في الصميم!

فالمرأة تغلب الشهوة الجامحة على رغباتها، و الخيانة على تصرفاتها،و  الرياء يقود خطواتها، ومع ذلك، فعرشها في الأرض لا يتزعزع، و سلطانها على قلوب الرجال لا يتضعضع! و إن وجدت صادقة مخلصة فلا تكون من طينة الأرض لكن هابطة من بعض الكواكب القصية!

و الرجل يهيمن الطمع عليه، و تطوقه الغيرة، و يحف به الغدر و الظلم. فإن اطمان قلبك إلى امرئ فأكبرت أعماله و حمدت سيرته، فسرعان ما تكتشف أن هذا النور ليس من ذلك الظلام، و أنه كالذهب بين الرغام!

وقد يخطر على بالك أن الحياة قد تكون أصابت المؤلف بلطخات منها سوداء.فأظلمت نظراته، و قست عليها عباراته،واشتد تشاؤمه فتوهم أن الشر قد تسلطن على الأرض، و المفاسد قد عششت و فرخت في قاطنيها، لكنك لا تلبث أن تدرك، إذا كنت من ذوي الألباب، أنه أصاب بتصويره الفذ كبد الحقيقة، لأن رايتها هي رايته، و محجتها هي غايته،فهو رجل العدل و الصدق، و كلامه هو الفصل و الحق، و إنما نحن نعيش في مخادعة أنفسنا، نزين وجه الحياة القبيح حتى لا نفجع ببشاعة وجوهنا. في حين انه يصدقنا القول و التصوير و إن جرحتنا مدية الحقيقة، من أجل أن يقينا مخاطر الحياة المخيفة، و يعلمنا الأمثولة الشريفة.

و يعرج خيال المؤلف بك إلى الكواكب و العوالم العلوية، فتفتح امامك أبوابها الدهرية، و ترفع حجبها الأزلية، فإذا أنت تجوس ربوعها السعيدة، تشارك قاطنيها النشوة العظمى، و تدهش لأسرارها المذهلة، و أساليب حياتها العجيبة، فتوقن،إذ ذاك، بأن سعادة الأرض ليست إلاّ وهماً زائلاً و ظلاً حائلاً إزاء سعادتها الدائمة، و تدرك ان الحضارة البشرية ليست سوى درجة في سلّم الحضارات الكونية،إذ تكشف لك جوانب قليلة من علوم الكواكب الباهرة، فتتوق لأن تحرز نصيباً، و لو هزيلاً، من سامي معارفها، و حظاً، و لو ضئيلاً، من نعيم لذائذها.

و يفتح لك صاحب الكتابأبواب الجحيم، فتتعرف إلى أبالستها و قد تجسدوا في الأرض بشراً أسوياء، فساكنوا الناس و خالطوهم، حتى إذا  ما اطمأن هؤلاء اليهم، كشف زبانية الجحيم عن حقيقتهم المرعبة، فكانت المأساة المفجعة!

أو يفتح لك أبواب  القبور، فيطفر أمواتها يغرون الغواني بالقصور، حتى إذا دقت ساعة الحساب، و أسفر الميت عن وجهه الرعاب، حلّ العقاب و أي عقاب!

و تجول مع المؤلف في رحاب الطبيعة، فإذا أرضها وفضاؤها، نباتها و حيوانها جميعها كائنات عاقلة تدرك و تشعر و تريد، و تعاني الصراع بين الشر و الخير، فتعجب، إذ ذاك، من انك لست العاقل الوحيد بين الكائنات، و ترهف  أذنيك لتلتقط همسات قد تبوح بها عرائس الانسام و القصب، أو طوائف الخضار و ألواح الخشب. و تغلغل بصيرتك- و قد شحذها لك المؤلف-إلى جواهر الأشياء، تكتشف معانيها الخفية و العلاقات بينها و بين الناس، فإذا الكل قائم على ناموس التقمص و على قانون العدالة الإلهية التي لا يختلّ ميزانها.

و تعترضك في أحداث التاريخ ثغرات تودّ أن تملأها، و أسئلة تتمنى الإجابة عنها، فإذا المؤلف يعطيك الجواب الشافي و التعليل العجيب اللذين لا يقدر عليهما إلا الرجل العجيب.

هكذا، يرى القارئ نفسه، وهو في سياحته الاخاذة، مدفوعاً إلى أن يعيد النظر في مفاهيمه التي ورثها عن الاجيال البائدة، و في اعتباره لنفسه و لحضارته. فليس الإنسان دائماً هو الأفضل بين المخلوقات حتى الأرضية منها فقد يفضله الكلب أحياناً، ذلك بأن القيمة الحقيقية هي للسيال حيثما هو و ليس للإنسان. و السيال- تلك الطاقة الإشعاعية الخفية الحية المشتركة بين الكائنات جميعها- قد يرتقي و قد يتسفّل حسب الميل الذي يحركه، ومسؤولية ارتقائه أو انحطاطه يتحملها هو وحده. أما الحضارة البشرية فليست سوى حلقة صغيرة في سلسلة الحياة الكونية المتصاعدة حتى اللانهاية.

وعلى ضوء ذلك، تكشف هذه القصص سر علاقات العوالم بعضها ببعض، و سر تفاهم الناس أو اختلافهم، و هناء الأزواج أو أشقائهم…فقد يرد ذلك إلى تلاقي سيالاتهم في دورات سابقة، كما إلى توافقهما أو تناقضها. فقد يعيش الفقيران سعيدين، و الغنيان شقيين، و قد يلهم الإنسان سيال من عالم علويّ، أو يوسوس له سيال من عالم  سفليّ!

وقصص الدكتور داهش تمتاز بالعمق، على بساطة أدائها. و عمقها في أنها تنقلك من الاحداث العارضة إلى الجوهر، و تفتح بصيرتك فترى الحياة بأبعادها الحقيقية واستمراريتها الأبدية التي هي أعجب من الخيال. من هنا أن الخيال في هذه القصص جله حقيقة واقعية، لكنها تخفى عن عيون البشر العاديين.

وهذا الأدب القصصي ينقلك إلى ما يعادل الفلسفة الحية، الفلسفة التي ليست بشعوذات فكرية أو افتراضات متناقضة وهمية، إنما  هي الحقيقة العارية التي أتيتك على أجنحة الخيال فتبهر عينيك، فلا يبقى ماثلاً أمام ناظريك إلا ميزان العدالة الإلهي!

وطرافة هذا الأدب ليست في البهلوانيات اللفظية، و الاستعارات البيانية، و الزخارف البديعية، و التدجيلات الفنية التي كثيراً ما يلجأ المحدثون إليها حينما يأخذهم هوس التجديد،بل هي في أفكاره السامية العجيبة، و موضوعاته الفريدة المبتدعة، و في إزاحة الستر عن حقيقة موجودة و ليست مخترعة،لأن حقائق الحياة كالقوانين الطبيعية يماط اللثام عنها. لكنها في صميم الوجود كائنة؛ و فضل الأديب العبقري في أنه يستطيع أن يحطم قشور الحياة لينفذ إلى لبابها، فيرى، إذ ذاك،ما لا  يراه الذين ينظرون بعيون وجوههم فقط.

أخيراً، لا غنى عن الإشارة إلى أن العالم الطريف العجيب الذي يقدمه الدكتور داهش، في الأرض و البحر و الفضاء، و في داخل الأشياء، ليصلح أن يكون مادة غنية خصبة للسينما و التلفزيون. و لن فيها التشويق و الإثارة،و التعليم و الإفادة، و العمق و البساطة. فهي قصص خارقة من رجل خارق. إنها ألف ليلة و ليلة القرن العشرين كتبت بأسلوب حيّ أخاذ بجمال بساطته، لتكون متعة  وفائدة للكثيرين.

 

غازي براكس

بيروت  4 كانون الثاني 1979

قصص غريبة  وأساطير عجيبة  الجزء الثاني 

 

39 قصّة عملاقة

 مقدّمة

 

بقلم الدكتور داهش

 

وهذا هو الجزء الثاني من كتابي قصص غريبة وأساطير عجيبة ، وقد أسميته ” 35 قصّة كتبها الدكتور داهش “، وهي متمّمة للجزء الأوّل .

فالقصص التي ذكرت فيها حوادث التقمّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّص ايماني بوجودي ، أي أنّ الانسان يتكرّر مجيئه الى الأرض ليتطهّر من أواشابه ويتخلّص من أوزاره .

والتوراة تذكر في ” سفر الخروج ” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر اذا سقط على رجل فأماته ، ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثمّ يذرّون رماده في الفضاء ، كما كانوا يحكمون على البهيمة اذا ضاجعها رجل بعقوبات مختلفة كما يحكمون على الفاعل .

فكيف يمكن أن تحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يحاكم جماد ، ويحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنّهما مسئولان عن عملهما مثلما يحاكم أيّ ابن حوّاء لأنّه يفهم مسئوليّته عندما يقدم على عمل غير شرعيّ فيحاكم ويحكم عليه بعقوبة شديدة أو مخفّضة بالنسبة لعمله الاجراميّ .

والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن ايليّا النبيّ قائلين له انّ النبوءات تؤكّد أنّ ايليّا النبيّ سيعود الى الأرض ، ثانية ، فمتى تكون عودته ؟  فأجابهم انّ ايليّا النبيّ قد عاد الى الأرض ،  وهو يعرف ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطع رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلب من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس بها لأنّها كانت قرينة أخيه .

ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو ايليّا المزمع أن يأتي ” ( متّى 11: 14 ) .

وسأله تلامذه أيضا عندما شفى الضرير فقالوا له : يا سيّد ، من أخطأ أهذا أم أبوه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه . ولكن لتظهر أعمال الله فيه ” ( يوحنّا 9 : 1-3 )

واليهود كانوا يؤمنون بالتقمّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الانجيل :” وقال آخرون انه ( أي المسيح ) ايليّا وآخرون انه نبيّ . فلمّا سمع هيرودس قال : ان يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات ” ( مرقس 6: 15-16 ).

ثمّ أليس من الظلم العظيم أن يولد طفل ضريرا أو كسيحا أو مصابا بأيّة عاهة …فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة اذا كان لم يرتكب وزرا ؟ وهل يقبل الله بظلم عظيم كهذا ؟ !

ولكنّنا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولد أعمى لأنّه ارتكب شرورا جسيمة جعلته يولد ضريرا أو كسيحا كاستحقاق لما ارتكبه في تقمّصه السابق لتجلّت لنا عدالة الله جلّت قدرته .

اذا على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مرارا وتكرارا حتّى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك الى عالم بعيد سعيد ، مخلّفا وراءه الأرض وما تزخر به من شقاء دائم وشرور لا نهاية لها . والدّين الاسلاميّ يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28 :  ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ اليه ترجعون ) .

وقول في سورة الانفطار ، آية 6-8 ( يا أيّها الانسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك ، في أيّ صورة ما شاء ركّبك ) .

وفي سورة غافر ، آية 11 : ( قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ، فهل الى خروج من سبيل ؟ ) .

وفي سورة الواقعة ، آية 6 : ( نحن قدّرنا بينكم الموت ، وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) .

وفي سورة المائدة ، آية 60 : ( قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، أولئك شرّ مكانا وأضلّ عن سواء السبيل ) .

والديانة البوذيّة تؤكّد أمر التقمّص تأكيدا تامّا . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنّه تقمّص مرارا وتكرارا ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنبا وقدّم نفسه طعاما للأسد .

والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص . لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون بها أمامهم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفا من الاضرار بها ، لأنّهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي الاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشرا ، فاستحقّت أن تولد حشرات أو حيوانات أو طيورا وما شاكل ، كلّ منها تحوّل الى نوع من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .

ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر ( CLEVE BACKSTER )   ، وهو أكبر اختصاصيّ أمريكيّ بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النبات يفكّر ويشعر كالانسان تماما ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المحيقة به ، ويدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يدرك به أفكار الناس .

ويقول هذا العالم ( باكستر ) انّ الزهرة تعرف اذا كان الشخص سيقتطفها ، واذ ذاك يغمرها الخوف ، وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ، فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر احساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة وخلافه …

وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيرا عميقا في تفكير البشر ونظرتهم الى محيطهم المغمور بالأسرار الخفيّة .

ومّما يؤكّد التقمّص مختلف أنواع الأشجار ذات الأثمار الجنيّة التي نقتطفها ثمّ يذهب موسمها ، فاذا بنا نراها في فصل الشتاء وقد تعرّت من الأوراق بتاتا ، ولم يبق منها سوى الأغصان الجرداء ، ثمّ تعود ثانية فتحمل الأثمار . ويتتالى هذا الأمر في كل عام ، سواء أكانت شجرة أم نبتة ، الخ …

أليس هذا تقمّصا ؟ أوليست عودة الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة ، ثانية ، الى عالم الوجود ؟

فلماذا نصدّق بهذا ولا نصدّق بعودة البشر بعد موتهم وتقمّصهم ثانية وثالثة ورابعة ، الخ…لكي تتاح لهم فرصة الرقيّ بأرواحهم وتغلّبهم على أوشابهم بتكرار تقمّصاتهم المتتالية .

والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتتاح لنا الفرصة – بتكرار عودتنا الى الأرض – لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .

وفي صباح 22 كانون الثاني 1971 طالعت في عدد ” الديار ” الأسبوعيّ ( ص 44 ) مقالا طويلا عن الأشجار والنباتات أجتزىء منه هذا المقطع :

” وقديما كان البدائيّون يعتبرون الأشجار أجسادا لآلهة يعبدونها ويلوذون بها في الشدائد .

وكانوا يعتقدون أنّ الأشجار تعقل وتتخاطب بلغة خاصّة فيما بينها . ولا عجب ، فنحن ، حتى الآن ، ننصح بارواء الزهور والأشجار لأنّها ( روح ) ، ونؤدّب من يقتطع جزءا منها ، لأنّ ذلك في نظرنا ( جريمة ) .

ولا تحسبنّ هذه العادة وقفا على الشرق والمسلمين . فالغرب عرف مثلها ، وقدّس الشجرة كتقديسنا لها . حتّى يقال أنّ السيّدة العذراء مريم قد جاءها المخاض تحت شجرة ، وانّ المسيح نزل بصحبة أمّه وعاش تحت شجرة ، وانّ ما يرمز اليه المسيح من قوله – حين أمسك بالخبز وأكل منه –” هذا لحمي ” ، انه يقصد ما للشجرة من روح . ولهذا احتفلوا بشجرة الميلاد ورأس السّنة . وقد تمّت بيعة الرضوان بين المسلمين والرسول تحت الشّجرة التي قيل عنها بسبب ذلك انّها ” الشجرة المباركة “.

والبوذيّون يعتقدون أن يوذا الحكيم قد تلقّى تعاليمه عند شجرة ، وجلجامش بحث عن الخلود في نبتة الحياة .

والديانة الطاوية تقول لأهلها : خذوا الحكمة من الشجرة الخ ، الخ ….

ونظريّتنا في التقمّص هي الآتية :

انّ الأديان قاطبة تقول ، بل تؤكّد أنّ الانسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمال صالحة وأخرى طالحة .

وعندما يتوفّاه الله يذهب الى النعيم اذا كانت أعماله صالحة ، أو الى الجحيم اذا كانت أعماله شرّيرة .

ويعمّر الانسان 70أو 80 أو 90 عاما . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم ، و4 سنوات بالمرض ، و15 عاما هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . اذا الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .

ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّا اذ انّ دنيانا حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في شراكها التي لا ينجو منها ناج ، فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضمّ الشهوات العارمة ، وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ…. جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكّد .

اذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم الى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهر الى دهر ، ومن أزل الى أبد . وهذا أمر غير جائز اطلاقا ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميقة . لهذا أعطانا فرصة اصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا ايّاها 6000 مرّة نعود فيها الى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .

ففي خلال هذه التقمّصات ال6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وايابه . فاذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، اذا يستحقّ ، اذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلا وحقّا .

هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذّبوها ، فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيبا أم مخطئا . واني أعلن على رؤوس الأشهاد ايماني بالتقمّص كايماني بحقيقة وجودي ، والسلام .

                                                       الدكتور داهش

                                     بيروت ، الساعة 8 من صباح 21/1/1979

قصص غريبة و أساطير عجيبة الجزء الرابع

غربة

ما أبعدني عن هذه الأرض الحقيرة،

حينما أحلق بخيالي إلى ما وراء الهيولى،

حتى أصل إلى عوالم أخرى

لا تعرف شيئاً عن شقاء هذا العالم وأتراحه الكئيبة!

و هناك في ذلك الملأ البهي الحالم الساهم

أعيش لحظة واحدة و أتذوق فيها السعادة الفائضة،

و أشعر بالغبطة القدسية الهانئة تحتل جوارحي

و تضفي عليّ بردة النعيم الإلهي الشامل!

و لكن وا أسفاه!

فإن تلك اللحظة سرعان ما تنقضي مخلفة إياي وحيداً،

فأعود مكرهاً إلى دنيا شقائي، و محط كربي و بلائي.

داهش

كن كتاب” كلمات”

أنا أؤمن بأنه توجد عدالة سماوية ؛ و أن جميع ما يصيبنا

 في الحياة الدنيا من منغصات و اكدار

عن هو إلا جزاء وفاق لما اجترحنا في أدوارنا السابقة

من آثام و شرور، ولهذا أيجب علينا أن

نستقبل كل ما يحل بنا من آلام الحياة ومآسيها،

غير متبرمين ولا متذمرين، بل قانعين بعدالة

السماء و نظمها السامية.

داهش

 

مقدمة

بقلم طوني شعشع

ما تزال الأساطير أفقاً رحباً للتأملات الفكرية، الممعنة فيها تعليلاً و تأويلاً… و ما تزال النفوس البشرية- على ذيوع الثقافة العلمية-مولعة بها، و بكل غريب فيها، فكأن ثمة حاجة، فيها، لم يشبعها العلم، بالرغم من عظيم مآثره؛ أو كأن ثمة آثار ما برحت كامنة فيها منذ طفولة الشعوب!…

و إذا رأى بعضهم أن زمن الأساطير قد تولى، فإن الأسطورة ما فتئت، في مجال الفن، باباً مشرعاً لبثّ فكرة أو عقيدة،و لا سيما إذا تعلقتا بموضوعات روحية. ولعل الفكرة، متشحة بالخيال، أفعل، في النفس، منها مجردة من كل صورة.

و لا يخرج كتاب الدكتور داهش” قصص غريبة و أساطير عجيبة”- في أجزائه الأربعة-عن هذا المنحى. فالرجل صاحب عقيدة روحية، لها أشياعها و مؤيدوها، همه الحقيقة التي بها يؤمن، والقيم التي بها يدين، يجلوها سافرة بلا أصباغ و لا مساحيق، و إن هي آلمت نفوساً أو تنكرت لها نفوس…لنسمعه يقول، في مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب: ” الحقيقة أحق أن تذكر دون أن يسدل عليها رداء الرياء…إن على الكتاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها.”

و عليه فليس القارئ،ههنا، مدعوا إلى رحلة في دنيويات الخيال، فحسب.ثمة ما بين السطور، فكرة روحية أو عبرة خلقية، وإن كان بعض ما في الكتاب لا يخلو من متعة الفن!

و الحق أن مطلب الحقيقة ليس شأناً عارضاً في أدب الدكتور داهش. فمن يرجع إلى حياته الأدبية، لا يصعب عليه الاهتداء إلى هاجس”الحقيقة” الذي لازمه واستولى على كيانه.”الإلهات الست” – وهو من بواكيره-نشيد روحي حزين يصعده شاب غريب الأطوار، برزت له الدنيا بمفاتنها، فأشاح عنها الطرف،رغبة منه في الحقيقة المطلقة التي لا موطئ قدم لها على هذه الفانية!

على أن ما يميز”قصص غريبة و أساطير عجيبة” صفة الغرابة فيها. و قد يصعب على العقل البشري، أول بدء، قبول ما تشتمل عليه من آراء. و ربما ظن القارئ أن هذه الآراء بعيدة عن التصديق، بحجة أنها ” غريبة” أو غير مألوفة لديه، فيسبق إلى روعه أنها نسج خيال. و الحق ان نظرة خاطفة إلى تاريخ البشرية كافية لتؤكد له أن الحقائق التي كانت، أولاً غريبة على الأفهام، فجبهت بالرفض الصارخ، أمست من بديهيات الأمور. ومن يدري؟! لعل أغرب الأشياء أقربها إلى الحقيقة!!

و لعل الغرابة تتصل وثيقاً، عند الدكتور داهش، بالغربة. فما أكثر ما تظلّم و تألّم من غربته الروحيّة على هذه الغبراء، يحدوه الحنين القاهر إلى وطن روحيّ بهيّ بعيد. وليس إلجافه في نشدان الموت-حتى أهدى إليه أول مؤلّفاته المطبوعة:”ضجعة الموت”- و مناجاته إياه بأرق الألفاظ و أعذبها  إلاّ صدى لازماً لتلك الغربة الروحية:”نعم!أنا غريب في هذه الحياة الغريبة عني!…غريباً أتيت إلى هذا العالم… و غريباً أغادره!” ترى، ألا يسوغ القول، و الحالة هذه، إن تلك الغربة الروحية هي التي  أتاحت له أن يرى الأمور   ما يبدو غريباً؟ ألا يلزم من كونه غريباً في وجوده، أن يكون غريباً في آرائه؟ فكأن تلك الغربة شقت له نافذة يطلّ منها على آفاق لا عهد لعقول البشر بها!

***

و يا أيها القارئ، ثمة مصباح تستطيع به ان ترتاد عالم داهش، و تستبين آراءه في كثير من مناحي هذه الدنيا ، و ما بعد هذه الحياة؛مصباح لا يصعب حمله على أحد، و الطواف به، و ربما انكشف لبعضهم، في ضوئه ما خفي على سواه، بيد أن أسوأ القارئ، طرّا، من اتخذ أداة سلوة أو متعة،فحسب.

و إذا ولجت،أيّها القارئ،عالم داهش، فقد يخالجك شعور بأن الأشياء من حولك تضج بالحياة، و ان م الحيوان ما تفوق ملكات إدراكه ملكات إدراكك، و أن بينك و بين الكائنات و شائح أكثر مما يخيّل لك،و أوثق: فقد ترنو على الحجر المهمل، فلا ترى إليه شيئاً جامداً، بل دنيا صغيرة لها نظامها، ولها ثوابها و عقابها؛ و قد تنظر إلى الزهرة النامية، في زاوية الدار، فتستغرق في لحظات تأمل عميق، و تسأل نفسك: أتراها تعي ما يراودني من ذكر؟ و هل بيني و بينها أسباب لا اعرف منها غلاّ إنها، الآن، نبتة في داري؟! و قد تصادف كلباً هزيلاً عليلاً، عند عطفة شارع، فتحملك أجنحة الحياة إلى أدوار حياة سابقة، و تتساءل: ما الذي اجترحه هذا المخلوق حتى استحق هذا المصير الذريّ؟!….

و من جراء ذلك، و قد تستبدل بقيم السلوك، عندك، قيماً جديدة، فتحترم الأشياء، إذ عن لكل موجود معنى وجوده، و لا محلّ  للمصادفة في العالم، بل ثمة أسباب تضرب جذورها في تربة الزمن البعيد، عبر تقمصات متعددة معقدة.. كل ذلك وفقاً لقانون العدالة الإلهية: فلا عقاب او ثواب إلاّ له أسبابه القريبة أو البعيدة . و لعلّ بعض ما يحسب شراً، منقلب ،يوماً إلى  خير عميم.

و لا بد من إن يستوقفك، في عالم داهش، شأن المرأة في الأرض  وسلطانها على القلوب و مطلب السلطة عندها؛ و تستوقفك ثورته الطاغية على خيانتها، و على خرافة حب، و إكباره اللذين تجسدت فيهم قيم الصدق و الإخلاص  والوفاء…و قد أشاطره الإيمان بأن زنبقة الحب البيضاء لا تنمو في تراب الأرض، و إن المرأة-الحلم أجمل من المرأة- اللحم و الدم، و أن أنقى الحب و أبقاه ما لا يحقق على الأرض مرتجاه!…

و لعلك واقع، في الكتاب على قصص معروفة ، منها التاريخيّ أو الأدبيّ او الشعبيّ… غير أن يراعة المؤلف أضفت عليها، بصياغتها ثانية، و بما حذفت منها أو أضافت عليها، رونقاً فنياً جديداً. هذه اليراعة لا بد أن تأسرك بسردها الحوادث، ودقة وصفها، حتى كأنك ترى المشهد رأي العيان؛ و لا بد أن تملك عليك مشاعرك و أنفاسك، فتجري في إثرها، يرفدك شوق ملحاح إلى الخاتمة التي غالباً ما تأتي غير متوقعة؛ فكأنك، مع تلك اليراعة تسير على أرض المفاجآت.

و بعد، لا غرو أن التأمل في النجوم المتألقة عينها، خير من النظر إلى ظلالها المرتسمة على وجه البحيرة! ثم، أما حان موعد الرحيل في عالم داهش، أو في بعض أرجائه؟.!…

طوني شعشع

في 3/8/1983

نأتي الى هذا العالم باكين معولين، ونغادره باكين معولين. فواها” لك يا عالم البكاء والعويل

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!