أقوال الصُّحف
جريدة الهدف 10 آب 1965
الذين يجتمعون الى الدكتور داهش ، وبعضهم علماء وأطبّاء ومثقّفون ، يخرجون من لدنه وعلى شفاههم سؤال واحد :
ما هذا الذي نرى في الثلث الأخير من القرن العشرين ؟
ان الخوارق الروحية التي يأتي بها الدكتور داهش تقطع بأشياء يقف أمامها العقل عاجزا حائرا .
ليس أسهل من التشكيك ومن الاستلشاق ..في عصر مادّي يعيشه . اللامادّيون فقط ، لا يرون فيما يأتيه هذا الرجل بدعا ولا عجبا . فالشرائع تتحدّث عن الأرواح والخوارق . والدكتور داهش يقول :
لم يعد من السهل ارتداد انسان اليوم الى صفاء الايمان بعد طغيان المادّة على حياتنا وانتشار الفساد في مجتمعاتنا ، فجاءت الرسالة الداهشية تؤكد خلود الأرواح وفناء الأجسام ، أي انّ الداهشيّة تبشّر بقيمة المعنويات وتمقت بهرجة المادّيات وفقا لما جاء في الأديان السماوية . وتعتبر قوّة الأرواح الخارقة كمعجزة لهذه الرسالة ووسيلتها الأولى لاقناع الناس بمبادئها .
واذن فالرجل الذي يعيش بيننا منذ نيّف وعشرين عاما وينادي بثبات وايمان أن : تعالوا الى كلمة سواء ، عودوا الى الجوهر والقيمة ، يجب أن نخلي بينه وبين ما هو فيه فقد يصبح له شأن عظيم …
قد تمضي سنوات أخرى على القول ” لا كرامة لنبي في وطنه ” . لكن رسالة هذا الرجل لا بد منتصرة ومنتشرة ، وسيكون ناصرها الأبعدون كما يعتقد ، بل بجزم الدكتور داهش نفسه ، والمقربون جدّا اليه .
وغدا عندما يأتي الناس أفواجا من بعيد ، ليروا خوارق هذا الانسان الذي انتظمت فيه الظواهر الروحية ، ويحارب التدجيل والشعوذة حيثما وجدت ، سيصبح لبنان شيئا أخر .
وغدا أيضا عندما تتقبل عقول الناس توضيحه الروحي والحسّي لأشياء كانوا يلوكونها ولا يدركونها ، كقضية الصلب مثلا وتأكيد الدكتور داهش بواسطة الظواهر أنّ للانسان شخصيّات متعدّدة ، وبذلك يترجم القول ” ولكن شبّه لهم ” ، في ذلك الغد سيكون الانقلاب الكبير …
حسب لبنان يومئذ أنه سيصبح ثروة سياحية كبرى .
حسبه أن واحدا من بنيه جاء يحسم ، وهو يثبت الايمان في القلوب ، قضايا هي مثار جدل ومتاجرة وانقسام ، كل ذلك في حدود قوله :
” ولعل مبدأ السيّالات الذي تبشر به الداهشية أقوى دليل على تجاوبها مع الاسلام والمسيحيّة ، مع روح هاتين الشريعتين اللتين تلتقيان ، عند الذين يعلمون …في الجوهر وفي كلّ ما هو قيمة ونافع لبني الانسان …”
تعريف موجز عجيب
عن الديانة الداهشية الجديدة
حديث طريف مع أحد الداهشيين
ونشرت أيضا جريدة الدنيا بتاريخ 9 شباط 1945 المقال الآتي :
الدكتور داهش شخصية فذّة عجيبة . ومنذ ثلاثة أعوام وهذا الاسم يتردد ذكره باستمرار ، سواء أكان بواسطة الصحف السيارة أم في الأندية العامة والمجتمعات الخاصة أم في المخادع والمقاصير .
وراحت شتى الاشاعات تنسج حول مقدرته الروحية العجيبة شتّى الأقاويل المدهشة والمثيرة . وقد كان للحكومة المحلية والسلطات التنفيذية نصيب كبير في التحقيق والتدقيق حول كلّ ما له علاقة بالدكتور داهش كما يعلم الجميع .
فهنالك فئة كبيرة من الناس تطعن بالدكتور داهش طعنا ذريعا . كما إنه توجد فرقة أخرى تناصره وتؤازره وتدحض ما تزعمه تلك الفئة ببراهين ثابتة دامغة . ثم توجد نخبة خاصة من أرقى طبقة في البلاد كأشهر الأدباء والشعراء والمفكرين والأطباء والمحامين والتجار والوجهاء قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش ، وهم يعدونه (نبيّ عصره) بعد أن انشقوا عن الكنائس التي كانوا ينتمون إليها . وهؤلاء يسمون أنفسهم (المؤمنين ) ، وهم من الأقطاب الداهشيين… يبذلون النفس والنفيس من مال ووقت وعقار، حتى ويضحون بأرواحهم، إذا اقتضى الأمر ، في سبيل رفع الحيف عن كل ما له صلة برئيسهم الدينيّ .
وإزاء هذه الحالة ، ولمّا كان هذا المذهب قد انتشر في الأوساط الاجتماعية ورددته الألسنة والشفاه ، اتصلت بنا تلفونيا وشخصيا جماعات عديدة محترمة راجية منّا أن نستزيدها ما نشرناه في العدد الأول من الدنيا ، ونعلمها بما وصل الينا عن المذهب الجديد .
فرأينا أن نوفد مندوبا خاصا عن جريدتنا الى أحد الأقطاب الداهشيين ، فعاد إلينا بهذا الحديث القيّم . وها نحن نذيعه بواسطة جريدتنا ليشبع نهمة كل فضولي متشوق لمعرفة حقائق هذا المذهب وما يتفرغ عنه من عقيدة داهشيّة، وطقوس دينية ، قال :
تقدّمت وصافحت القطب الداهشي فبادلني التحية بمثلها .
وسرعان ما أفهمته الغاية من زيارتي ، فرحّب بي ، وقال :
- سل ما تريد وأنا على استعداد لاعطائك الجواب على كل سؤال توجهه إليّ .
- المندوب – ما هو المذهب الداهشي تعتنقه مع فئة كبيرة من أرقى شخصيات البلاد ؟ وهل هو مخالف للتوارة والانجيل والقران وسائر الكتب المنزلة ؟
الجواب – المذهب الداهشي هو خلاصة ما أنزل على الأنبياء والمرسلين ، لأنه يحترم كافة العقائد الدينية التي أوحى بها الله على أيدي رسله الأمناء. . . و لكنه لا يعترف ببعض الطقوس الدينية المسيحية كعبادة الصور الدينية, و الإحتفاظ بالأيقونات, و المتاجرة بها, و بالغفرانات, والقيام بأثناء الصلوات العامة في الكنائس بالتبخير امام الهيكل, و التمتمة و التعزيم, ثم لا يسلم مطلقا” بما يسمونه (سر الاعتراف المقدس). و هو يقول إنّ جميع ما ذكر هي بدع ابتكرها رجال الدين لمآرب ذاتيّة, و غايات دنيوية, إذ لم يوص السيد المسيح أو رسله بوجوب السير على خطة كهذه.
فالداهشية إذن رسالة إلهيّة تهتم بلباب الدين لا بقشورة, فهي تحترم جميع الأديان المنزلة و تريد من الذي ينتمي إليها أن يطبّق الأقوال السماوية عمليا” لا نظريا”. و هي تكره السخافة و العرض, و تتمسك بالحقيقة و الجوهر. فمن صفت روحه فكرا” و قولا” و فعلا” كان داهشيا”.
س:لقد قرأت نعوة المرحومة ماجدا حداد, فإذا بنجمة مخمسة قد كتبت في داخلها حروف أبجدية. فماذا تعني هذه الحروف؟
ج:ليست الحروف الستّة التي شاهدتموها تعني غوامض, كما وقع في هذا الخطأ بعض الصحف التي تسرّعت و توهّمت و ذكرت مثل هذا الزعم. و لكنّ هذه الحروف و سواها تحمل في طيّاتها جملا” رائعة المعنى, بعيدة المرمى, سامية الأهداف. و عليها يرتكز أساس الدين الداهشي الذي أصبحنا نعتنقه بفخر عظيم. . . و هنا أعطيك مثلا” بسيطا” على هذا :
ففي القرآن الكريم تجد كلمة (بسملة) و هي مختصر جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) و هناك كلمة صلعم مختصر (صلّى الله عليه و سلم). و هكذا (الحوقلة و الحمدلة و كهيعص) و غيرها كثير من الإصطلاحات التي اتّفق عليها كبار أئمّة الدّين.
و كما إنّ الحروف الأبجديّة _على قلّتها _تتألف منها الكلمات والعبارات والسطور والفقرات والصفحات والملازم و الكراريس والكتب والموسوعات ودائرات المعارف ومعاجم اللغات والعلوم والفنون, هكذا الحروف الرمزية والرموز المقدّسة والنجمة المخمية و سواها من الإشارات تتألف منها أسرار الداهشية العجيبة, و عليها ترتكز آيات الظاهرات الروحية و مدهشات العجائب الغريبة. . . إذن, فالحروف الستّة المدوّنة ضمن النجمة المخمسة لها غاية مقدسة, و هي إذا جمعت بطريقة خاصة يعرفها الأخ الداهشي تؤلف جملا” دينيّة كبيرة ذات مغزى بعيد. و على هذا التفسير المقدّس ترتكز عقيدتنا الثابتة الحقّة.
ولكل رسالة إلهية إشارات ورموز خاصة يختلف بعضها عن البعض الآخر. فشعار رسالة النبي سليمان مثلا هو ( النجمة المسدّسة ) التي لا يزال اليهود يحتفظون بها ، وهي مرسومة على أبواب مجامعهم وكنائسهم حتى اليوم . أما شعار رسالة السيد المسيح فهو النجمة المخمّسة التي هي شعار رسالتنا الداهشية اليوم .
س : هل الدكتور داهش أميّ كما بلغنا أم تعلم في مدارس عالية ؟
ج : من يجرأ على رفع عقيرته بأن الدكتور داهش أميّ فليتفضّل للنزول إلى حلبة السباق الأدبي معه لنرى من سيكبو جواده ومن هو الفائز … أمّا التخرّصات المغرضة فإننا نحتقرها ولا نريد أن نخوض هذا البحث مع من أشاعوها … فالمؤلفات المطبوعة التي تحمل اسم رئيسنا الديني هي خير ردّ على أمثال هؤلاء الموتورين . وتوجد من بنات أفكاره عشرات من الكتب الثمينة التي ستطبع في أوقاتها المناسبة . وبعضها تحت الطبع .
امّا انه ” هل درس في معاهد راقية ” فإنني أجيبك : كلاّ . انه لم يمكث في المدرسة سوى ثلاثة شهور وذلك بميتم غزير .
وإذا سألتني : إذن كيف تفسر تأليفه العديدة ؟ وكيف قيّض له أن يضعها وهو كما وصفت ؟
فأجيبك : لأنه ملهم وصاحب رسالة سماوية ، ولو سلمنا جدلا مع القائلين بأنه أميّ ، فله الفخر الأعظم بذلك . وتكون إذ ذاك معجزة حقا باستطاعته نشر مؤلفاته الكثيرة الغزيرة وهو ( أميّ ) كما يزعمون .
وإذا ظل هؤلاء الموتورون مصرين على إعلانهم عن أميته كيدا وعنادا ، فإننا نقول لهم جهازا :
كفاه فخرا بأن رسول الأمة المحمدية كان أيضا أميّا ويتيما … أوليس ذلك من الفخر والمجد بمكان عظيم ؟! ..
س : لماذا انتحرت الآنسة ماجدا حداد ؟
ج : إنّ ماجدا حداد هي الشهيدة الأولى في هذه الرسالة الداهشية . لأنه بعدما اضطهدت الحكومة الدكتور داهش لأسباب عائلية شخصية ، وكانت العائلة المسببة لما أصاب الدكتور هي عائلة الحداد نفسها صممت ماجدا على إغتييال من تتمكن من إغتيالهم انتقاما لما أصاب رئيسها الديني على أيديهم من سجن وتجريد ، ونفي وتشريد …
ولكن رسالة خاصة وصلتها من الدكتور من حلب يقول لها فيها أن لا تقدم قطّ على أي عمل إرهابي ثأري ، وإلا فانه مضطر لأن يرفضها من بين أتباعه ، ويخرجها من الرسالة الداهشية . فكبر عليها الأمر ، وانصاعت لوصيته مرغمة .
ولما طال عليها الوقت انتحرت إحتجاجا على الحيف العظيم الذي وقع عليه ، ولكي توصل صوتها الى من اضطهد الدكتور ، بعد أن فشلت جميع المساعي المبذولة في هذا السبيل ، فذهبت ضحية طاهرة إلى الملأ العلوي .
وهكذا سجلت هذه الشهيدة الداهشية الأولى بدمها الزكي الطاهر انّ الاضطهاد والنفي والتعذيب والارهاب جميعها لا تستطيع قتل الفكرة التي اختمرت في الرؤوس ونزع الأيمان الصحيح الذي زرع في القلوب والنفوس . ولقد ظنت الحكومة أنها بإبعادها للدكتور داهش تستطيع أن تحمل الأنصار والمريدين والمؤمنين لأن يتفرقوا عنه . فكان أن ازدادت الأواصر متانة ، ورسخ الايمان الوطيد الى درجة بذل الروح رخيصة في حقل الايمان الغالي ، والهدف الروحي العالي . وهكذا جرت الرياح بغير ما كانت تشتهيه سفنهم …. لقد ظنوا أنهم سيخنقون الرسالة وهي ما تزال جنينا في المهد . فكان لها بإذن الله الرسوخ والازدهار ثم الانتشار …
س : من الذي قام بمراسيم دفن شهيدتكم الأولى ؟
ج : لقد قام بمراسيم الدفن كل من الدكتور خبصا ويوسف الحاج وسواهما ، لأن المذهب الداهشي يسمح لأي أخ داهشيّ أن يتلو قطعة روحية ملائمة للموضوع المراد القيام به ، دون حاجة الى سيامة أو تعيين فئة معينة كالقسس عند بعض الطوائف المسيحية مثلا ، لأن الداهشيين جميعهم إخوة وكهنة لله العليّ ، وتلك القطع التي تقرأ جميعها في مثل هذه المراسيم هي من وضع الدكتور داهش وإلهامه وتشريعه .
س : هل لك أن تشرح لي كيف تتم مراسيم الدفن في الديانة الداهشية ؟
ج : توضع الجثة في النعش . وتؤخذ إلى المقبرة حيث يتلو أحد الأخوة عدة قطع روحية لرئيسنا الديني ، مما يجب قرأته في حالة الموت والدفن . وبعد الانتهاء من قراءة القطع ومن وضع الجثمان في الجدث ، يرسم الرمز المقدس كما هو في ورقة النعوة ، ثم يحرق وينثر رماده في الهواء .
وهناك قطع أخرى لمراسيم الزواج والعماد والعبادة وسواها ، وكلها مما كتبه رئيسنا الديني في أوقات مختلفة .
وأذكر أنّ ديانتنا تحارب كلّ رياء وتدجيل وكذب وتضليل . وما تلك الطقوس التي تمارسها بعض الطوائف المسيحيّة أثناء الدفن مثلا ، كإبراز أكاليل الزهر ، وبسط الرحمة ، واستعراض صفوف اليتامى المساكين ، وقرع الأجراس والصلوات بأصوات عالية في الشارع بلغات غريبة عجيبة ، وإنارة الكنائس ، وعزف الموسيقى … جميع هذه الطقوس وملحقاتها ليست سوى تدجيل على الأموات والأحياء معا . وما هي إلا وسائل لكسب المال ووضع الفوارق بين المؤمنين كل حسب ما يملكه من دراهم وعقارات .
فرسالتنا تسخر بهذه البهارج المضحكة المؤلمة وتحتقر هذه المظاهر الشاذة التي هي الشعوذة بعينها .
س : ما هي كتبكم الدينية المعوّل عليها ؟
ج : أولها كتاب ( الهادي ) المنزل . وهو مجموعة عظيمة من الآيات المنزلة في مناسبات مختلفة تحمل اسم المكان الذي هبط فيه الوحي مع تاريخ اليوم والساعة والدقيقة . فهذا الكتاب الثمين هو وحي السماء لأبناء الأرض ليهديهم سواء السبيل . ويشتمل على آيات بيّنات تحتوي على نبؤات تمّت ، ونبؤات ستتم في الأوقات المحددة لها ، مثلما هو مدون في تضاعيف سطورها .
س : هل يمكننا الاطلاع على هذا الكتاب ؟
ج : إنه محفوظ الآن في مكان أمين جدا في مدينة القدس مهبط الوحي والأنبياء والرسل .
س : فهمت منك أنّ الدكتور داهش منع ماجدا حداد من الانتقام له ممن سببوا له محنته الهائلة ، فهل القتل والاغتيال ممنوعان عندكم ؟
ج : إنّ الدكتور داهش منع ماجدا من اغتيال بشارة ، وإلاّ فكن على ثقة تامّة بأنه لكان قد قتل كلّ من كان نصيب في الاعتداء على رئيسنا الديني ، لأننا نبذل أرواحنا رخيصة في سبيله ، وفي سبيل المبدإ السامي الذي ينشده . ولكن الموت عندنا رخيص . وفي إنتحار ماجدا أكبر دليل على أننا لا نقيم للحياة وزنا، ولا نعيرها أي إهتمام . فالموت كما قال رئيسنا الحبيب ” يقظة فتانة يحنّ اليها كل من صفت نفسه وسمت روحه “. ولكننا مرغمون على التمسك بنصوص التعاليم الدينية لمذهبنا المقدّس … ولكن هذا لا يمنع أن تحدث بعض الأمور المثيرة التي لا يستطيع المرء معها أن يمتلك ثورة أعصابه ، فيحصل ما لا تحمد عقباه .
وهنا أعطيك شواهد ببراهينها المادية المادية الدامغة :
فالمسيحية تمنع القتل أيضا . ولكن كم وكم من حوادث الاغتيال والقتل تحدث كل دقيقة في جميع أنحاء العالم المسيحي ، ومن المسيحيين أنفسهم ؟ وهكذا قل عن المسلمين الذين تمنعهم عقيدتهم الدينية من ارتكاب هذا الأمر المخالف لشريعتهم . وهكذا ( الموسويّة ) نفسها : أما قيل في رأس الوصايا العشر ( لا تقتل ) ؟ فكم من أعمال إرهابية وحوادث قتل يجري يوميا بين أفراد الطائفة اليهودية ؟
إذن حوادث كهذه لا يستطيع المرء أن يتمسك فيها بالنصوص الدينية قلبا وقالبا ، فللأيام والأحوال الكلمة الأخيرة .
س : من أين يعيش الدكتور داهش ؟
ج : يعيش من ريع كتبه ومؤلفاته ، فضلا عن أنّ أموالنا هي أمواله ، وكل ما نملكه ملك حلال له .
س : كم عمر مؤسس ديانتكم ؟
ج : هو اليوم في الثالثة والثلاثين من عمره .
س : ما هي العجائب التي شاهدتموها حتى اعتنقتم مذهبه ؟
ج : إنّ المعجزات التي شاهدتها بأم العين مع عشرات من الحضور كثيرة :
منها حضوري لجلسة روحية عقدها الدكتور داهش ، وفي أثنائها طلبت منه أن يحضر لي أشياء ثمينة تخصني ، وبلحظة وجدتها بين يدي . وهناك كتاب خاص مكتوب بخطّ يد الدكتور خبصا ، وكان قد أضاعه في باريس منذ اثني عشر عاما ، أحضر له بجلسة روحية ولا يزال في مكتبه حتى الآن . وقلم حبر ثمين ودبوس نفيس يخضّان المستر اوليفر رئيس مدرسة الفرندس في رأس المتن ، وقد استحضر له في جلسة روحية أمام عشرات المشاهدين ؛ وكذلك مبلغ من المال مسروق للدكتور توفيق رزق الجرّاح المعروف . وفي جلسة خاصة إستحضر للدكتور شاهين صليبي شجرة ليمون كاملة بورقها وجذورها ، بينما كانت الغرفة مقفلة . وكذلك حول الماء الى خمر أمام المحامي الأستاذ إدوار نون وعائلته ، وأمام كثيرين .
ثم – وهنا بيت القصيد – التعاليم الروحية السامية . فما الظاهرات الروحية التي كلمتك عنها الا وسيلة للاقناع والاقتناع فقط بوجود الروح وخلودها . أما الدين فيرتكز على التعاليم وليس على الأعاجيب والمعجزات . وهكذا تجد أنها واسطة وليست غاية .
س : إذن لماذا يكره رجال الدين الدكتور داهش بعد اطلاعهم على تعاليمه السامية ، ومعرفتهم بالهدف الروحي العلوي الذي ينشده ؟ وما هي أسباب اضطهادهم اياه ؟
ج : أتريدهم أن يقلده وسام الاستحقاق يا أخي !؟ .. وهو قد أتى إلى هذا العالم كي يدك معاقلهم الحصينة وينتزع منهم ما يظنونه حقوقا قد اكتسبوها منذ ألفين من الأعوام ؟
وهل تريد أن يباركوه ، وهم يرونه يتولى مراسيم الدفن والعماد والقيام بالوعظ الديني في كل أسبوع مرّتين عندما كنا نعقد جلساتنا الروحية .
نعم نحن لا نستغرب لعنهم إياه بالرغم من وصية السيد المسيح لهم إذ أوصاهم قائلا : ” باركوا ولا تلعنوا “! …
ولكنهم بشر . وللبشر حدود لا يستطيع أن يتجاوزوها ، فأمرهم مع الدكتور داهش عظيم ، إذ بلغ بهم السيل الزبّى ، ولم يعد في قوس اصطبارهم منزع .
ثمّ… ألم يضطهدوا الرسل والأنبياء والمصلحين في جميع الأدوار التي مرّت على تاريخ عالمنا المملوء بالأثم والفساد. وإنني أدلي برأيي قائلا لك : لقد أخطأ رجال الدين باضطهادهم للدكتور داهش ، وسجلّوا على أنفسهم أتعابا ما كان أغناهم عنها . وقد سبق للكنيسة الكاثوليكية أن اضطهدت المصلح لوثير ، فما كان منه إلاّ أن أنشق عن كنيستهم ، ثم كان ما يسمونه المذهب البروتستانتي الذي ذاع وشاع ، وملأ الأبصار والأسماع . فلو تركوا الدكتور داهش وشأنه لما إنتشر مذهبه ولا إمتدت شرارته بهذه السرعة الغريبة ، ولما تردد اسمه على كل شفه ولسان . ويحضرني بهذه المناسبة قول القائل :
وإذا اراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وها هي قافلة الدكتور داهش سائرة . فلينتشر رجال الدين ، وليختلقوا وليروجوا من الأشاعات ما شاؤوا حتى يوم يبعثون ، لأنها لن تجديهم نفعا ، ولن تعود عليهم إلاّ بالوبال الفتاك .
س : لماذا لم تضعوا إطارا أسود على ورقة النعي لشهيدتكم الأولى ؟
ج : هذه عادات قديمة وتقاليد بالية . فنحن نعتقد أنه من يسير على التعاليم السامية وينفّذها بحذافيرها ، سيذهب إلى فراديس الخلد عند رحيله من دنيا الأرض الفاسدة . فلماذا نتوج الورقة بالسواد ، مع أنّ الأحرى بنا أن ندعها ناصعة البياض ؟ فإننا نعتقد الاعتقاد الجازم بأنّ شهيدتنا قد أصبحت ترتع في بحبوحة من السعادة الألهية في جناته الفتانة الخالدة .
س : ما هي تنبؤات الدكتور داهش التي تمّت ؟
ج : هي عديدة لا تقع تحت حصر :
منها تلك النبؤة المشهورة يوم ألقي القبض على الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية . فقد طلبت زوجته (لور) من شقيقتها السيدة ماري حداد ، والدة الشهيدة ، أن تتوسط لها مع الدكتور داهش كي ينبءها عن مصير زوجها بعد إعتقاله في راشيا . فكتب اليها الدكتور على ورقة لاتزال في خزانتها إنه سيعود إلى الحكم معززا مكرما . وحدد لها اليوم والساعة التي سيعود فيها إلى منزله بين آله وذويه . وهذا ما تمّ بالحرف الواحد .
ثم نبؤته عندما بدأت الحكومة السابقة باضطهاده ، إذ أعلن أنّ من سيوقع على مرسوم إبعاده ستكسر يده من العنق . وقد حققت الأيام نبؤته هذه أيضا . ومن يشك ، فليرجع إلى جريدة ” الصحافي التائه ” ، فقد كتب صاحبها هذه النبؤة في العدد 37 بتاريخ 20 شباط من العام الفائت 1944 . فليراجعه من يريد الحقيقة .
س : أين هو الدكتور داهش الآن ؟
ج : لا أستطيع أن أطلعك على مقره لأنني أجهله . ولكنني سمعت بأنّ أشخاصا عديدين قد شاهدوه في محلات عديدة في نفس بيروت ، كما أنّ آخرين يؤكدون أنهم قد إجتمعوا به في دمشق ، وغيرهم في حلب ، وسواهم في بغداد أو البصرة ، وسواهم في كربلاء . ولا عجب ، لأنّ للدكتور شخصيات متعددة تستطيع الظهور في عدّة أماكن في وقت واحد . وهي أمور أصبحنا نعرف أسبابها ومسبباتها .
بتاريخ 11 شباط 1945 ، صدرت مجلة ” الأحد ” الدمشقيّة وهي تحمل هذا المقال :
انتحرت الأنسةماجدا حداد عن عمر ناهز ال 28 سنة في بيروت ، وجرى الأحتفال بدفنها على الطريقة الداهشية . هذا ما ذكرته صحف بيروت آنئذ . وقد راجت اشاعات كثيرة عن الدكتور داهش . ولا يستغرب القارىء حين يعلم أنّ نخبة من أرقى الطبقات في لبنان ، من أدباء وشعراء ومحامين وأطباء وتجار قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش ، ويسمون أنفسهم ( بالداهشيين ) . وهم يبذلون كل مجهوداتهم لرفع الحيف عن كل ما له صلة ( برئيسهم الديني ) ، ولو بالانتحار .
ويقول احد أتباع الدكتور داهش إنّ مذهبهم لا يعترف بالطقوس الدينية الرائجة أو البدع التي يبتكرها رجال الدين لمآرب شخصية . والطريف في الأمر أنّ الدكتور داهش له مؤلفات تحمل إسمه مع أنه لم يمكث في المدرسة سوى شهور لم تتعدّ الثلاثة . وقد إستطاع تأليف كتبه بواسطة الوحي والألهام . وكانت ماجدا حداد أول شهيدة إذ إنتحرت من أجله ، وبسبب إضطهاد الحكومة له ، رغم أنها تلقت رسالة منه بعدم الأقدام على أي عمل انتقام لأجله . وعند دفنها قرأوا على قبرها قطعة روحية ملائمة لموضوع الموت ، من تأليف الدكتور داهش ، وهي من مختارات كتاب (الهادي ) المنزل ، الذي يحوي كثيرا من النبؤات التي تمّت ، والتي ستتم . وّكر أحد مريديه أنّ الموت رخيص جدا ، وفي إنتحار الآنسة ماجدا حداد دليل على ذلك . ويعيش الدكتور داهش من ريع كتبه ، وهو شاب في الثالثة والثلاثين فقط . ومن معجزاته التي يرويها أحد أتباعه أنه استطاع أن يحضر كتابا أضاعه الدكتور خبصا في باريس منذ إثنتي عشر سنة . ثم أحضر قلم حبر ودبوسا نفيسا يخصان المستر اوليفر رئيس مدرسة الفرندس في لبنان أمام عشرات الأشخاص وقد إستحضر شجرة ليمون بورقها وجذورها ، بينما كانت الغرفة مقفلة . كما حول الماء إلى خمر أمام العشرات وبأوقات مختلفة . أمّا أهمّ تنبؤاته فهي تلك النبؤة المشهورة : ألقي القبض على رئيس الجمهورية اللبناني ، فطلبت عقيلته أن ننبئها الدكتور داهش عن مصير زوجها بعد إعتقاله . فكتب لها ورقة لا تزال في صندوقها دوّن فيها أنّ زوجها سيعود معززا مكرما . وحدد لها ، في تلك الورقة ، اليوم والساعة التي سيعود فيها الى منزله . ولا يعرف أحد ، في الوقت الحاضر وساعة كتابة ما تقدم ، مقّر الدكتور داهش . ويقول بعض الأشخاص إنهم شاهدوه في محلات عديدة في نفس بيروت ، مع أنّ الحكومة أخرجته منها ، كما يؤكد آخرون أنهم اجتمعوا به في دمشق ، وآخرونفي حلب … ولا عجب في ذلك لأن للدكتولر داهش شخصيات متعددت تستطيع الظهور في كل مكان وزمان بوقت واحد .
وهذا ما نشرته جريدة ” المستقبل ” الصادرة في طرابلس ، العدد 300 ، بتاريخ 13 شباط 1945
تلقينا نبأ خاصا بوفاة الصبية ماجدا ، كريمة الوجيه السيد جورج ابراهيم الحداد وعقيلته السيدة ماري كريمة المرحوم انطوان بك شيحا من أعيان بيروت . والفقيدة من أتباع الدكتور داهش . فماتت عن عقيدة داهشية ودفنت في جونية على الطريقة الداهشية أيضا . وموت فتاة في ريعان الصبا ترّبت في بيت وجاهة وعلم يعّد خسارة وفاجعة على الأهل . ولكن السيد حداد وعقيلته وأفراد الأسرة استقبلوا موت فقيدتهم بصبر مدهش يحسدون عليه : فلا بكاء ولا نحيب ، وأذاعوا نبأ وفاتها بأسلوب خاص لا نعي فيه ولا أية ظاهرة أسف ، لاعتقادهم أنها حية بالروح حسب الدستور الداهشي ، وتوجوا نشرات النبإ بآيات داهشية جاء فيها : ” أنا ظل سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى ، والموت يقظة فتانة يحن إليها كل من صفت نفسه وسمت روحه ، ويخافها من كثفت أفكاره وكثرت أوزاره “
فهنيئا لوالدين يرون في مثل هذا المصاب العزاء والسلوى عن إقتناع وعقيدة . فلهما البقاء وللراحلة الخلود.
متحف داهش.. خط الدفاع الأخير عن العرب
متحف داهش هو المتحف العربي الوحيد في نيويورك..تمَّ افتتاحه عام 1995 ويحتوي على أكثرمن 1500 لوحة من مدرسة الفنّْ الاكاديمي ومن المعروف أنَّ الفنّ تلأكاديمي الذي كان منتشراً في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تراجع أمام المدارس الحديثة مثل التأثيريّة والسرياليّة.
وقد كان لمتحف داهش الفضل لعودة الإهتمام بذلك الفنّ ولاقت المعارض التي نظّمها المتحف إقبالاً شديداً من الجمهور ومديحاً من النقّاد.
د. مرسي سعد الدين
وقد نظّم المتحف أخيراً معرضاً بعنوان ” مواجهة الآخر ” استمرّ أربعة شهور وهو لفنّان نحت فرنسي شارل كوردييه الذي أثار ضجّة في الوسط الفنّي في باريس في أربعينيات القرن التاسع عشر حين عرض في 1840 في صالون باريس المشهور تمثال نصفي لرجل من دارفور وآخر لما أطلق عليها اسم ” فينوس أفريقيّة “
وكان كوردييه في سن ال21 من عمره وبذلك بدأ ما اطلق عليه بعد ذلك الفن الأنتوجرافي وقد ابتاعت الملكة فكتوريا التمثالين هدية للأمير البرت في عيد ميلاده.
وقد عرض كوردييه تماثيله في وقت كانت فرنسا قد قضت على الرّق وإن كانت الولايات المتّحدة لا تزال تعتنق مبدأ التفرقة العنصريّة. وكان ذلك أكثر من عشر سنوات قبل نداء ابراهام لنكولن بالمساواة بين الزنوج والبيض.
ومن مقولات كوردييه المشهورة لأن الجمال ليس وقفاً على عنصر مميّز فإنّي أقدّم لعالم الفنّ فكرة عالمية الجمال. إنّ كل عنصر له جماله الخاص الذي يختلف عن العناصر الأخرى . إنّ أجمل سوداء ليست تلك التي تشبه غالبيتنا أو حتى تلك التي تعبّر عن الصفات المرتبطة بعنصرها. وقد كتب كوردييه تلك الكلمات عام 1862 حين كانت الحرب الأهليّة الأميريكيّة على أشدّها من أجل تحرير العبيد.
ولتأكيد فكرته قام كوردييه بأسفار عديدة بدأها بالجزائر، ثمّ إلى دول عربيّة وآسيويّة وأفريقيّة وقدّم تماثيل لشخصيّات من جميع الدول.
وكان عام 1848 الذي عرض فيع كوردييه تمثاليه عاماً مرتبطاً بأحداث جسام وخاصة في إطار المناداة بالقضاء على العبوديّة، كما كان العام الذي شاهد تطوّراً صناعياً وتكنولوجيّاً، وأيضاً العام الذي عقد فيه أول مؤتمر في أمريكا للمناداة بحقوق المرأة وفي العام نفسه أصدر كارل ماركي وفريدريش إنجلز كتباً بعنوان ” المانفستو الشبوكي ” وفي عام 1848 ولِد بول جوجان الذي اشتهر باسلوب غير تقليدي واختار للموضة موديلات من عالم متغيّر وكان عام عام 1848 هو العام الذي أنهت فيه فرنسا الرّق في داخلها وفي مستعمراتها، وكانت انجلترا قد سبقتها بإلغاء الرّق عام 1833.
وحين أرادت الحكومة الفرنسيّة أنْ تعرف المزيد عن شعوب مستعمراتها كلّفت كوردييه بالقيام بعدّة أسفار في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وتركيا وغيرها من الدول. وكانت الجزائر أول دولة زارها كوردييه وكتب في مذكّراته يصف تلك الزيارة يقول: لم أستطع أن أقاوم إنجذابي الشديد لذلك الجزء من العالم. لقد شعرت بفضول جامح مثل ذلك الذي شعرتُ به وأنا أبدأ بقراءة ” الف ليلة وليلة ” كان تفكيري بمثابة منشور ضوئي prism أستطيع من خلاله أن أخلق أعمالاً فنّية جديدة وأذكر حين أبحرتُ للمرّة الأولى على طول ساحل أفريقيا الشمالي، في الجزائرالتي يبرق بياضها في حبور وبمجرّد أن تركت السفينة توجّهت إلى بيت صغير له حوض قائم على أعمدة من رخام. ولمّا كان باب منزلي مفتوحاً دائماً فإني استطعت أن أستقبل وأرحّب بجماعات من الجزائريين ممّا أعطاني الفرصة لأتعرّف عليهم.
وبعد أن عاد كوردييه من الجزائر أقام ثلاثة أبنية على الطراز المعماري الجزائري، استوديو في شارع سانت ميشيل بالحي اللاتيني المشهور، وفيلا دور ساي في عام 1867 ثمّ بعد ثلاث سنوات بنى فيلا في نيس وفي عام 1869 زار كوردييه مصر وكتب يقول انّ المصريين هم يمثّلون المقاومة الطبيعيّة للغرب وأنّهم مركز الدفاع الأخير للشخصيّة المصريّة الأصليّة .
ويحاول البعض أن يربط بين أعمال كوردييه الفنيّة وبين فكرة الإستشراق وخاصة إنّ حكومته أرسلته في بعثات للتعرّف على سمات وأنماط الشعوب المختلفة، ولكن تماثيل كوردييه تعبّر عن الشعوب المختلفة لا بصفته نحّات إستشراق ولكن باعتباره جزءاً من جيل حاول أن يعرف المزيد عن الآخر.
وقد استطاع كوردييه أن يقنع وزير الفنون الجميلة الفرنسي بإرساله إلى اليونان، وفعلاً خصّص له مبلغ 700 فرنك في الشهر وفي 16 أبريل 1858 وصل إلى اليونان وكان لهذه الزيارة أكثر من غرض واحد، ولكن أهم تلك الأغراض دراسة مناجم الرخام وإعادة إستثمار تلك المحاجر التي خلقت من رخامها أجمل التماثيل الكلاسيكيّة. وبالإضافة إلى هذا الهدف الرسمي ، فإنَّ كوردييه إستطاع أن يخلق 27 عملاً فنّياً من لوحات وتماثيل وأيقونات. وتعكس تماثيله من اليونان وخاصةً لنساء البلاد مدى إهتمامه بتفاصيل الأرديّة التقليديّة. ومن الطريف إنَّ نساء البلد الذي أقام فيه حين عرفن أنّه يريد أن يدرس الجمال الإغريقي نظّمن حفلاً كبيراً تجمّعن فيه وظهرّنَ في أحسن ما لديهنَّ من ملابس تقليديّة.
ومن أهم ما حقّقه كوردييه إستعمال الرخام الملوّن في تماثيله وخاصة ” الأونكى ” الذي عثر عليه في مناجم في الجزائر في الفترة ما بين 1850 – 1870 واستعمله فعلاً في العديد من تماثيله، وكان ينادى دائماً بأنّه يريد أنْ يحيى استعمال الرخام الملوّن مثل ما مثل قدماء المصريين ويقول كيف نستطيع أنْ نعطي حياة جديدة لفنٍ كان سامياً ورفيعاً في مصر.
وقد تعرّض كوردييه لهجومٍ قاسٍ من بعض النقّاد الذين صدمهم وجود تماثيل لسود في صالون باريس الشهير، بل إنّ بعضهم وصف أعماله بأنّها لا تنتمي إلى الفنّ الحقيقي ولكن في الوقت نفسه نجد أنّ هناك من وقفوا بجانبه ودافعوا عنه ومنهم الفنّان المعروف دي كامب والناقد الفنّي دومنيك دميني الذي قال بعد زيارته لمعرض كوردييه نحن ننظر هنا إلى كاليري من السود من جميع الإنماط، ننظر إلى أنواع متعدّدة من الوجوه التي تتدفّق حيوية، كما أنّها تمتاز بجمالٍ عظيم وجميعهم تقريباً لا يعبّرون عن بلادهم بل أنّهم يلعبون دوراً ليس من إختيارهم بل كمجرّد ممثّلين في دراما يؤلّفها البيض وبرغم أنّنا لا نرى البيض إلاّ أنّهم موجودون حولنا سواؤ في عاداتهم أو أذواقهم بل وجبالهم ورمانسيتهم التي تنعكس في هذه التماثيل، ولهذا المعرض قصّة تعود إلى عام 1998 حين فكّرت مجموعة من النقّاد والفنّانين في تنظيم معرض لأعمال كوردييه التي كان قد تمَّ جمعها علة فترة عشرين عاماً ، وتقرّر تنظيم المعرض في متحف دورساي وذلك بالتعاون مع المتحف القومي للفنون في كيبك في كندا وجاء بعد ذلك كتحف داهش الذي عرض إقامة المعرض وبذلك نعطي الفرصة للمرّة الأولى للأمريكان لمشاهدة أعمال ذلك الفنان الذي يعدِّ رمزاً لمعركة تحرير الرّق ليس في أوروبا فقط ولكن في أمريكا أيضاً وبذلك يكون متحف داهش قد وقف جنباً إلى جنب بجوار أعظم متاحف العالم ومن المعروف أنّه سبق له أنْ نظّم معارض مختلفة بالتعاون مع اللوفر والمتحف القومي في لندن.
وقد كان لي حظ زيارة متحف داهش عدّة مرّات بل ودعيت لإلقاء محاضرة في عن الإستشراق الجديد حين كان المتحف ينظّم معرضاً لأعمال الفنانين المستشرقين .
وقد سعدتُ حين شاهدت تلك المجموعة الكبيرة من الأعمال الفنّية التي جمعها الدكتور داهش والتي على أساسها أنشىء المتحف في نيويورم، والمتحف في رأي يعدُّ أنجح دعاية للعرب إذ ليس هناك أكثر إيقاعاً من الفنون والثقافة في عكس صورتنا في الخارج، والغريب أنّه برغم عشرات المقالات التي نشرت عن المعرض في أمريكا وأوروبا فإنّه لم ينشر خبرٌ واحد في الصحافة المصريّة والصحافة العربيّة.
أجريت مع الدكتور داهش في لبنان كما في عدّد من البلدان العربيّة عدّة مقابلات , إخترنا لقرّائنا منها هذه المقابلة التي أجراها الصحفي داود أ. الصائغ في مجلّة ” الأسبوع العربيّ ” العدد 263 , السنة الخامسة – حزيران 1964 . يستهلّ السيّد الصائغ المقابلة بقوله ” قابلت الدكتور داهش 3 مرّات ليقدّم لكم نفسه وفلسفته وخوارقه ” .
ترى ماذا سيقول الناس عنّي بعد موتي وزوالي ؟
إنّ البعض سيستمطرون على إسمي اللعنات والنقمات
كما إنّ آخرين سيردّدون ذكري بالتقديس والرحمات ,
وستخرج آهات عميقة من شتّى القلوب والصدور
بعضها آهات غبطة وحبور , وبعضها غصّات لساكن القبور.
أمّا أنا , فحسبي أن اكون بين يدي الديّان لعرض أعمالي؟
من ذا الذي يفكّر بأمور الحياة والآخرة , ويتوقّع أن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات . أتراه قام في حياته بما يستوجب أن ينقسم الناس حول أعماله فئتين , فخرج من دائرة الرجل العادي الذي يقال عنه في حياته وبعدها ” إنّه رجل آدميّ ” ؟
لعلّ الأسواء لم تنسب مرّة الى إنسان كما نسبت الى قائل هذه الكلمات . دولة بأسرها , بكامل أجهزتها وقفت في وجهه , من رئيسها الأول , الى هيئتها التنفيذيّة والتشريعيّة , الى جميع المأمورين عندها , الى جهاز الإعلام فيها , الذي تولّى قيادة الحملة وقال للناس : أرجموا هذا الرجل , ألصقوا به النقائص , أرفقوا إسمه باللعنة والشتيمة , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان … ولغط الناس بأخباره وقالوا عنه : ساحر مشعوذ , منوّم مغناطيسي , سلب الناس عقولهم وأموالهم , وألحق بهم الويل . وهزيء المجتمع بكل من تبعه وآمن بما يقوله ويفعله .
قصّة قديمة , ترجع الى أبعد من عشرين سنة . ومنذ ذلك الزمان لم يتبدّل بعد رأي الناس فيه أو تتغيّر صورته في أذهانهم . فإذا ما سألت أحداً عنه ردّد على مسامعك هازئاً ما حفظه من أخبار السوء عنه , وأردف يقول بكثير من اللامبالاة : ” ترى, ماذا حلّ به اليوم , يقولون إنّه قتل في طهران ( أذربيجان ) , وأن الحكومة أبعدته منذ مدّة طويلة وحظّرت عليه دخول البلاد ثانية … الرجل إنتهى منذ زمن بعيد , وأحابيله إنكشفت للناس …”
حسبنا أن نعلم أنّ أكثر الذين يعرفونه عن كثب , ويعتبرون أنفسهم من المقرّبين إليه ويعترفون بمقدرته في إفتعال الخوارق , ويحدّثونك بإعجاب عن خلقه وإنسانيّته ومبادئه , وبراءته مّما نسب إليه , يستحلفونك في نهاية حديثهم ألاّ تنقل شيئاً عن لسانهم بخصوصه , وأن تحفظ ذلك في سرّك ولا تذيعه ؛ فهم يخجلون ويخافون أن يجاهروا برأي صالح عنه مخافة أن يحسبهم الناس من أتباعه , فينبذوهم كما نبذوا أمثالهم من قبل .
أمّا هو , فيعرف ذلك ويقول لك : ” أنا أعذرهم , فالإنسان مهما علا شأنه مطبوع على الضعف “. ولعلّ إبتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو أيضاً .
داهش , الرجل الإسطورة , أين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيّون ؟ ما قصّة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يؤمنون بقدرته الروحيّة إذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ أو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأقل , فيسيطر على عقولهم , وبينزع منها صورة الشرّ التي طبعت في مخيلاتهم عنه ؟
ونحن , في تحقيقنا عنه لا نتوخّى إنصاف الرجل أو الدعوة للإيمان به بقدر ما نتوخّى القيام بتحقيق موضوعيّ مع داهش وعنه . سندعه يتحدّث إليك لأول مرّة , يشرح لك مبادئه , يروي لك أسباب النقمة التي أثيرت عليه , يبدي آراءه المختلفة , ويطلعك على طريقة عيشه وأسرار مقدرته الغير عاديّة . وسينقل إليك بعض الداهشيين بعض الأخبار عنه , ويكشفون عن الأسباب التي حدت بهم لإعتناقهم الداهشيّة والمجاهرة بها .
داهش من هو ؟
إسمه الأصلي سليم العشّي , لبناني مسيحي برتستانتي , ولد ” في القدس ” ونشأ في حي المصيطبة عام 1912 * . وكان والده موسى العشّي رجلاً تقيّاً صالحاً , توفي عام 1920 تاركاً لزوجته أربع بنات وصبيّاً . وكانت العائلة فقيرة الحال , ذادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية . فلم تجد الأم بدّاً من إدخال الصبي أحد المياتم . فقضى سليم في الميتم بضعة أشهر , كانت كل عهده بالدراسة , وخرج بعدها ملمّاً بالقراءة والكتابة , ولم يدخل المدرسة ثانية .
ويروي الدكتور فريد أبو سليمان ” أن مقدرة سليم هذه قد تجلّت عنده في سنّ مبكرة . وتعوّد رفاقه في اللعب أن يشاهدوه وهم يلعبون معه في ” الكلل ” يضع يده فوقها فتختفي فجأة . كما إستطاع مرّة وهو في العاشرة من عمره أن يحوّل الرماد الى كتاب , كتاباً كان خاله قد حرقه له ليحمله على تخفيف المطالعة خوفاً على صحّته من الإجهاد ” . وطارت شهرته في الحيّ أول الأمر , وانطلق الناس يتحدّثون بدهشة عن مقدرة الصبيّ الروحيّة ويتناقلون أخباره . وانكبّ سليم على المطالعة ليعوّض ما فاته تحصيله زمن الدراسة , فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأكبر .
وسافر سليم العشيّ الى الخارج , وطاف في البلاد العربيّة والأوروبّية , واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة ” معهد لو ساج ( sage institute ) في باريس عام 1930 . على إنّ مقدرة الدكتور داهش الروحيّة , كما يقول الداهشيّون , لم تبرز بشكلها الواضح القويّ إلاّ إبتداءً من عام 1942 . وفي تلك السنة بالذات إعتنق كثيرون الداهشيّة . فكان أوّلهم يوسف الحاج ثمّ حليم دمّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد وزوجته ” ماري حدّاد ” وجوزيف حجّار وآل نعيمة , كما آمن كثيرون بمقدرته دون إعتناق الداهشيّة . والجميع يقرّون بقوّة الرجل غير الطبيعيّة . يقول الدكتور فريد أبو سليمان : ” أنا أؤمن بأن الدكتور داهش فوق مستولى البشر , يقوم بالأعاجيب والخوارق . قوّته تتحدّى العلم والناموس الطبيعيّ , وليس في العالم كلّه من يتمتّع بمقدرته , ووجوده في لبنان حدث بشريّ كبير ونعمة ما بعدها نعمة ” .
تعرّف الدكتور فريد أبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاج عام 1942 . وهو يعتبر اليوم من أكثر الداهشيين إيماناً بداهشيّتهم وبداهش , وأكثر المقرّبين إليه . يخبرك أنّه , أثناء المدّة التي تعرّض فيها الدكتور داهش للملاحقة , تعرّض هو أيضاً مع سائر الداهشيين للضغط والمضايقة من قبل السلطة , وأنّه خيّر عام 1944 بين الإحتفاظ بوظيفته الحكوميّة التي كانت تدرّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر أو ترك داهش . يوم ذاك قال للذين خيّروه أنّه مستعدّ للتضحية بكل شيء مقابل عدم التخلي عن عقيدته . و الدكتور أبو سليمان يحفظ كل شاردة و واردة من أخبار داهش , و يسجلها كلها في سجل خاص , و يقوم بمهمة صلة الوصل بين الدكتور داهش و الناس .
و الدكتور جورج خبصا داهشي منذ عام 1942 أيضاً . عرفه على داهش المرحوم حليم دموس . أعجب بالرجل منذ أول وهلة , وأمن بقوته الروحية العجيبة منذ أول ظاهرة . على أن رأيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأي الدكتور أبو سليمان . يقول عنه :”الدكتور داهش رجل مثل سائر الناس, يتميز عنهم بالقوة الروحية الخاصة التي يتمتع بها , و التي يمارسها لغاية معينة و هي إظهار قوة الروح و اللامنظور . فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوة مرة لغاية دنيوية أو مادية . و مبادئه , مثل كل المبادئ لها مؤيدون و معارضون … و هي لم تنتشر حتى الآن بشكل واسع لأن عالمنا هو عالم مادي , و تفكير الناس مادي. فالمادة طغت في عصرنا الحاضر على كل شيء, و غدت الروحانيات في المرتبة الثانية .” و ابتعاد الدكتور داهش عن الناس , في رأي الدكتور خبصا , مرده الى عدم رغبته في تنفيذ الرغبات المادية التي يطالبه بها هؤلاء, ” لأن قوته لا يجب أن تستعمل إلاّ لغايات روحية .”
مع الدكتورين خبصا و أبو سليمان , تعالى معنا لندخلك الى محراب داهش , و نكتشف الداهشية .
تخال نفسك في متحف و أنت تدخل الى منزل داهش. يستلفت انتباهك أول ما يستلفت اللوحات الزيتية العديدة التي تزين الجدران و التحف الصغيرة الموزعة على الطاولات و في الزوايا و على الحيطان . تدخل المكتب أولاً و تستريح قليلاً قبل أن يجيء الخادم و يعلمك بأن الدكتور بإنتظارك . يقودك ممشى طويل الى باب الصالون , حيث يقف رجل مربوع القامة , يستقبلك بحرارة و لطف متناهيين , و يدعوك للدخول و الجلوس . تتأمل في وجهه مالياً لتحاول أن تتبين بعض ملامح القسوة و الشر التي انطبعت في ذهنك عنه لكثرة ما سمعت من أخباره :وجه أسمر مستدير يوحي بالطيبة و الثقة , ذو تقاطيع متناسقة , عينان سوداوان واسعتان , جبهة فسيحة , صدغان بيضاوان و شارب رفيع. و تكتشف شيءً فشيءً أن الرجل لا يختلف عن سائر الناس في شيء, و أن أسطورته هي مجرد أسطورة . ثم يزول تعجبك حين تسمعه يرحب بك مجدداً بصوته الهادئ الخافت , و تحس أنه مرتبك بعض السيء لمجالستك ارتباك الصغير الذي يشعر بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم . يستوي في جلسته , و يجيب على أسئلتك بهدوء و دون أي انفعال , أو يجيب عنه أحد الداهشيين الحاضرين … ” تفضل , اسأل” .
” قوتي هبة و ليست علماً ”
الله , الروح , المادة , الآخرة , الدين , الثواب , العقاب خلود النفس , الجلسات الروحية , أكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.
داهش: ” عصرنا هو عصر المادة , عصر الآلة و الإختراعات , عصر أضعف إيمان الإنسان بالقيم الروحية و جعله يولي المادة اهتمامه الأولي ( الأول) . في الجلسات الروحية نتحقق بأن قوة الروح تفوق قوة المادة , لأنها خالدة لا تزول , و أن هنالك ثواباً و عقاباً . فباستطاعة الروح مثلاً , في جلسة روحية , أن تحول صحن السجائر الزجاجي هذا الى صحن ذهبي و يبقى هذا الصحن أبداً … أن تعيد اليك شيئاً فقدته منذ مدة طويلة , و في أي مكان كان ؛ أن تحول لك ورقة عادية الى ورقة مائة ليرة ؛ أن تحملك من مكانك الى مكان آخر , الى خارج البلاد مثلاً , في نفس الظروف , أن تستحضر الى قربك أي شخص أو شيء تريده ؛ و بكلمة , تجيب الروح على مطالبك و رغباتك .”
و يؤكد الدكتور داهش ان الظواهر هذه إنما تحدث لتبين أن القوة الروحية هذه ليست من صنع البشر. ” قوتي هبة و ليست علماً , و الظواهر تجري بدون إرادتي .” و الجلسات الروحية وسيلة لا غاية , هدفها إظهار تفوق النفس و حمل المرء على التثبت من خلودها , و جعله يؤمن بأن هنالك ثواباً و عقاباً , و تدفعه الى الإصلاح من حاله و السير على قواعد مستقيمة .
و الداهشية , كما يقول داهش , لا تتنافى مع الأديان مطلقاً , فهي تقوي المسيحي في مسيحيته , و المسلم في إسلامه ؛ و تعاليمها مثل لكل إنسان يريد السير على قيم روحية ثابتة , فالداهشيون يقولون :” الله ينبوع و الديانات جداول.”
و هذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أثناء الجلسات الروحية . و حضور هذه الجلسات يتطلب شروطاً . فعلى الراغب في ذلك أن يرسم على ورقة نجمة خماسية , و يكتب في زواياها الخمسة أحرفاً لو جمعت لكانت كلمة ” جذبوها ” ؛ و على الورقة تكتب ” بحق الله و النبي الحبيب الهادي أن يسمح لي بجلسة روحية .” ثم توقع و تضع التاريخ , و تطوي الورقة بطريقة خاصة , ثم تحرقها .
و عليك أن تكرر هذه العملية مدة ثلاثين يوماً متوالية . إذاك تدعى لحضور الجلسة , و تشهد ” المهجزات ” بنفسك .
الدكتور خبصا : ” أنا أمارس الطب منذ خمسة و ثلاثين عاماً , و لا أؤمن إلاً بالأشياء الحسية الملموسة . في عام 1930 , حين كنت لا أزال أدرس الطب في باريس, فقدت مفكرة صغيرة كنت أدون عليها بعض الملاحظات اليومية . و عبثاً حاولت البحث عنها . و في عام 1942, بعد أن اجتمعت بالدكتور داهش و حضرت أول جلسة روحية , طلبت اليه أن يعيد اليّ , بواسطة الروح المفكرة التي فقدتها في باريس , فقال لي : ضع يدك بيدي , ففعلت , و إذ بالمفكرة نفسها بيدي. أخذتها , تفحصتها , هي لا تزال معي حتى الآن “.
الدكتور أبو سليمان :” اسمع هذه القصة . كنت ذاهباً مرة مع الدكتور داهش لزيارة أصدقاء . و عندما وصلنا , رأيته يسبقني على السلم و يخترق الباب في أعلى الدرج. و حين تبعته و حاولت الدخول بدوري , اصطدمت بالباب المقفل , و ارتطم رأسي به . إّ ذاك قرعت الجرس , ففتح لي أحدهم بعد دقيقتين و قال لي : رأينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأة و نحن جالسون , دون أن نراه يدخل من أي باب . إذاك علمت أن الباب الخارجي كان مقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش , و عندما حاولت أن أدخل انا أيضاً .”
و استطرد الدكتور أبو سليمان قائلاً : ” بإمكان الدكتور أن يدخل و الأبواب مقفلة , و كثيراً ما فعل ذلك معنا . و له ست شخصيات , بإمكانه أن يكون موجوداً مرة واحدة في مكان واحد او في ست أمكنة مختلفة . “
و عن ظاهرة شخصيات الدكتور داهش هذه , روى المرحوم حليم دموس في مجلة ” عالم الروح ” المصرية لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير في نيسان 1951 ما يلي: ” … و هذه ظاهرة غريبة في بابها , أدونها كما وقعت بتاريخ 6 أيار من عام 1944 , فليطالعها القارئ بدقة و عناية :
” في المساء ذلك اليوم ( 6 أيار ) كنت جالساً مع الأستاذ يوسف الحاج , صاحب مجلة ” الأنوار” المحتجبة ,فأشار علينا مؤسس الداهشية ( الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمز مقدس و حرقه في الغرفة التي نحن فيها , و هي غرفة الجلسات الروحية . فقمنا بما طلبه منا تماماً . و ما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدس و تحويله الى رماد حتى قرع باب الغرفة التي نحن فيها , و دخلت على الأثر شخصية من شخصيات الدكتور داهش و حيتنا , و كانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها . و فتح باب غرفة النوم المجاورة , فإذا بشخصية ثانية تدخل علينا و هي ترتدي غير ثيابه , ثم قرع باب الحمام المقابل تماماً لغرفة النوم , و إذا بشخصية ثالثة تظهر وهي مرتدية ثوباً لا يشبه ثياب الشخصية الثانية ولا الأولى وما هي إلاّ لحظة حتى لمحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أن إقترب رويداً رويداً من الغرفة التي نحن فيها , وإذا به شخصية رابعة , وكانت ترتدي بدلة نوم ” بيجاما ” ذات خطوط مستطيلة ” وأخيراً برزت أمامنا من صحن الدار الداخلي شخصية خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمّا إرتدته بقية الشخصيّات … فهذه الشخصيّات الخمس ألّفت شبه حلقة , وجعل كل شخص فيها يحادث رفيقه وزميله وشبيهه بشتّى الشؤون الروحيّة العلويّة التي لها أسمى وأقوى صلة بهذه الرسالة الداهشيّة . أمّا نحن فكنّا نصغي خاشعين وكلّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لما نراه ونلمسه ونسمعه . وليت شعري هل بإستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق , وكلّها ظاهرات واقعيّة تجري أمامنا ! أمّا مؤسس الداهشيّة نفسه فقد جلس على كرسيّه بجانب مكتبه الخشبيّ وجعل ينظر الى شخصيّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشين دقيقة من الوقت وقفت الشخصيّات الخمس وودّعتنا مسلّمة علينا يداً بيد ” .
وكان المرحوم حليم دمّوس من أكثر الداهشيين إيماناً بداهش وبتعاليمه . ووضع تآليف عديدة , ونظم قصائد لا تحصى عن الداهشيّة . وكان يدوّن الوقائع التي يشهدها في كتاب إسمه ” الوقائع الداهشيّة ” , ويراسل مجلّة ” عالم الروح ” المصريّة ناقلاً إليها أخبار الرجل وخوارقه . نشر في هذه المجلّة مرّة واقعة عن نقل مسبحة من كربلاء , في جلسة روحيّة للشيخ منير عسيران , وكيف في جلسة أخرى طلب المحامي إدوار نون الى داهش أن يتحوّل الماء الى نبيذ معتّق , وكيف تنبّأ داهش بموت خليل معتوق , وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حمادة فوضع له في يده نموذجاً مادّياً من ذلك الفكر , وكانت ” خمس دنانير ذهبيّة تاريخ ضربها قديم ” , كنموذج ملموس عن الصناديق الذهبيّة التي كان صبري حمادة يعتقد أنها مخبّأة في مكان ما من جرود عكّار منذ زمن الحرب .
” نحن نؤمن بالتقمّص “
والداهشيّة فكرة روحيّة قبل كلّ شيء , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمّص . يقول داهش : ” التقمّص ” رحمة إلهيّة , ولو لم يكن هنالك تقمّص لهلك جميع الناس , ولما كانت قوى إلهيّة . فالمرء لا يمكنه التغلب على كلّ الميول والنزعات : المأة , المال , الكبرياء , الكذب , الخ … فالتقمّص يكون بنسبة أعمال الإنسان , والإنسان يتقمّص بنسبة أعماله . والذين يولدون من أصحاب الأمراض والعاهات يكونون قد أوصلوا أنفسهم بهذه الحالة في تقمّصهم الجديد بالنسبة لأعمالهم الشرّيرة في تقمّصهم السابق . ما ذنب الولد الأعمى مثلاً ؟ هو لم يولد أعمى إلاّ لأنّه أوصل نفسه لأن يكون أعمى بالنسبة لأعماله السيّئة بدوره السابق .
– الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تأثير الروح . حتى الأمراض الجسديّة سببها حالات نفسيّة , وحتى السرطان نفسه !
– الكتور أبو سليمان : البرهان على ذلك أنّ أشخاصاً من بنية واحدة , أشقّاء , يتعرّض بعضهم لمرض دون سواهم , وسبب ذلك حالة نفسيّة لا جسديّة . فالمريض مريض بنسبة أعماله .
– الدكتور داهش : الإنجيل نفسه يذكر شيئاً عن التقمّص ” إنجيل متّى ” فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . أليس ذلك دليل على أنّ خطاياها كانت سبب مرضها ؟
” التنويم المغناطيسي أكذوبة عالميّة “
التنويم المغناطيسي في رأي الدكتور داهش تدجيل وكذب . ولا أحد في العالم يستطيع أن يؤثّر على غيره . وبين النائم والمنوّم إتّفاق مسبق على كلمات مصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها . كما إنّ الإتّصال الفكري المسمّى te’le’pathie لا وجود له البتّة . ولعلّ في رأي الدكتور داهش هذا ما يدعوه للإستغراب , لأن الكثيرين يظنّون أن الظاهرات الروحيّة التي يدعوها هو وأتّباعه خوارق , ليست في الواقع سوى نوع من التأثير على النظر يجعل المشاهد يتخيّل حدوث هذه الظاهرة .
ولكي يثبت الدكتور داهش أن ليس في أعماله ما يتّصل بالتأثير المغناطيسي قال لي : ” سأجري أمامك تجربة بسيطة ” . فقام وجاء بورقة بيضاء وأخرج من جيبه ورقة نقديّة من فئة الخمس ليرات ” لبنانيّة ” وقصّ من الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقديّة ثمّ طواها بعناية وقال لي : ” ضعها في يدك ” . أخذت الورقة المطويّة , تأمّلتها ثمّ وضعتها في يدي اليسرى وأطبقت عليها ثمّ قال :” أكتب إسمك على ورقة ثانية وأحرقها ” ؛ فكتبت وحرقت الورقة في صحن للسجائر أمامي ويدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الأولى . ثمّ جاء بمجلّة فوضعها على يدي اليسرى لحظة , ثمّ قال : ” أنقل الورقة الى يدك اليمنى ” , ففعلت .ثمّ قال لي : ” إفتح يدك ؛” ففعلت ووجدت الورقة البيضاء قد تحوّلت الى ورقة من فئة الخمس ليرات جديدة , مطويّة على نفس الشكل والحجم وعليها إسمي , نفس الإسم الذي كتبته على الورقة المحروقة . وكانت الخمس ليرات الأخرى التي أخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .
لم أفسّر الحادثة بأي تفسير , ولم أسعى لفهم أسرار تحوّل الورقة البيضاء الى ورقة ماليّة . قال لي داهش : ” إحتفظ بها . فستتمكّن بواسطتها من حضور جلسة روحيّة ” . أخذت الخمس ليرات المطويّة , ولا تزال معي وإسمي عليها .
لماذا قامت القيامة على داهش
تأثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوّة روحيّة … لعلّ عدم فهم الناس لشخصيّة داهش الحقيقيّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيّاً وقانونيّاً في عهد الجمهوريّة الأولى . ولعلّ قصّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنّ به ويتّهمونه ” بخراب البلاد , وإلحاق الشرّ بها “. فماذا يقول هو عن هذه القصّة : ” أنا لم أتجاوز مرّة القوانين الموضوعة . وأسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , ومن وراءه نقمة السلطة وبعض الناس ؛ هو أنّ شقيقة زوجته , السيّدة ماري حدّاد , إعتنقت الداهشيّة على أثر جلسة روحيّة , كما إعتنقها زوجها وأولادها وصهرها . وحاول الشيخ بشارة وززجته إقناع السيّة ماري حدّاد بالتخلي عن معتقدها الجديد هذا , فكان جوابها لهم أنّ الدستور اللبناني يكفل حرّية المعتقد , وأنّ لها بالتالي حرّية إعتناق أي مذهب تريده .
” و عندما وجد الشيخ بشارة أن جهود الإقناع لم تجد نفعاً , عمد أول الأمر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي رد مشرع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت الصحف الموالية في اليوم التالي تقول إن داهش قد سيطر على النواب , و إن وجود خطر على البلاد , لأنه يتلاعب بالعقول.
” و زارني بعد مدة إسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسألاني عن رأيي في ذلك , فقلت لهم : أنا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , أن مشروع قانون سيعد و يرسل الى مجلس النواب و يرد . و هكذا لم تجد السلطة مخرجاً قانونياً لملاحقتي , لأنها لم تأخذ عليّ أيّ مأخذ , لكنها أرسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي. و لم يتم هذا الإغتيال لأن مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي. “
و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة ” الجمهورية ” السورية في 9 أيار 1948 ما يلي :
” أنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء . و سأغادرها قريباً الى أحد الأقطار العزيزة للإلتجاء اليها و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها … بالأمس اعتقلوا في بيروت فريقاً نت إخوتي الداهشيين , و بينهم السيد جورج حداد , عديل رئيس الجمهورية , و صهره الأديب الحلبي المعروف السيد جوزف حجار, و الدكتور المشهور فريد أبو سليمان , و لم يجدوا السيدة ماري حداد في منزل ” الرسالة” , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الأوامر المعطاة لهم من جبل ( الطور) , و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أي مبرر.”
و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التيكانت توجه اليهم في الصحف , لأن هذه الصحف لم تقبل بنشر الردود , عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة و عهده . عام 1952, نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها الداهشية في جريدة ” النهضة ” . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : ” أيها اللبنانيون , يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق أموالكم , و اغتصب حقوقكم , و اعتدى على قانونكم , وبعثر أشلاء دستوركم … و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , و شرد الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيته , و سبب فاجعتنا الهائلة , ألا و هي موت ابنتنا ماجدا , الضحية التي سيدفع ثمناً لها دماً بدم كي يذوق مقدار الألم و الحزن العميق الذي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا … و لما سخر القوانين لمنفعته و منفعة ذويه … “
ماجدا … لماذا انتحرت
و القصة التي لغط بها الناس يومذاك أكثر من سواها هي قصة ماجدا حداد , ابنة جورج و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية أيضاً , و التي قال الناس بعد موتها إنها انتحرت بسبب داهش. داهش يروي القصة كما يلي : ” تضايقت ماجدا كثيراً من محاولات الشيخ بشارة لمحاربتي. و عندما شاهدت أن والديها و صهرها قد أدخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الإنتقام من بشارة الخوري و فكرت في اغتياله . يومذاك كنت مبعداً في حلب , فأرسل اليّ الدكتور خبصا ينبئني بعزم ماجدا هذا , فأرسلت أقول لها , إنها إذا فعلت ذلك فلن تكون داهشية , و إن الشيخ بشارة ستكسر يده قريباً , و سيخرج من الحكم بصورة مذلة . غير أنّ توتر أعصابها الذي نشأ نتيجة الصراع بين رغبتها في إغتيال الرئئيس ومنعي لها حملها على الإنتحار , وبنفس المسدس الذي كان ستقتل به الشيخ بشارة ” .
داهش اليوم
كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي أوقاته , ” كما يفعل سائر الناس “, يقول لك ؛ ” أقضي أوقاتي في إستقبال الإصدقاء والداهشيين والمطالعة والتأليف ؛ وأخرج لزيارة الإصدقاء ؛ وأرافق إبنة شقيقتي الى السينما أحيانا كثيرة ” .
وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبنه . من صالون الى صالون , كقصور ألف ليلة وليلة , ثراء وتحف وذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبته والى الكتب الموزعة في مختلف أنحاء البيت الفسيح : ” عندي أربعون ألف مجلّد , لكتب إفرنسيّة وإنكليزيّة وعربيّة , وستماية نوع من المجلّات والجرائد العربيّة القديمة والحديث’ , المحلّية والمهجريّة , ومجموعات كاملة لأعدادها منذ تاريخ صدورها . كما إنّي متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة أوروبّية وأميريكيّة لتزويدي بأحدث الكتب وأثمنها … ثمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة ” . يخرجه من الخزانة ويتفحّصه أمامك بإعجاب وسرور . ” هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو , هذه الإنسكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة , بعد أن أعلنت في الصحف عن رغبتي في إقتنائها , لأن المكاتب العامة لا تحتوي عليها … كلّ ما تطلبه من كتب ومجلاّت تحتويه مكتبتي ” .
وإذا سألت الدكتور داهش كيف يؤمن معيشته أجابك : ” من واردات الكتب التي ألّفتها ” .
وبإبتسامة وكلمة لطيفة يودّعك الدكتور داهش كما إستقبلك , ويعرب لك عن أمنيته بالإجتماع بك ثانية , وفي جلسة روحيّة .
بتاريخ 26 آذار 1953 نشرت مجلّة الصياد هذه الكلمة
لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان ، فقد كنا نتوقع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيته ويحق له أن ينعم فيه بنفس الحرية والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين .
ولكن الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسباب بحق الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان !
ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي أو مدير شركة كهرباء مثلا ، لقلنا ان من حق انصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريته المسلوبة !
ولكن الدكتور داهش في نظر هؤلاء مؤسس ديانة جديدة . وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء .
وكم كنا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار ، ولنا بينهم أكثر من صديق ، تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم ، لم تؤسّس على الشتم والاهانة وارسال الكتب المغفلة …وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير ، كما أسست – وهذا هو الأهمّ – على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيد المسيح .
الردّ على مجلّة “الصياد”
بتاريخ 2 نيسان 1953 رددنا على كلمة ” الصيّاد” بهذا المقال
الذي نشرته المجلّة مختصرا . وها هو
حضرة رئيس تحرير الصيّاد الغرّاء المحترم
تحية وسلام – وبعد فأمامي عددكم المؤرّخ في 26 آذار 1953 .
وقد طالعت الكلمة التي نشرتموها بقلمكم الظريف في افتتاحيتكم تحت عنوان ( عودة الدكتور داهش ) ،
وبما أنني من عشّاق أسلوبكم البارع ، وأطالع جميع ما تنشرونه باستمرار ،
وبما أنّني ( داهشيّة ) بكلّ ما تعنيه ( الداهشيّة ) مثلما يعرف الجميع ، رأيت أن أبعث اليكم بردّي لكي تنشروه بحذافيره ، لأنّه اذا حذفتم بعض العبارات تفقد الجمل بعض ما أرمي اليه ، وأودّ أن يعرفه قرّاء مجلّتكم المحبوبة . لهذا آمل ان ينشر على علاّته . ولا أشكّ بأنّ رحابة صدركم كفيلة بتحقيق رغبتي العادلة . والآ، ابدأ فأقول :
أوّلا – لقد أنصفت عندما قلت في مطلع كلمتك ما يأتي : ” لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان . فقد كنا نتوقّع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيّته ويحقّ له أن ينعم فيه بنفس الحريّة والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين “.
الجواب – اذن ، أنت تعترف صراحة بأنّ ( داهش ) كان مظلوما ومعتدى عليه من زوج شقيقتي ( بشارة الخوري ) الطاغية الذي اسْتَلب جنسيّة مؤسّس الداهشيّة ، متجاوزا بعمله هذا سلطاته الدستوريّة ، دائسا على قوانين البلاد ، مهشّما بنود الدستور الذي ائتمنه الشعب عليه . فضلا عن اليمين التي أقسمها تحت قبّة البرلمان بأنه سيحترم الدستور ، ويطبّق بنوده المقدّسة على الجميع بميزان العدالة ، فيوزّعها بالحقّ والقسطاس . ولكنّه حنث بيمينه وضرب بها عرض الحائط ، اذ سرعان ما اعتدى على ( داهش ) . وهذا الاعتداء الرهيب يعتبر اعتداء على كلّ لبناني ، لأنّ ( الدستور ) هو سياج الحريّات المهدّدة ، وحاميها من عدوان الحاكم المسيطر ، ورغما عن هذا الاعتداء البربريّ الصارخ فانه لم يجرأ صحافيّ واحد ( والصحافة رسالة سامية ) على أن يحرّك قلمه ليهزّ به عدوان الباغية ، بل بالعكس قامت قيامتهم على داهش البريء لينالوا عطف من بيده مقاليد السلطات العليا …متناسين أنّ أفضل جهاد عند الله كلمة حقّ تقال بوجه حاكم ظالم .
هذه حقيقة راهنة تعرفها أنت ، وأعرفها أنا ، مثلما يعرفها كلّ لبناني ، بعدما وقفت انا واخواني الداهشيّون بوجه هذا المعتدي ، وفضحنا ارتكاباته بعشرات ( الكتب السوداء ) التي طبعناها ووزّعناها في جميع أنحاء الشرق والغرب ، متحمّلين في هذا السبيل أرهب ما يمكن لمجاهد مخلص أن يتحمّله من الضغط والارهاب والبطش والتنكيل والسجن المتواصل …حتى أزفت الساعة ، ساعة ثورة الشعب على من طغى وبغى ، وتكبّر وتجبّر ، وتطاول أنفه واشمخرّ حتى بلغ السّماك . واذا بالطاغية يستحيل الى قزم قميء لا قوّة له ولا سلطان بعد ان تحطّم ما كان يظنّه سلطانا وصولجانا …. وهكذا انتصر الحقّ وزهق الباطل ، انّ الباطل كان زهوقا .
ثانيا – قلت : ” ولكنّ الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته ( أي عودة مؤسّس الداهشيّة ) تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسّباب بحقّ الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان “.
الجواب – انّ المناشير التي أشرت اليها في كلمتك سبق لنا أن وزّعناها بالبريد الى كافّة أقطار الدنيا . وذلك في اثناء سيطرة ( بشارة الخوري ) المخلوع بارادة الشعب . فضلا عن أننا وزّعناها ، يومئذ ، بعشرات الألوف في جميع أنحاء لبنان ، وفي قلب العاصمة بيروت أثناء تحكّم (بشارة ) برقاب العباد .
وعندما وزّعنا هذه ( الكتب السوداء ) كنّا نعتبر أنّنا نقوم بواجب مقدّس ملقى على كواهلنا وعواتقنا ، وذلك لكي ننير الاذهان ، ونلقي نورا على جريمة أرادوها ظلاما كثيفا .
ولم نقم بعملنا هذا – أي لم نطبع ونوزّع هذه الكثرة من الكتب والنشرات السوداء – الاّ بعدما يئسنا اليأس التامّ من وجود أيّ ( صحفيّ لبنانيّ ) يتبنّى قضيّة الدفاع عن ( مظلوم بريء ) لينتزع حقّه السليب بقلمه .
نعم ، لم يوجد حتى ( ظلّ هذا الصحفي ) في عهد ( بشارة الخوري ) ، مثلما وجد في فرنسا ( اميل زولا ) ذلك الرجل النبيل الذي خلّد التاريخ اسمه الى الابد .
اميل زولا الذي دافع عن ( دريفوس ) لأنّه كان يعتقد أنّه بريء . وقد وضع نفسه في فوهة البركان عندما تحدّى ارادة الحاكمين ، ورغبة القضاء ، وثورة الشعب ضدّه ، وقبل أخيرا أن يغادر وطنه ، وينفي نفسه ، دون أن تلين له قناة ، أو تهن له عزيمة . كلّ ذلك دفاعا عن رجل يعتقد ببراءته .
نعم ، يا سيدي ، نعم ، لم يوجد في لبنان ( صحفيّ واحد ) تجرّأ وكتب ( كلمة حقّ ) حول هذا الاعتداء على ( جنسيّة ) رجل ، وحريّة رجل يكفلهما له الدستور ككلّ مواطن . فاضطررنا اضطراراً ، وأرغمنا لأن ننزل الى ميدان الكفاح ، ونقتحم معاقل المعتدين ، ونحن على أتمّ الاستعداد لتقبّل أية تضحية مهما عظمت في هذا السبيل النبيل .
وأظنّ ، بعدما عرف الآن الكاتب البارع – سعيد فريحة – السبب ، زال منه العجب . أليس كذلك ؟
ثم هب أنّ هذا الاعتداء ، أوقعه الطاغية على شخصك ، فهل كنت سترشقه ( بالورود والياسمين ) ، وتسكب على قدميه ( عطر الناردين ؟…) ، أم كنت تفكّ عقال قلمك الجبّار ، وتطلقه في اثره أينما سار ، ليقوّض من بنائه ما يقوّض ، حتى تدمّره على رأسه تدميرا مزلزلا – مثلما فعلت يوم استدعاك ( ناصر رعد ) تنفيذا لرغبة أحد السلاطين (أي شقيق بشارة السلطان سليم ) .
ترى ، كيف جاز لسعيد فريحه أن يطلق ، يومذاك ، صواريخه على الحكّام الظالمين …ويأتي نفس ( سعيد فريحة ) اليوم بافتتاحيّته ليقول للداهشيّين :” لا يجوز لكم أن تنكّلوا بمن ساهموا بجريمة ابعاد مؤسّس الداهشيّة عن وطنه لبنان ” ؟ انّني انتظر منك جوابا في العدد القادم .ولكلّ سؤال ، يا سعيد ، جواب …
ثالثا – قلت :” ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي ، أو مدير شركة كهرباء مثلا – لقلنا من حقّ أنصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريّته المسلوبة “.
الجواب – وكبار الادباء ، والكتّاب المسيحيّون الذين هاجموا بأقلامهم السليطة الشعب اليهوديّ ، وملأوا مئات المجلّدات بأقذع ما يمكن أن تسمعه اذن بشريّة لأنّ اليهود سبّبوا صلب سيّد عقيدتهم ( يسوع المسيح ) كانوا متأكّدين أنّ ( المسيح ) مؤسّس عقيدتهم لم يكن ( رئيس حزب سياسي ) ولا (مدير شركة كهرباء مثلا ) ، ومع هذا خاضوا بأقلامهم واقتحموا معاقل اليهود فزلزلوا أسسها وردّموا آثارها ، ودكّوها دكّا عاصفا لم يبق ولم يذر . فالأديب العالميّ الاميركيّ المعروف ( هوبكنس ) صاحب كتاب ” جريمة اليهود الوحشيّة ” قال الشيء الكثير . وها اني أنقل لك جملة عاديّة من مؤلّفه الثمين . قال :
” واليهود – هؤلاء الوحوش الضارية – هؤلاء المجرمون الأفكة – هؤلاء الأثمة المنغمسون في النقائص من قمم رؤوسهم حتى أخامص أقدامهم – البائعون أعراض نسائهم – المقدّمون فتياتهم لكل طارق – العابثون بالفضيلة – الهازئون بالشرف – الضاحكون عندما تذكر أمامهم كلمة الضمير – هؤلاء هم الذين تقع عليهم تبعة صلب السيّد المسيح “!
ثمّ يستطرد هذا الكاتب فيذكر عبارات دمويّة مقوّضة ترزح تحت معانيها أطواد الجبال المشمخرّة .
وكذلك فعل الكاتب الانكليزي السير ( جون مايلز ) ، والدوق ( هدلتون ) ، والمستر (براندي ) ، والكاتب النروجي ( أدامس ) ، والاديبان الروسيّان ( ستربتوفسكي ) و( تورغنيف ) ، وسواهم وسواهم اذ ملأوا كتبهم بما يطلق عليه الناس اسم ( شتائم ) سكبت في قالب أدبيّ عنيف جدّا ، فعلوا هذا ، واطلقوا مقنبلاتهم على رؤوس اليهود واليهوديّة ، محمّلينهم تبعة صلب السيّد ( المسيح ) مع أنهم متأكّدين انه لم يكن ( رئيس حزب سياسي )….
فاذا ترسّمت أنا وبعض الداهشيّين خطوات كبار أدباء الغرب فانّما نكون قد تشبّهنا بالكرام من الأدباء المرموقين . والمثل العربي يقول “: انّ التشبّه بالكرام فلاح …”
رابعا – قلت :” ولكنّ الدكتور داهش في نظر الداهشيّين مؤسّس ديانة جديدة ، وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء “.
الجواب – عندما يعتنق أيّ امرىء مذهبا ما ( بقطع النظر عمّا اذا كان مذهبا اجتماعيّا او سياسيّا او دينيّا ) فانّه يخوض المعارك القلميّة ، حتى والحرب الفعليّة ( كالحرب الصليبيّة مثلا ) دفاعا عن عقيدته التي آمن بها وهو يستعمل جميع أنواع الأسلحة التي يعتقد أنّها ستوصله الى غايته …
ونحن عقيدتنا التي آمنّا بها ، والتي ندافع عنها دفاع المستميت تقول : ” من لطمك على خدّك الأيمن حطّم له خدّه الأيمن ثمّ ردّم له الخدّ الأيسر ترديما تامّا “. وعندما شاهدنا أعداءنا قد اعتدوا علينا بدون سبب ، وشفعوا جريمة انتزاع الجنسيّة بمحاولتهم تأليبهم علينا قطيعا من ذئاب المرتزقة من ( الكويتبيّين ) الذين غمسوا أقلامهم الصفراء في مستنقعات آسنة , وقصدهم من كلّ ذلك تشويه سمعتنا تجاه الرأي العامّ ليصرفوا الأذهان عن جريمتهم النكراء ، ونيّاتهم السوداء …اذ ذاك تأكّد لنا أنّه ” لا يفلّ الحديد الاّ الحديد ” فشمّرنا عن سواعد الجدّ ، ونزلنا الى الميدان الذي أرادوه ، ونقدناهم من بضاعتهم ….ولكن بطريقة مروّعة مزلزلة قصمت من هؤلاء الذئاب المفترسة الظهور ، اذ حطّمنا بعصانا الفولاذيّة ضراوتهم ، وقضينا على شراستهم …ثمّ هل نسيت المثل القائل :
” العبــد يقــرع بالعصــا والحــرّ تكفيــه الاشــارة “!
ولمّا كانت القطعان المأجورة لأسيادها تهاجمنا لمنفعة ذاتيّة – لا لمنفعة عموميّة – رأينا أن نخاطبها باللغة التي تفهمها وتهضمها بسهولة تامّة …
وهكذا كنّا لهم من المنصفين . فمن ارتكب شرّا تقع عليه تبعته . فما كان أغناهم وأغنانا عمّا تمّ ووقع ، ولكن …لهم أعين ولا ينظرون ؛ أو قل ” انّما تعمى البصائر لا الأبصار “. رفع الله عن أعينهم غشاوة الجهل ، وأعادهم الى صوابهم . انّه أرحم الراحمين .
خامسا – قلت :” وكم كنّا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار – ولنا بينهم أكثر من صديق – لو تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم لم تؤسّس على الشتم والاهانة ، وارسال الكتب المغفلة ، وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير “.
الجواب – انني أذّكر السيّد ( سعيد فريحة ) المسيحيّ بأنّ مؤسّس عقيدته المسيحيّة قال :” بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد !”.
ثمّ قال :” ما جئت لألقي سلاما بل سيفا . جئت لأفرّق الابن عن أبيه ، والابنة عن أمّها ، والأخّ عن أخيه …” الى آخر الاية .
وعندما جاءته تلك ( المرأة ) طالبة شفاء ابنتها قال :” ليس حسنا ان يطرح خبز البنين للكلاب “.
واذ ذاك عرفت المرأة أنّه يعنيها بكلامه ، فتواضعت وقالت له : “والكلاب يا سيّدي تأكل الفتات المتساقط تحت المائدة ” ، أي قبلت بسبب ايمانها ان تنعت بالكلب الذي وصفها به السيّد المسيح .
ثمّ …ألم يقل السيّد المسيح لتلاميذه ” اذهبوا وقولوا لذلك الثعلب هيرودس …”
انّني أعتقد تمام الاعتقاد أنّ السيّد المسيح كان ثائراً كبركان فيزوف . نعم , كان ثائراً على جميع الأوضاع والقوانين ، ثائرا حتى على نفسه . وقد قادته هذه الثورة أخيرا الى خشبة الصليب فعلّق عليها دون أن يتراجع عن ثورته حتى آخر لحظة من حياته .
هذا هو السيّد المسيح . هذا هو الناصريّ الذي أعرفه كما هو على حقيقته الواقعيّة ووجهه السافر . امّا قولك :” انّ المسيحيّة أسّست على الحبّ ، والتسامح …والخير …” فزمجرة مدافع المسيحيّين، وتدفّق نيران الأسلحة الجهنميّة التي تطلقها (الدول المسيحية ) بعضها على البعض ، وافناؤهم للملايين لأجل مصالح ماديّة دنيويّة ، وليس لغايات دينية سامية – تبرهن أنك تنظر الى هؤلاء الذين يدّعون انهم ( مسيحيّون ) بمنظار (أبيض ) سوّد الله وجوههم !…
فأيّ ( تسامح ) هذا الذي يرتكبونه ؟ وأيّ ( حبّ اوخير ) يبغونه ؟
أبتشريدهم عرب ( فلسطين ) ، وطردهم من وطن آبائهم وجدودهم ؟ أم باعتدائهم على الدول الضعيفة وأكلها كلقمة سائغة ؟ أم باستئسادهم على حفنة من زنوج ( الماوماو ) في مجاهل القارّة الأفريقيّة ؟
كفانا يا سيّدي كفانا !…انّ (المسيحيّة ) اليوم أصبحت كورقة المئة ليرة اللبنانية ( المزيّفة ) . والعياذ بالله !
سادسا – قلت” انّ الديانة المسيحية ( وهذا الأهمّ ) أسّست على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيّد المسيح “
الجواب – ذاك عهد قد مضى وانقضى ( عهد الظلم والاضطهاد والتعليق على الخشبة ). فعهد محاكم التفتيش المرعب قد عفت آثاره ، وانطفأت أخباره ، بعدما هتكت أسراره التي لم تشرّف مرتكبيها . انها لطخة عار ، وليست اكليلا من الغار …فنحن يا سيّدي نعيش اليوم في عصر المدنيّة والنور ، عصر الحريّة ، عصر الدستور الذي يتساوى أمامه الكبير والصغير ، الأمير والحقير ، وذلك بعد جهاد قرون ، واضطهاد أجيال مخيفة .
واذا كنت تعني أنّه كان من الواجب ان يضطهد ( داهش ) لأنّ صاحب كل رسالة يجب ان يضطهد ويحني هامته أمام مضطهديه ….اذا كان هذا ما تعنيه فانني أقول لك :
( ثق بأنني لو لم أكن متأكّدة – انا واخواني الداهشيين – بانّ مؤسّس عقيدتنا هو الثائر الأوّل على كلّ طاغية ، ومرتكب باغية ، لما تبعناه ، ولا ترسّم أي منّا خطاه . فثوراته الدائمة هي التي جعلتنا نكون أتبع له من ظلّه . وداهش نفسه خلق فينا روح التمرّد الأبديّ ، والكفاح السرمديّ ، والنضال الأزليّ ، ما بقيت روحنا في جسدنا الأرضيّ …
وتمرّد داهش على العتاة ومحاربته ايّاهم بجبروت وعنفوان مزلزلين هما اللذان جعلانا نضحّي في سبيله بأموالنا وأرواحنا .
ويطيب لي بهذه المناسبة ان أسمعك بعضا من كلماته الثوريّة لتدرك أيّة عزيمة فولاذيّة تحتويها روحه القويّة ، قال :
” أنا القويّ الجبّار ، والعنيف البتّار ، فمهما حاولت الأحداث أن تتغلّب عليّ أو تخضعني لجبروتها فانها لن تعود الاّ بصفقة الخاسر المغبون ، ولن تتمكّن من اماتة ما يجيش في نفسي من نزعات تبغي الانطلاق من هذه القيود . كلاّ !…انا لن أتقاعس عن نيل أهدافي ، وبلوغ اتّجاهاتي التي أطمح اليها .
وسأحقّق أمانيّ عاجلا ام آجلا وسأسحق ما يقف في طريقي من عقبات كأداء وسأردّمها ترديما . وسأهزأ بالانسان ، وبالطبيعة ، وبالقدر !…وسأبلغ آمالي ، وأحقّق أحلامي ، وأنف الحياة في الرغام”.
وقال :” نفيت لأني اتّهمت بكوني أثرت في نفوس أتباعي الثورة الجارفة ، ونفثت في أرواحهم حبّ تقويض أرائك الحكّام المستبدّين!”
وقال :” نحن قوم مسالمون ، نحترم صاحب السلطان ما دام يحترم حرّيتنا ، امّا اذا حدّ من حرّيتنا المقدّسة ( هديّة الخالق للخلائق )، اذ ذاك ننقلب الى أسود ثائرة نبطش بهذا الحاكم الجبان ، ونؤدّبه تأديبا مرعبا مرهبا . ونجعله عبرة لكل معتبر “.
وقال :” لو كانت ثورتي الجارفة ضدّ أعدائي غير محقّة لأصغيت لكلّ من يريد مناقشتي او مجادلتي .
ولكنّني صاحب حقّ صريح اعتدى عليه الحاكم الوصوليّ الظالم . لهذا لا أقبل أيّ مناقشة أو جدال . وسأمكث على مهاجمتي العنيفة المستمرّة حتى أنتزع حقّي المغصوب ، وأستعيد حرّيتي السليبة “.
وقال :” الجبان في شريعتي ليس أهلا للحياة مطلقا . فامّا أن نجبن فيستعبدنا القويّ الغاشم ، وامّا أن نظهر شجاعتنا ، ونطلق بطولتنا ، فننتزع بواسطتها حرّيتنا المقدّسة الخالدة “.
وقال :” سأنهض ، وأحطّم قيودي ، وأجتاز جحيم هذه الحياة بقلب جريء وارادة جبّارة ، وأتمكّن من ناصية المجد والانتصار “!!
هذا غيض من فيض ممّا تفجّرت به روح ( داهش ) الثائرة على كلّ ما تقع عليه العين ، او يصل اليه الخيال . هذا هو مؤسّس عقيدتنا الداهشيّة ، وباعث فينا روح الثورة المندلعة بنيرانها الجهنميّة الأوار ، لتزدرد كلّ من يريد الاعتداء على حريّة معتقدنا التي كفلها الدستور سياج الحرّيات وحاميها الأمين . فنحن أحرار بما نعتقده ، ونهاجم كلّ من يقترب من عريننا الذي نحميه بمهجنا وأرواحنا .
كما انّنا لا نهاجم صاحب أيّ عقيدة ولو آمن بالشيطان . فله معتقده ولنا معتقدنا .
وأختم ردّي بقولي : ما كان أغنى بشارة الخوري عمّا أصابه من الداهشيّة طوال تسعة أعوام عارمة بكتبها السوداء ، لو ترك لنا حرّيتنا التي وهبها الله جلّ اسمه لنا ، فأراد هذا الطاغية سلبنا اياها . فكان ما كان ممّا يعرفه جميع سكّان لبنان . وسلام عليك من المخلصة .
ماري حدّاد الداهشيّة
لاحقة :
ذكرت في كلمتك كلمة ” ارسال كتب مغفلة “
وجوابي عليها أنني ما تعوّدت مطلقا ان أرسل كتابا مغفلا لأيّ شخص كائنا من كان .
وكتبي السوداء التي كنت أشحنها بأرعب وأرهب ما يمكن ان يخطّه قلم بشريّ …كانت تحمل توقيعي الواضح الصريح .
خذ مثلا ( كتابي الاسود ) الذي عنونته هكذا ” سأغتال الشيخ بشارة الخوي المجرم “، ( ونشرتي السوداء ) التي عنوانها ” سيقتل الشيخ بشارة الخسيس ، وستنتقل روحه الى ابليس ” وهكذا ( كتابي الأسود ) الذي عنوانه ” يجب محاكمة رئيس الجمهورية بشارة الخائن ” الى آخر ما هنالك …
وقد وزّعت هذه الكتب في أعوام 1945 و1946و1947و1948 أي عندما كانت كلمة ( بشارة الخوري ) دستورا نافذا لا مهرب منه .
يومذاك كان أكبر رأس يطأطىء أمام ( بشارة الخوري ) ويحرق امامه بخور الذلّ والمهانة …
اذن ، غير معقول أن أرسل الى أيّ فرد من الناس ( تحريرا مغفلا ) ولا أدري كيف استنتجت مثل هذا الاستنتاج فبنيت عليه حكمك .
اذن يجوز لي ان أقول :” انّ بعض الظنّ اثم “.
واذ أختم مقالي ، آمل منك أن تنشر موضوعي الذي امتدّت فروعه ، وتشعّبت أصوله . وانّني مستعدّة لاعطائك أيّ ردّ ترغب في توجيهه إليّ من منبر مجلّتك . والسلام .
بيروت 26 آذار 1953 ماري حدّاد
بتاريخ 22 كانون الثاني 1945 صدرت جريدة ” المستقبل ” الطرابلسيّة
لصاحبتها الفيرا لطّوف, وفيها هذه الكلمة :
هو الروحانيّ العجيب الذي أثارت روحانيّته المدهشة سخط رجال الدين وحملات صحفيّة صاخبة قضت بإبعاده عن البلاد, وتتحدّث عنه اليوم على صفحات ” الهدف ” الغرّاء الكاتبة الأديبة السيّدة ماري حدّاد, عقيلة الوجيه البيروتي السيّد جورج إبراهيم حدّاد بكثير من الإعجاب. وهي من أنصاره وأتباعه الذين عرفوا عن معجزاته الروحانيّة الشيء الكثير, ووعدت بنشر معلوماتها عنه في كتاب خاصّ باللغة الإفرنسيّة. وهي مرتاحة لصراحتها في القول والعقيدة. وفي ختام حديثها تنصح بمطالعة كتابها هذا بتفكير عميق, وإخلاص وتدقيق ولا ندري كيف يكون تأثير هذا الكتاب على الرأي العامّ, وبأيّة غضبة سيستقبله رجال الدين؟!
تحت هذا العنوان صدرت جريدة ” الهدف “
في صباح 6 كانون الثاني 1945, العدد 393,
وفيها هذه الكلمة لماري حدّاد :
لمحة تمهيديّة
هي فصول ومذكّرات كتبتها في أوقات الفراغ . وقد دوّنت فيها أهم ما عرفته عن الدكتور داهش منذ عامين .
ففي 12 أيّـآر من عام 1942 أقيمت في مادي المهاجرين ( ساحة النجمة ) حفلة خطابيّة أدبيّة ألقى فيها الأستاذ يوسف الحاج محاضرة جامعة أتى فيها على ذكر الظاهرات الروحيّة التي جرت أمامه على يد الدكتور داهش ؛ وروى للناس شيئاً كثيراً عن تلك الظاهرات , فخرجوا من الحفلة وهم مصدّقين ومشكّكين لأنّهم سمعوا أموراً خارقة يكاد العقل لا يصدّقها ولا يسلّم بها .
وانتشرت أخبار تلك الظاهرات في بيروت وقرى لبنان ومصايفه وسواحله , وفي خارج لبنان أيضاً . وبعد شهرين من تلك المحاضرة التاريخيّة أصبح للدكتور داهش تلامذة عديدون وأنصار ومريدون , بينهم الشاعر والأديب والمحامي والطبيب والبعيد والقريب , وكلّهم من أرقى طبقة في الشعب علماً ووجاهة وثقافة . وكلّما مرّ أسبوع زاد عدد أنصار الدكتور داهش وأتباعه , مّما لفت إليه أنظار رجال الدين والدنيا بسرعة غريبة .
واتّفق أن زارنا أحد الأصدقاء المفكّرين وتحدّث معي ومع زوجي جورج إبراهيم حدّاد عن تجارب الدكتور داهش وأعماله الخارقة . وفي اليوم الثاني – وكنّا في مستشفى الجرّاح الدكتور رزق – زرنا الدكتور داهش , وتعرّفنا به شخصيّاً , وكان لديه بعض الزائرين والمعجبين به , فطلبنا اليه أن يقبلنا بين أنصاره . فوعدنا خيراً وودّعناه .
وبعد أيّـام قليلة , تسنّى لنا أن نحضر جلسات روحيّة كانت سبباً لفتح عقولنا وأفكارنا لإكتشاف أسرار روحانيّة غريبة في بابها . وهذه الأسرار الغريبة العجيبة هي التي يسرّني كثيراً أن أحدّث عنها القرّاء في كتاب خاصّ باللغة الإفرنسيّة . ونصيحتي لقارىء سطوري هذه أن يطالع الكتاب المذكور بتفكير عميق وإخلاص وتدقيق .
ماري حدّاد الداهشيّة
مائة عام خلت، مذ ومض نور اخّاذ خطف الابصار في لبنان لبرهة ثمّ ما لبث أنْ توارى. هذا القبس الذي شعّ من خلف ربوات الأرز حمل خيوط الحقيقة لغير مستحقّيها آنذاك، إنّه ذلك الفيلسوف العظيم والأديب المتجلّي والرسام الشفّاف، جبران خليل جبران.
آمن بأنّ الحقيقة والخلاص ليسا حكراً على دين أو طائفة ما، لا بل راح يكرّز بوحدة الأديان ووحدانية ينبوعها الزلال. لأجل هذا رفضه أبناء بجدته وساطوه بألسنتهم اللاذعة التي لم تكن أبداً لتنطق سوى بكلمات التعصّب الأعمى الساري في عروقهم والممتزج في خلاياهم. فكان إختياره أنْ نفى نفسه وفكره وقلمه الى ما وراء البحار . من هناك أطلق أحكامه الصاعقة التي بترت أفاعي المصالح والغايات المتسربلة بلباس الدين، ومزّق الأقنعة الصفيقة عن وجوه من يحكمون باسم العدل والحرّية المقدّسة وجلّ ما يختلج في ثناياهم حبّ المال والسلطة ضاربين بذاك العدل وتلك الحرّية عرض الحائط، فقال بصوتٍ ردّدت صداه الآفاق تلك الكلمات الخالدات ، ” الويل لأمّة كثرت فيها طوائفها وقلّ فيها الدين … الويل لأمّة تلبس ممّا لا تغزل وتأكل ممّا لا تزرع … الويل لأمّة ممزّقة والكلّ ينادي أنا أمّة …” .
مرّت أعوام وأعوام على ذلك القلم الثائر في منفاه يسطّر حروف الحقّ على صفحات مجّدت إسمه ليصبح الأديب الأشهر والروحانيّ الأعمق والأكثر وعياً وإدراكاً للحقائق الأزليّة في بلاد الإغتراب . عندها فقط تبنّى لبنان هذا الولد البار ونسي أبناؤه لا بل تناسوا ما قذفته ألسنتهم الرعناء في وجهه قبل أعوام. إنْ كان جبران قد غفر لهم ذلك، فلم ولن يفعل التاريخ .
ومرّةً أخرى تجود السماء بأحد أسطع أنوارها على لبنان، ألا وهو داهش الأديب المعْجزْ والروحانيّ العظيم. جاء مبشّراً ونذيرا، يحثُّ العالمين للعودة الى الفضائل والتمسّك بحياض الحقّ ونبذ التعصّب. بشّر بالسماء وحسن المآل إنْ أنكر المرء ذاته ووضع نفسه في خدمة خالقه وسار حسب تعاليم دينه الحنيف، أي دين كان، فكلّ درب شائك يحارب فيه الإنسان شهواته الوضيعة وميوله السفليّة ويمحقها بقوّة إيمانه بحبال العزّة الإلهيّة لا شكّ سيقوده الى الفراديس العلويّة .
ضمّن الدكتور داهش أفكاره السامية تلك في حوالي 150 كتاباً تناولت مختلف ميادين الأدب من شعر منثور، وقصّة مثيرة، ورواية. كلمات لا بل آيات يفيض منها الضياء فتكون منارة هدى للنفوس التائقة للإنعتاق من كبول الجسد والتحرّر من عبوديّة الرغبة والسلطة والمال. تلك الكلمات فعلت فعل السحر في قلوب العطشى للحقائق الروحيّة، لكنّها كانت كالمهنّد الباتر يشهر في وجه وائدي الحقّ ومضطهدي الحرّيات. فما كان من أولئك الأخيرين إلاّ أنْ أنكروا هذه الهبة السماويّة لا بل عذّبوا منْ أُرسل بينهم سراجاً منيراً، ووضعوه غياهب سجونهم، وسلبوه جنسيّته ، ومن ثمّ نفوه خارج البلاد ليأمنوا صوت اللّه فيه الذي زلزل كيانهم، وأقضّ مضاجعهم.
لكنّه عاد، وأبى إلاّ أنْ يبعث بنات أفكاره رسلاً تتغلغل في نفوس مستحقّيها. وبعد إتمام ما كان قد وهب نفسه ووقته وكلّ ما أوتي من طاقة لإرسائه، هاجر الى الولايات المتّحدة وأنشىء متحف داهش في جادة ماديسون في مدينة نيويورك، ذلك المتحف الذي يضمّ الآلاف من اللوحات والمنحوتات الغنيّة بقيمتها الفنّية والمادّية . أضف الى ذلك المعبد الفنّي، أسّس الدكتور داهش مكتبة عملاقة تحوي الآلاف من الكتب المتنوّعة بمضمونها وهي بمثابة مرجع موثوق للحضارة الإنسانيّة.
أفواج إثر أفواج من الأميركيين وغير الأميركيين يتوافدون الى متحف داهش شهريّاً، وحين ولوجهم ترتسم على وجوههم علامات الدهشة والإعجاب بهذا الشخص المعجز الذي قام وحده بما قد تعجز عن إتيانه مؤسّسات كبيرة لا بل قل دول.
هو مفخرة ومحطّ إعتزاز لكلّ من آمن بما بشّر فيه من قيم سامية وتعاليم راقية. ينال التقدير والتكريم على صفحات المجلاّت والجرائد في بلاد الغربة القصيّة، ولكنّي أقولها وفمي ملؤه ماء، ليست هذه هي الحال في بلاد منشئه.
تساؤل يطرح نفسه في الختام، أما آن للبنان أنْ يتعلّم إكرام بنيه في أرضه؟ ألا يرى بأنّ التاريخ يعيد نفسه؟ النور ينبثق دائماً من جنباته لكنه يأبى أنْ يحتضن النور في مشكاته، فترى ذاك الأخير يمتطي الأثير ليضيء عبر البحار والأمصار، تاركاً لبنان ينعي ما أصابه من الخسران ولكن بعد فوات الأوان …
ياسر عطوي
الدكتور داهش في الصَّحافة
شكّل الدكتور داهش والداهشيّة في أربعينات وخمسينات القرن العشرين ظاهرة إعلامية بامتياز، وشهدت الصحافة اللبنانية وقتذاك سباقاً جنونياً لنقل أخباره ومعجزاته، حيث تحوّل إلى مادة يومية مثيرة للجدل والفضول لا يمكن تجاهلها.
"المجلاَّت والجرائد"
- سامح الجباس بين الواقع والخيال
- شخص غامض بقدرات خارقة للطبيعة
- العلايلي و لقمان
- نام داخل صندوق حديدي في قعر نهر
- دار العين تطلق رواية «رابطة كارهى سليم العشي»
- داهش بين القلم والألم
- سليم العشى المعروف بـ داهش يحوّل الورق
- " رابطة كارهي سليم العشي" يشارك بمعرض الكتاب الدولي
- بين الدهشة ونداءات التنوير
- استغرقت 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي»
- سامح الجباس يناقش ويوقع رواية
لو كُشِف الحجاب أمام الانسان و شاهد ما يخبّئه المستقبل بين طيَّاته من آلامٍ و أحزان، لصُعِقَ هولاً و رُعباً
الدكتور داهش








