صوت الحقِّ الإلهيّ

،ا لرجل الإسطورة

الدكتور داهش

أنا أؤمن بأنَّه توجد عدالةٌ سماويَّة ، وأنَّ جميع ما يصيبنا في الحياة الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدار إنْ هو إلا جزاء وِفاق لما اجترحناه في أَدوارنا السابقة من آثامٍ وشرور ، ولهذا يجب علينا أَن نستقبل كل ما يحلّ بنا من آلام الحياة ومآسيها ، غير متبرِّمين ولا متذمِّرين ، بل قانعين بعدالة السماء ونُظُمِها السامية .

حياة الدكتور داهش

 

الطفل المعجزة[1]

في حيّ باب العمود من مدينة القدس،[2] مدينة الأنبياء، ولد الدكتور داهش، في أَول حزيران سنة 1909.

والده موسى إلياس أَليشي (نسبة إلى أَليشع النبيّ) من أُسرة موسرة، ووالدته شموني ابنة حنَّا مراد كانون.

عاشا، قبل زواجهما، في شماليّ ما بين النهرين، الأَب في بلدة إسفِس، والأُم في بلدة آزِخ، والبلدتان متجاورتان في السفح الشرقيّ من “طور عبدين”. وكانا ينتميان بالمولد إلى الطائفة السريانيَّـة الأرثوذكسيَّـة، تلك الطائفة التي تتكلّم الآراميَّة، لغة المسيح، وفقًا لما يذهب إليه كثيرون من المؤرخين. وكان سكَّان تلك المنطقة يعدُّون من رعايا السَّلطنة العثمانيَّــة.

ثم اعتنق موسى البروتستانتيَّـة الإنجيليَّة، وأنشأَ مدرسة، في مسقط رأْسه، انصرف فيها إلى تعليم الناشئة بنفسه.

الطفل المعجزة[1]

في حيّ باب العمود من مدينة القدس،[2] مدينة الأنبياء، ولد الدكتور داهش، في أَول حزيران سنة 1909.

والده موسى إلياس أَليشي (نسبة إلى أَليشع النبيّ) من أُسرة موسرة، ووالدته شموني ابنة حنَّا مراد كانون.

عاشا، قبل زواجهما، في شماليّ ما بين النهرين، الأَب في بلدة إسفِس، والأُم في بلدة آزِخ، والبلدتان متجاورتان في السفح الشرقيّ من “طور عبدين”. وكانا ينتميان بالمولد إلى الطائفة السريانيَّـة الأرثوذكسيَّـة، تلك الطائفة التي تتكلّم الآراميَّة، لغة المسيح، وفقًا لما يذهب إليه كثيرون من المؤرخين. وكان سكَّان تلك المنطقة يعدُّون من رعايا السَّلطنة العثمانيَّــة.

ثم اعتنق موسى البروتستانتيَّـة الإنجيليَّة، وأنشأَ مدرسة، في مسقط رأْسه، انصرف فيها إلى تعليم الناشئة بنفسه.

وكانت شموني إحدى تلميذاته، فاجتذبت نظره باستقامتها وصلابتها وذكائها، فمال قلبه إليها، واقترن بها، بعد أن اعتنقت البروتستانتيَّة بدورها.

ثـمَّ رَحَلا إلى فلسطين عام 1906، في ظروف خطرة ومؤلمة، مدفوعَين بيَدٍ روحيَّة خفيَّة لزيارة الأَماكن التي وُلِدَ فيها يسوع المسيح وصَنَعَ عجائبه واضطُهِدَ وتأَلَّـم، وسكَنا في بيت لحم ثـمَّ في القدس، حيث وُلِدَ لهما صبيّ، بعد ثلاث بنات.

وتشاورا فيما يسمِّيانه. وإذ تَحيَّرا، أُلهِمَ الوالد بأَن يفتحَ الكتابَ المقدَّس، عفويًّا، ويضع إصبعَه، دونما نظر، على احدى الصفحتَين. وإذا بأُنمُلتِه تقع على عبارةٍ وردَت في العهد القديم:

“فولَدَت ابنًا، فدعاه سليمان وأَحبَّه الربّ” (سِفر الملوك الثاني24:12). فسمَّيا طفلَهما سليمان، ثـمَّ خَفَّفا اسمَه، فصار (سليم).

وما إن أَخذَ الصبيُّ يدرُجُ حتّى تركَ والداهُ القُدسَ إلى حيفا. وعامَ 1911، انتقلا مع أَولادِهِما، إلى بيروتَ حيثُ سكنوا في حيّ المصيطبةِ، بملكٍ لجُرجي ناصيفٍ.

وفي فلسطين، حُرِّفَ اسمُ العائلةِ من (أَليشي) إلى (العشّي) مثلما يجري في كثيرٍ من الأَسماءِ. وجرى هذا التحريفُ قبل ولادةِ الصبيِّ.

الشفاء العجائبيّ

كان الطفل ما يزال في المهد عندما أَصابه مرض عضال. فقلق عليه والده الذي كان يعمل في مطبعة الجامعة الأَميركيَّة ببيروت، واتَّصل بطبيبٍ أَميركيٍّ اسمه الدكتور جون سميث كان قد تعرَّف إليه بمناسبة مرض ابنته الثالثة وديعة. فحضر، ووجد الطفل في غَيبوبةٍ، فعالجه بالعقاقير حتَّى يستردَّ وعيَه، لكنَّه فشل. وإذ بدأَ اليأْس يتسرَّب إلى نفس الوالدَين، وهمَّ الطبيبُ بالانصراف، نهض الطفل فجأَةً، وقد شُفيَ بصورةٍ عجائبيَّة، وأخذَ يتحدَّثُ إلى الطبيب الأميركيّ بالإنكليزيَّة بطلاقةٍ عجيبة، ذاكرًا الدواء الذي كان عليه أَن يعالجه به، عِلمًا بأنَّ الطفل ابن الأَعوام الثلاثة لم يكن ليُجيد الكلام حتَّى بالعربيَّة. فكان عجَبُ الطبيب أَعظم من عجب والدَيه، وراح يحدِّثُ معارفه بما رأَى وسمع.

  تكلّمه بالهنديّة

روى السيِّد أنَطوان بارود أَنَّه بينما كان واقفًا مع جماعةٍ في محلَّة المصَيطبة ببيروت يتحادثون، وذلك قُبيل الحرب العالميَّة الأُولى، إذا برجُلٍ غريبٍ يمرّ، فيطرح عليهم أَسئلةً بلغةٍ لَم يفهموها، فيلتفُّ الناس حوله يحاولون التفاهم معه، دونما جدوى.

وإذا بصبيٍّ في حوالى الخامسة من عمره يدخل بينهم، متقدِّمًا إلى الرجُل الغريب الزيّ واللسان، ويروح يحدِّثُه بطلاقةٍ باللغة نفسها التي كان يتكلَّم بها. وتبدو علامات السرور على وجه الغريب، فيشكر الطفلَ، ويمضي في سبيله، بينما تأْخذ الدهشة الناس، فيسأَلون الطفل كيف استطاع أَن يتفاهم معه، وبأَيَّة لغة؟ فيجيبهم: “إنّه هنديٌّ ضلَّ الطريق، فهديتُه إليها.”

ويسأَل الناس المدهوشون الصبيَّ عن اسمه، فيعرفون أَنَّه سليم العشِّي.

 الطفولةُ البائسة

في 25 كانون الأَوَّل سنة 1920، توفّي والد الطفل، بعد أَن أُصيبَ بالسلِّ، وأَعيا داؤُه الأَطبَّاء، فدُفن في مصحِّ هَمْلِن، في الشبانيَّــة (لبنان).

فوُضِعَ سليم وشقيقته أَنتوانيت في مدرسةٍ للأَيتام تابعة للإِرساليَّـة الأَميركـيَّـة بغزير، إحدى قرى لبنان.

لكنّ الصبيَّ ساءت صحَّتُه بعد مضيّ أَشهرٍ قليلة، فترك المدرسة، وكان ذلك آخِرَ عهده بها.

وقد لازمه داء الربو حوالى ثلاث سنوات، حتَّى قارَبَ الموت، لكنَّ العناية الإلهيّة أَنقذَته وعافَته.

الفتى الشغوف بالمعرفة

كان سليم شغوفًا بالمعرفة، لكنّ وضع أسرته الاقتصادي لم يسمح له بمتابعة دروسه في مدرسة كبيرة، ولا بابتياع الكتب. فما أن تحسَّنت صحته مع بداية عام 1923 حتّى أَخذ يستأْجر الكتب من المكتبات، فيطالعها ويطيل السهر عليها. فحصَّل مع الزمن معرفة واسعة شاملة بنفسه دونما استعانة بأَحد. وفي 7/3/1923، حصل سليم على تذكرة هوِّيَّة الجنسيَّـة اللبنانيَّة، بعد أَن حازتها والدته قبل عام ونيِّف.

  عينان تشعَّان نورًا

ذات ليلة من عام 1923، أَطال الفتى العجيب سهرَه، في منزل خالته بالقدس، وهو يطالع أَحد الكتب المقدَّسة. فما كان من خالته الأُمِّيَّة إلَّا أَن أَسرعت وأَطفأَت قنديل الكاز الذي يستضيء به ودَعَته إلى النوم، حرصًا على صحَّتِه وعلى زيتِ الإنارة.

امتثل الفتى لرغبتها. لكن، لَم يمضِ هزيعٌ من الليل، حتَّى استيقظَت الخالة، فرأَت نورًا يُضيء زاوية الغرفة، والفتى جالسٌ يقرأ. فنهضَت مغضبة، وفي نيَّتها إطفاء القنديل وإخفاؤه، وأَيقظَت زوجها ليؤدِّبا معًا الفتى العاصي.

لكنَّهما سرعان ما تسمَّرا في الأرض مشدوهَين، مذعورَين، إذْ كان القنديل غير مضاء، ونورٌ ساطعٌ غريب يشعُّ من عينَي الفتى العجيب.

لم يفهما من الأمر شيئًا، ولم يحصِّلا منه إلَّا الخوف. فاتَّصلا، عند الصباح، ببعض رجال الدين المسيحيِّين، وشرحا لهم ما حدث للفتى. فأَكَّد رجال الدين لهما أَنَّ “مسََّا شيطانيََّـا” قد أَصابه، وأَنَّ الكتاب الذي يطالعه قد يكون تلبَّسه روح شرِّير.  

عادت المرأَة وزوجها إلى المنزل، والفتى غائب، فبادرا إلى الكتاب الذي كان يطالعه، وأَحرقاه في احدى زوايا المنزل.

وما إنْ عاد الفتى حتَّى طالبهما بالكتاب، فأَنكرا أَن يكونا على علمٍ به. فتوجَّه غاضبًا إلى حيث آثار الرماد، وضرب بيَدِه عليها، فإذا الرماد يتجسَّد كتابًا كما كان.

وشاع الخبر في الجوار، زارعًا في نفوس الناس الجاهلين الخوف من الفتى الخارق.

داهش يمشي فوق الماء

بَدءًا من سنة 1926، أَخذَت عجائبُه تتكاثر، ويزداد شهودها. وفي عيد مار إلياس، من هذا العام، صنع خوارقَ كثيرةً أَمام جمعٍ غفير، في بيروت، حتَّى أصبحت أخبار معجزاته موضوعاً يوميًّا في أَحاديث الناس.

ثـمَّ انتقل إلى بيت لحم. وذات يوم، كانت ضفافُ بِرَكِ النبيّ سليمان التي تقوم قرب المدينة التي شهدَت ولادة المسيح تغصُّ بالروَّاد والمتنزّهين، وفيهم كثيرون من السريان، بينهم السيِّد كوريَّة ملكي عبد الله. وكان الفتى المعجز حاضرًا؛ فذكر أَحدُهم مشيَ المسيح على الماء؛ فقال الفتى الخارق:

ماذا تقولون عنّي إذا مشَيتُ فوق ماء البحَيرة، ذهابًا وإيابًا؟

فاستعظموا الأَمر، واستبعدوه.

وعلى التوِّ، بدأَ يسير على صفحة الماء رويدًا رويدًا، كأَنَّما يسير على الأَرض، حتَّى اجتاز البحَيرة كلَّها، ثمَّ عاد أدراجه إلى نقطة انطلاقه.

وفحص الشهود المشدوهون الكثيرون حذاءَه، فوجدوه غير مبلَّل، فازداد عجبهم. وسأَله كوريَّة عبد الله كيف حَدَثَ ذلك؟

فأَجابه: “أَنا أَسير ُفوق المياه كما أَسيرُ على اليابسة.”

وقد روى كوريَّة ملكي عبد الله هذه الحادثة في مقابلة مع مجلَّة “اللواء” الصادرة في بيروت في العدد 97، تاريخ 6 تشرين الثاني 1964، وقد وردَت في المقابلة أسماء شهود للحادثة هم: ديمو هيمو وعزيز عيسى ويوسُف شاشان ويوسُف حنُّو.

داهشُ الناس

عندما بلغ الفتى سليم العشرين من عمره أَخذ يلتفُّ حوله عددٌ من المثقَّفين الفلسطينيِّين ويتتلمذون على يَدَيه، ومنهم الشاعر مُطلق عبد الخالق وتوفيق العسراوي، أَحد وُجهاء فلسطين الذي قضّى حياته بعد ذلك متنسِّكًا في أَحد الكهوف البتراء في الأُردنّ بعدما وزَّع ثروتَه على الفقراء؛ والاثنان توفّيا عام 1937.

وذات يوم من سنة 1929، أُلِهمَ الفتى العجيبُ أَنَّه يجبُ أَن يغيِّرَ اسمَه، ويتَّخذَ اسمًا روحيًا، ولَقَبًا، وبأَنَّه سيُعطى الاسم الجديد واللقب عن طريق القرعة. فأَخبَرَ تلاميذَه بذلك؛ فعمدوا إلى كتابة أَسماء كثيرة على قُصاصات من الورق، ثـمَّ طووها وخلطوها. واختيرَت واحدة منها، فإذا فيها اسم (داهش). ثـمَّ  كُتبَت أَلقابٌ كثيرة، وطُويت أوراقها وخُلطَت، ثـمَّ اختيرَت واحدة منها، ورافَقَه لقب “دكتور” مثلما رافق لقب “الحكيم” سليمان النبيّ.

في قعر السين

بعد أَن اتسعت شهرةُ داهش، وتناهَت أَخبار معجزاته إلى المحافل العلميَّة في فرنسا، أَرسَلت إليه “الجمعيَّة النفسيَّة الدوليَّة” في باريس تستضيفه على نفقتها. فسافر إليها برفقة شقيقته أَنتوانيت، وذلك على يقينه بأَنَّ تلك الجمعيَّة وغيرها ممَّا يماثلها بعيدةٌ عن فهم الحقائق الروحيَّة بُعْدَ السماء عن الأَرض.

وإذْ طُلِبَ إليه أَن يُريَ المجتمعين معجزةً من معجزاته، أَجابهم أَنَّه سيُريهم آية يونان النبيّ. فطَلَبَ أن يوضَع في صندوقٍ حديديّ، ويحُكَمَ إغلاقُه، ويُدفَنَ في قَعْرِ نهر السين، سبعة أَيَّام، تحت الحراسة المشدَّدة.

أَجفلَ المجتمعون، أَوَّلاً، لخطورة العرض لكَّنهم عادوا فقبلوا، عندما كتب لهم إقرارًا بأَنَّه هو المسؤول عن عاقبة طلبه. وبعد أَن فحصَته لجنة طبيَّة، استحضروا صندوقًا حديديًّا، وأَنزلوه فيه، وأَغلقوه عليه إغلاقًا مُحكَمًا، ثـمَّ أَسقطوا الصندوق إلى قَعْرِ نهر السين.

وبعد مضيَّ سبعة أَيَّام من الحراسة المشدَّدة مدى الليل والنهار، وأَمام 150 شاهدًا من المهتمِّين بالأُمور النفسيَّـة، رُفعَ الصندوق، وفُتح. وإذا بالجثمان الساجي يتحرَّك، وبالوجه الواجم يبتسم.

بعد هذه المعجزة المذهلة، مُنِحَ داهش شهادةَ العلوم النفسيَّـة من قِبَل “الجمعيَّة النفسيَّـة الدوليَّة Internationale Psychique Société، بتاريخ 6 أَيَّـار 1930، ثـمَّ شهادة التخرُّج من قبل “معهد ساج” Institute Sage الأَميركيّ في باريس، بتاريخ 22 أَيَّار 1930.

الأديب المعجز

بدأَ الدكتور داهش بتدوين أَفكاره وعواطفه سنة 1927؛ حتَّى إذا بلغ أَواسط العام 1933، كان قد أَنهى تأْليف كتابه الأَوَّل “أَسرار الآلهة” بجزءَين. وقبل تمام العام نفسه، أَنجزَ كتابه الثاني “قيثارة الآلهة” بجزءَين، فالثالث “ضجعة الموت”.

وما بين 1933 و1950، توالت مؤلَّفاته حسب الترتيب التاريخيّ  التالي :”القلب المحطَّم”، “نشيدُ الحبّ”، “الإلهات الستّ”، “كلمات”، “جحيم الذكريات”، “الدهاليز”، “النعيم”، “الجحيم”، “بروق  ورعود”، “عواطف وعواصف”، “مذكّرات يسوع الناصري”، “نشيد الأَنشاد”، ” ناقوس الأَحزان أَو مراثي إرميا”، “عشتروت  وأَدونيس”، “نبال ونصال”، “بريء في الأَغلال أو يوميَّاتُ سجين الغدر والخيانة”، “من وحي السّجن والتجريد والنفي والتشريد”، “أَوهام سرابيَّـة وتخيُّلات ترابيَّة”، “قيثارة الأَحزان أو روحٌ تنوح”، “ابتهالات خشوعيَّــة”، “مذكّرات دينار”.

وبين عام 1950 و1983، أَلَّف الدكتور داهش عشرات الكتب الأُخرى التي تضمُّ، في ما تضمُّ مجموعة “قصص غريبة وأَساطير عجيبة” بأَربعة أَجزاء، وسلسلة “حدائق الآلهة توشّيها الورود الفردوسيَّة” في عشرة أَجزاء، وسلسلة “فراديس الإلهات يُرصِّعها اللينوفار المقدَّس” في عشرة أَجزاء، وسلسلة “الرحلات الداهشيّـة حول الكرة الأَرضيّة” في اثنين وعشرين جزءًا، بحيث ناهزت مؤلَّفاته المئة والخمسين. وقد خاض الدكتور داهش معظم الميادين الأَدبيَّـة، وجلَّى فيها.

الرسالةُ الإلهيَّــة

إنَّ المعجزات التي صنعها الدكتور داهش لم تكن غايةً بحدِّ ذاتها، بل وسيلة، وبكلمة أَصحّ شهادة على صحَّة الرسالة الإلهيَّة التي كان الدكتور داهش يشعر بإرهاصاتها، ويرتقب بشوق عظيم أَن يحقِّقها الله على يديه، منذ حداثته، حتَّى إذا ما بلغ السابعة والعشرين، سنة 1936، سجَّل في كتابه “كلمات” شعوره قائلاً: “أَشعر بأَنّي أَحوي في أَعماقي قُوىً روحيَّة خفيَّة هائلة تودُّ الانطلاق، لتقوم بعملٍ خطير عظيم؛ ولكنّي أَكـبتُها إلى أَجلٍ معلوم. ولن يمضي غير قليل حتَّى تتفجَّر ينابيعُها، وتجتاح في طريقها كلَّ ما يعترضها من حواجز وعقبات، ثـمَّ تبرز للعيان جليَّــةً، واضحة، لا لبس فيها ولا غموض.”

وما أَنْ انقضى العام المذكور حتَّى أَثبت الدكتور في كلمة استقباله للعام التالي هذا القَسَم:

القَسَمُ العظيم

“أُقسِمُ بكَ، يا خالقي، أَنَّه لو وُجد ملايين

من الأَغبياء المارقين، أو الخَوَنة المماذقين،

وملأوا طروس الأَرض،

لا، بل لو نَقَشوا حجارة هذا الكون بأَسره، قائلين بها:

“إنَّ رسالتي هذه غير صادقة”،

لمشَيْتُ رافع الرأْس، موفور الكرامة.

وسأَبقى على تبشيري وإذاعة رسالتي،

حتَّى تعمَّ الأَرض، وتنتشر في السماء أَيضًا.

ولن تثنيني البرايا بأَسرها عن أَدائها، يا الله،

ما دُمتَ أَنت تمدُّني بقوَّتك الإلهيَّة.

وهذه يميني يا خالقي،

أَرفعها لك من أَعماق قلبي

الذي لا يخفق إلَّا بذكر اسمك القدُّوس،

برهبة وخشوع كلّـِـيَّين”.

وكان على الأَرض أَن تنتظر حتَّى 23/3/1942، لتشهد تمام الحديث الجلل، إذْ إنَّ الأرواح العلويَّة تنزَّلَت، في هذا اليوم، على الدكتور داهش، بحضور الـمُؤمن الأَول الأَديب يوسُف الحاجّ، مُعلنةً قيام الرسالة الداهشيَّـة، وبَدْء التاريخ الداهشيِّ في العالم، وذلك في أَوَّل جلسة روحيَّة[3] عقدها مؤسِّس الداهشيَّــة.

اضطهاد مُؤسِّس الداهشيَّــة وأَتباعـه

بعد اعتناق الأَديب يوسُف الحاجّ الداهشيَّة، تتابَع المؤمنون بها من رجال الأَدب والعلم، وأَعيان المجتمَع. وكان بينهم رئيسة نقابة الفنَّانين، الأَديبة ماري حدَّاد، شقيقة زوجة رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة الأَسبق بشارة الخوري، فآمنت هي وزوجها وأَفراد عائلتها، بعد معاينتهم معجزات الدكتور داهش الدامغة.

وبدأَت الداهشيَّـة تغزو المجتمع اللبنانيّ، في مختلف طوائفه، محُدِثَةً ضجَّة مدوِّية في الصحافة اللبنانيَّة والعربيَّة، فخاف ذَوو ماري حدَّاد ولا سيَّما شقيقتها لُور وشقيقها ميشال شيحا والرئيس بشارة الخوري من العقيدة الجديدة التي اعتنقتها عائلة عديله جورج حدَّاد، فحاولوا أَوَّلاً إقناع ماري حدَّاد بالتخلِّي عن عقيدتها الجديدة، لكنَّ مساعيهم تحطَّمَت. والمدَّعي العامَّ المركزيّ الأُستاذ ديمتري الحايك – الذي كلَّفه رئيس الدولة بهذه المهمَّة – فضَّلَ أَن يُقال من منصِبه على أَن يُصدِرَ اتّهاماً بحقِّ الدكتور داهش، وآمن برسالته. حينئذٍ عمدَت السلطات إلى استمالة النُّواب بمختلف الأَساليب، ليُقِرُّوا مشروعَ قانونٍ يمنع “مناجاة الأرواح”، وبالتالي يمنع الدكتور داهش من ممارسة نشاطه، واجتراح معجزاته، ذلك مع العلم بأَنَّ معجزات داهش لا علاقة لها “بمناجاة الأَرواح”. غير أَنَّ السلطة أَصرَّت على تسمية “الجلسات الروحيَّة الداهشيَّـة” بـ”مناجاة الأَرواح” لتتسنَّى لها ذريعةٌ لملاحقته. لكنَّ مشروع الحكومة سقط أَيضًا. عندئذٍ نَشَطَت السلطات إلى تشويه سُمعة داهش، بتلفيقِ الشائعات عليه، ونَشْرِها بين الناس وفي الكنائس والمدارس والصحف. ومُنِعَ الداهشيُّون من الردِّ على تلك الحملات.

أَخيرًا، لجأَت السلطات إلى إلقاء القبض على الدكتور داهش في 28 آب 1944، ودونما محاكمة زجَّت به في السجن؛ ثـمَّ ما لبثَت أَن سجَنَت الداهشيّين البارزين تباعًا، وبينهم الأَدبية ماري حدَّاد نفسها دونما محاكمة أَيضًا.

وفي 9 أَيلول، أَبعدَتْ السلطات مؤسِّس الداهشيَّـة إلى خارج الحدود اللبنانيَّة، بعد أَن جرَّدَته من جنسيَّـــتـِه اللبنانيَّة، ثمَّ أُبعِدَ، باتِّفاقٍ بين بشارة الخوري ومحافظ حلب، إلى الحدود التركـيَّــة.

بعد مُضيِّ شهرٍ واحد على نَفْي مؤسِّس الداهشيَّـة، تمكَّن رجُل الروح من العودة سرًّا إلى لبنان. ومن عرينه، قام بشنِّ حملةٍ إعلاميَّة، فوضع ووَزَّع، على نطاقٍ واسع، 66 كتابًا أَسود و165 منشورًا تناولَت رجالَ الحُكم ممَّن تآمروا عليه.

وقد ساعدت هذه الكتب والبيانات السوداء على إيقاظ الشعب وإثارته ضدَّ حكَّامه فأُسْقِطَ بشارة الخوري من على كرسيِّ الرئاسة سنة 1952، وانتُخِبَ كميل شمعون رئيسًا للجمهوريَّة، فردَّ الجنسيَّـة اللبنانيَّة للدكتور داهش، في أَول عهده، سنة 1953.

أَمَّا عن سني الدكتور داهش الأَخيرة، فقد قضَّاها في السفَرِ حول العالَـم، وفي نشاطٍ دَؤوب وعملٍ مستمرٍّ لا يهدأ من أَجل إِغناء تُراثه الفكرِيّ والفنِّيّ، وإرساء قواعد رسالته الروحيَّة. وقد توفيَّ في نيسان 1984، مخلِّفًا تُراثًا فكريًّـا وفنّــِيًّـا ضخمًا.

[1]  أكثر معلومات هذا الفصل مُستقاة من كتاب “مدخل الى الداهشية” للدكتور غازي براكس، الدار الداهشية، نيويورك، 1992.

[2]  كانت سوريا ولبنان وفلسطين آنذاك تحت الحكم العثماني، ولم تكُن قد استقلَّت بعد كَكيانات ٍسياسيَّة.

[3]  انظر شرحًا عن “الجلسة الروحيَّة” في الفصل الثالث من القسم الثاني، في هذا الكتاب.

إقرأ أكثر

أنا غريب في هذا العالم، و كم احن إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.

الدكتور داهش

في محرابِ الحقيقة
سوف تصبح البشريّة بلا شكّ أكثر ذكاء" وعلما" , ولكنها لن تصير أفضل ولا أكثر سعادة . (غوتّه) من أفضل أعمال البرّ ثلاث خصال : الصدق في الغضب , والجود في العسرة , والعفو عند المقدرة . (عبداللّه بن المقفّع) ألأيمان والعمل أخوان تؤامان , ورفيقان لا يفترقان , لا يقبل أللّه أحدهما الاّ بصاحبه . (ألأمام علي بن أبي طالب) ليست ألأنانيّة أن يعيش ألأنسان كما يهوى , بل أن يطلب من ألأخرين أن يعيشوا كما يريد . (اوسكار وايلد) ويلٌ لأمَّةٍ تلبس ممَّا لا تنسج وتأكل ممَّا لا تزرع وتشرب ممَّا لا تعصر . (جبران خليل جبران) من نصّب نفسه للناس اماما" , فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره , (ألأمام علي بن أبي طالب) أذى النار , والماء , واللصوص , يقتصر فقط على الجسد , أمّا أذى المبادىء الفاسدة فيتعدّى الى الفكر . (كونفوشيوس) وانّما الأمم الأخلاق ما بقيت , فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا . (أحمد شوقي) ألأحمق العالم أحمق من ألأحمق الجاهل . (موليير) خير لك أن تشق طريقك بابتسامتك من أن تشقّها بسيفك . (وليم شكسبير) ان آثارنا تدل علينا , فانظروا بعدنا الى ألآثـار . (ألأعشى)

رسائلٌ الى الذَّ ات

E-mail:info@daheshism.net

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!